☪ Anlam Arayışı

← Kûtü'l-Kulûb

تفسير قوله نية المرء خير من عمله

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

فيه عشرة أوجه؛ قيل: إن النية سر وأعمال السر تضاعف، وقيل: لأنها غيب لا يطلع عليها غير الله تعالى، والظواهر مشتركة، وأيضا فإن الله عز وجل يهبها للعبد خالصة لا يشوبها شيء إذا وهبها، ولا يدخل عليها الآفات؛ فهذا عطاء مهيأ وسائر الأعمال مدخر له، وأيضا لأنها من شرط العمل حتى لا يصح عمل إلا بها وهي تصح بمجردها، وكان عبد الرحيم بن يحىى الأسود يقول: معنى قوله نية المرء خير من عمله يعني إخلاصه في العمل خير من العمل، قال: فالإخلاص بغير عمل خير من عمل غير مخلص والنية عنده: هو الإخلاص نفسه، وعند غيره: هو الصدق في الحال باستواء السريرة والعلانية، وقد قال الجنيد رحمه الله تعالى في الفرق بين الإخلاص والصدق معنى لطيفا لم يفسره ويحتاج إلى تفسير، حدثنا بعض الأشياخ عنه قال: شهد جماعة على رجل بشهادة فلم تضره وكانوا مخلصين، ولو كانوا صادقين لعوقب؛ يعني أن صدقهم أن لا يعملوا عمله أومثل عمله الذي شهدوا به عليه؛ فهذا صدق الحال، وهو حقيقة النية وإخلاصها عند المحققين، وقد قيل في معنى قوله: نية المرء خير من عمله لأن نية المؤمن دائمة متصلة، والأعمال منقطعة، وبالنية خلد أهل التوحيد في الجنة، وخلد أهل الشرك في النار لدوام نياتهم على التوحيد ودوام نيات الآخرين على الشرك مدة الدهر؛ فهذه المعاني كلها على هذا الوجه الذي يقول فيه: إن معناه أن النية خير من العمل، وفيه وجه آخر يكون الكلام فيه على التقديم والتأخير أي نية المؤمن هي من عمله خير، كأنه قال: هي بعض أعماله الخير، فهذا كقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) البقرة: 160، معناه نأت منها بخير، وكما قال: (يسألونك كأنك حفي عنها) الأعراف: 781، معناه: يسألونك عنها كأنك حفي بهم، فآخر قوله عنها ومعناه التقديم فيكون هذا على التأويل أن النية من أعمال القلوب، وأنها من أعمال العبد خير كثير، وهذه الأقوال كلها صحيحة وهي موجودة في النية ففضلت النية العمل، لأن هذه المعاني من صفتها، وقال بعض التابعين: قلوب الأبرار تغلي بالبر وقلوب الفجار تغلي بالفجور والله تعالى مطلع على نياتهم فيثيبهم بقدر ذلك فانظر ما همك وما نيتك.

وروينا عن الله سبحانه وتعالى في بعض الكتب أنه قال: ليس كل كلام الحكيم أتقبل، ولكني أنظر إلى همه وهواه، فمن كان همه وهواه لي جعلت صمته ذكرا ونظره

عبرا؛ وهذا داخل في عموم الخبرالذي رويناه عن نبيناصلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وسئل سفيان الثوري: هل يؤاخذ العبد بالنية؟ قال: نعم إذا كانت عزما أخذ بها، وفي الخبر: أن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بذلك وجهي، ثم ينادي الملائكة: اكتبوا له كذا واكتبوا له كذا، فيقولون: ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك، فيقال إنه نواه، وفي حديث أبي كبشة الأنماري: الناس أربعة: رجل آتاه الله عز وجل ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل؛ فهما في الخير سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل؛ فهما في الوزر سواء، ألا ترى كيف شركه بحسن النية في محاسن عمله وشرك الآخر بسوء النية بنيته في مساوئ عمله؟ وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال: إن بالمدينة أقواما، ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا نصبنا نصبا ولا أصابتنا مخمصة، إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة، قالوا: وكيف ذلك يارسول الله وليسوا معنا؟ قال: حبسهم العذر فشركونا بحسن النية.

