☪ Anlam Arayışı

← İhyâu Ulûmi'd-Dîn

الشطر الثاني من الكتاب في الزهد (3/4)

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

وكان جمهور العلماء من التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين درهما وكان الخواص لا يلبس أكثر من قطعتين قميص ومتزر تحته وربما يعطف ذيل قميصه على رأسه وقال بعض السلف أول النسك الزي وفي الخبر البذاذة من الإيمان وفي الخبر من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء لوجهه كان حقا على الله أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه قل لأوليائي لا يلبسوا ملابس أعدائي ولا يدخلوا مداخل أعدائى فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي

ونظر رافع بن خديج إلى بشر بن مروان على منبر الكوفة وهو يعظ فقال انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق وكان عليه ثياب رقاق وجاء عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أبي ذر في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبي ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب ابن عامر فشكاه إلى عمر فقال أنت صنعت بنفسك تتكلم في الزهد بين يديه بهذه البزة وقال علي كرم الله وجهه إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره ولما عوتب في خشونة لباسه قال هو أقرب إلى التواضع وأجدر أن يقتدي به المسلم

ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال إن لله تعالى عبادا ليسوا بالمتنعمين (1) ورؤي فضالة بن عبيد وهو والي مصر أشعث حافيا فقيل له أنت الأمير وتفعل هذا فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإرفاء وأمرنا أن نحتفي أحيانا (2)

وقال علي لعمر رضي الله عنهما إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارفع القميص ونكس الإزار واخصف النعل وكل دون الشبع

وقال عمر اخشوشنوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر وقال علي كرم الله وجهه من تزيا بزي قوم فهو منهم

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام (3) وقال صلى الله عليه وسلم أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار ولا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا (4) وقال أبو سليمان الداراني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبس الشعر من أمتي إلا مراء أو أحمق (5) وقال الأوزاعي لباس الصوف في السفر سنة وفي الحضر بدعة ودخل محمد بن واسع

على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف فقال له قتيبة ما دعاك إلى مدرعة الصوف فسكت فقال أكلمك ولا تجيبني فقال أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي أو فقرا فأشكو ربي

وقال أبو سليمان لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أوحى إليه أن وار عورتك من الأرض وكان لا يتخذ من كل شيء إلا واحدا سوى السراويل فإنه كان يتخذ سراويلين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتي عليه حال إلا وعورته مستورة وقيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه مالك لا تلبس الجيد من الثياب فقال وما للعبد والثوب الحسن فإذا عتق فله والله ثياب لا تبلى أبدا ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان له جبة شعر وكساء يلبسهما من الليل إذا قام يصلي

وقال الحسن لفرقد السبخي تحسب أن لك فضلا على الناس بكسائك بلغني أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية نفاقا وقال يحيى بن معين أرأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها فقلت إنك تكسى خيرا من هذا فقال ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة فجعل يحيى ابن معين يحدث بها ويبكي

المهم الثالث المسكن وللزهد فيه أيضا ثلاث درجات أعلاها أن لا يطلب موضعا خاصا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصفة

وأوسطها أن يطلب موضعا خاصا لنفسه مثل كوخ مبني من سعف أو خص ما يشبهه وأدناها أن يطلب حجرة مبنية إما بشراء أو إجارة فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم يكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد فإن طلب التشييد والتجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرع فقد جاوز بالكلية حدد للزهد في المسكن فاختلاف جنس البناء بأن يكون من الجص أو القصب أو بالطين أو بالآجر واختلاف قدره بالسعة والضيق واختلاف طوله بالإضافة إلى الأوقات بأن يكون مملوكا أو مستأجرا أو مستعارا والزهد مدخل في جميع ذلك

وبالجملة كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الضرورة

وقدر الضرورة من الدنيا آلة الدين ووسيلته وما جاوز ذلك فهو مضاد للدين والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى وأقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو الفضول والفضول كله من الدنيا وطالب الفضول والساعي له بعيد من الزهد جدا وقد قيل أول شيء ظهر من طول الأمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم التدريز والتشييد يعنى يالتدريز كف دروز الثياب فإنها كانت تشل شلا والتشييد هو البنيان بالجص والآجر وإنما كانوا يبنون بالسعف والجريد (1) وقد جاء في الخبر يأتي على الناس زمان يوشون ثيابهم كما توشى البرود اليمانية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس أن يهدم علية كان قد علا بها (2)

