☪ Anlam Arayışı

← Gunyetü't-Tâlibîn

AUTO مجلس: في قوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (1/6)

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

[النور: 31]

هذا خطاب للعموم بالتوبة.

وحقيقة التوبة في اللغة: الرجوع، يقال: تاب فلان من كذا: أي رجع عنه، فالتوبة هي الرجوع عما كان مذموما في الشرع إلى ما هو محمود في الشرع.

والعلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات مبعدات من الله -عز وجل- ومن جنته، وتركها مقرب إلى الله -عز وجل- وجنته، فكأنه -عز وجل- يقول: ارجعوا إلي من هوى نفوسكم ووقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم عندي في المعاد، وتبقوا في نعيمي في دار البقاء والقرار، وتفلحوا وتفوزوا وتنجوا وتدخلوا برحمتي الجنة العليا المعدة للأبرار، وخاطبهم أيضا بخطاب الخصوص والاقتضاء فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [التحريم: 8]

ومعنى النصوح الخالص لله تعالى الخالي عن الشوائب، مأخوذ من النصاح وهو الخيط.

وهو توبة مجردة لا تتعلق بشي، ولا يتعلق بها شيء، يكون العبد معها مستقيما على الطاعة غير مائل إلى المعصية، لا يروغ كما يروغ الثعلب، ولا يحدث نفسه بعود إلى معصية، ولا ذنب من الذنوب، وأن يترك الذنب لله خالصا كما ارتكبه للهوى خالصا حتى يختم له بحسن الخاتمة.

فالتوبة من سائر الذنوب واجبة بإجماع الأمة، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التائبين في غير موضع، قال عز من قائل: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] فذكر أنه يحبهم لتوبتهم وتطهرهم من الذنوب المبعدة عنه -عز وجل-، وقال في موضع آخر: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112] فذكر اسما معرفا يعني التائبون ثم وصفه بهذه الأوصاف الحميدة، فعلم أن التائب من هذه صفته، فإذا # اتصف بها استحق البشارة واسم الإيمان بقوله: {وبشر المؤمنين} [التوبة: 112].

من الذنوب كبائر وصغائر:

أما الكبائر: فقد اختلف فيها العلماء، فقيل: هي ثلاث، وقيل أربع، وقيل سبع، وقيل تسع، وقيل إحدى عشرة.

وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- إذا بلغه قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: الكبائر سبع يقول: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبعة.

وكان يقول: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.

وقيل: إنها مبهمة لا يعرف عددها كليلة القدر وساعة يوم الجمعة، ليعظم جد الناس في طلبها، فكذلك الكبائر ليشتد حذر الناس في ترك الذنوب كلها.

وقيل: كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو كبيرة.

وقيل: كل ما أوجب الحد في الدنيا فهو كبيرة.

وقد جمعها بعض العلماء بالله -عز وجل- فقال: هي سبع عشرة:

أربع في القلب وهي: الشرك بالله، والإصرار على معصية الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وأربع في اللسان وهي: شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس وهي التي يحق بها باطل ويبطل بها حق أو يقطع بها مال امرئ مسلم باطلا ولو سواكا من أراك، والسحر.

وثلاث في البطن وهي: شرب الخمر والمسكر من كل شراب، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا وهو يعلم به.

واثنتان في الفرج وهما: الزنا واللواطة.

واثنتان في اليدين هما: القتل، والسرقة.

وواحدة في الرجلين وهي: الفرار من الزحف، الواحد من الاثنين، والعشرة من العشرين، والمائة من المائتين.

وواحدة في جميع الجسد كله وهي: عقوق الوالدين، وهو ألا تبر قسمهما إذا أقسما عليك، وأن تضربهما إذا سباك، وألا تعطيهما إذا سألاك، وألا تطعمهما إذا جاعا واستطعماك.

فأكثر من أن تحصى، ولا سبيل إلى تحقيق معرفتها وبيان حصرها، لكنا نعلم ذلك بشواهد الشرع وأنوار البصائر، فإن مقصود الشرع سباق الخلق إلى الله -عز وجل- وقربه وجواره بترك الذنوب، كما قال تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام: 120].

ومنها النظر إلى مستحسن والقبلة له والمضاجعة معه من غير جماع، والسب لأخيه المسلم والشتم له دون القذف والضرب له، والغيبة والنميمة والكذب، وغير ذلك مما يطول شرحه.

