Bölüm 8
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
القول الأول باطل ... وأما العلم بالابن وكذى سائر المضافات ففيه كثرة، إذ لا بد من العلم بذات الابن وذات الأب وهما علمان. وعلم ثالث وهو الإضافة. نعم هذا الثالث مضمن بالعلمين السابقين إذ هما من شرطه وضرورته وإلا فما لم يعلم المضاف أولا لا تعلم الإضافة. فهي علوم متعددة بعضها مشروطة في البعض. فكذلك إذا علم الأول ذاته مضافا إلى سائر الأجناس والأنواع بكونه مبدأ لها افتقر إلى أن يعلم ذاته وآحاد الأجناس وأن يعلم إضافة نفسه بالمبدئية إليها، وإلا لم يعقل كون الإضافة معلومة له.
... والثاني أيضا ... وأما قولهم: إن من علم شيئا علم كونه عالما بذلك العلم بعينه فيكون المعلوم متعددا والعلم واحدا، فليس كذلك بل يعلم كونه عالما بعلم آخر وينتهي إلى علم يغفل عنه ولا يعلمه. ولا نقول: يتسلسل إلى غير نهاية، بل ينقطع على علم متعلق بمعلومه وهو غافل عن وجود العلم لا عن وجود المعلوم، كالذي يعلم السواد وهو في حال علمه مستغرق النفس بمعلومه الذي هو سواد وغافل عن علمه بالسواد وليس ملتفتا إليه، فإن التفت إليه افتقر إلى علم آخر إلى أن ينقطع التفاته.
... وأما الثالث، فعليكم البرهان وأما قولهم: إن هذا ينقلب عليكم في معلومات الله فإنها غير متناهية والعلم عندكم واحد، فنقول: نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب: تهافت الفلاسفة، لا تمهيد الحق. فليس يلزمنا هذا الجواب.
فإن قيل: إنا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق. فأما ما ينقلب على كافة الخلق وتستوي الأقدام في إشكاله فلا يجوز لكم إيراده، وهذا الإشكال منقلب عليكم ولا محيص لأحد من الفرق عنه.
قلنا: لا، بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين
القطعية وتشكيككم في دعاويكم.
أنتم تعترضون على المؤمنين بالرسول ... وإذا ظهر عجزكم ففي الناس من يذهب إلى أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل، بل ليس في قوة البشر الإطلاع عليه. ولذلك قال صاحب الشرع: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله. فما إنكاركم على هذه الفرقة المعتقدة صدق الرسول بدليل المعجزة المقتصرة من قضية العقل على إثبات ذات المرسل المحترزة عن النظر في الصفات بنظر العقل المتبعة صاحب الشرع فيما أتى به من صفات الله المقتفية أثره في إطلاق العالم والمريد والقادر والحي المنتهية عن إطلاق ما لم يؤذن فيه المعترفة بالعجز عن درك العقل.
... ونحن نعترض عليكم! وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك البراهين ووجه ترتيب المقدمات على أشكال المقاييس ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية. وقد بان عجزكم وتهافت مسالككم وافتضاحكم في دعوى معرفتكم وهو المقصود من هذا البيان. فأين من يدعي أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات؟
فإن قيل: هذا الإشكال إنما لزم على ابن سينا حيث زعم أن الأول يعلم غيره. فأما المحققون من الفلاسفة قد اتفقوا على أنه لا يعلم إلا نفسه، فيندفع هذا الإشكال.