وقال بعض السلف: صلاح الأعمال وفسادها بصلاح النيات وفسادها، وكان مطرف يقول: صلاح عمل بصلاح قلب، وصلاح قلب بصلاح نية، ومن صفا صفي له، ومن خلط خلط عليه، وكذلك جاء في الخبر وهو أصل من أصول الدين قولهصلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوج بها فهجرته إلى ما هاجر إليه فأخبر أن لا عمل إلا بالنية، ثم جعل لكل عبد نية ثم رد طالبي الدنيا والأزواج إلى نياتهم، وحكم عليهم بها، وجعلها نصيبهم من الله تعالى، وفق ذلك لهم أو لم يوفقه، فبطلت هجرتهم بفساد نياتهم وصارت همتهم بدنياهم وهواهم سبب حرمان ثواب المخلصين لله بحسن نياتهم، وطلب آخرتهم؛ وكان ذلك في الآخرة حسرة عليهم في الدنيا وشيئا لهم.

وفي حديث ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس، وقال أبو داود: هذا الحديث ربع العلم، وذلك أنه قال: جمعت السنن الصحاح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أربعة آلاف حديث، ثم قال: قد أمررتها على أربعة أحاديث؛ كل حديث ربع العلم، قال: وهذا الحديث أولها، وإنما قال ذلك لأنه فرض الفروض لا يتم فرض إلا به، وكذلك جاء في الخبر: أن رجلا قتل في سبيل الله عز وجل فكان يدعى قتيل الحمار، وذلك أنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته، وفي حديث أبي عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من غزا وهو لا

ينوي إلا عقالا فله ما نوى، وقال: إني استعنت رجلا يغزو معي، فقال: لا حتى تجعل لي جعلا: فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ليس له من ديناه وآخرته إلا ما جعلت له.

وروينا في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس، قال: فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له: إن الله تعالى قد قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به، وفي أخبار كثيرة: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وفي حديث عبد الله بن عمر: من تكن الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب مايكون فيها، ومن تكن الآخرة نيته جعل لله غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها، وحديث أم سلمة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جيشا يخسف بهم في البيداء فقلت: يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير، فقال: يحشرون على نياتهم، وفي حديث عمر مثله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما يقتتل المقتتلون على النيات، وفي حديث فضالة: من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها، وكذلك قال في الخبر: إذا التقى الصفات نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا، فلان يقاتل عصبية إلا فلانا يقولون قتل فلان في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى.

وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث كل عبد على ما مات عليه، وفي حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه أراد قتل صاحبه، والنية عند قوم الإخلاص بعينه، وعند آخرين الصدق، وعند الجملة أنها صحة العقد وحسن القصد، وهي عند الجماعة من أعمال القلوب مقدمة في الأعمال وأول كل عمل، وقد قال الله تعالى: (واذكروا الله ذكرا كثيرا) الأحزاب: 41 قيل: في التفسير خالصا فسمي الخالص كثيرا، وهو ما خلصت فيه النية لوجه الله تعالى، ووصف ذكر المنافقين بالقلة فقال: (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) النساء: 142 يعني غير خالص، وسميت سورة: (قل هو الله أحد) سورة الإخلاص لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده، لا يختلط بذكره جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولانهي وكذلك قيل سورة التوحيد إذ لا شريك فيها من سواه فأول سلطان العدو على القلب عند فساد النية فإذا تغيرت من العبد طمع فيه فيتسلط عليه وأول ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف النية، فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى، فإذا قويت النية صح العزم وضعفت صفات النفس، ولأنه ينتقل العبد من معصية إلى معصية دونها فيكون تاركا للأولى بنية الترك لله تعالى كان أنفع له وأحمد عاقبة