فإذا تاب المؤمن من الكبائر اندرجت الصغائر في ضمنها لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] ولكن لا يطمع نفسه في ذلك، بل يجتهد في التوبة عن جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، كما قال الشاعر:

خل الذنوب كبيرها وصغيرها ... فهو التقي لمن استقام وشمرا

واصنع كماش فوق أرض الشوك يس ... لك ما خلا حتى يحاذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة في نفسها ... إن الجبال من الحصى لم تحقرا

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: «نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بواد هو وأصحابه ليس فيه حطب ولا شيء يرونه، فأمرهم أن يحتطبوا، فقالوا: يا رسول الله ما نرى حطبا، قال: لا تحقروا شيئا تأخذونه، فجعل الرجل يجمع الشيء بعضه إلى بعض حتى جمعوا سوادا عظيما، فقال لأصحابه، ألا ترون، هكذا تكون المحقرات من خير وشر، حتى الذنب الصغير إلى الصغير، والكبير إلى الكبير، والخير إلى الخير، والشر إلى الشر».

وقيل: إن الذنب إذا صغر عند العبد عظم عند الله تعالى، فإذا استعظمه العبد صغر عند الله تعالى، فإنما يستعظم الذنب الصغير العبد المؤمن لعظم إيمانه ونمو معرفته، كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب طائر على أنفه فأطاره».

وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد: ليت كل شيء عملته مثل هذا، وهذا من نقصان إيمانه، وضعف معرفته، وقلة علمه بجلال الله -عز وجل-، ولو كان # عنده علم بذلك لرأي الصغير كبيرا، والحقير عظيما، كما أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها.

ولهذا قال: من جلت رتبته وعظمت منزلته عند الله -عز وجل- فلا صغيرة بل كل مخالفة كبيرة.

وقال بعض الصحابة لأصحابه من التابعين: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات» وإنما قال ذلك لقربه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن الله ومن جلاله، فيعظم من العالم ما لم يعظم من الجاهل، ويتجاوز عن العامي ما لا يتجاوز عن العارف على قدر ما بينهما من التفاوت في العلم والمعرفة والمنزلة.

في حق كل شخص.

لا يتصور أن يستغنى عنها أحد من البشر؛ لأنه لا يخلو أحد عن معصية الجوارح، فإن خلا عنها فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، وإن خلا عن ذلك فلا يخلو من وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، فإن خلا عنها فلا يخلو عن غفلة وتقصير في العلم بالله -عز وجل- بصفاته وأفعاله.

كل ذلك على قدر منازل المؤمنين في أحوالهم ومقاماتهم، فلكل حال طاعات وذنوب وحدود وشروط، فحفظها طاعة، وتركها والغفلة عنها ذنب، فيحتاج إلى توبة، وهو الرجوع عن التعريج الذي وجد إلى سنن الطريق المستقيم الذي شرع له، ومقام أقيم فيه، ومنزلة مهدت له، والكل مفتقر إلى التوبة وإنما يتفاوتون في المقادير، فتوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وتوبة خاص الخواص من ركون القلب إلى ما سوى الله -عز وجل- كما قال ذو النون المصري -رحمه الله-: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخاص من الغفلة.

وكما قال أبو الحسين النوري: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله -عز وجل-، فشتان بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات، وتائب يتوب من طمأنينة القلب إلى غير خالق البريات.

فالأنبياء -عليهم السلام- لم يستغنوا عن التوبة، ألا ترى إلى ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه # قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله -عز وجل- في اليوم والليلة سبعين مرة».

وآدم -عليه السلام- لما أكل من الشجرة -القصة المشهورة- تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته وبقى التاج والأكليل على رأسه، فاستحيا أن يرتفعا عنه، فجاءه جبريل -عليه السلام- فأخذ التاج عن رأسه والإكليل عن جبينه، ونودي هو وحواء: أن اهبطا من جواري، فإنه لا يجاورني من عصاني، فالتفت إلى حواء بالحياء وقال لها: هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب، فأحوجنا إلى التوبة والتضرع والافتقار والاستكانة والذلة من بعد عيش قار، ومن ذلك الملك العظيم والفضل الكبير والعز والدلال وارتفاع المنزلة في أشرف الأمكنة وأطهرها وآمنها وأقربها إلى الله تعالى.

فلو استغنى أحد عن التوبة وآمن من العدو وشؤم النفس ووسواس الشيطان ومكايده، واغتر بشرف المكان وطهارته والقرب إلى الله ودنو منزلته، لكان ذلك حقيقا بآدم -عليه السلام-، فلم يستغن عن التوبة حتى تاب الله عليه لقوله -عز وجل-: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37].