فنقول: ناهيكم خزيا بهذا المذهب، ولولا أنه في غاية الركاكة لما استنكف المتأخرون عن نصرته. ونحن ننبه على وجه الخزي فيه، فإن فيه تفضيل معلولاته عليه، إذ الملك والإنسان وكل واحد من العقلاء يعرف نفسه ومبدأه ويعرف غيره، والأول لا يعرف إلا نفسه فهو ناقص بالإضافة إلى آحاد الناس فضلا عن الملائكة، بل البهيمة مع شعورها بنفسها تعرف أمورا أخر سواها. ولا شك في أن العلم شرف وان عدمه نقصان. فأين قولهم: إنه عاشق ومعشوق لأن له البهاء الأكمل والجمال الأتم؟ وأي جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خبر له مما يجري في العالم ولا مما يلزم
ذاته ويصدر منه؟ وأي نقصان في عالم الله يزيد على هذا؟ بلغ الفلاسفة هذا المبلغ! وليتعجب العاقل من طائفة يتعمقون في المعقولات بزعمهم ثم ينتهي آخر نظرهم إلى أن رب الأرباب ومسبب الأسباب لا علم له أصلا بما يجري في العالم. وأي فرق بينه وبين الميت إلا في علمه بنفسه؟ وأي كمال في علمه بنفسه مع جهله بغيره؟ وهذا مذهب تغني صورته في الافتضاح عن الإطناب والإيضاح.
الذات غير العلم بالذات، كما في الإنسان ثم يقال لهؤلاء: لم تتخلصوا عن الكثرة مع اقتحام هذه المخازي أيضا، فإنا نقول: علمه بذاته عين ذاته أو غير ذاته. فإن قلتم: إنه غيره، فقد جاءت الكثرة، وإن قلتم: إنه عينه، فما الفصل بينكم وبين قائل: إن علم الإنسان بذاته عين ذاته؟ وهو حماقة إذ يعقل وجود ذاته في حالة هو فيها غافل عن ذاته ثم تزول غفلته ويتنبه لذاته فيكون شعوره بذاته غير ذاته لا محالة.
فإن قلتم: إن الإنسان قد يخلوا عن العلم بذاته فيطرى عليه فيكون غيره لا محالة.
فنقول: الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة فإن عين الشيء لا يجوز أن يطرى على الشيء، وغير الشيء إذا قارن الشيء لم يصر هو هو ولم يخرج عن كونه غيرا. فبأن كان الأول لم يزل عالما بذاته لا يدل على أن علمه بذاته عين ذاته، ويتسع الوهم لتقدير الذات ثم طريان الشعور. ولو كان هو الذات بعينه لما تصور هذا التوهم.
فإن قيل: ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم به.
قلنا: الحماقة ظاهرة في هذا الكلام، فإن العلم صفة وعرض يستدعي موصوفا، وقول القائل: هو في ذاته عقل وعلم، كقوله: هو قدرة وإرادة وهو قائم بنفسه. ولو قيل: به، فهو كقول القائل في سواد وبياض: إنه قائم بنفسه، وفي كمية وتربيع وتثليث: إنه قائم بنفسه. وكذى في كل الأعراض. وبالطريق الذي يستحيل أن تقوم صفات الأجسام بنفسها دون جسم هو غير الصفات،
بعين ذلك الطريق يعلم أن صفات الأحياء من العلم والحياة والقدرة والإرادة أيضا لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بذات. فالحياة تقوم بالذات فيكون حياته بها، وكذلك سائر الصفات. فإذن لم يقنعوا بسلب الأول سائر الصفات ولا بسلبه الحقيقة والماهية حتى سلبوه أيضا القيام بنفسه وردوه إلى حقائق الأعراض والصفات التي لا قوام لها بنفسها.
.. ولا يقيمون الدليل على كونه عالما ... وسنبين ذلك على أنا سنبين بعد هذا عجزهم عن إقامة الدليل على كونه عالما بنفسه وبغيره في مسألة مفردة.
ويفارقه بفصل وأنه لا يتطرق إليه انقسام في حق العقل بالجنس والفصل
وقد اتفقوا على هذا وبنوا عليه أنه إذا لم يشارك غيره بمعنى جنسي لم ينفصل عنه بمعنى فصلي، فلم يكن له حد إذ الحد ينتظم من الجنس والفصل، وما لا تركيب فيه فلا حد له. وهذا نوع من التركيب. وزعموا أن قول القائل: أنه يساوي المعلول الأول في كونه موجودا وجوهرا وعلة لغيره ويباينه بشيء آخر لا محالة، فليس هذا مشاركة
بل هو مشاركة في لازم عام.