ومر عليه السلام بجنبذة معلاة فقال لمن هذه قالوا لفلان فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغيير وجهه صلى الله عليه وسلم فأخبر فذهب فهدمها فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموضع فلم يرها فأخبر بأنه هدمها فدعا له بخير (3)

وقال الحسن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الماء والطين (2) وقال عبد الله بن عمر مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا فقال ما هذا قلنا خص لنا قد وهى فقال أرى الأمر أعجل من ذلك (3) واتخذ نوح عليه السلام بيتا من قصب فقيل له لو بنيت فقال هذا كثير لمن يموت وقال الحسن دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقيل له لو أصلحته فقال كم من رجل قد مات وهذا قائم على حاله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة (4) وفي الخبر كل نفقة في الأرض يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين (5) وفي قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا إنه الرياسة والتطاول في البنيان

وقال صلى الله عليه وسلم كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو برد (6) وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي شكا إليه ضيق منزله اتسع في السماء (7) أي في الجنة ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر فكبر وقال ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون يعني قول فرعون فأوقد لي يا هامان على الطين يعني به الآجر ويقال إن فرعون هو أول من بني له بالجص والآجر وأول من عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة وهذا هو الزخرف ورأى بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال أدركت هذا المسجد مبنيا من الجريد والسعف ثم رأيته من رهص ثم رأيته الآن مبنيا باللبن فكان أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهص وكان أصحاب الرهص خير من أصحاب اللبن وكان من السلف من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله وزهده في إحكام البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبه لجيرانه فإذا رجع أعاده وكانت بيوتهم من الحشيش والجلود وهي عادة العرب الآن ببلاد اليمن وكان ارتفاع بناء السقف قامة وبسطة

قال الحسن كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت بيدي إلى السقف

وقال عمرو بن دينار إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك إلى أين يا أفسق الفاسقين وقد نهى سفيان عن النظر إلى بناء مشيد وقال لولا نظر الناس لما شيدوا فالنظر إليه معين عليه

وقال الفضيل إني لم أعجب ممن بنى وترك ولكن أعجب ممن نظر إليه ولم يعتبر

وقال ابن مسعود رضي الله عنه يأتي قوم يرفعون الطين ويضعون الدين ويستعملون البرازين يصلون إلى قبلتكم ويموتون على غير دينكم

المهم الرابع أثاث البيت وللزهد فيه أيضا درجات أعلاها حال عيسى المسيح صلوات الله عليه وسلامه وعلى كل عبد مصطفى إذ كان لا يصحبه إلا مشط وكوز فرأى إنسانا يمشط لحيته بأصابعه فرمى بالمشط ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه فرمى بالكوز وهذا حكم كل أثاث فإنه إنما يراد لمقصود فإذا استغنى عنه فهو وبال في الدنيا والآخرة ومالا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقل الدرجات وهو الخزف في كل ما يكفي فيه الخزف ولا يبالي بأن يكون مكسور الطرف إذا كان المقصود يحصل به وأوسطها أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح في نفسه ولكن يستعمل الآلة الواحدة في مقاصد كالذي معه قصعة يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ المتاع فيها وكان السلف يستحبون استعمال آلة واحدة في أشياء للتخفيف وأعلاها أن يكون له بعدد كل حاجة آلة من الجنس النازل الخسيس فإن زاد في العدد أو في نفاسة الجنس خرج عن جميع أبواب الزهد وركن إلى طلب الفضول ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فقد قالت عائشة رضي الله عنها كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف (1)

وقال الفضيل ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباءة مثنية ووسادة من أدم حشوها ليف (2)

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مرمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه عليه السلام فدمعت عينا عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي أبكاك يا ابن الخطاب قال ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب الله وصفيه ورسوله نائم على سرير مرمول بالشريط فقال صلى الله عليه وسلم أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بلى يا رسول الله قال فذلك كذلك (3) ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعا ولا غير ذلك من الأثاث فقال إن لنا بيتا نوجه إليه صالح متاعنا فقال إنه لا بد لك من متاع ما دمت ههنا فقال إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه ولما قدم عمير بن سعيد أمير حمص على عمر رضي الله عنهما قال له ما معك من الدنيا فقال معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثوبي

ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي وطهوري للصلاة فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي فقال عمر صدقت رحمك الله وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر فدخل على فاطمة رضي الله عنها فرأى على باب منزلها ستر وفي يديها قلبين من فضة فرجع فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أبو رافع فقال من أجل التستر والسوارين فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت قد تصدقت بهما فضعهما حيث ترى فقال اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين بدرهمين ونصف وتصدق بهما عليهم فدخل عليها صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت قد أحسنت (4) ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عائشة سترا فهتكه

