☪ Anlam Arayışı

← Kûtü'l-Kulûb

وذكر ما يجمع الأكل من السنن والآداب وما يشتمل على الطعام من الكراهة

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

والاستحباب:

قال الله الجليل جل جلاله: (يا أيها الذي آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله) البقرة: 172، فقدم الأمر بالأكل على الأمر بالشكر، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) النساء: 29، فقدم النهي عن الأكل للحرام على القتل للنفس تفضيلا للأكل الحلال وتعظيما للأكل بالباطل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه أو إلى في امرأته وروي عنه صلى الله عليه وسلم ما أطعم المسلم نفسه وأهل بيته فهو صدقة له، وسئل صلى الله عليه وسلم: الإيمان؟ فقال: إطعام الطعام وبذل السلام، وقال عليه السلام في الكفارات والدرجات: إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وسئل عن الحج المبرور فقال: إطعام الطعام ولين الكلام، وكان ابن عمر يقول: من كرم الرجل طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه، وروينا عن علي عليه السلام لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة.

ورينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا وضع الطعام وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء قبل الصلاة، قال: فكان ابن عمر ربما سمع الإقامة وقراءة الإمام فلا يقوم من عشائه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الطعام ما كثرت عليه الأيدي، وقال عليه السلام: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم ويصح البصر يعني به غسل اليد، وقال أحمد بن حنبل: الأكل من الطيب قدمه الله عز وجل على العمل، فقال عز وجل: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) المؤمنون: 51، وكان سهل يقول: من لم يحسن أدب الأكل لم يحسن أدب العمل، قال: والذي يتصنع في الأكل هو الذي يتصنع في العمل، وقل مرة الذي يؤدي في الأكل هو الذي يؤدي في الصلاة، وكان بعض السلف يقول: إني لأحب أن يكون لي نية في كل شيء حتى في الأكل والنوم، وقد كان السلف الصالح يكون لأحدهم في الأكل نية صالحة كما يكون له في الجوع نية صالحة، والذي يأكل بغير نية الآخرة للعادة والشهوة والمتعة قد يجوع لغيره الآخرة للعادة والشهوة أيضا والتزين للخلق، وهذا من دقيق آفات النفوس،

فحسن من يأكل بنية الآخرة ولأجل الله سبحانه وتعالى كحسن من جاع لله تعالى وبنية الآخرة، وإلا كان من أبواب الدنيا، فالطعام والأكل يشتمل على مائة وسبعين خصلة ما بين فرض، وسنة، وأدب، وفضيلة، واستحباب، وكراهة، ومروءة، وفتوة من طريق السلف وصنائع العرب؛ أول ذلك أن يكون المأكول حلالا، وعلامة الحلال ثلاث: تكون عينه معروفة لم يخالطها عين ذمها العلم من ظلم وخيانة، ويكون سببه مباحا لم تحتوه بسبب محظور في الشرع لأجل هوى أو مداهنة في دين ودنيا، ويكون قد وافق فيه حكم السنة لا يكون على وصف مكروه، ثم ينوي بالأكل التقوى على البر والتقوى والاستعانة على خدمة المولى، ويعرف النعمة فيها أنها من المنعم وحده لا شريك له فيها، ويعتقد الشكر له عليها، ويؤثر التقلل على الاتساع، والقناعة على الحرص، والأدب فيه على الشره، ثم غسل اليد في أوله للاستحباب، وفي آخره للنظافة والتسمية في أوله، والحمد في آخره، والأكل باليمين، ويبتدئ بالملح ويختم به وأن لا يذم مأكولا ولا يعيبه إن أعجبه أكل وإلا تركه والقناعة بالمأكول من القسم والرضا بالموجود من الرزق وأن تكثر الأيدي على الطعام.

وفي الخبر: اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه وتصغير اللقمة وتجويد المضغ، وأن لا ينظر في وجوه الآكلين، ولا يفقد مأكلهم، وأن يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى، ولا يأكل متكئا ولا مضطجعا، ولا يكون أول من يبتدئ بالأكل حتى يسبق صاحب المنزل، والأكبر فالأكبر إلا أن يكون إماما يقتدى به، أو يكون القوم منقبضين فيبسطهم بالابتداء، ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمعهما في كفه، وليضع النواة على ظهر كفه من فيه، ثم يلقيها كذلك وما كان في معناه مما له عجم أو ثفل، ويستحب أن يأكل من التمر وترا سبعا أو إحدى عشرة وإحدى وعشرين، وأن يفطر على رطب إن وجده، وإلا فتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، وكان وهب بن منبه يقول: الصائم يزيغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة رجع بصره، ولايقرن بين تمرتين في الجماعة إلا أن يفعلوا ذلك أو يستأذنهم، وأن يأكل بعد الجوع، ويرفع يده قبل الامتلاء بمقدار ثلث بطنه أو نصفه، كذلك سنة السلف وهو أصحح للجسم، وقال حكيم من أهل الطب: إن الدواء الذي لا داء فيه هو أن لاتأكل الطعام حتى تشتهيه وترفع يديك عنه وأنت تشتهيه، وفي الخبر: أصل كل داء البردة، يقال: هي التخمة، ويقال في اختيار الحكماء: إن خادما لأرسطاطاليس استقضى رجلا من أهل السواد حاجة له فلم يفعل، فقال له: لعلك تحتاج إليه، فقال: ما لي إليه من حاجة، فأخبر الخادم الحكيم بذلك، فقال: إن كان يأكل بعد الجوع ويرفع قبل الشبع ويتقلل بين ذلك فقد صدق ما له إلىنا من حاجة، وقد أحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يشد بهن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب

وثلث للنفس والطعام، إنما وضع دواء من داء الجوع، إذا وجدته عالجته به، فإذا لم تجده صار الأكل داء، لأن التأذي بالأكل مثل التأذي بالجوع أو أشد، وليأكل ما يليه إلا الفاكهة له أن يجيل يده فيها ويأكل بثلاثة أصابع، إلا الثريد فليأكل بأصابعه كلها، وأن لا يأكل من ذروة القصعة ولا وسط الطعام، وليأكل من نواحيه، وأن لايصمتوا على الطعام فإنه من سيرة العجم فليتكلموا بالمعروف، ولا يقطع اللحم بالسكين، فقد نهى عن ذلك، ولكن انهشوه نهشا، ولا يقطع الخبر بالسكين ويأكل من استدارة الرغيف، إلا أن يكون في الخبز قلة وفي الآكلين كثرة، فيستعان بتكسير الخبز على التفرقة، ولا يكثر قول: كل على، أخيه فإن ذلك يحشمه وربما قطعه، ولا ينبغي لأخيه أن يحوجه إلى تفقده في الأكل وتكرير قوله له: كل.