في الجنس
وفرق بين الجنس واللازم في الحقيقة وإن لم يفترقا في العموم على ما عرف في المنطق، فإن الجنس الذاتي هو العام المقول في جواب ما هو ويدخل في ماهية الشيء المحدود ويكون مقوما لذاته. فكون الإنسان حيا داخل في ماهية الإنسان أعني الحيوانية فكان جنسا. وكونه مولودا ومخلوقا لازم له لا يفارقه قط ولكنه ليس داخلا في الماهية.
وإن كان لازما عاما، ويعرف ذلك في المنطق معرفة لا يتمارى فيها.
وزعموا أن الوجود لا يدخل قط في ماهية الأشياء بل هو مضاف إلى الماهية: إما لازما لا يفارق كالسماء، أو واردا بعد أن لم يكن كالأشياء الحادثة، فالمشاركة في الوجود ليس مشاركة في الجنس.
... ولا يدخل فيها "كونه علة" ... وأما مشاركته في كونه علة لغيره كسائر العلل فهو مشاركة في إضافة لازمة لا تدخل أيضا في الماهية، فإن المبدئية والوجود لا يقوم واحد منهما الذات بل يلزمان الذات بعد تقوم الذات بأجزاء ماهيته. فليس المشاركة فيه إلا مشاركة في لازم عام يتبع الذات لزومه لا في جنس. ولذلك لا تحد الأشياء إلا بالمقومات، فإن حدث باللوازم كان ذلك رسما للتمييز لا لتصوير حقيقة الشيء. فلا يقال في حد المثلث إنه الذي تساوي
زواياه القائمتين، وإن كان ذلك لازما عاما لكل مثلث، بل يقال إنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع.
... ولا يدخل فيها كونه جوهرا ... وكذلك المشاركة في كونه جوهرا، فإن معنى كونه جوهرا أنه موجود لا في موضوع، والموجود ليس بجنس. فبأن يضاف إليه أمر سلبي وهو أنه لا في موضوع فلا يصير جنسا مقوما، بل لو أضيف إليه إيجابه وقيل موجود في موضوع لم يصر جنسا في العرض، وهذا لأن من عرف الجوهر بحده الذي هو كالرسم له وهو أنه موجود لا في موضوع فليس يعرف كونه موجودا، فضلا أن يعرف أنه في موضوع أو لا في موضوع، بل معنى قولنا في رسم الجوهر أنه الموجود لا في موضوع أي أنه حقيقة ما إذا وجد وجد لا في موضوع. ولسنا نعني به أنه موجود بالفعل حالة التحديد فليس المشاركة فيه مشاركة في جنس.
... بل الوجود الواجب هو للأول لا لغيره بل المشاركة في مقومات الماهية هي المشاركة في الجنس المحوج إلى المباينة بعده بالفصل وليس للأول ماهية سوى الوجود الواجب. فالوجود الواجب طبيعة حقيقية وماهية في نفسه هو له لا لغيره. وإذا لم يكن وجوب الوجود إلا له لم يشارك غيره فلم ينفصل عنه بفصل نوعي، فلم يكن له حد.
فهذا تفهيم مذهبهم. والكلام عليه من وجهين: مطالبة وإبطال. أما المطالبة فهو أن يقال: هذا حكاية المذهب، فبم عرفتم استحالة ذلك في حق الأول حتى بنيتم عليه نفي التثنية؟ إذ قلتم: إن الثاني ينبغي أن يشاركه في شيء ويباينه في شيء والذي فيه ما يشارك به وما يباين به فهو مركب والمركب محال.
أبطلنا إمكان التركيب في الأول فنقول: هذا النوع من التركيب من أين عرفتم استحالته؟ ولا دليل عليه
إلا قولكم المحكي عنكم في نفي الصفات وهو أن المركب من الجنس والفصل مجتمع من أجزاء، فإن كان يصح لواحد من الأجزاء أو الجملة وجود دون الآخر فهو واجب الوجود دون ما عداه، وإن كان لا يصح للأجزاء وجود دون المجتمع ولا للمجتمع وجود دون الأجزاء فالكل معلول محتاج. وقد تكلمنا عليه في الصفات وبينا أن ذلك ليس بمحال في قطع تسلسل العلل، والبرهان لم يدل على قطع التسلسل.