وروي عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أنه قال: لما تاب الله على آدم -عليه السلام- هنته الملائكة فهبط جبريل -عليه السلام- وميكائيل ودردائيل -عليهم السلام- فقالوا: يا آدم قرت عيناك بتوبة الله عليك، فقال آدم -عليه السلام-: يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة سؤال فأين مقامي؟ فأوحى الله إليه: يا آدم ورثت ذريتك التعب والنصب، وورثتهم التوبة، فمن دعاني منهم لبيته كما لبيتك، ومن سألني منهم المغفرة لم أبخل عليه، لأني قريب مجيب يا آدم، وأحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين، ودعاؤهم مستجاب.

وكذلك نوح النبي -عليه السلام- الذي أغرق الله تعالى أهل الشرق والغرب بدعوته والغيرة على عرضه، ولتكذيبهم إياه وشدة غضبه عليهم لذلك، وهو آدم الثاني، لأن الخلق من ذريته على ما قيل إنه لم يتوالد من الذين كانوا معه في السفينة من الناس غير أولاده الثلاثة وهم سام وحام ويافث، فالخلق تشعبت منهم ومع هذه المنزلة قال: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من # الخاسرين} [هود: 47].

وإبراهيم الخليل -عليه السلام- مع جلالة قدره واصطفاء الله له بخلته وجعله أبا الأنبياء والمرسلين، كما روى أنه أخرج من ولده وولده ولده أربعة آلاف نبي عليه وعليهم السلام، قال الله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77].

حتى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من ولده، وموسى وعيسى وداود وسليمان -عليهم السلام- وغيرهم لم يستغن عن التوبة والاستكانة والافتقار إلى الله -عز وجل- فقال: {الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 78 - 82]، وقوله -عز وجل-: {وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: 128].

وموسى -عليه السلام- مع جلالة قدره واصطفاء الله له بالرسالة والكلام واصطناعه لنفسه، وإلقائه المحبة عليه، وتأييده له بالمعجزات الباهرات من اليد والعصا والآيات التسع والأشياء التي كانت له في التيه، من عمود النور بالليل والمن والسلوى وغير ذلك من الآيات التي لم تكن لأحد من الأنبياء قبله {قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} [الأعراف: 151].

وداود النبي -عليه السلام- مع جلالة قدره وإعطاء الله له ذلك الملك العظيم، كان حراسة ثلاثة وثلاثين ألف حارس، وكان إذا قرأ الزبور اصطفت الطير على رأسه، ووقف الماء عن جريانه وحدته، واصطفت الإنس والجن حوله، والسباع والهوام كذلك لا يؤذي بعضها بعضا، وتسبح الجبال بتسبيحه، وألين له الحديد لرزقه إجلالا لقدره وصيانة لأمره، بكى أربعين يوما ساجدا، حتى نبت العشب من دموعه، فرحمه الله تعالى وتاب عليه، حتى قال -عز وجل-: {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 25].

وسليمان بن داود عليهما السلام مع ملكه العظيم وريحه المسخرة له، غدوها شهر ورواحها شهر، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، لما عوقب على خطيئته من أجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما من غير علمه فسلب ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه، وكان يسأل بكفيه فلا يطعم، فإذا قال أطعموني فإني سليمان بن داود شج رأسه وضرب وأهين وكذب، ولقد استطعم يوما من بيت فطرد وبزقت امرأة في وجهه.

وروي أنه ذات يوم أخرجت عجوز جرة فيها بول وصبته على رأسه، فبقى في الذل على ذلك إلى أن أخرج الله له الخاتم من بطن حوت، فلبسه حتى انتهت الأربعون يوما من أيام العقوبة، فجاءت الطير حينئذ فعكفت عليه، وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله، فلما عرفه الذين أهانوه وضربوه اعتذروا إليه مما جرى منهم إليه من الإساءة، فقال: لا ألومكم فيما صنعتم من قبل، ولا أحمدكم الآن فيما تصنعون، فإن هذا أمر من السماء ولابد منه، فتاب الله عليه، ورد إليه ملكه، وأحسن موئله ومرجعه -عليه السلام-.

