☪ Anlam Arayışı

← Kûtü'l-Kulûb

تبارك وتعالى، والصحبة والمحبة للإخوان فيه، وأحكام المؤاخاة وأوصاف (1/3)

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

المحبين:

ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين، إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين، وعلى البر والتقوى مضطجعين، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه، وأمر بالاعتصام بحبله وهداه، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار، وقرن ذلك بالمنة منه عليهم، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار، وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه وتعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه، فقال في جمل ما شرحناه: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) آل عمران: 102 (ولا تفرقوا) (ولعلكم تهتدون) آل عمران103 وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين، في كل طريق فريق، لما في ذلك من الفضل، ولما جاء فيه من الأمر والندب، إذ كان الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان، وكانت الألفة والصحبة لأجله والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك والحث عليه، وليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن، ولكن نذكر الأفعال المستحسنة وما تعلق بها مما لا بد منه، على أن رأي التابعين قد اختلف في التعريف، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف، فإنه أسلم لدينك وأقل غدا لفضيحتك، وأخف لسقوط الحقوق عنك، لأنه يقال: كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق، وكلما طالت الصحبة توكدت المراعاة، وقال بعضهم: هل رأيت شرا إلا ممن تعرف، فكلما نقص من هذا فهو خير، وقال بعضهم: أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف، وممن مال إلى هذا الرأي: سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي والفضيل بن عياض، وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي وبشر الحافي، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل، بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين، لأن ذلك زين في الرخاء، وعون في الشدائد، وتعاون على البر والتقوى، وألفة في الدين، وقال بعضهم: استكثر

من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك، وكانوا يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة، ويقال: إذا غفر للعبد شفع في إخوانه، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله) الشورى: 26، قال: يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم، وممن مال إلى هذا الطريق: ابن المسيب والشعبي، وابن أبي ليلى وهشام بن عروة، وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله، وابن عيينة وابن المبارك، والشافعي وأحمد بن حنبل، ومن وافقهم، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.

وروينا عنه صلى الله عليه وسلم: المؤمن مألوف ولا خير فيمن يألف ولا يؤلف، وقد قيل: أول ما يرفع من هذه الأمة، الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة، وفي الخبر: من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وروينا في خبر مثل الأخوين: إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وما التقى مؤمنان إلا أفاد الله عز وجل أحدهما من صاحبه خيرا، وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آخى أخا في الله عز وجل، رفعه الله عز وجل درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله، ويقال إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر، رفع الآخر معه إلى مقامه، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين، والأهل بعضهم ببعض، لأن الأخوة عمل كالولادة، وقد قال الله سبحانه بعد قوله: (ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) الطور: 21، أي وما نقصناهم، وقال تعالى مخبرا عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) الشعراء: 100 - 101 ومعنى حميم أي هميم، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره، ففيه دليل أن الصديق لك هو المهتم بك، وإن الاهتمام حقيقة الصداقة، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن كثير بأخيه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح، وقال أيضا: إذا رأى أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به، فقلما تصيب ذلك، وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا:

ما نالت النفس على بغية ... ألذ من ود صديق أمين

من فاته ود أخ صالح ... فذلك المقطوع منه الوتين

وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقا يقين، وروينا في الأخبار السابقة إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك إخوانا، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو، وفي خبر غيره عن داود عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه: يا داود ما لي أراك منتبذا وحدانا،

قال: إلهي قليت الخلق من أجلك، فأوحى الله عز وجل إليه: يا داود كن يقظان مرتادا لنفسك إخوانا، فكل خذن لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه، فإنه لك عدو ويقسي قلبك ويباعدك مني، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين، وفي الحديث: إن أحبكم إلى الله عز وجل الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله عز وجل المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان، وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك، قال: خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك، وفي بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه زيد: أنا كنت أحب إلى أبيك منك، وأنت أحب إلي من ابني، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أن تخالص المؤمن، وقد قال أبو الدرداء قبله: إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم، فمعنى هذا على الثقة والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (إدفع بالتي هي أحسن) فصلت: 34، قيل السلام: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فصلت: 34 وكان ابن عباس يقول في معنى قوله عز وجل: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) الرعد: 22، قال: يدفعون الفحش والأذى وهو السيئة بالسلام، والمداراة وهو الحسنة، وقد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومنه قوله عز وجل: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) البقرة: 251، قيل بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة، وكذلك معنى قولهم: خالص المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في الله عز وجل، والمخالفة المخالطة في المعاملة والمبايعة، وعند اللقاء، وكذلك جاء مفسرا: خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم في القلوب، وقد قال محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل الله عز وجل له منه فرجا، فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار، ومعاشرة التقي ومصافاته من حسن الاختيار.