البرهان لا يدل إلا على قطع التسلسل فقط فأما العظائم التي اخترعوها في لزوم اتصاف واجب الوجود به فلم يدل عليه دليل. فإن كان واجب الوجود ما وصفوه به وهو أنه لا يكون فيه كثرة فلا يحتاج في قوامه إلى غيره، فلا دليل إذن على إثبات واجب الوجود وإنما الدليل دل على قطع التسلسل فقط، وهذا قد فرغنا منه في الصفات.
ليس بين الجنس والفصل مباينة تامة وهو في هذا النوع أظهر فإن انقسام الشيء إلى الجنس والفصل ليس كانقسام الموصوف إلى ذات وصفة، فإن الصفة غير الذات والذات غير الصفة والنوع ليس غير الجنس من كل وجه، فمهما ذكرنا النوع فقد ذكرنا الجنس وزيادة. وإذا ذكرنا الإنسان فلم نذكر إلا الحيوان مع زيادة نطق. فقول القائل: إن الإنسانية هل تستغني عن الحيوانية؟ كقوله: إن الإنسانية هل تستغني عن نفسها إذا انضم إليها شيء آخر؟ فهذا أبعد عن الكثرة من الصفة والموصوف.
إن لم تكن المباينة في الفصل ... ومن أي وجه يستحيل أن تنقطع سلسلة المعلولات على علتين إحديهما علة السموات والأخرى علة العناصر أو أحدهما علة العقول والآخر علة الأجسام كلها ويكون بينهما مباينة ومفارقة في المعنى كما بين الحمرة والحرارة في محل واحد؟ فإنهما يتباينان بالمعنى من غير أن نفرض في الحمرة تركيبا جنسيا وفصليا بحيث يقبل الانفصال، بل إن كان فيه كثرة فهو نوع كثرة لا يقدح في وحدة الذات.
فمن أي وجه يستحيل هذا في العلل؟ وبهذا يتبين عجزهم عن نفي إلهين صانعين.
إما أن يكون هذا شرطا في وجوب الوجود وإما أن لا يكون، ولا يصح في الحالين فإن قيل: إنما يستحيل هذا من حيث أن ما به من المباينة بين الذاتين إن كان شرطا في وجوب الوجود فينبغي أن يوجد لكل واجب وجود فلا يتباينان، وإن لم يكن هذا شرطا ولا الآخر شرطا فكل ما لا يشترط في وجوب الوجود فوجوده مستغنى عنه ويتم وجوب الوجود بغيره.
قلنا: هذا عين ما ذكرتموه في الصفات وقد تكلمنا عليه. ومنشأ التلبيس في جميع ذلك في لفظ واجب الوجود، فليطرح فإنا لا نسلم أن الدليل يدل على واجب الوجود إن لم يكن المراد به موجود لا فاعل له قديم، وإن كان المراد هذا فليترك لفظ واجب الوجود وليبين أن موجودا لا علة له ولا فاعل يستحيل فيه التعدد والتباين ولا يقوم عليه دليل.
بعض التباين هو شرط في "كون" اللون لونا فيبقى قولهم: إن ذلك هل هو شرط في أن لا يكون له علة؟ فهو هوس فإن ما لا علة له قد بينا أنه لا يعلل كونه لا علة له حتى يطلب شرطه، أو هو كقول القائل: إن السوادية هل هي شرط في كون اللون لونا؟ فإن كان شرطا فلم كان الحمرة لونا؟ فيقال: أما في حقيقته فلا يشترط واحد منهما، أعني ثبوت حقيقة اللونية في العقل، وأما في وجوده فالشرط أحدهما لا بعينه، أي لا يمكن جنس في الوجود إلا وله فصل.
فكذلك من يثبت علتين ويقطع التسلسل بهما فيقول: يتباينان بفصل، وأحد الفصول شرط الوجود لا محالة ولكن لا على التعين.