فإذا كان هؤلاء السادة الكبراء القادة ولاة الخلق والشرع وملوكها وخلفاء الله في خلقه حالهم كذلك، فما حالك واغترارك يا مسكين، وأنت في دار الغرور في إقطاع الشياطين، محيط بك جنود الأعداء من الخلق والهوى والنفس والشهوات والإرادات والوساوس وتزيين الشيطان وتحسينه، واغتررت بالعبادات الطاهرة من: الصوم والصلاة والزكاة والحج، وكف الجوارح عن المعاصي الظاهرة، وباطنك عار عن العبادات الباطنة صفر عنها من: الورع الشافي والتأني والتقوى والزهد والصبر والرضا والقناعة والتوكل والتفويض واليقين وسلامة الصدر وسخاوة النفس ورؤية المنة والنية والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن المعاشرة وحسن المعرفة وحسن الطاعة والصدق والإخلاص وغير ذلك مما يطول شرحه.

بل أنت مشحون ممتلئ بخلال قبيحة وأمهات الذنوب التي منها تتفرع كل محنة وداهية، وكل بلية مهلكة موبقة في الدنيا والآخرة من: خوف الفقر والسخط لقدر الله -عز وجل-، والاعتراض عليه في قضائه في خلقه، والتهمة له في ذلك، والشك في وعده، والغل والحقد والحسد والغش، وطلب العلو والمنزلة، وحب الثناء والمحمدة، وحب الجاه في الدنيا والرضا بها والطمأنينة إليها، والتكبر على عباد الله والتعظيم عليهم، والشمخ بالأنف كما قال تعالى: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} [البقرة: 206]، والغضب والحمية والأنفة، وحب الرياسة والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والشح والرغبة والرهبة والفرح والأشر والبطر والتعظيم للأغنياء والاستهانة بالفقراء، والفخر والخيلاء، والتنافس في الدنيا والمباهاة بها، والرياء والسمعة، والإعراض عن الحق استكبارا، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام من غير نفع، والتيه والصلف، واختبار أحوال الغير، وترك حالتك التي أنت عليها، وجعلت عبادتك # في حفظها، والتملك والاقتدار، والتهاون في أمر الله، والتوقير للمخلوقين، والمداهنة لهم والعجب بالأعمال، وحب المدح بما لم تفعله، والاشتغال بعيوب الخلق والتعامي عن عيوبك، ونسيان نعمة الله وإضافتها إلى نفسك أو إلى الخلق الذين هم مسخرون وآلة لتلك النعمة، والوقوف مع الظاهر، والتقاعد عن النظر في الأصول، وحفظ الحدود، ووضع الشيء في محله، وإيثار الفرح، ونبض الحزن الذي يكون بعدمه خراب القلب، وخروج الخشية منه، وببعده إطفاء نور الحكمة، وبتزايده إيجاب قرب الرب والأنس به والاستماع إليه والفهم منه، والاستغناء به عن جميع البرية، والسعادة الأبدية، والنجاة السرمدية، والنعمة الكلية، ومشحون بالانتصار للنفس إذا نالها الذل الذي دواؤها فيه وسعادتها به، ودخولها في زمرة أحباب الله تعالى وأصفيائه وخلصائه وشهدائه وعلمائه، والعارفين بمجاري أقداره وأبدال أنبيائه -عليهم السلام-، وبضعف الانتصار للحق جلت عظمته وأنصار دينه وأوليائه القائمين بحجته، الداعين الخلق إلى طاعته، المحذرين لنقمته وتارة بتذكرهم لأيامه، المرغبين في رحمته وجنته، واتخاذ إخوان العلانية مع عداوتك إياهم في السر، والإعراض عن موافقة الأخيار الأبرار المنكسري القلوب والأفئدة، الذين هم جلساء الرحمن جلت عظمته، المطمئنون إليه، الملازمون للشدة، المداومون على الخدمة، المتنعمون بالمنة، المتلبسون بالخلعة، الموسومون بخلصاء الرحمن رب العزة، الآمنون في الدنيا من دوران الدول والفتنة، وفي القبور من شر هول المطلع والضغطة، وفي القيامة من طول الحساب والوحشة، الخالدون في دار البقاء في النعمة والسرور والبهجة والفرحة، المخصوصون فيها بكل ظريف ولطيف في ساعة ولحظة وطرفة.