وأصلح لقلبه وأقرب إلى توبته من افتعال الطاعات مشوبة بالهوى وفساد النيات، لأنه يكون حينئذ متقلبا في المعاصي بفساد نيته، وخالط عملا سيئا بسيء مثله، ودرأ بالسيئة لسيئة قبلها، وهذا بخلاف وصف الله تعالى من قوله: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) التوبة: 102 وقوله: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) الرعد: 22، ومخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: اتبع السيئة الحسنة تمحها، وفي حديث أبي هريرة: من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق، وفي حديث ابن مسعود ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء فقال: إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، وقال ثابت البناني: نية المؤمن أبلغ من عمله، إن المؤمن ينوي أن يصوم النهار ويقوم الليل ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل القلب بالملك والجوارح جنوده، قال: فإذا صلح القلب صلح الجسد، وإذا فسد فسد الجسد؛ معناه إذا صلحت للعبد نيته دامت للعبد استقامته، وإذا خلص وصفا من شوب الكدر والهوى خلصت الأعمال من الرياء وصفت من الشهوات والأهواء، وإذا فسدت نيته بحب الدنيا فسدت أعمال الجوارح بحب المدح والرياء.

وقد حدثونا في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا: إن ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب لذلك، فأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: أين تريد رحمك الله؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: وما أنت وذاك؟ تركت عبادتك والاشتغال بنفسك وتفرغت لغير ذلك؟ فقال: إن هذا من عبادتي، فقال له: إني لا أتركك تقطعها، قال: فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره، فقال له إبليس: أطلقني حتى أكلمك، فقام عنه فقال له إبليس: يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك، أنبي أنت؟ قال: لا، قال: فلا عليك ممن كان يعبدها، فلو اشتغلت بعبادتك وتركتها فإن لله تعالى في أرضه أنبياء لو شاء بعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال العابد: لا بد لي من قطعها، قال: فنابذه إبليس للقتال فغلبه العابد فأخذه وصرعه وقعد على صدره، فلما رأى إبليس أنه لا طاقة له به ولاسلطان له عليه قال: يا هذا هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع من هذا الأمر الذي جئت تطلبه قال: وما هو؟ قال: قم عني أخبرك به، فأطلقه العابد فقال له إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تفضل على إخوانك، وتواسي جيرانك، وتتسع في حالك وتستغني عن الناس، قال: نعم، قال: فارجع عن هذا الأمر الذي جئت فيه ولك علي أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين، فإذا أصبحت أخذتهما فصنعت بهما ما

شئت، وأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك، فيكون لك أفضل من ذلك وأنفع للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانه، ولا يضرهم قطعها شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك لها، قال: فتفكر العابد فيما قال له وقال: صدق الشيخ، لست بني فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها، وإنما هو شيء تفضلت به، وماذا يضرالموحدين من بقائها وهذا الذي ذكره أكثرمنفعة لعموم الناس، قال: فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات ليلته فأصبح فإذا ديناران عند رأسه فأخذهما، ثم كذلك الغد، ثم أصبح اليوم الثالث فلم ير شيئا، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد فغضب وأخذ فأسه على عاتقه وخرج يؤم الشجرة ليقطعها وقال: إن فاتني أمر الدنيا لا أتركن أمر الآخرة، قال: فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: أين تريد؟ قال: أقطع تلك الشجرة، قال: كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليه ا، قال: فتناوله العابد ليأخذه كما فعل أول مرة فقال: هيهات قال: فأخذه إبليس فصرعه فإذا هو كالعصفور بين يديه، قال: وقعد إبليس على صدره وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، قال: يا هذا قد غلبتني فحل عني وأخبرني عنك كيف قد غلبتك أول مرة فصرعتك والآن غلبتني فصرعتني؟ فكيف ذلك؟ قال له إبليس: لأنك أول مرة غضبت لله تعالى وكانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك فغلبتني، وهذه المرة جئت مغاضبا لنفسك وكانت نيتك الدنيا فسلطني الله تعالى عليك فصرعتك، وهكذا حدثونا في قصة تطول أن ملكة من بني إسرائيل راودت عابدا عن نفسه فقال: اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف، قال، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه فأوحى الله عز وجل إلى ملك الهوى: الزم عبدي قال: فلزمه حتى وضعه بالأرض على قدميه رويدا، فقيل لإبليس: ألا أغويته؟ فقال: ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله تعالى.