فإن قيل: هذا يجوز في اللون فإن له وجودا مضافا إلى الماهية زائدا على الماهية، ولا يجوز في واجب الوجود إذ ليس له إلا وجوب الوجود، وليس ثم ماهية يضاف الوجود إليها. وكما أن فصل السواد وفصل الحمرة لا يشترط للونية في كونها لونية إنما يشترط في وجودها الحاصل بعلة، فكذلك ينبغي أن لا يشترط في الوجود الواجب فإن الوجود الواجب للأول كاللونية للون لا كالوجود المضاف إلى اللونية.
قلنا: لا نسلم، بل له حقيقة موصوفة بالوجود على ما سنبينه في المسألة التي بعده. وقولهم: إنه وجود بلا ماهية، خارج عن المعقول. ورجع حاصل الكلام إلى انهم بنوا نفي التثنية على نفي التركيب الجنسي والفصلي ثم بنوا ذاك على نفي الماهية وراء الوجود، فمهما أبطلنا الأخير الوجود، فمهما أبطلنا الأخير الذي هو أساس الأساس بطل عليهم الكل، وهو بنيان ضعيف الثبوت قريب من بيوت العنكبوت.
العقلية مشتركة بين الأول والمعلول الأول المسلك الثاني الإلزام وهو أنا نقول: إن لم يكن الوجود والجوهرية والمبدئية جنسا لأنه ليس مقولا في جواب ما هو فالأول عندكم عقل مجرد، كما أن سائر العقول التي هي المبادئ للوجود المسمى بالملائكة عندهم التي هي معلومات الأول عقول مجردة عن المواد، فهذه الحقيقة تشمل الأول ومعلوله الأول فإن المعلول الأول أيضا بسيط لا تركيب في ذاته إلا من حيث لوازمه وهما مشتركان في أن كل واحد عقل مجرد عن المادة وهذه حقيقة جنسية. فليس العقلية المجردة للذات من اللوازم بل هي الماهية وهذه الماهية مشتركة بين الأول وسائر العقول. فإن لم يباينها بشيء آخر فقد عقلتم اثنينية من غير مباينة، وإن باينها فما به المباينة غير ما به المشاركة
والعقلية.
وهذه المشاركة هي في ذات كليهما والمشاركة فيها مشاركة في الحقيقية فإن الأول عقل نفسه وعقل غيره عند من يرى ذلك من حيث أنه في ذاته عقل مجرد عن المادة، وكذى المعلول الأول وهو العقل الأول الذي أبدعه الله من غير واسطة مشارك في هذا المعنى، والدليل عليه أن العقول التي هي معلولات أنواع مختلفة وإنما اشتراكها في العقلية وافتراقها بفصول سوى ذلك، وكذلك الأول شارك جميعها في العقلية فهم فيه بين نقض القاعدة أو المصير إلى أن العقلية ليست مقومة للذات، وكلاهما محالان عندهم.
أي هو وجود محض ولا ماهية ولا حقيقة يضاف الوجود إليها بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره
والكلام عليه من وجهين: الأول المطالبة بالدليل فيقال: بم عرفتم ذلك؟ أبضرورة أو نظر؟ وليس بضروري فلا بد من ذكر طريق النظر.
فإن قيل: لأنه لو كان له ماهية لكان الوجود مضافا إليها وتابعا لها ولازما لها والتابع معلول فيكون الوجود الواجب معلولا وهو متناقض.
فنقول: هذا رجوع إلى منبع التلبيس في إطلاق لفظ الوجود الواجب، فإنا نقول: له حقيقة وماهية وتلك الحقيقة موجودة أي ليست معدومة منفية ووجودها مضاف إليها، وإن أحبوا أن يسموه تابعا ولازما فلا مشاحة في الأسامي بعد أن يعرف أنه لا فاعل للوجود بل لم يزل هذا الوجود قديما من غير علة فاعلية. فإن عنوا بالتابع والمعلول أن له علة فاعلية فليس كذلك، وإن عنوا غيره فهو مسلم ولا استحالة فيه إذ الدليل لم يدل إلا على قطع تسلسل العلل، وقطعه بحقيقة موجودة وماهية ثابتة ممكن فليس يحتاج فيه إلى سلب الماهية.