{وقال} كلما رأيته ذكرت الدنيا أرسلي به إلى آل فلان (1) وفرشت له عائشة ذات ليلة فراشا جديدا وقد كان صلى الله عليه وسلم ينام على عباءة مثنية فما زال يتقلب ليلته فلما أصبح قال لها أعيدي العباءة الخلقة ونحي هذا الفراش عني قد أسهرني الليلة (2) وكذلك أتته دنانير خمسة أو ستة ليلا فبيتها فسهر ليلته حتى أخرجها من آخر الليل

قالت عائشة رضي الله عنها فنام حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده (3) وقال الحسن أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط كان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه

المهم الخامس المنكح وقد قال قائلون لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته وإليه ذهب سهل ابن عبد الله وقال قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهن ووافقه على هذا القول ابن عيينة وقال كان أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان له أربع نسوة وبضع عشرة سرية

والصحيح ما قاله أبو سليمان الداراني رحمه الله إذ قال كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم والمرأة قد تكون شاغلا عن الله

وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال كما سبق في كتاب النكاح فيكون ترك النكاح من الزهد وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد وإن لم يكن عليه آفة في تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد فإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازا من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا فإن الولد مقصود لبقاء نسله وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من القربات واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذا لم تكن هي المقصد والمطلب وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب وليس ذلك من الزهد في شيء لأن في ترك ذلك فوات بدنه فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته من غير خوف آفة أخرى وهذا ما عناه سهل لا محالة ولأجله نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم

وإذا ثبت هذا فمن حاله حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا يشغله كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن (4) فلا معنى لزهده فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر ولكن أنى يتصور ذلك لغير الأنبياء والأولياء فأكثر الناس يشغلهم

كثرة النسوان فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه في ذلك

قال أبو سليمان الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة

وقال الجنيد رحمه الله أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بثلاث وإلا تغير حاله التكسب وطلب الحديث والتزوج وقال أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ لأنه أجمع لهمه فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل فما شغل عن الله فهو محذور فيهما جميعا

المهم السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه أما الجاه فمعناه ملك القلوب بطلب محل فيها ليتوصل به إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه لأنه إن لم يكن له عنده محل وقدر لم يقم بخدمته وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه وهذا له أول قريب ولكن يتمادى به إلى هاوية لا عمق لها ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضر أو لخلاص من ظلم فأما النفع فيغني عنه المال فإن من يخدم بأجرة يخدم وإن لم يكن عنده المستأجر قدر وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة وأما دفع الضر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل فيه العدل أو يكون بين جيران يظلمونه ولا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في قلوبهم أو محل له عند للسلطان وقدر الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف وسوء الظن بالعواقب والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك بل حق الزاهد أن لا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع به عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين فأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه فإذن طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلاواليسير منه داع إلى الكثير وضراوته أشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله وكثيره

وأما المال فهو ضروري في المعيشة أعني القليل منه فإن كان كسوبا فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب كان بعضهم إذا اكتسب حبتين رفع سفطه وقام هذا شرط الزهد فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا وإن كانت له ضيعة ولم يكن له قوة يقين في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته ولكن يكون من ضعفاء الزهاد فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرني رحمه الله فلا يكون هذا من الزهاد وقولنا إنه خرج من حد الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل وقد قال أبو سليمان لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد بل يدعوهم إليه فإن أجابوا وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه ولا يلزمه كل ذلك في عياله نعم لا ينبغي أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حد الاعتدال وليتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انصرف من بيت فاطمة رضوان الله عليها بسبب ستر وقلبين لأن ذلك من الزينة لا من الحاجة فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور بل الزائد على الحاجة سم قائل والمقتصر على الضرورة دواء

نافع وما بينهما درجات متشابهة فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سما قاتلا فهو مضر وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر والسم محظور شربه والدواء فرض تناوله وما بينهما مشتبه أمره فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرق الناجية لا محالة

والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين والشرط من جملة المشروط

