☪ Anlam Arayışı

← Mîzânü'l-Amel

بيان تناول المال وما في كسبه من الوظائف

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها الخير النافع وفيها السم الناقع. ومثالها مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري. وقيل: المال من الخيرات المتوسطة، فإنه ينفع من وجه ويضر من وجه، فلم يكن من بد الاقتصار على النافع منه، والاحتراز من المهلك منه.

وأصل ذلك معرفة رتبة المال من المقاصد، فإن أصل الأمور كلها العلم بحقائق الأشياء. فنقول: على طالب السعادة الآخروية وظائف في حق المال، من حيث جهة الدخل وجهة الخرج، وقدر المتناول بالنية الواجبة في تناوله.

الوظيفة الأولى: معرفة رتبته، فقد سبق أن المقتنيات المرغوب فيها ثلاثة: نفسية ثم بدنية ثم خارجية. والخارجية أدناها رتبة، والمال من جملة الخارجية، وأدناها الدراهم والدنانير، فإنهما خادمان ولا خادم لهما، إذ النفس تخدم العلم الفضائل النفسية لتحصلها، والبدن يخدم النفس، فيكون آلة، والمطاعم والملابس تخدم البدن، والدراهم والدنانير تخدم المطاعم والملابس. وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن، ومن البدن تكمل النفس. فمن عرف هذا الترتيب وراعاه، فقد عرف قدر المال، ووجه رتبته،

وعرف وجه شرفه، من حيث هو ضرورة كمال النفس. ومن عرف غاية الشيء واستعمله لتلك الغاية، فقد أحسن إلى الغاية، وعند ذلك يقتصر على قدر الحاجة الموصلة إلى الغاية، فلا يركن إليه معتكفا بكنه همته عليه. وبهذا النظر ينكشف له الشبه في ذم الله تعالى المال في مواضع حيث قال: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) ، ومدحه حيث امتن به فقال: (ويمددكم بأموال وبنين) . فإنه من حيث كونه وسيلة للآخرة محمود، ومن حيث كونه صارفا عنها مذموم، ولذلك قال عليه السلام: " نعم المال الصالح ". وقال تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) . وكيف لا يكون خاسرا من يجمع الشعير لدابته، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير، وهو الخسران،

بل مثال الناس كلهم في الاغترار برهرة الدنيا، والاعتكاف على لزوم لذاتها، مثل راكبي سفينة متوجهين إلأى أفضل بلدة، ينال فيها أعلى رتبة، فأفضت بهم السفينة إلى جزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج تهيئة للطهارة، وأن يكونوا على حذر من غوائال الجزيرة، فرأوا حجرا مزبرجا، وزهرا منورا، فأعجبهم ذلك وشغفوا به، فتباعدوا عن المركب، ونسوا المركب والمقصد، وبقوا لا هين، حتى سارت السفينة وجن عليهم الليل، فثارت عليهم الأسود تفترسهم، والأساود تنتهشهم، ولم يغن عنهم حجرهم وزهرهم شيئا. فيقول واحد منهم: (يا ليتني كنت ترابا) ، والآخر يقول: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) . والآخر يقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ولم يبق بأيديهم إلا حسرة وندامة لا آخر لها، ومجاورة الأفاعي والأسود مع الخزي والنكال. فهذا بعيينه مثال المغترين بمتاع الدنيا. ولهذا الخطر العظيم استعاذ الخليل إبراهيم وقال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ، وعنى به هذين الحجرين، الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد الإلهية في شيء من الحجارة. ولهذا قال الإمام علي:

" يا حميراء، غري غيري، ويا بويضاء غري غيري ". ولذلك شبه عليه السلام طلاب الدنانير والدراهم المشغوفين بهما بعبدة الحجارة، فقال: " تعس عبد الدراهم، تعس عبد الدنانير، ولا انتعش، وإذا شيك فلا انتقش ".