وقال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلا من لم يحوج صاحبه إلى تفقده في الأكل، ومن حمل على أخيه مؤونة القول، ولايدع شيئا من المأكول يشتهيه لأجل نظر الغير إليه، فإنه من التصنع، فإن تركه إيثارا لإخوانه أو قدمه إلى أخيه فحسن، ولا ينقص من أكله المعتاد في الوحدة، وإن زاد لأجل مساعدة الجماعة أو بنية فضل الأكل مع الإخوان فلا بأس بذلك، والشرب في تضاعيف الأكل متسحب من جهة الطب مما لم يبتدئ به أو يكثر منه، يقال: إنه دباغ المعدة، والشرب متكئا مكروه للمعدة أيضا من جهة الطب، والأكل متكئا ونائما ليس من السنة إلا ما يتناول أو يتنقل به من الحبوب وما في معناها، وقد رؤي علي رضي الله عنه وهو يأكل على ترس مضطجعا كعكا، ويقال: منبطحا على بطنه، والعرب تفعله، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه، واملكوا العجين فإنه أعظم للبركة، وما رد له من المأكول مع الجماعة فلا يرده في القصعة مع الثقل، فيأكله غيره، إن وقع بيده أكله وإلا تركه مع الثقل، ولا نتمم الخل بالدسم ليطبع بالخل قبل اللحم، ويقال: إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل، وفي الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل من السماء كان عليها من كل البقول إلا الكراث، وكان فيها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح، وكان عليها سبعة أرغفة على كل رغيف زيتونتان وحب رمان، فهذا من أحسن الطعام إذا اتفق، فإن لم يكن فكما قال بعض الأدباء: إذا دعوت إخوانك فقدمت إليه م حصرمية وبورانية وسقيتهم ماء باردا فقد أكملت الضيافة، ودعا

بعض الرؤساء إخوانه فأنفق مائتي درهم، فقال له بعض الحكماء: لم تكن تحتاج إلى هذا كله إذا كان خبزك جيدا وخلك حامضا وماؤك باردا فهو كفاية، وقال بعضهم: الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين، وقال آخر: شرب الماء البارد على الطعام خيرمن زيادة الألوان، وقال أبو سليمان الداراني: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله عز وجل، وقال المأمون رحمه الله: شرب الماء بثلج يخلص الشكر لله عزو جل.

وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم، وأفضل ما قدم إليهم اللحم، وخير اللحم السمين النضيج؛ فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع لهم الطيبات، ينتظم هذه المعاني قوله عز وجل: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) الذاريات: 24، قيل في المكرمين قولان؛ أحدهما: خدمته إياهم بنفسه، والثاني أكرمهم بتعجيل الطعام إليه م، قوله تعالى: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) هود: 69 أي فما احتبس ولا أقام والحنيذ النضيج، وقال تعالى: (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) الذاريات: 26، الروغان: الذهاب بسرعة، وقيل: الذهاب بخفية، وقيل: إنه جاء بفخذ من لحم فسمى عجلا لأنه عجله ولم يلبث به، ثم وصف بأنه سمين نضيج، يقال: حنيذ ومحنوذ أيضا، قال: كان نضيجا، وقال في وصف الطيبات: (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) البقرة: 57 المن: العسل، والسلوى: اللحم، سمي سلوى لأنه يسلى به عن جميع الأدام، إن فيه غنية عن جميعها، وليس في كلها مقامه، ثم قال تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) البقرة: 57، فاللحم والحلاوة من طيبات الرزق، وليأكل الرجل في منزل أخيه سجية أكله في منزله بغير تكلف ولاتزين، لأنه قد يدخل من الرياء والتزين في الطعام مثل ما يدخل في سائر الأعمال من الصلاة والصيام؛ والأكل عمل وكل عمل يحتاج إلى نية وإخلاص، فلتكن نيته في أكله الاستعانة على الطاعة، ولتكن نيته مع إخوانه إكرامهم بذلك وإدخال السرور عليهم والتبرك بالجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الجماعة بركة، وينوي إقامة السنة في إجابة الدعوة ليكون مأجورا في أكله، عاملا في جميع ذلك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا كله داخل في حسن الخلق، وهو في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وقد قال بعضهم: هو الرجل يسأل إخوانه أن يفطر معهم نهارا، أو يسهر معهم ليلا، ويكون من عادته الصيام والقيام، فيساعدهم تخلقا معهم فيدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم.

وقال بعض العلماء من أهل الأدب: ليس من السنة والمروءة أن يزور الرجل إخوانه فيتشاغل عنهم بالصلاة النافلة، أو يستزيره إخوانه فيقدمون إليه الطعام فلا يساعدهم عليه لأجل الصيام ولايقصر عن بغيته من الأكول فيترك الأكل مع حاجته إليه، فإنه غير محمود

ولا مأجور عليه إن لم يكن سبب أوجب عليه ذلك، وقال جعفربن محمد عليه السلام: أحب إخوان إلى أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعاهده في الأكل، وقال أيضا: يتبين محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله، فإن قلل الأكل مع الفقراء إيثارا لهم أو لقلة الطعام فحسن.