وفي أخبار موسى عليه السلام فيما أوحى الله عز وجل إليه، إن أطعتني فما أكثر إخوانك من المؤمنين، المعنى: إن واسيت الناس وأشفقت عليهم وسلم قلبك لهم ولم تحسدهم، كثر إخوانك، ويقال إن أحد الأخوين في الله عز وجل إذا مات قبل صاحبه.

وقيل له: ادخل الجنة سأل عن منزل أخيه، فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى يعطي أخوه مثل منازله، قال: ولا يزال يسأل له من كذا وكذا، فيقال إنه لم يكن يعمل مثل عملك

فيقول: إني كنت أعمل لي وله، قال: فيعطي جميع ما سأل له ويرفع أخوه إلى درجته معه، فقد كانوا يتواخون ويتعارفون المنافع الآخرة الباقية، لا لمرافقة الدنيا الفانية وأفضل الأخوة، كما قال بعض العلماء: المحبة الدائمة والألفة اللازمة من قبل، أن الأخوة والمحبة عمل، وكل عمل يحتاج إلى حسن خاتمة به ليتم العمل، فيكمل أجره، فإن لم يختم له بالآخرة ولم يحسن عاقبة الصحبة والمحبة، فقد أدركه سوء الخاتمة، بطل عنه ما كان قبل ذلك، فقد يصطحب الاثنان ويتواخى الرجلان عشرين سنة، ثم لا يختم لهما بحسن الأخوة فيحبط بذلك ما سلف من الصحبة، فلذلك شرط العالم المحبة الدائمة والألفة اللازمة إلى الوفاة ليختم له به، ويقال: ما حسد العدو ومتعاونين على بر حسده، متواخيين في الله عز وجل ومتحابين فيه، فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على إفساد ما بينهما، وقد قال الصادق عز وجل: (وقل لعبادي يقولوا: التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) الإسراء: 53 يعني يقولون الكلمة الحسنة بعد نزغ الشيطان، وقال عز وجل مخبرا عن يوسف عليه السلام من: (بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) يوسف: 100 وقد يقال: ما تواخى اثنان في الله عز وجل ففرق بينهما، إلا بذنب يرتكبه أحدهما، فقال بشر: إذا قصر العبد في طاعة الله تبارك وتعالى، سلبه الله عز وجل من يؤنسه، ويقال للعدو شيطان، قد وكله بالتفريق بين المتواخيين، ليس له عمل إلا ذلك، قد تفرغ له، ومن علامة التقى حسن المقال عند التفرق، وجميل البشر عند التقاطع، أنشدنا بعض العلماء الحكماء في معناه:

إن الكريم إذا تقضى وده ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تصرم حبله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا

فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية، ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوله: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، فكذلك صفات المؤمنين على معاني أخلاق المؤمن الأعلى، وقد كان أبو الدرداء يقول: معاتبة الصديق خير من فقده، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك، ولن له ولا تطع الشيطان في أمره، غدا يوافيه الموت فيكفيك فقده، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله، وقد روينا عن علي عليه السلام: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه معناه: لا يكن حبك كلفا وبغضك تلفا، قال: اسلم، قلت: وكيف ذاك، قال: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك، وفي وصية

عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي رويناها عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكمافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يحبك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل، ولا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك وتعالى، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن أكثم قال: حدثت المأمون أمير المؤمنين فقلت له: حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبجر قال: لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة دعا بابنه فقال: يا بني، إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإذا حاولت أمرا أمرك، وإن تنازعتما آثرك، قال ابن أكثم: فقال المأمون: وأين هذا؟، وقيل للأحنف بن قيس: أي إخوانك أحب إليك فقال: من يسد خللي، ويستر زللي، ويقبل عللي، وحدثونا عن الأصمعي قال: حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه قال: قال الأحنف: من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث: أن يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة، وقال: الإخاء جوهرة رقيقة، فهي ما لم توق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه، وبالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير، ويقال: من لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم، لم يسلم منهم، وكان أسماء بن خارجة الفزاري يقول: ما سئمت أحدا قط لأنه إنما يسأمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل فيها، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضا ثم تمثل شعرا:

واغفر عوراء الكريم اصطناعه ... وأعرض عن ذات اللئيم تكرما

وأنشدونا لمحمد بن عامر في الإخوان شعرا:

فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم

ولا تفحش وإن ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم

ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم

ولكن داو عورته برقع ... كما قد يرقع الخلق القديم

ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم

وأنشدونا في معناه عن أحمد بن يحيى بن ثعلب، قال: أنشدني عبد الله بن شبيب:

إخاء الناس ممتزج ... وأكثر فعلهم سمج

فإن بدهتك مقطعة ... فليس وراءهم فرج

فقومهم بوصلهم ... فإن لم يوصلوا اعتوجوا

صروف الدهر دائبة ... تقطع دونها المهج

وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل: خذ العفو وأمر بالعرف، قال: خذ من أخلاق الناس ومن أعمالهم ما ظهر من غير تحسس، وقد أنشدنا بعض الحكماء في ذلك:

خذ من خليلك ما صفا ... وذر الذي فيه الكدر

فالعمر أقصر من معا ... تبة الخليل على الغير

ومن عرف فضل الإخوة في الله عز وجل، وعلم درجة المحبة لله تعالى، صبر لأخيه وشكر له وحلم عنه وإحتمل له، لينال ما أمله من مؤمله فيه ويبلغ ما طلبه من طالبه به، فإن الصبر يحتاج إليه ليتم العمل والشكر، لا بد له منه لدوام النعمة، ومن طلب نفيسا خاطر بنفيس ومن رغب في رغبة بذل لها مرغوبا، والله عز وجل الموفق من يحب لما يحب، وروينا في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المتحابون في الله عز وجل على عمود من ياقوتة حمراء، في رأس العمود سبعون ألف غرفة، مشرفون على أهل الجنة، يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب سندس خضر، مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل، وروينا في حديث معاذ، وقد قال له أبو إدريس الخولاني: إني لأحبك في الله عز وجل، فقال له: أبشر ثم أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقيل: من هؤلاء يا رسول الله، قال: هم المتحابون في الله عز وجل، ورواه أبو هريرة فقال فيه: إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، فقالوا: يا رسول الله حلهم لنا، فقال: هم المتحابون في الله عز وجل، والمتجالسون في الله تعالى، والمتزاورون في الله تعالى.

وروينا في حديث عبادة بن الصامت، يقول الله عز وجل: حقت محبتي للمتحابين في، والمتزاورين في والمتباذلين والمتصادقين في، وكان ابن مسعود يقول في قوله عز وجل: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)

الأنفال: 63، قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز وجل، وأبو بشر عن مجاهد قال: المتحابون في الله عز وجل إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض، تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله، منهم كذا، واثنان تواخيا في الله عز وجل، اجتمعا على ذلك وتفرقا، وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول: نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة، فلا تصح المحبة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من الرحمة في الاجتماع، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة، واجتناب الغيبة، وتمام الوفاء، ووجود الأنس، وفقد الجفاء، وإرتفاع الوحشة، ووجد الانبساط، وزوال الاحتشام، وكان الفضيل يقول: إذا وقعت الغيبة، ارتفعت الأخوة وقال الجنيد: ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاستوحش أحدهما من صاحبه واحتشم منه إلا لعلة في أحدهما، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما تحاب اثنان في الله عز وجل إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه، وفي خبر: كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان إلى الله عز وجله أرفقهما بصاحبه.

وفي الخبر المشهور: لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد: ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت، وأعفه بما تحب أن تعفى به، وكان بعضهم يقول: ما ذكر أخي عندي في غيب إلا تمثلته جالسا، فقلت فيه ما يحب أن يسمع في حضوره، وقال آخر: ما ذكر أخ لي في غيبة إلا تصورت نفسي في صورته، فقلت فيه ما أحب أن يقال في، فهذا حقيقة في صدق الإسلام، لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، وقال بعض الأدباء: من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضون منه ظلمهم، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم، ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم، وبمعناه روينا عن بعض الحكماء: من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عز وجل قديما، لأن هذا حقيقتها، فروى في الأخبار، إثنان عزيزان ولا يزدادان، إلا عزة درهم من حلال وأخ تسكن إليه، وقيل تأنس به، وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء، يعني بالوفاء أن يكون له في غيبته، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته، ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته، فهذا هو الوفاء، وهو الذي شرطه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤاخاة في قوله: اجتمعا على ذلك أو تفرقا، وجعل جزاءه أظلال العرش يوم القيامة.