الوظيفة الثانية: في مراعاة جهة الدخل والخرج. فالدخل إما بالاكتساب، وإما بالبخت. أما البخت فميراث، أو وجود كنز، أو حصول عطية من غير سؤال. وأما الكسب، فجهاته معلومة. ومن أخذ من حيث كان مذموما شرعا، فلا ينبغي أن يأخذ إلا من وجهه. والوجوه الطيبة معلومة من الشرع، فإن وجد حلالا طيبا فليأخذه، وإن كان حراما محضا، فليتجنبه. فإن قدر على الحلال المطلق، من غير تعب فليترك. فإن كان يقدر على الحلال المطلق، ولكن بعد طول التعب واستغراق الوقت، فإن كان من العباد العاملين بالجوارح، مع اعتقاد عامي مصمم فليشتغل بطلب الحلال، فإن تعبه في طلب الحلال عبادة، كتعبه في سائر العبادات. وإن كان من أصحاب القلوب وأرباب العلوم وكان يتعطل عليه ما هو بصدده، لو استغرق أوقاته في الحلال المطلق فليأخذ من الذي يتيسر قدر حاجته،

فإن المحظور المحض قد ينقلب مباحا، خوفا من محظور آخر أشر منه. فمن غص بلقمة، فله أن يتناول الخمر حذرا من فوات النفس. والعلم وعمل القلب لا يوازيه غيره. فالكل خدم له. فكما يباح إتلاف مال الغير على النفس، بل يحل تناول لحم الخنزير، فكذلك في محل الشبهة يتساهل في التحضير على العلم، وعند هذا قد يثور شغب الجاهل مهما تناول العلم، ما زجر عنه الجاهل، إذ لا يدرك الجاهل تفاوت هذه الدقيقة بينهما. وليكن العالم متلطفا في ذلك، كيلا يحرك سلاسل الشيطان.

الوظيفة الثالثة: في المقدار المأخوذ. ومهما عرفت أن المال هذا دائر، فمعناه مقدار الحاجة المذكورة ولا غنى بك عن ملبس ومسكن ومطعم. وفي كل واحد ثلاث مراتب: أدنى وأوسط وأعلى.

وأدنى المسكن ما يقل من الأرض، من رباط أو مسجد أو وقف، كيفما كان، وأوسطه ملك لا تزاحم فيه، فتقدر على أن تخلو فيه بنفسك ويبقى معك عمرك، وهو على أقل الدرجات من حسن البناء، وكثرة المرافق، هو حد الكفاية، وأعلاه دار فيحاء فسيحة، مزينة البناء، كثيرة المرافق، وتتبعها زيادات لا تنحصر، على ما يرى عليه أرباب الدنيا، وأولو الرتب. والأول هو قدر الضرورة، إذ المقصود من المسكن أرض تقلك، يحيط بها حائط يمنع عنك السباع، ويظل عليك سقف، يمنع المطر وحر الشمس ولا يقنع به المتوكلون. والأوسط هو حد الكفاية، وما بعده خارج عن حد الدين وإقبال على أمر الدنيا، أعني الاشتغال بزينتها. فأما الجلوس فيها، مع الغفلة عنها، دون ابتهاج بها وطمأنينة إليها، فمن المباحات. وأما صرف الأوقات إلى تزيينها، فمباح للعوام على لسان الفقه، الذي عقد لضرور جهل العوام، وقصورهم عن مشافهتهم بالمنع منه. فأما في طريق التصوف فحرام، وأعني بالتصوف ما خلق الإنسان له من سلوك سبيل القرب إلى الله تعالى. والعبادات لا مناقشة فيها، ولذلك قيل:

مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحات، أي يقتصرون على قدر الضرورة من المباح، ويواظبون على الفرائض، كما يواظبون على هذه فهي عندهم كالمباحات.

وأما المطعم، فهو الأصل العظيم، إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور. ولهذا أيضا ثلاث مراتب، أدناها قدر الضرورة، وهو ما يسد الرمق، ويبقى معه البدن وقوة العبادة. وذلك يمكن تقليله بالعادة، تارة بتقليل الطعام شيئا فشيئا، حتى يتعود الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى الزهاد في القدر كل يوم إلى حمصة، وبعضهم في الوقت عشرين يوما، وقيل أربعين، وهذه رتبة عظيمة، يقل من يستقل بها. فإن لم يقدر عليه، فالدرجة الوسطى، وهي في ثلث البطن، كما ذكرناه من قبل. ولا ينبغي أن يزيد على القدر الذي حدده الشرع، فالزيادة عليه بطنة. ثم يقتصر أيضا من نوعه على الوسط كما اقتصر من قدره على الوسط، فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، ولكن النظر يختلف في قدر الكفاية إلى الوقت،