وروينا أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه إلى طعام فقصروا في الأكل، فلما رفعوا الطعام قال له الثوري: إنك قصرت في الأكل فقال إبراهيم: لأنك قصرت في الطعام فقصرنا في الأكل، قال: ودعا إبراهيم الثوري وأصحابه إلى طعام فأكثر منه فقال له: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف، وليلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالخرقة، وليأكل ما سقط من فتات الطعام، يقال: إنه مهور الحور العين يقال: من لعق الصحفة وشرب ماءها، كان له عتق رقبة، وإن أكل حلالا فليقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وأطعمنا طيبا، واستعملنا صالحا، وليكثر شكر الله تعالى على ذلك، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سينا محمد، ولا تجعله قوة لنا على معصيتك، وليكثر الحزن والاستغفار، وفي خبر: إذا دعي أحدكم إلى طعام فلم يجب فلا يقل: كل هنيئا، فلعله يكون أخذه من غير حله، ولكن ليقل: أطعمك الله طيبا وليقل إذا أكل لبنا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك لنا فيما رزقتنا، وارزقنا خيرا منه.

كذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لأن اللبن أعم نفعا من غيره، وليقل في أول لقمة: بسم الله، وفي الثانية: بسم الله الرحمن، وفي الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، وليشرب الكوز في ثلاثة أنفاس يقطعه، وليقل في أول جرعة: الحمد لله وفي الثانية: الحمد لله رب العالمين، وفي الثالثة يزيد: الرحمن الرحيم، وإن سمى في أول كل لقمة فحسن، وليقرأ بعد فراغه من الطعام: قل هو الله أحد ولإيلاف قريش وتقديم الفاكهة قبل الطعام أوفق، وفي كتاب الله عز وجل ترتيب ذلك من قوله سبحانه وتعالى: (وفاكهة مما يتخيرون) الواقعة: 2، (ولحم طير مما يشتهون) الواقعة: 21، ولا يرفع يده قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون أو يحتاجون إلى بسط، فإن كان قليل الأكل تربص حتى يضعوا أيديهم فيأكلوا صدرا من الطعام، ثم يقعد بعدهم ليستوي أكله مع أكلهم، فإن كانوا علماء لم يكرهوا ذلك منه، وقد فعله كثير من الصحابة، ولا يتكلف لإخوانه من المأكول ما يثقل عليه ثمنه أو يأخذه بدين أو يكتسبه بمشقة أو من شبهة ولا يدخر عنهم ما بحضرته ولا يستأثر بشيء دونهم ولا يضر بعياله.

وروينا أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه إلى منزله فقال: أجيبك على شرائط

ثلاث؛ لا تدخل من السوق شيئا، ولاتدخر ما في البيت، ولاتجحف بعيالك، وقد كان من سيرة السلف إذا دعا أحدهم أخاه قدم جميع ما بحضرته أو أخرج من كل شيء عنده شيئا، وكان بعض الرؤساء من الأجواد إذا دعا الناس إلى طعامه يدعو الخباز فيقول: أعلم الناس بما عندك من الألوان، قال: ثم يدعهم يأكلون حتى إذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام فأكل، وقال: ساعدوني بارك الله عليكم، فكان السلف يسحسنون ذلك منه وليس من السنة أن يقصد الرجل قوما يتحين حضور طعامهم ليصادفه؛ فإن ذلك من المفاجأة، فقد نهى عنه قال الله سبحانه تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) لأحزاب: 53 يعني منتظرين حينه ونضجه، وفي الخبر: من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما، ولكن إن صادفهم يأكلون فسألوه أن يأكل معهم، وعلم أنهم يحبون أكله معهم فلا بأس، وليس ذلك داخلا في المفاجأة، فإن لم يعلم أنهم يحبون أن يأكل معهم وإنما قالوه تعزيزا وحياء كرهت له الأكل معهم، وإن كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتحين وقت أكله فلا بأس بذلك، قد قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبا أيوب الأنصاريين لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا، ومن السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إذا انصرف إلى باب الدار، وليس من السنة أن يخرج الضيف من النزل عن غير إذن صاحبه ولا أن يقيم للضيافة فوق ثلاثة أيام حتى يخرجه أويتبرم به يتأثر في ذلك.

وقال بعضهم: إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر، وإذا استزرت فلا تبق ولا تذر، وفي الخبر: دخلناعلى جابر بن عبد لله فقدم إلىنا خبزا وخلاة وقال: لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم، وفي حديث يونس عليه السلام أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا من شعير، وخبز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال: كلوا لولا أن الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم، وروينا عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة: كانوا يقدمون إلى إخوانهم ما حضر من الكسر اليابسة والحشف من التمر والدقل ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه.

وقد روينا في معناه خبرا مسندا وقد كان أنس وغيره يقدمون ما عندهم إلى إخوانهم ويقولون إن الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق، وفي الخبر: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون على قراءة القران ولاذكر ولا يفطرون إلا عن ذواق ولا ينبغي للمدعو أن يقترح على الداعي شيئا بعينه فيقول: أريد كذا، فليس ذلك من القناعة، فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أقربهما منه وأيسرهما عليه كذلك السنة، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وحدثونا عن الأعمش عن أبي وائل قال: مضيت مع صاحب لي إلى سلمان نزره فقدم إلىنا خبز شعير وملحا جريشا، فقال صاحبي:

لو كان في هذا الملح سعتر لكان أطيب، فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا، فما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة، فإن كان أخوه ممن يأنس به وعلم أن اقتراحه عليه مما يحبه فلا بأس بذلك، قد فعله الشافعي مع الزعفراني رحمها الله تعالى، كن نازلا عليه ببغداد فكانا يخرجان يوم الجمعة إلى الصلاة، فكان الزعفراني يكتب في رقعة للجارية ما تصلح من الألوان، فدعا الشافعي ذات يوم الجارية فنظر فيها ثم زاد لونا اشتهاه، فلما جاء الزعفراني وقدمت الجارية ذلك اللون أنكره، إذ لم يأمرها به فسألها عنه فأخبرته أن الشافعي زاد ذلك في الرقعة، فقال: أريني الرقعة، فلما نظر إلى خط الشافعي في الرقعة بذلك اللون فرح بذلك وأعجبه، فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى فأعتقها سرورا منه بفعل الشافعي ذلك، وإليه نسب درب الزعفراني بباب الشعير في الجانب الغربي من بغداد، فإن شهاه أخوه وسأله فلا بأس أن يذكر له شهوة ليصنعها فيعينه على فضيلتها.