فإن قيل: فتكون الماهية سببا للوجود الذي هو تابع له فيكون الوجود معلولا ومفعولا.
قلنا: الماهية في الأشياء الحادثة لا تكون سببا للوجود فكيف في القديم؟ إن عنوا بالسبب الفاعل له وإن عنوا به وجها آخر وهو أنه لا يستغنى
عنه فليكن كذلك فلا استحالة فيه، إنما الإستحالة في تسلسل العلل فإذا انقطع فقد اندفعت الإستحالة، وما عدى ذلك لم تعرف استحالته فلا بد من برهان على استحالته. وكل براهينهم تحكمات مبناها على أخذ لفظ واجب الوجود بمعنى له لوازم وتسلم أن الدليل قد دل على واجب الوجود بالنعت الذي وصفوه وليس كذلك كما سبق.
من الضلال أن يقال إن كل ماهية موجودة فمتكثرة وعلى الجملة دليلهم في هذا يرجع إلى دليل نفي الصفات ونفي الإنقسام الجنسي والفصلي، إلا أنه أغمض وأضعف لأن هذه الكثرة لا ترجع إلا إلى مجرد اللفظ وإلا فالعقل يتسع لتقدير ماهية واحدة موجودة وهو يقولون: كل ماهية موجودة فمتكثرة إذ فيه ماهية ووجود. وهذا غاية الضلال فإن الموجود الواحد معقول بكل حال ولا موجود إلا وله حقيقة ووجود الحقيقة لا ينفي الوحدة.
وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول المسلك الثاني هو أن نقول: وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول، وكما لا نعقل عدما مرسلا إلا بالإضافة إلى موجود يقدر عدمه فلا نعقل وجود مرسلا إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة، لا سيما إذا تبين ذاتا واحدة، فكيف يتعين واحدا متميزا عن غيره بالمعنى ولا حقيقة له؟ فإن نفي الماهية نفي للحقيقة وإذا نفى حقيقة الموجود لم يعقل الوجود، فكأنهم قالوا: وجود ولا موجود، وهو متناقض.
لا يعقل في المعلول نفي الماهية من الوجود ويدل عليه أنه لو كان هذا معقولا لجاز أن يكون في المعلولات وجود لا حقيقة له يشارك الأول في كونه لا حقيقة ولا ماهية له ويباينه في أن له علة، والأول لا علة له، فلم لا يتصور هذا في المعلولات؟ وهل له سبب إلا أنه غير معقول في نفسه؟ وما لا يعقل في نفسه فبأن ينفي علته لا يصير معقولا، وما يعقل فبأن يقدر له علة لا يخرج عن كونه معقولا. والتناهي إلى هذا الحد غاية ظلماتهم فقد ظنوا أنهم
ينزهون فيما يقولون فانتهى كلامهم إلى النفي المجرد، فإن نفي الماهية نفي للحقيقة ولا يبقى مع نفي الحقيقة إلا لفظ الوجود ولا مسمى له أصلا إذا لم يضف إلى ماهية.
فإن قيل: حقيقته أنه واجب وهو الماهية.
قلنا: ولا معنى للواجب إلا نفي العلة وهو سلب لا يتقوم به حقيقة ذات، ونفي العلة عن الحقيقة لازم الحقيقة، فلتكن الحقيقة معقولة حتى توصف بأنه لا علة لها ولا يتصور عدمها إذ لا معنى للوجوب إلا هذا. على أن الوجوب إن زاد على الوجود فقد جاءت الكثرة، وإن لم يزد فكيف يكون هو الماهية والوجود ليس بماهية؟ فكذى ما لا يزيد عليه.
على أن الأول ليس بجسم
فنقول: هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث أنه لا يخلوا عن الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث. فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما لا أول لوجوده مع أنه لا يخلوا عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسما إما الشمس وإما الفلك الأقصى وإما غيره؟