فرب إنسان هو فارغ القلب من قوت يومه، مشغول القلب بعده، وينتهي حرصه إلى أن يقدر لنفسه عمرا طويلا، ويريد أن يفرغ قلبه طول عمره. ثم قد يقدر له حوائج، فيطلب الاستظهار بالخزائن، وهو الضلال المحض. والمدخر بالإضافة إلى المستقبل ثلاث درجات، وأدناها قوت يوم وليلة، وأعلاها ما يجاوز سنة، وأوسطها قوت سنة. وأرفع الدرجات درجة من لم يلتفت إلى غده، وقصر همته على يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلا من الدنيا مستعدا للارتحال. ومن لم يشتغل بهذا، أو كان فارغ القلب عن قوت سنة، فاشتغل بما وراءه كان من المطرودين المذكورين بقوله: (يحسب أن ماله أخلده) . وأما الملبس فكذلك فيه ثلاث درجات، فأدناها من حيث القدر ما يستر العورة، أو الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها.

وبالإضافة إلى الوقت ما يبقى يوما وليلة، كما نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه، أونه رقع قميصه بورق شجر، فقيل له: هذا لا يبقى، فقال: " أو أحيا إلى أن يفنى ". وأوسطه ما يليق بمثل حاله، من غير تنعم وترفه ولا ملبوس حرام كأبريسم غالب. وأعلاه جمع الثياب وطلب الترفه بها، على ما عليه جماهير أهل الدنيا.

وأما المنكح، فإنه يزيد في حق من تاقت نفسه إلى الوقاع، ويحسبه تزيد الحاجة. وقد ذكرنا ما يحمد من المنكح وما يذم. وفيما ذكرناه مقنع. ومن ساعده من هذه الأمور قدر كفايته ثم اشتغل قلبه بغيره، كان مغبونا بل معلونا. قال عليه السلام: " من صبح آمنا في شربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، وهذا القدر كاف في البلغة، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة، ووجودها في حق العاقل كعدمها.

الوظيفة الرابعة: في الخرج والإنفاق. وكما للدخل وجه معين، فكذا الخرج فلا بد من مراعاة التركيب فيه، فالإنفاق محمود ومذموم كالأخذ، والمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة، وهو الصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال. ومنه ما يكسب الجرية والفضيلة، وهو إيثار الغير على النفس، على الوجه المندوب إليه شرعا. والمذموم ضربان: إفراط وتفريط. فالإفراط الإنفاق أكثر مما يجب، بحيث لا يحتمله حاله، فيما لا يجب، والإخلال بالهم، والصرف إلى ما دونه. والتفريط المنع عما يجب الصرف إليه، والنقصان من القدر الذي يليق بالحال. ومهما أخذ العبد المال من وجهه، ووضعه في وجهه، كان محمودا مأجورا. فإن قلت: فمن وسع الله عليه المال، فأخذه وإنفاقه بالمعروف أولى، أو الإعراض عن أخذه؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا، فقالوا: الناس ثلاثة أصناف، صنف هم المنهمكون في الدنيا بلا التفاف إلى العقبى، إلا باللسان وحديث النفس وهم الأكثرون. وقد سموا في كتاب الله عبدة الطاغوت

وشر الدواب ونحوها. وصنف مخالفون لهم غاية المخالفة، اعتكفوا بكنه هممهم على العقبى، ولم يلتفتوا أصلا إلى الدنيا، وهم النساك. وصنف ثالث متوسطون، وفوا الدارين حقهما، وهم الأفضلون عند المحققين، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة، ومنهم عامة الأنبياء عليهم السلام، إذ بعضهم الله عز وجل، لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد. وقيل ثلاثتهم المراد بقوله تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون) . فالمراعي للدنيا والدين، كما يجب وعلى ما يجب، جامعا بينهما، خليفة الله في أرضه، فهو السابق عند قوم. فإن قلت فقد قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، فاعلم أن مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال عليه السلام: " الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ".