فقد روينا في فضل ذلك غير حديث، منها الحديث المشهور: من صادف من أخيه شهوة غفر له، ومن سر أخاه الممؤمن فقد سر الله عز وجل، وروينا عن ابن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف درجة، وأطعمه الله تعالى من ثلاث جنات؛ جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة الخلد، والخلال بعد الأكل حسن فلا يبين عنه، ولا بأس بغسل اليد في الطست وليس من الأدب التنخم فيه.

وروينا أن أنس بن مالك اجتمع هو وثابت البناني على طعام فقدم الطست إلى ثابت ليغسل يده فامتنع، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولاترده فإنه إنما يكرم الله عز وجل، وروى أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرجل على يده في الطست، فلما فرغ قال له: يا أبا معاوية تدري من صب على يدك؟ قال: لا، قال أمير المؤمنين قال: يا أمير المؤمنين، إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله عز وجل وأكرمك، كما أجلت العم وأكرمته، وأكره قيام الخادم أحب إلى أن يصب على يده جالسا، واجتماع الاثنين أو الثلاثة في غسل اليد وجمع مائهم المستعمل في مرة واحدة في الطست حسن؛ وهو من التواضع، ومن انفرد بغسل يده وحده فلا بأس أن يتنخم في الطست، ومن بزق فيه بعد أن يرفع ويفرغ من غسل يده فلا بأس.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: لا يرفع الطست من بين يدي القوم إلا مملوءا ولا تشبهوا بالعجم، وقد رويناه عن ابن مسعود أنه قال: اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد ولا تستسنوا بسنة العجم، ولا يزدردن ما أخرج الخلال من أسنانه فإنه داء ومكروه، وما لاكه بأسنانه فلا بأس أن يزدرد وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن بعض أهل البيت عليهم السلام،

وليقل عند فراغه من الطعام: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا سيدنا ومولانا، ياكافي من كل شيء ولا يكفي منه شيء، أطعمت من جوع وأمنت من خوف، لك الحمد، أويت من يتم، وهديت من ضلالة، وأغنيت من عيلة، لك الحمد حمدا كثيرا دائما طيبا نافعا مباركا فيه، كما أنت أهله ومستحقه، اللهم صل على محمد وعلى آله وأطعمنا طيبا واستعملنا صالحا لجعله عونا لنا على طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معاصيك.

وفي الأكل مع الإخوان ثلاث فضائل: روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام: إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحتسب عليكم من أعماركم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع.

وروي عن الحسن البصري رحمه الله: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها إلا نفقة الرجل إذا دعا إخوانه إلى طعام، فإن الله سبحانه وتعالى يستحي أن يسأله عن ذلك، وقد روي عن بعض علماء خراسان أنه كان إذا دعا إخوانه قدم إليه م نحو القفيز من صوف الأطعمة والحبوب والفواكه اليابسة فسئل عن ذلك فقال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك الطعام، فأنا أحب أن أستكثر مما أقدم إلىكم لنأكل فضل ذلك، وفي خبر عن بعض السلف: لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه، فكان بعضهم يكثر من الأكل في الجماعة ويتقلل إذا أكل وحده، وفي الخبر: ثلاث لا يحاسب عليها العبد، أكلة السحور وما أفطر عليه والأكل مع الإخوان، ومن لم يكن له نية في تقديم فضول الأطعم بهذا الخبر، فإني أكره أن يقدم من الطعام إلا ما يريد أن يؤكل، ولا يترك منه شيء ولا يستثنى هو ولا أهل البيت في أنفسهم رجوع شيء منه، وإلا كان ما يقدمه مما ينوي رجوع بعضه، ولا يحب أكل كله تصنعا ومباهاة، فإن علم بذلك من قدم إليه لم استحب له في الورع في أن يأكل منه لأن المأكول إذا قدم ليؤكل بعضه فهو تصنع وتزين، لا يصنع الورعون ذلك ولا يأكل المتقون من هذا، لأنه لا يدري كم مقدار ما يحبون أن يأكلوا منه.

وروينا عن ابن مسعود قال: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه، وقد كره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة والمباداة، وهذا مكروه لم يقدمه بهذه النية إلى إخوانه لأنه

قد عرضهم لتناول ما يكرهون، وقد دلس عليهم ما لا يعلمون، وأيضا فإنه شيء قد قدم لأجل الله تعالى فلا يصلح أن يستثنى ارتجاع شيء منه بمنزلة من يخرج الرغيف أو الشيء إلى السائل فيجده قد انصرف فكره أن يرجع فيه فيأكله، وقال: يعزله حتى يأتي سائل آخر فيدفعه إليه.

وكان بعض أهل الحديث إذا أكل مع إخوانه ترك من الطعام على رغيف يعزله معه وكان سيار بن حاتم إذا حضر على مائدة أكل لقيمات، ثم يقول: اعزلوا نصيبي، وأكل ذات يوم على مائدة في جماعة فلما جاءت الحلوى نزع قلنسوته، ثم قال: اجعلوا نصيبي في هذه، فينبغي أن يعزل أنصبة أهل البيت قبل تقديم الطعام إلى إخوانه كيلا يحدثوا نفوسهم برجوع شيء منه فإنه مكروه لهم، ولعله لا يرجع شيء منه فيكون ذلك إحراجا من الآكلين ومنقصة لهم؛ وهذا عليهم أشد من إكرامهم بالطعام، أن يكون ذلك مضرا بالأهل فيكون مضيعا للأصل، ولا ينبغي له أن يقدم إلا ما يحب أن يأكلوه من كل شيء أيضا ومقدار الحاجة والكفاية من المأكول فيجمع بين السنة والفضيلة.