واغتررت أيضا بما خولت من الدنيا، وما أطلقت فيها من القضاء، وأرحت من العناء، فأمنت من سلب العطاء والفضل والنعم الذي كان لغيرك، ثم انتقل منه إليك ممن تقدم ومضى، من فرعون وهامان وقارون وشداد وعاد وقيصر وكسرى، من الملوك الخالية والأمم الفانية الذاهبة، الذين تلاعبت بهم الدنيا وغرتهم الأماني، حتى جاء أمر الله وغرهم بالله الغرور، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وجمعوا وفرقوا وقطع بينهم وبين ما خولوا وأزيلوا عن الفرش التي مهدوها لأنفسهم، وأهبطوا عن المنازل التي شيدوها، وأزيلوا عن العز الذي كانوا به ظفروا، وعن الملك الذي ادعوا وخيلوا، فطولبوا بالودائع التي استودعوها، وبالعواري التي استؤمنوها، فجاءهم من الله ما لم # يكونوا احتسبوا، وأوقفوا على مساوئ ما علموا، ونوقشوا على دقائق ما اقترفوا، وحبسوا في أضيق الحبوس التي في الدنيا لغيرهم حبسوا، وشددوا بأشد الذي شددوا، وعوقبوا بأبلغ ما عاقبوا، وبالنار أحرقوا، وبأيديهم وأرجلهم فيها بالأغلال غلوا، ومن زقوم وضريع طعموا، ومن حميم سقوا، ومن طينة الخبال ثنوا.

أما كانت لك بهؤلاء الماضين عبرة، وبالمأسورين عن أهاليهم عظة عن ادعاء ملك ما خلقوا، وسكنى ما بنوا وعنه أجلوا، إذ كانوا في بنائهم ذلك جاروا أو ظلموا، فكم من عرض وظهر وخد ورأس حينئذ نالوا وضربوا، وكم من عين مسكين بائس فقير ذليل أبكوا وأدمعوا، وكم من غني ذي حسب أذلوا وأفقروا، وكم من بدعة وسنة سيئة ورسم شرعوا ورسموا، وكم من قلب حكيم لبيب عليهم كسروا وأغضبوا، وكم من دعاء ونحيب وصوت حزين في جنح الليل من أرباب القلوب لظلمهم إلى الرحمن رفعوا، شكاية منهم إليه في كشف ما بهم، إذ هم على الخبير سقطوا، فانتدبت لذلك الملائكة الكرام وإليه بادروا، وإلى الملك العظيم المنصف غير الجائر وصلوا وانتهوا، فنظر العزيز الحكيم العليم بما في صدورهم، والخبير بما يخفون وما يعلنون فيما شكوا ومنه ضجوا فأجابهم العزيز الجليل «لأنصرنكم ولو بعد حين».

فجعلهم حصيدا {فهل ترى لهم من باقية} [الحاقة: 8] فقوم بالغرق، وقوم بالخسف، وقوم بالحصب، وقوم بالقتل، وقوم بالمسخ في الصور، وقوم بالمسخ بالمعاني بأن جعل قلوبهم قاسية كالحجارة الصماء، فطبع عليها بطابع الكفر، وختمها بخاتم الشرك والرين والغطاء والظلمة، فلم يلج فيها الإسلام ولا الإيمان، ثم أخذهم أخذة رابية، وبطش بهم بطشة الجبار، فأدخلهم دار البوار {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] فهم أبدا في نكال وجحيم وطعام ذي غصة وعذاب أليم {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} [هود: 107] لا يموتون فيها ومنها لا يخرجون، لا غاية لويلهم ولا منتهى لثبورهم، ولهم فيها معيشة ضنك، لا يتخلص إليهم روح ولا يخرج منهم نفس ولا روح، انقطعت آمالهم وأصواتهم، وتشتت قلوبهم في حلوقهم، وخرست ألسنتهم، وقيل لهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108].

فاحذر يا مسكين أن تفعل بأفعالهم، أو تستن بسنتهم، فتقفو آثارهم، فتموت من غير توبة، وتؤخذ على غفلة وغرة، من غير أن تمهد لنفسك عذرا، وتعد لك جوابا ومخلصا، وتقدم بها زادا ومجازا، فيحل بك من العذاب والنكال ما حل بهم.

.

أما شروطها: ثلاثة:

أولها: الندم على ما عمل من المخالفات، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الندم توبة».

وعلامة صحة الندم: رقة القلب، وغزارة الدمع، ولهذا روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «جالسوا التوابين، فإنهم أرق أفئدة».

والثاني: ترك الزلات في جميع الحالات والساعات.

والثالث: العزم على ألا يعود إلى مثل ما اقترف من المعاصي والخطيئات، وهو معنى قول أبي بكر الواسطي حين سئل عن التوبة النصوح فقال: ألا يبقى على صاحبها أثر من المعصية سرا ولا جهرا.

← Önceki 44 / 105 Sonraki →

Anlam Arayışı