وكذلك قال بعض الأدباء: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة، وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره، قالوا: كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة، لا يفقدون إلا وجهه، ويقال إن مسروقا أدان دينا ثقيلا، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهولا يعلم، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرا وهو لا يعلم، فمن حقيقة المؤاخاة في الله عز وجل إخلاص المودة له بالغيب، والشهادة واستواء القلب مع اللسان، واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في المودة، وذلك دخل في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم، فشرط له أشياء منها: أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلا لله عز وجل، ومن شرط المحبة في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها، كما جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فقال: أين تريد، قال: أردت أخا لي في هذه القرية، قال: هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها، قال: لا، إلا أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه.

وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن ابنه عبد الله رضي الله عنهما: لو أن رجلا صام النهار لا يفطر، وقام الليل وجاهد، ولم يحب في الله عز وجل ويبغض في الله ما نفعه ذلك شيئا، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الصلاة، قال: حسنة وليس به، قالوا: الحج والجهاد، قال حسنة وليس به، قالوا: فأخبرنا يا رسول الله، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى، والبغض فيه، وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عز وجل، ثم ينقلب الآخر عما كان عليه ويتغير، هل يبغضه بعد ذلك أم لا؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عما كان عليه وتغير، فأبغضه من حيث أحببته، وروينا عن أبي الدرداء أن شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه، وقالوا له: لو أبعدته، قال: سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء، وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك، وقد قيل له فيه، فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي، وكذلك قال الله عز وجل لنبيه في عشيرته: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب، وقيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك:

أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا، وكان الحسن يقول: كم من أخ لك لم تلده أمك، ولذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال: مه وزبرهم لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان، قال: ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه، فماذا بغيتم من محبة عدوكم؟ وقد كان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك وحال عما كان، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان يقول: داو أخاك ولا تطع فيه حاسدا، فتكون مثله وقال الحسن: أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا، وقال أيضا: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها، وفي الخبر: اتقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء الغيب، وقال سعيد بن المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين.

وفي حديث عمر، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه، فقال: ذاك أخو الشيطان قال: مه قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر فقال: إذا أردت الخروج فأذني قال: فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب الآية، ثم عاتبه تحت ذلك وعذله، فلما قرأ الكتاب قال: صدق الله ونصح لي عمر قال: فتاب ورجع، ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان، وقرن بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في الخبر: لا يؤمن عبدي حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ثم جاء مثله: لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لله عز وجل، فمن مقتضى الحب في الله تعالى ما ذكرناه آنفا من التزاور والتباذل والتصافي لله عز وجل، وفي حديث عبادة بن الصمامت وقال موسى بن عقبة: كنت ألقى الأخ من إخواني مرة فأقيم عاقلا بلقائه أياما، وقال جعفر بن سليمان: كمن إذا وجدت في نفسي فترة، نظرت، إلى محمد بن واسع، فأعمل على ذلك جمعة، وكان محمد بن واسع يقول: ما بقي في الدنيا شيء ألذه إلا ثلاث: الصلاة في جماعة، والتهجد من الليل، ولقاء الإخوان، وكان بعضهم يقول: لقاء الإخوان مسلاة للهم ومذهبة للأحزان، وكان الحسن وأبو قلابة يقولان: إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وأخواننا يذكرونا الآخرة، وقال أحدهما: لأن الأهل والولد من الدنيا والإخوان في الله عز وجل من آلة الآخرة، وقيل لسفيان بن عيينة: أي الأشياء ألذ فقال: مجالسة الإخوان والانقلاب إلى

كفاية، وفي الخبر: ما زار رجل أخاه في الله عز وجل شوقا إليه ورغبة في لقائه، إلا ناداه ملك من خلفه: طبت وطابت لك الجنة، وقال الحسن: من شيع أخا له في الله عز وجل بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة، وعن عطاء قال: كان يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم، وكان الشعبي يقول: في الرجل يجالس الرجل فيقول: أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة التوكل.

وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رأى عمر يلتفت يمينا وشمالا فسأله، فقال: يا رسول الله أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه، فقال: يا أبا عبد الله إذا أحببت أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه، وعن منزله فإن كان مريضا عدته، وإن كان مشغولا أعنته، وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له: من أحب الناس إليك، قال: جليسي، وكان يقول: ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة تكون له إلي، فعلمت مكافأته من الدنيا.

وكان سعيد بن العاص يقول: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له، وقال الأحنف بن قيس: الإنصاف يثبت المودة، ومع كرم العشرة تطول الصحبة، وكان يقول: ثلاث خلال تجلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة، وقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني، تقاربوا في المودة ولا تتكلوا على القرابة، وقد قيل لأبي حازم: ما القرابة، قال: المودة، فأول ما تصح له المحبة في الله عز وجل أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصية، ولا على حظ من دنياه، ولا لسبب موافقته على هواه، ولا لأجل ارتفاقه به اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله، ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه، ولا لنعمة ويد يجزيه عليها، فهذه ليس فيها طريق إلى الله عز وجل ولا للآخرة، لأنها طرقات الدينا ولأسباب الهوى، فإذا سلم من هذه المعاني، فهذه أول المحبة لله عز وجل، ولا يقدح في الأخوة لله تبارك وتعالى لأن هذه شبهة ثانية فيه مثل أن يحبه لحسن خلقه، وفضل أدبه، وحسن حلمه، وكمال عقله، وكثرة احتماله وصبره، أو لوجود الأنس به وارتفاع الوحشة منه، أو للألفة التي جعل الله بينه وبينه، وإنما يخرجه عن حقيقة الحب في الله عز وجل، أن يحبه لما يكون دخلا في الدين ووليجة في طرائق المؤمنين، ولما انفصل عنه ولم يكن متصلا به، مثل الأنعام والأفضال ووجود الارتفاق، فهذا الحب لا يمنع القلب وجده، لما جبل الطبع عليه، ولبغض من كان بضده، ممن أساء إليه وليس يأثم ولا يعصى بوجود هذه المحبة لأجل هذه الأسباب المعروقة، كما أنه إذا أساء إليه ووجد بغضه لا يأثم ما لم يخرجه البغض إلى مجاوزة حد بإيجاب حكم، إلا أن هذه محبة النفس بالطبع، وإنما يفضل المرء بمحبة القلب لأجل الله عز وجل، والبغض فيه شيء، وإن كان مباحا لأنها تحول وتزول، وكل محبة تكون

عن عوض، إذا ذهب العوض زالت المحبة، وصحة الحب في الله عز وجل والبغض فيه لا ينقلب لسبب حب جعل في الطبع لمنافع الدنيا، ولا لأجل بغض في النفس لمضارها، وحقيقة الحب في الله عز وجل أن لا يحسده عى دين ولا دنيا، كما لا يحسد نفسه عليهما، وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه، وهذا شرطا الحب في الله عز وجل اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: (يحبون من هاجر إليهم) الحشر: 9، ثم وصف محبتهم، إذ كان يصف حقا ويمدح محقا، فقال: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) الحشر: 9، يعين: من دين ودنيا، والحاجة في هذا الموضع: الحسد، أي كما لا يجدون في صدورهم حاجة لأنفسهم حسدا، ثم قال عز وجل في الشرط الثاني: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) الحشر: 9، فهذا فصل الخطاب، وجملة نعت الأحباب، فينبغي أن يؤثر أخاه بنفسه وماله إن إحتاج إلى ذلك، فإن لم يكن في هذه المنزلة وهو مقام الصديقين فيساويه في حاله، وهذا من مقام الصادقين، وهذا أقل منازل الأخوة، وهو من أخلاق المؤمنين، وإنما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلمبين الغني والفقير ليساوي الغني الفقير فيعتدلان، وينبغي أن يقدمه على أهله وولده، وأن يحبه فوق محبتهم لأن محبة أولئك من الدنيا والنفس والهوى، ومحبة الإخوان من الآخرة ولله تبارك وتعالى، وفي الدين وأمور الدين والآخرة مقدم عند المتقين، وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان الحسن إذا جاؤوه، لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم، فيقول لهم: لا تملوا الشيخ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول: دعهم يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، فؤلاء يحبوني لله عز وجل وأنتم تريدوني للدنيا، وقال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل: وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه، وكان الأعمش يقول: من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم، فيستدل عليه بهم، وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب: كرم الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل رهق فقال شعرا:

لا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه

فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه

يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه

وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه

وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه

وأنشد محمد بن جامع الفقيه شعرا:

تذلل لمن إن تذللت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله

وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له

وأنشدنا لبعض الأدباء:

كم من صديق عرفته بصديق ... صار حظي من الصديق العتيق

ورفيق رأيته في طريق ... صار عندي محض الصديق الحقيقي

وروينا عن الحسن بن علي عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا مختصرا:

إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك

ولا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى، ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه، ولا ما يناله من عاجل مهناه، وقد تصح المحبة بين الغني والفقي، وتوجد الأخوة إن لم يقم الغني بحقوق أخيه، إذا آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به، فلم يفتضه، وقد تصح الأخوة بين العالم والجاهل، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من أحدهما، والتقربة إلى الله عز وجل، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه، أو لجميل معاملته، أو لمعان محمودة تكون فيه، لأن لكل مؤمن سديدا من عمله يرجى له به، والمؤمن لا يهلك كله، ولا يذهب جملة واحدة، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم والصالح في نفسه، فيراه في كل حال فوقه، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص والشين من الغير، فهذه طرقات الإخوان، فيها حسن نيات، وينبغي على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به أعلم، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله، فإن فقر الجهل أشد من فقر المال، وإن الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال وكان الفضيل يقول: إنما سمي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك، وإن كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك، وينبغي أن ينصح له فيما بينه وبينه، ولا يوبخه بين الملأ ولايطلع على غيبه أحدا، فقد قيل: إن نصائح المؤمنين في آذانهم، وقال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقا في حاله، أحبه على نصحه، فإن لم يحبه وكره ذلك منه دل على كذب الحال، قال الله سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين: (ولكن لا تحبون الناصحين) الأعراف: 79 وقد كان بعض الصالحين يقول: أحب الناس إلي من أهدى عيوبي، وقد كان عمر بن

الخطاب رضي الله عنه يقول: ويأمر الإخوان بذلك رحم الله امرءا اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه، ولكن قد قيل لمسعر بن كدام: تحب من يخبرك بعيوبك، فقال: إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وإن قرعني في الملأ فلا، ومن أخلاق السلف قال: كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة، وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة، وما كان على العلانية فهو فضيحة، وقلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى، لأن فيه شناعة، وكذلك الفرق بين العتاب والتوبيخ، فالعتاب ما كان في خلوة، والتوبيخ لا يكون إلا في جماعة، ولذلك يعاتب الله عز وجل رجلا من المؤمنين يوم القيامة تحت كنفه، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرا، ومنهم من يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة، فإذا قاربوا دخول الجنة، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤونها، وأما أهل التوبيخ فينادون على رؤوس الأشهاد، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم، فيزداد ذلك في عذابهم، وكذلك الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى وطريق الآخرة، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه لله تبارك وتعالى، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك، وكذلك الفرق بين الغبطة والحسد، إن الغبطة أن تحب لنفسك ما رأيته من أخيك، ولا تحب زواله عنه بل تبقيته له وإتمامه عليه والحسد ما أردت أن يكون ذلك منه لك، وأحببت زواله عنه وكرهت تبقيته عليه، فهذا مكروه، فإن سعيت في ذلك بقول أو فعل فهو البغي زيادة على الحسد، وهو من كبائر المعاصي، وكذلك الفرق بين الفراسة وسوء الظن إن الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه أو علامة تشهدها فيه، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إن كان سوءا، ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم، وسوء الظن ما ظننته من سوء رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك، تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك، فهذا هو سوء الظن والإثم، وهو غيبة القلب وذلك محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وإن تظن به ظن السوء وقوله عليه السلام: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، فهذه خمس معان وأضدادها بينها فرق عند العلماء، فاعرف ذلك، وينبغي أن ينصر أخاه ويعينه بماله ولسانه وقلبه وأفعاله، فإن

النصرة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع: بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال، وباللسان إن ظلم في المقال، وبالمواساة إن احتاج إلى المال، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر

فضله ويطوي زلله ويقبل علله. رة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع: بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال، وباللسان إن ظلم في المقال، وبالمواساة إن احتاج إلى المال، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر فضله ويطوي زلله ويقبل علله.

← Önceki 215 / 226 Sonraki →

Anlam Arayışı