روي في الخبر: ما رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط؛ هذا لأنهم كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم، ولا يأكلون إلا بعد جوعهم، ولا يتركون الأكل وفي نفوسهم منه شيء وللاقتصار الذي كان فيهم، ففيما ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنة، وفي تقديم المأكول ليرجع أكثره نية حسنة، لما جاء فيه: أن من أكل ما فضل من الإخوان لم يحاسب عليه، ومن كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم من يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل نفسه، وإذا حضر الطعام والصلاة فإن كانت نفوسهم تتوق إليه وفي الوقت سعة قدموا الأكل وإن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم الأكل صلوا أولا واستحب الأكل على الأرض، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض وكان يأكل مقعيا على قدميه ويقول: لا آكل متكئا، إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وربماجثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدمه، ونصب وجله اليمنى وهي جلسة العرب للأكل إلى اليوم، وإن أكلو على السفر فهو سنة فيتزود لسفره، وخير الزاد التقوي، وأكره الأكل على الموائد العالية لأنهم كانوا يكرهون أن يعلون الطعام على الأيدي؛ وهذا محدث وليس من التواضع، قال أنس بن مالك: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوان ولا في سكرجة قط، قيل: فعلى ما كنتم تأكلون؟ قال: على السفر، وقيل: أول ما أحدثت الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذه الأربع: الموائد، والمناخل، والأشنان، والشبع، ومن غسل بأشنان ابتدأ بغسل فيه بعد غسل يده اليمنى، ويجعل الأشنان في بطن كفه اليسرى يابسا، ثم يغسل فاه حتى ينقيه بأصابعه، ثم يبل الأشنان فيغسل يديه ولايعيد يغسل كفيه وهو فعل ذوي المروءة، وينغي إذا حضرت الألوان أن يبتدئ بتقدمة الألطف فالألطف والأطيب فالأطيب والأمثل أن يبتدئ بالشواء قبل اليريد ويقدم الطباهج قبل السكباج؛ فذلك سنة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه وأقل لأكلهم، فإن احتاجوا إلى مابعده من غليط الألوان والطعام تناولوا منه قليلا، فإنما قدم أهل الدنيا اللون الغليظ على اللطيف ليتسع أكفهم وتنفتق شهوتهم، فيكون اللون اللطيف في موضع آخر، وليكونوا قد أكلوا من اللون الأجود الأطيب أقل؛ وهذا غير مستحب عند أبناء الآخرة، وقد كان من سنة المتقدمين أن يقدموا جملة الألوان في مكان واحد مما يشتهي، وليكون ماتقدم معلوما لهم وقال لهم إذ لم يكن عنده إلا لون واحد: ليس يحضر إلا هذا ليستوفوا منه ولايتطلعوا إلى غيره كان صوابا، حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له قال: قدم إلى بعض أهل الشام لونا من طبيخ فقلت له عندنا بالعراق يقدم هذا اللون آخر الآلوان فقال لي: هكذا هو عندنا بالشام، قال: فاستحييت إذ لم يكن عنده غير ذلك اللون، وقال لي آخر: كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدم إلينا ألوان الرؤوس منها طبيخا وقديدا فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعده الألوان وجملا أو جديا، قال: فجاءنا بالطست ولم يقدم غيرها، فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوف وكان مزاحا: وهو تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان، قال: فبتنا تلك الليلة جياعا فطلب بعضنا في آخر الليل خبزا أو فتيتا لسحوره وينبغي أن يمكنهم من بقية الألوان ولا يرفعهاحتى يرفعوا أيديهم، فإنه من الأدب، ولعل فيهم ما يكون عنده ما قدم أشهى إليه مما يقدم بعد، وقد يكون فيهم من به حاجة إلى فضل أكل فينقص عليه برفعه قبل أن يستوفي ما في نفسه.

حدثني بعض أصحابنا عن الستوري وكان صوفيا أنه حضر على مائدة أبناء الدنيا وكان فيه بخل، قال: فقدم جملا فجعلوا يأكلون فلما رآهم يمزقون كل ممزق ضاق صدره فقال: يا غلام ارفع إلى الصبيان قال: فرفع الجمل إلى داخل الدار، فقام الستوري بعد وخلف الجمل فقال صاحب المنزل: إلى أين يا أبا عبد الله فقال: آكل مع الصبيان، فاستحيا الرجل وأمر برد الجمل حتى استوفوا منه، وكان سفيان الثوري يقول: من دعا رجلا إلى طعامه وهويحب أن لا يجيبه فإن لم

يجب كتبت عليه خطيئة، وإن أجاب كتبت عليه خطيئتان؛ فالمعنى في الخطيئة الأولى لأنه أظهر بلسانه خلاف ما في قلبه فتصنع بالكلام وهذا من السمعة وداخل في محبة أن يحمد بما لم يفعل، والمعنى في الخطيئتين أنه أجابه أخوه، فالخطيئة الثانية لأنه حمل أخاه على ما لم يعلم حقيقته منه وعرضه لما يكره فلم ينصحه فيما أظهر له من نفسه، لأن أخاه لو علم غير محب لإجابته لم يأكل من طعامه، ولأنه قد أدخله في السمعة، فلذلك كانت عليه خطيئة ثانية، وقد كان من المتقدمين من إذا دخل عليه وهو يأكل قوته لم يعرض على إخوانه الأكل إذا لم يحب أن يأكل معه خشية التزين بالقول أو لئلا يعرضهم لما يكرهون.

دخل قوم على سمير أبي عاصم، وكان زاهدا، وهو يأكل فقال: لولا أني أخذته بدين لأطعمتكم منه، وكان بعض السلف يقول في تفسير التكلف: أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت أي لا يكون من مأكلك في الجودة ومما له قيمة فتشق على نفسك بذلك.