وفي حديث معاذ بن جبل أن العبد يوم القيامة ليسأل عن كل شيء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه، وروينا في خبر مقطوع من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة، وليس الطيب من أكبر المأمور به ولا من الإثم المنهى عنه، وإنما لصاحبه منه نيته، فإن كان نيته اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار النعمة لله تعالى، كان بذلك مطيعا وكان له ثواب ما نواه، وإن تطيب لغير ذلك كان به عاصيا لاتباعه هواه.

وعن بعض السلف الصالح قال: كتبت كتابا وأردت أن أتربه في منزل جاري

فتحرجت من ذلك ثم قلت: تراب وما تراب؟ فترتبه فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب ما يلقى غدا من سوء الحساب، وقال بعض العلماء: إن لأستحب أن يكون لي في لك شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي، وحدثت أن رجلا صلى مع سفيان صلاة العيد وكان قد خرج معه بغلس، فلما أصبح نظر وإذ إزار سفيان مقلوب فقال له: يا أبا محمد قد لبست ثوبك مقلوبا فأصلحه قال: فمد سفيان يده ليسوي إزاره ثم قبضها فلم يسوه فقا له الرجل: ما منعك أن تسويه عليك؟ قال: إني لبسته لله عز وجل فلا أريد أن أسويه لغير ذلك ونادى رجل امرأته وكان فوق سطح يسرح شعره فقال: هاتي المدري ليفرق به شعره فقالت امرأته: وأجيء بالمرآة فسكت هنية ثم قال: نعم، فقال له من سمعه لأي شيء سكت عن المرآة؟ فقال له: إني قلت لها: هاتي المدري بينة، فلما قالت والمرآة؟ فلم يكن لي في لمرآة نية، فتوفقت حتى هيأ الله لي نية فقلت نعم جيئي بها.

وحدثونا عن بعض أصحاب بشر أن فتحا الموصلي دخل عليه فقام له بشر، قال: وما رأيته قام لغيره، فقمت فأجلسني، فلما انصرف قلت له: قمت أنت إليه فلما قمت أنا أجلستني، فقال: أنا قمت إليه لأجل الله تعالى وأنت قمت لأجلي فأجلستك، وحدثونا أن بعض الفقراء كان يصحب أبا سعيد الخراز فكان يخف بين يديه في حوائجه، ويخدم الفقراء، ويسارع في قضاء حوائج أبي سعيد وأصحابه، قال: فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركة فوقر ذلك قي قلب الشاب فكأنه أخذ الإخلاص التفقد لحركته وخدمته فترك ما كان يعمله من قضاء حوائج أبي سعيد في الخفة بين يدي إخوانه حتى أضر ذلك بأبي سعيد فقال له: يا بني قد كنت تسعى في حوائج إخوانك ثم قطعت ذلك فما السبب؟ فقال يا أستاذ إنك تكلمت في الإخلاص وأني خشيت أن تكون أفعالي مدخولة فتركتها، قال أبو سعيد: لا تغفل إن الإخلاص لايقطع المعاملة ولا ينبغي للعاقل أن يترك العمل لأجل الإخلاص فيفوته الإخلاص والعمل، ولم أقل لك: اترك ما أنت عليه إنما قلت لك: أخلص فيه فإن طلبك للإخلاص قد قطعك عن عمل البر وقد أضر ذلك بنا فارجع إلى ما كنت فيه وأخلص فيه لله تعالى، فينبغي للعبد أن يكون له نية خالصة في جميع تصرفه في حركته وسكونه وسعيه وتركه، فإن الحركة والسكون اللذين هما أصلا الأعمال من أعماله التي يسأل عنها فيحتاج إلى النية والإخلاص فيهما، فليجعل جميع ذلك لله تعالى وفيه بعقد واحد على مراتب من المقامات عنده، إما حبا له وإجلالا له، وإما خوفا منه أو رجاء له، أو لأجل ما أمره به، فينوي أداء الفرائض، أو لما ندبه فينوي المسارعة إلى الخير، وفيما أبيح له فتكون نيته في ذلك صلاحا لقلبه، وإسكان نفسه، واستقامة حاله، وذلك كله لأجل الدين وعدة الآخرة، وشكرا لربه تعالى، ودخولا فيما أحل له،