فإن قلت: فقد قال بعض المحققين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه، فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده، فهو من الهالكين، ورجل مشتغل بهما، وذلك درجة المخاطرين، والفائز أحسن حالا من المخاطر، فاعلم أن فيه سرا، وهو أن المنازل الرفيعة لا تنال إلا باقتحام الأخطار. وإنما هذا الكلام ذكر تحذيرا وتنبيها على خطر الخلافة لله تعالى في أمر عباده، حتى لا يترشح لها من لا يقدر عليها. وقد حكي أن بعض أولاد الملوك العادلة عظمت رتبته في العلم والحكمة، فاعتزل الناس وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض الملوك: قد اعتزلت ما نحن فيه، فإن علمت إن ما اخترته أفضل، فعرفنا لنذر ما نحن فيه، ولا تحسبني أقبل منك قولا بلا حجة. فكتب إليه: إعلم إنا عبيد لرب رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه. فلما قربنا من الزحف، صرنا ثلاثة أقسام: متخوف طلب السلامة منه، فاعتزل عنه، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة، ومتهور قدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه،

وشجاع أقبل على بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد، فهو الفائز التام الفوز. وإني لما وجدتني ضعيفا، رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين. فكن أيها الملك من أفضل الطوائف، تكن من أكرمهم عند الله، وهذا الكلام يكشف عن حقيقة الأمر فيه، وينبهعلى صحة ذلك قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله ولا تبغ الفساد في الأرض) . وإنما يمكن الإحسان بإدخال السرور على قلوب المسلمين بالمال، ولكن الخطر فيه عظيم، فإنه ربما يشتغل من ضعفت بصيرته بما فيه ضرره من حيث لا يدري، فلخطره وجبت المبالغة في الزجر عنه.

الوظيفة الخامسة: أن تكون نيته صالحة في الأخذ والترك، فيأخذ ما يأخذه ليستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة، ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له، فقد قال عليه السلام: " من طلب رزقه على ما سن فهو جهاد "، وقال عليه السلام لابن مسعود: "

إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فم امرأته ". وأراد بالمؤمن من يعرف حقائق الأمور، فيقصد بما يتعاطاه وجه الله والاستعانة على سلوك طريقه. وعند هذا يتبين أنه ليس الزاهد من لا مال له، بل الزاهد من ليس مشغولا بالمال، وإن كان له أموال العالمين. ولذلك قال الإمام علي رضي الله عنه: " إن رجلا أخذ جميع ما في الأرض، وأراد به وجه الله فليس براغب ". فليكن جميع حركاتك وسكناتك لله، بأن تكون حركتك مقصورة على عبادة، أو على ما يعين على عبادة، ولا يستغني العباد عنه، كالأكل وقضاء الحاجة مثلا، فإنهما معينان على العبادة، وهما أبعد الحركات عن العبادة. وعند هذا يكون الكامل النفس في تناول الدنيا كالراقي الحاذق في مس الحية متقيا سمها ومستخرجا جوهرها، والعامي إذا تشبه به، ونظر إليه ظن أنه أخذها مستحسنا شكلها وصورتها، مستلينا مسها، مستصحبا إياها، فإذا ظن ذلك أخذها، وتقلدها فقتلته. وقد شبهت الدنيا بها، فقيل: الدنيا كحية تنفث السموم النواقع، وإن لان ملمسها. وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة، فمحال أن يتشبه

العامي بالكامل في تناول الدنيا. وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتي مع رتبة النبوة، علم أن الزهد زهد النفس، لا خلو اليد. وكيف تضر الدنيا بالأنبياء والأولياء، وهم يعرفون ضرها ونفعها ورتبتها في الوجود، ويعلمون أن للإنسان في وجوده ثلاث منازل: منزلة في بطن أمه، ومنزلة في فضاء العالم، ومنزلة بعد الموت. والدنيا في مثال رباط بني، وينتهي إلى المسافر في المنزل الأوسط، وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ليستعين بها المسافر، وينتفع بها انتفاعه بالعارية والمنحة، ويخليها لمن يلتحق بعده، فيأخذها بشكر ويتركها بانشراح صدر. وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى فظنواأن هذا المنزل وطن، وإلا هذه الأسباب ليست عارية وإنما هي موهبة مؤبدة، فصاروا لا يخرجونها من أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح. وقيل إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا كمثل رجل هيأ دارا، وهو يدعو أقواما إلى داره على الترتيب، واحدا بعد واحد، فأدخل واحدا داره، فقدم إليه طبق ذهب، عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه، لا ليتملكه، فجهل رسمه فظن أنه وهب له، فلما استرجع منه، ضجر وتفجع. ومن كان عالما انتفع به، وشكره ورده بانشراح صدر فهذه وظائف المباشرة لأموال الدنيا.

← Önceki 29 / 33 Sonraki →

Anlam Arayışı