وكان الفضيل يقول: إنما تقاطع الناس بالتكلف، يدعو أحدهم أخاه فيكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه، وكان بعض السلف يأمر بتقديم ما حضر فإنه أدوم للرجوع، وأذهب لكراهة صاحب المنزل، وقال بعضهم: ما أبالي من أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي، ولو أني تكلفت ماليس حاضرا لمللته وكرهت دوام مجيئه، وقال لي بعض الشيوخ: كنت آنس بعض إخواني فكنت أكثر زيارته، فكان يتكلف الأشياء الطيبة فقلت له يوما: حدثني عن شيء أسألك عنه: إذا كنت وحدك تأكل مثل هذا الذي تقدمه إلي؟ قال: لا، قلت: وكذلك أنا في منزلي إذا كنت وحدي لا آكل مثل هذا فلم إذا اجتمعنا نأكله ونحن لا نأكل مثله على الانفراد هذا من التكلف فأما أن تقطع هذا وتقدم إلى ما تأكله على الانفراد أو أقطع مجيئي إلىك، قال: فقطع ذلك، وكان يقدم ماعنده وما يأكل مثله فدامت معاشرتنا، ومن دعي إلى طعام وعنده إنسان أو جماعة من حيث يعملون فليستثن الواحد أو الجماعة معه، فإنه من السنة والأدب، فإن دعي وحده أو مع نفر بأعيانهم أو أعدادهم فتبعهم واحد لم يكن في العدد فليذكر للداعي قبل دخولهم إليه ليأذن له معهم، كذلك السنة ومن دعي في جماعة وفوض إليه الأمر فيهم فليعرف صاحب المنزل عدتهم قبل مجيئهم ليستعد لهم بعد أن يعرض عددهم، من دعا رجلا في غير دعوة عامة وعنده قوم أو رجل بعينه فليعلمه بمن عنده ليدخل على بصيرة، فلعل أن يكون عنده من يكره هذا المدعو لاجتماع معه، أو لعله أن يجيبه لأنه يحسب أن ليس عنده غيره لأن الأكل معاشرة وليس كل إنسان يحب أن يعاشر كل أحد خاصة الرؤساء، ومن أكل مع رجل من طعامه فوقف عليه سائل فلا يعطين شيئا إلا بأذنه أو يسأل صاحب الطعام حتى يكون هو الذي يعطيه، فإن أعطاه بغير إذن كان الأجر لصاحب

الطعام والوزر عليه، روي ذلك عن أبي الدرداء قال لإنسان كان يأكل معه فأعطى سائلا بغير أمره: لقد كنت غنيا أن يكن الأجر لي والوزر عليك، ومثله لا يدعو إلى طعام غيره أحدا بغير إذن صاحبه ومن دعا خصوص إخوانه فدخل عليه داخل فلا يقعده معهم للأكل وليصرفه أو يفرده عنهم.

حدثني بعض أشياخنا عن بعض الخلف الصالح أنه دعا إخوانه من الصوفية على طعام فدخل رجل من العامة فجلس يأكل معهم فقبض على يده ونحاه وقال: هذا عملناه لهؤلاء خاصة لا يصلح أن يكون معهم غيرهم، ثم أفرده بطعام خصه به وعمله لأجله عوضا مما فعل ومن دخل عليه داخل وهو يأكل فلا يرفع الطعام فليس ذلك من السنة ولا من فعل المروءة ولعل الداخل أحوج إليه منه وقد بعث إليه اختبارا له، وإذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو مرتين فلا تلحن عليه، وكذلك إذا دعوته فكره فقد قالوا لا تكرم أخاك بما يشق عليه ولا تزيدن على ثلاث مرات فإن إلالحاح واللجاج مازاد على ثلاث مرات وليس ذلك من الأدب، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث.

وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يقول: الطعام أهون من أن يحلف عليه، وقال مرة: من أن يدعى إليه ذلك لعظيم حق، وكان الثوري يقول: إذا زارك أخوك فلا تقل له تأكل أو أقدم إليك ولكن قدم ما عندك، فإن أكل وإلا فارفعه، وكان الحسن وابن المبارك إذا أرادا الغداء أو العشاء فتحابا بهما فمن دخل عرضا عليه الأكل، وقد كان هذا من سيرة السلف أنهم يفتحون الباب عند حضور الطعام ومن صادف دخوله أكل معهم، ومنهم من كان يقعد في دهليز داره ويفتح الباب فكل من مر عليه في الطريق دعاه إلى طعامه من غني أو فقير، وقال بعض التابعين: إلا إن خياركم آكلكم في الأفنية وأوسعكم آنية وأحلاكم أطلية إلا إن شراركم آكلكم في الأخبية وأصغركم أطلية، ومن دعا رجلا إلى طعامه وهويعلم أن الأحب إليه أن لا يأكل فمكروه له أن يأكل ولا يعبأ بقوله إذا علم منه خلافه، فإن لم يعلم حقيقة ذلك فله أن يجيبه على ظاهر قوله وليس له أن يسيء الظن به، دعا رجل الأحنف بن قيس في سفر إلى طعامه فقال له الأحنف: لعلك من العارضين، قال: وما العارضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فسكت الرجل فلم يجبه الأحنف إلى الطعام، وكان الثوري يمشي مع رجل فمر بباب منزله فعرض عليه الدخول ليأكل عنده فقال له الثوري: أصدقني عن شيء أسألك: أيما أحب إليك أدخل أو أنصرف؟ فسكت، فانصرف الثوري، ومن علم من أخيه أنه يحب أن يأكل من طعامه فلا بأس أن يأكل بغير إذن لأن علمه بحقيقة حاله ينوب عن إذنه له في الأكل.

وقد كان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون مايجدون بغير إذن، وكان الحسن ربما دخل فيجدهم كذلك فيسر ويقول هكذا كنا، وروي عنه أنه كان يأكل