واعترافا بما أنعم عليه، واتباعا لسنة نبيه فيه ولا يكون واقفا مع طبع ولا جاريا على العادة، وقال أبو عبدة بن عقبة: من سره أن يكمل عمله فليحسن نيته، فإن الله عز وجل يأجرالعبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة، فأحسن تفسير النية بما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال: تعبد الله كأنك تراه فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين، فهم مخلصو المخلصين، وقال ابن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية، وقال بعضهم: القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال بالصلاة والصيام ونحوه، وقال الأنطاكي: إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح، وروي عن علي عليه السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة، وقال داود الطائي: رأيت الخير كله يجمعه حسن النية فكفاك به خيرا، وإن لم ينصب، وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أجره في الدنيا) العنكبوت: 27، قال: نيته الصادقة اكتسب بها الأجر في الآخرة.

وروي عن عبد الرحمن بن مربح قال: من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا الله عز وجل، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك أعطاه الله عز وجل بالأصل، ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد إلا المراءاة ثم فكر وبدا له فجعل آخر ذلك لله عز وجل أعطاه الله تعالى بالفرع ووضع عنه الأصل، كأنه حسب ذلك توبة؛ والتوبة مكفرة لماسلف والله أعلم، وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها وخفي علومها كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب، من ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له، فلما سلم جاءه فقال له صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟ فقال: كنت أصلي، فقال: ألم تسمع قول الله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) الأنفال: 24؟ فكان إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل له، لأن صلاته نافلة وإجابة الرسولصلى الله عليه وسلم فرض عليه، قال بعضهم: من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به، وقال سفيان: إنماحرموا الوصول بتضييع الأصول: فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه، ثم وقوفه على حده، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له، فيبتدئ العمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه مبلغ علمه ووسع وجده، لا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض، لأن الفضل ربح لا يصح إلا بعد رأس المال، ولكل فضل آفة قاطعة، فمن سلم منها حاز فضله، ولكل أمر نفيس مؤونة ثقيلة، فمن تحملها أدرك نفيسها، ومن تعذرت عليه السلامة فهيهات أن يصير إلى فضل كرامة، ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علو مقامه، وقد يلتبس

التكلف بالإخلاص وإظهار العلم بظهور التزين به، قال الثوري رحمه الله: زين نفسك بالعلم لولا تزين به؛ أي أدبها لله عز وجل فتكون زينا في أوليائه، ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه ويلتبس الاختبار بالاختيار ما كان عن حاجة وتطرقت به إلى الله عز وجل، والاختيار ما زاد في الشهوة وكان سلما إلى الخلق كالتباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها للنعمة والتكثر من الأسباب، ووقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا وأحكام الفرض لجواز السلامة هو الفضل.

وقد روي: إذا دعي أحدكم للطعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كن صائما فليقل إني صائم، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل، ولكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل العمال على الأعمال، إذ الأعمال موقوفة على العامل، فإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء عز وجل على غيره في العمل لواحد، فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له: ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك؛ فهو خير من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك، لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه ذلك إن كان صادقا في دعائك، قال ابن شبرمة: سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه الاسم الأعظم على أن لا يسأله شيئا من أمر الدنيا، فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل أن يقوي أن يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات، فقيل لكرز: أتعبت نفسك في العبادة، فقال: كم مقدار الدنيا قيل سبعة آلاف سنة؟ قال: أما يرضى عبد أن يعمل سبعة آلاف سنة وينجو من يوم مقداره خمسين ألف سنة؟ وقال سري السقطي: ركعتان تخلصهماخير لك من أن تكتب سبعين حديثا أو قال سبعمائة حديث.

← Önceki 198 / 226 Sonraki →

Anlam Arayışı