ويدل عليه ما روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما فأوحى الله تعالى إليه لو سألت خليلك لأعطاك فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا فأوحى الله تعالى إليه ليس الحاجة من الدنيا فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال في الآخرة وهو في الدنيا أيضا كذلك يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذل فيه وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلون وربما يكونون أعداء له وقد يستعينون به على المعصية فيكون هو معينا لهم عليها ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز لا يزال ينسج على نفسه حيا ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم على قلبه بسلاسل تقيده بما يشتهيه حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال والجاه والأهل والولد وشماتة الأعداء ومراءاة الأصدقاء وسائر حظوظ الدنيا فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه فقصد الخروج من الدنيا لم يقدر عليه ورأى قلبه مقيدا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ولو ترك محبوبا من محابه باختياره كاد أن يكون قاتلا لنفسه وساعيا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين جميعها دفعة واحدة

فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته وخلفها فهي تجاذبه إلى الدنيا ومخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار ويفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين والذي ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه ويؤلم قلبه بذلك بطرق السراية من حيث أثره فما ظنك بألم يتمكن أولا من صميم القلب مخصوصا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرة فوت النزول في أعلى عليين وجوار رب العالمين فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم إذ النار غير مسلطة إلا على محجوب

قال الله تعلى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه فنسأل الله تعالى أن يقرر في أسماعنا ما نفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قيل له أحبب من أحببت فإنك مفارقه (1) وفي معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر

كدود كدود القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه

ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا بالكلية حتى قال الحسن رأيت سبعين بدريا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم

وفي لفظ آخر كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم بالغصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ولو رأوا خياركم قالوا

ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب وكان أحدهم يعرض لهم المال الحلال فلا يأخذه ويقول أخاف أن يفسد على قلبي فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده والذين أمات حب الدنيا قلوبهم فقد أخبر الله عنهم إذ قال تعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون وقال عز وجل ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا

وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم فأحال ذلك كله على الغفلة وعدم العلم ولذلك قال رجل لعيسى عليه السلام احملني معك في سياحتك فقال أخرج مالك والحقني

فقال لا أستطيع فقال عيسى عليه السلام بعجب يدخل الغني الجنة أو قال بشدة وقال بعضهم ما من يوم ذر شارقه إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب يقول أحدهم بالمشرق يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ويقول الآخر اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ويقول اللذان بالمغرب أحدهما لدوا للموت وابنوا للخراب

ويقول الآخر كلوا وتمتعوا لطول الحساب

اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك

فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد فكم من الرهابين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة بل لا بد من الزهد في المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا فيعطوا كما تعطى المساكين ويحتجون لنفوسهم بأتباع العلم وأنهم على السنة وأن الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها وإنما يأخذون بعلة غيرهم

هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم فهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى

فهذا كله كلام الخواص رحمه الله فإذن معرفة الزهد أمر مشكل بل حال الزهد على الزاهد مشكل

وينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات العلامة الأولى أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك وهو أن يحزن بوجود المال ويفرح بفقده العلامة الثانية أن يستوي عنده ذامه ومادحه فالأول علامة الزهد في المال والثاني علامة الزهد في الجاه العلامة الثالثة أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة الله وهما في القلب كالماء والهواء في القدح فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره ولذلك قيل لبعضهم إلى ماذا أفضى بهم الزهد فقال إلى الأنس بالله فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان

وقد قال أهل المعرفة إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ولهدا ورد في دعاء آدم عليه السلام

اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي

وقال أبو سليمان من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ومن شغل بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين

والزاهد لا بد وأن يكون في أحد هذين المقامين ومقامه الأول أن يشغل نفسه بنفسه وعند ذلك يستوي عنده المدح والذم والوجود والعدم ولا يستدل بإمساكه قليلا من المال على فقد زهده أصلا

قال ابن أبي الحواري قلت لأبي سليمان أكان داود الطائي زاهدا قال نعم قلت قد بلغني أنه ورث عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف كان زاهدا وهو يمسك الدنانير فقال أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة الغاية فإن الزهد ليس له غاية لكثرة صفات النفس

ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة عليه خوفا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه وآخره أن يترك كل ما سوى الله حتى لا يتوسد حجرا كما فعله المسيح عليه السلام فنسأل الله تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبا وإن قل فإن أمثالنا لا يستجرىء على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل الله غير مأذون فيه وإذا لاحظنا عجائب نعم الله تعالى علينا علمنا أن الله تعالى لا يتعاظمه شيء فلا بعد في أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكل كمال

فإذن علامة الزهد استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم وذلك لغلبة الأنس بالله

ويتفرع عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها

← Önceki 357 / 416 Sonraki →

Anlam Arayışı