من متاع بقال يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه فستقة فقال له هاشم الأوقص: يا أبا سعيد تأكل من متاع الرجل بغير إذنه؟ فقال: يالكع أما قرآت آية الأكل؟ ثم تلا عليه: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) النور: 61، إلى قوله تعالى: (أو صدىقكم) النور: 61، ثم قال الحسن الصديق: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب فإذا كان كذلك فلا يأذن له في ماله، وجاء قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة فجعلوا يأكلون ما فيها فدخل الثوري فجعل يقول: ذكرتموني أخلاق السلف، هكذا كانوا، وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال: كلوا، فجاء رب المنزل فلم ير الطعام، فسأل عنه فقيل له: قد جاء فلان فأخذه، فقال: قد أحسن، فلما لقيه قال: يا أخي إن عادوا فعد، وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحما تصدق به على بريرة من غير أن يستأذنها، ولم تكن حاضرة، لعلمه أنها تسر بذلك، وقال: إن الصدقة قد بلغت محلها هو عليها صدقة ولنا هدية، وقال صلى الله عليه وسلم: رسول الرجل إلى الرجل إذنه أي قد علم بإذنه له في الدخول عليه فأغناه عن الاستئذان، ففي تدبر فعله عليه السلام أن من علمت كراهته لأكلك من طعامه أن لا تأكل وإن أذن لك بقوله، فتدبر عمل بعض السلف صنيعا، فدعا رجلا فلم يصادفه الرسول، ثم أعلم وقد انصرف الناس من عنده فقصد منزله، فدق عليه الباب، فخرج إليه الرجل فقال: هل من حاجة؟ قال: إنك دعوتني فلم يتفق ذلك فقد جئت الآن لماعلمت، فقال: قد انصرف الناس، قال: فهل بقي منه بقية؟ قال لا، قال: فكسرة، إن بقيت، قال: فلم يبق شيء، قال: فالقدور أمسحها، قال: قد غسلناه فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في مسألته عن ذلك فقال: وقد أحسن الرجل دعانا بنية فنفس؛ هذا في الضعة والذلة وسقوطها من مراتب الأنفة والعزة تشبه نفس ابن الكديني، وهو أستاذ أبي القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه فرده الأب أربع مرات في دعوة واحدة وهو يرجع في كل مرة وهو يرده؛ فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد، مشاهدة بالبلوى من المولى المبلى للعبيد، مذللة بالذلة، موضوعة على الضعة؛ وهذا طريق مفرد لأفراد وحال مجرد لآحاد، والمتكبرون لا يجيبون الدعوات؛ وهم عند بعضهم من أنفة النفوس، قال قائلهم: أنا لا أجيب دعوة، قيل: ولم؟ قال: انتظار المرقة ذل، وقال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له رقبتي، ومنهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في نفسه ويجيب الأغنياء لعظمهم في عينه، ومن أبناء الدنيا الموصوفين بها من لايجيب إلا نظراءه وأشكاله من مثل طبقته

ومرتبته في الرياضة في الدنيا؛ وهذا على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعاله أنه كان يجيب دعوة المسكين ويجيب دعوة العبد، ومن قوله: بئس الطعام وشر الطعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ثم قال: من لا يجيب الدعوة فقد عصى الله تعالى، ومر الحسين بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نثروا كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وكان على بغلته، فلما مر بهم سلم عليهم فردوا عليه وقالوا: هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين ثم ثنى وركه فنزل عن دابته وقعد معهم على الأرض وأقبل يأكل ثم سلم عليهم وركب، وفي خبر آخر - زيادة - فقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم فوعدهم المجيء في وقت من النهار فجاؤوا فرحب بهم ورفع مجلسهم، ثم قال: يا واذات هاتي ما كنت تدخرين، فأخرجت الجارية فاخر ما عندها من الطعام فأقبل يأكل معهم، وكان ابن المبارك يقدم إلى إخوانه فاخر الرطب ويقول: من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما فكان يعد النوى فيعطي من كان له فضل نوى بعددها دراهم.

وقال بعض أهل الاعتبار: ما أجبت إلا لأتذكر بها نعيم الجنة، طعام ينقل بغير كلفة ولا مؤونة، ولذلك قيل: إن اجتماع الإخوان في وجود الكفاية على الأنس والألفة ليس هو من الدنيا، وقد كان بعض الصوفية يقول: لا تجب دعوة إلا من يرى لك أنك أكلت رزقك وأنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبولها منه؛ فهذه شهادة العارف من الداعين، كذلك شهادة المدعوين من الموحدين؛ أن يشهدوا الداعي الأول، والمجيب الآخر، والمعطي الباطن، والرازق الظاهر، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين: بلغني أن رجلا دعا إماما من الصوفية في أصحابه إلى طعام، فلما أخذ القوم مجلسهم ينتظرون فضل الطعام إليهم، خرج إليهم شيخهم فقال: إن هذا الرجل زعم أنه دعاكم وأنكم تأكلون طعامه ففي حرج، أو قال: حرام على من لم يشهده في فعله أن يأكل، قال: فقاموا كلهم فخرجوا ولم يستحلوا الأكل، إذ كانوا لا يرونه في الفعل إلا غلاما حدثا، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته ولم ينفذ نظره العبارة والمعنى لقائله مثله أو نحوه: وإن دعاك أخوك وأنت صائم فعلمت أنه يسر بأكلك فلا بأس أن تفطر لأجله، فإن لم تعلم ذلك منه وقال لك: أنا أسر بأكلك فصدقه وأحسن به الظن، وإن لم تعلم ذلك منه ولم يلفظ به لساني فإني أكره خروجك من عقد الصوم لغير نية، هي أبلغ منه أو مثله، فصومك حينئذ أفضل، وإن أكلت مع أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة، قد كان بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل مع إخوانه ويحتسب في أكله ما يحتسب في صو مه.

وروينا عن ابن عباس أنه قال: من أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومن لم يرد أن يطعم قوما من طعام فلا يظهرهم عليه ولا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو لم يأكله،

وكان الثوري يقول: إذا أردت أن لاتطعم عيالك من شيء تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك، وينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة نيات سبع؛ إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، إذ الإجابة من الأعمال، فمن نواها دنيا كانت له دنيا لعاجل حظه، ومن أراد بها آخرة فهي له آخرة بحسب نيته، وإن لم تحضر نية أو أعتل بفسادها توقف حتى يهيئ الله عز وجل له نية صالحة تكون الإجابة عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية، لأنها من أفاضل الأعمال، فتحتاج إلى أحسن النيات لوجود العالم فيها فتكثر بها الحسنات، ولفقد الهوى منها فيسلم فيها من السيئات وإلا كانت إجابته هزوا، وكان عاملا في باب من أبواب الدنيا، وساعيا ف حظ نفسه وملء جوفه وقد قال الرسول عليه السلام: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فيصير مأزورا بفساد النية، أو يكون غير مأجور لعدمها.

فأول النيات طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والثانية إقامة سنته لقوله عليه السلام: لو دعيت إلى كراع لأجبت وهو موضع على أميال من المدينة أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره، وقال في الخبر الآخر: لو دعيت إلى ذراع لأجبت؛ فهذا ظاهر في الإجابة عن القليل، والأول محتمل في الإجابة إلى الموضع البعيد، فقد نقل أن في التوراة أو في بعض الكتب سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله عز وجل، فبعد في إجابة الدعوة وفضلها على العبادة وشهود الجنازة لأن فيها قضاء حق الحي، وفيها إجابة داع.

والنية الثالثة إكرام أخيه، وفي الخبر: من أكرم أخاه المؤمن فإنما يكرم الله تعالى، وفي حديث الحسن وعطاء: من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى، فترك الإجابة رد العطاء، وفي تأويل الخبر عن الله تعالى بمعناه أنه يقول للعبد يوم القيامة: جعت فلم تطعمني، فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: جاع أخوك المسلم فلم تطعمه، ولو أطعمته كنت قد أطعمتني، فمن ظاهره تعظيم حرمة المسلم لأنه أقامه مقامه، وفي باطنه في الفهم أنه إذا أجابه فقد عاونه على إطعام نفسه، فكأنه أطعمها، فإذا لم يجب دعوته فقد ترك معاونته على إطعامه فدخل تحت التفريع بأنه لم يطعم نفسه وهو المسلم إذا لم يجب الدعوة فتفكروا.

والنية الرابعة إدخال السرور على أخيك المؤمن، والخبر الآخر: من سر مؤمنا فقد سر الله عز وجل.

والنية الخامسة رفع الغم عن قلبه ووضع الهم عن نفسه في ترك إجابته من ترجيم الظنون به وتوقيع الرجم بالغيب فيه لما لم يجب ولعله يجيب، وإلا كان يجيب فيرفع عنه ذلك ويسقط عنه مؤونته سوء الظن به وتنزيل الشك فيه باليقين به.

والنية السادسة أن ينوي زيارته فيصير ذلك نافلة له تماما على الذي أحسن، فقد جاء في فضل الزيارة في الله تعالى وأن بها يستحق ولاية الله تعالى، وأنها علامة ولاية المتحابين في الله فاشترط لذلك شيئان: التباذل لله والتزاور فيه، فقد حصل البذل من أحدهما بقيت الزيارة من الآخر على الخبر السائر أن الإجابة من التواضع، كما ذكرنا قبل: أن المتكبرين لا يجيبون الداعي فهذه سبعة أعمال نيات لمن وفق لعملها والعمل بها، ومن طرقته فاقة من الفقراء فقصد بعض إخوانه يتصدى للأكل عنده فجائز له ذلك بشرطين: لا يكون عنده موجود من طعام ونيته أن يؤجر أخاه ويكون هو الجالب لأجره لأنه عرضه للمثوبة؛ فهذا داخل في التعاون على البر والتقوى وداخل في التحاض على طعام المسكين ونفسه كغيره من الفقراء، ولأن أخاه لا يعلم بصورة حاله ولو علمه لسره ذلك ففيه إدخال السرور عليه من حيث يعلم، وقد فعل هذا جماعة من السلف، وقد روى بمعناه أثر من ثلاثة طرق للسلف الصالح منهم: عون بن عبد الله المسعودي، كان له ثلاثمائة وستون صديقا، وكان يكون عند كل واحد يوما وآخر كان له ثلاثون صديقا كان يكون عند كل واحد يوما وليلة وكانوا يقدمون هذه الأخلاق السنية مع إخوانهم فيؤثرونها على المكاسب والمعلوم، فكان إخوانهم معلومهم، ولم يكن هؤلاء يكتسبون ولا يدخرون، وكان لإخوانهم فيهم نية صالحة يسألونهم ذلك ويقسمون عليهم فيه ويرونه من أفضل أعمالهم، وكان هؤلاء للإنصاف يكرمون إخوانهم بإجابتهم وكونهم عندهم، ولم يكن سعيد بن أبي عروبة يعرض على إخوانه الطعام، ولكنه كان يظهره ويعرض به فكان اللحم مسلوخا مصلقا والخبز موجودا ظاهرا، وكذلك كان يفعل بالثياب والأثاث، كان جميع ما في منزله مظهرا مسبلا، فكل من دخل عليه من إخوانه إن شاء قطع من المسلوخ فشوى وطبخ، وإن شاء أكل من الخبز بما وجد من الأدم، ومن شاء لبس من الثياب ما شاء فكان ذلك مشاعا في منزله لمن أراد تناوله، ومنهم من كان منقطعا في منزل أخيه قد أفرده بمكان يقوم بكفايته ولا يبرح من منزله على الدوام يحكم فيه ويتحكم كما يكون في منزل نفسه، وقال بعض العلماء: أكلتان لا يحاسب العبد عليهما: ما أكله في سحوره وما أكله

عند إخوانه إكراما لهم بذلك، ومن أكل عند قوم فليقل عند فراغه أفطر عندك الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وقد روينا أيضا: أن يقول عليكم صلاة قوم أبرار لسوا بآثمين ولا فجار يصلون الليل ويصومون النهار فقد كان الصحابة يقولون ذلك.

ذكر غسل اليد ليس كل أحد يحسن أدب الغسل كما ليس كل إنسان يعرف سنة الأكل، فمن غسل يده بأشنان ابتدأ بغسل أصابعه الثلاث أولا، ثم جعل الأشنان في راحته اليسرى يابسا، ثم أمره على شفتيه جسا وأنعم غسل فيه بأصبعيه وظاهر أسنانه وباطنه وحنكه ولسانه، ثم غسل أصابعه من ذلك بالماء، ثم دلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه وظهرا وبطنا، ثم لم يدخل الأشنان ثانيا إلى فيه لئلا يعود بالغمر إليه من يديه؛ وهذا يكفيه من تثنية الغسل، ومن غسل يد إخوانه بعد أكلهم من طعامه فمن الأدب أن يصب على أيدهم بالماء العذب، فبمثل هذه اللطيفة ونحوها يعرف حسن تفقد الدعاة وليستبين تعاهد الرعاة كأن بعضهم يقول: يدعو الرجل إخوان ينفق في الطيبات جملة ويحليهم بعدها بالحلاوة، ثم يمرر أفواهم بالماء الملح؛ فهذا يكون من نقص التعاهد وقلة التفقد.

← Önceki 203 / 226 Sonraki →

Anlam Arayışı