☪ Anlam Arayışı

← el-Ümm

Bölüm 99

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

(قال الشافعي) : - رحمه الله - وإذا صالح الإمام على أن يبعث إليهم بمن كان يقدر على بعثه منهم ممن لم يأته لم يجز الصلح؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث إليهم منهم بأحد، ولم يأمر أبا بصير، ولا أصحابه بإتيانهم، وهو يقدر على ذلك، وإنما معنى رددناه إليكم لم نمنعه كما نمنع غيره، وإذا صالحهم على أن لا يمنعهم من نساء مسلمات جئنه لم يجز الصلح وعليه منعهم منهن؛ لأنهن إن لم يكن دخلن في الصلح بالحديبية فليس له أن يصالح على هذا فيهن، وإن كن دخلن فيه، فقد حكم الله عز وجل أن لا ترجعوهن إلى الكفار ومنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جاءه من النساء وهكذا من جاءه من معتوه، أو صبي هاربا منهم لم تكن له التخلية بينه وبينهم؛ لأنهما يجامعان النساء في أن لا يمنعا معا ويزيدان على النساء أن لا يعرفا ثوابا في أن ينال منهما المشركون شيئا، ولا يرد إليهم في صبي، ولا في معتوه شيئا كما لا يرد إليهم في النساء غير المتزوجات شيئا؛ لأن الرد إنما هو في المتزوجات.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ومن جاءه من عبيدهم مسلما لم يرده إليهم وأعتقه

بخروجه إليه، وفي إعطائهم القيمة قولان أحدهما أن يعطوها ذكرا، أو أنثى؛ لأن رقيقهم ليس منهم ولهم حرمة الإسلام. فإن قال: قائل فكيف لا يكون منهم؟ قيل: فإن الله عز وجل يقول {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] فلم يختلف المسلمون أنها على الأحرار دون المماليك ذوي العدل، ولا يقال: لرقيق الرجل هم منك إنما يقال هم مالك، وإنما يرد عليهم القيمة بأنهم إذا صولحوا أمنوا على أموالهم ولهم أمان فلما حكم الله عز وجل بأن يرد نفقة الزوجة؛ لأنها فائتة حكم بأن يرد قيمة المملوك؛ لأنه فائت. وما رددنا عليهم فيه من النفقة. قلنا أن نأخذ منهم إذا فات المسلمين إليهم مثله وما لم نعطهم فيه شيئا من الأحرار الرجال، أو غير ذوات الأزواج لم نأخذ منهم شيئا إذا فات المسلمين إليهم مثله؛ لأن الله عز وجل إنما حكم بأن يرد إليهم العوض في الموضع الذي حكم للمسلمين بأن يأخذوا منهم مثله.

والقول الثاني: لا يرد إليهم قيمة، ولا يأخذ منهم فيمن فات إليهم من رقيق عينا، ولا قيمة؛ لأن رقيقهم ليسوا منهم، ولا يجوز للإمام إذا لم يصالح القوم إلا على ما وصفت أن يمكنهم من مسلم كان أسيرا في أيديهم فانفلت منهم، ولا يقضي لهم عليه بشيء، ولو أقر عبدهم أنهم أرسلوه على أن يؤدي إليهم شيئا لم يجز له أن يأخذه لهم، ولم يخرج المسلم بحسبه؛ لأنه أعطاهموه على ضرورة هي أكثر الإكراه وكل ما أعطى المرء على الإكراه لم يلزمه.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ولو أن أسيرا في بلاد الحرب أخذ منهم مالا على أن يعطيهم منه عوضا كان بالخيار بين أن يعطيهم مثل مالهم إن كان له مثل أو مثل قيمته إن لم يكن له مثل أو العوض الذي رضوا به، وإن كان في يده رده إليهم بعينه إن لم يكن تغير، وإن كان تغير رده ورد ما نقصه؛ لأنه أخذه على أمان، وإنما أبطلت عنه الشرط بالإكراه والضرورة فيما لم يأخذ به عرضا. وهكذا لو صالحنا قوما من المشركين على مثل ما وصفت فكان في أيديهم أسير من غيرهم فانفلت فأتانا لم يكن لنا رده عليهم من قبل أنه ليس منهم وأنهم قد يمسكون عن قتل وتعذيب من كان منهم إمساكا لا يمسكونه عن غيره.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : حفظنا أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل الحديبية الصلح الذي وصفت فخلى بين من قدم عليه من الرجال ووليه وقدمت عليهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما» وأخبر أن الله عز وجل نقض الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال، وإنما ذهبت إلى أن النساء كن في صلح الحديبية بأنه لو لم يدخل ردهن في الصلح لم يعط أزواجهن فيهن عوضا والله تعالى أعلم.

(قال الشافعي) : وذكر بعض أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فيها {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] قرأ الربيع الآية، ومن قال: إن النساء كن في الصلح قال بهذه الآية مع الآية التي في براءة.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وبهذه الآية مع الآية في براءة قلنا إذا صالح الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النساء، وقد أعطى المشركين فيما حفظنا فيهن ما أعطاهم في الرجال بأن لم يستثنين وأنهن منهم وبالآية في براءة

وبهذا قلنا: إذا ظفر المشركون برجل من المسلمين فأخذوا عليه عهودا وأيمانا بأن يأتيهم، أو يبعث إليهم بكذا، أو بعدد أسرى أو مال فحلال له أن لا يعطيهم قليلا ولا كثيرا؛ لأنها أيمان مكره، وكذلك لو أعطى الإمام عليه أن يرده عليهم إن جاءه. فإن قال: قائل ما دل على ذلك قيل

له: «لم يمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بصير من وليه حين جاءاه فذهبا به فقتل أحدهما وهرب الآخر منه فلم ينكر ذلك عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» بل قال: قولا يشبه التحسين له، ولا حرج عليه في الأيمان؛ لأنها أيمان مكره وحرام على الإمام أن يرده إليهم.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ولو أراد هو الرجوع حبسه، وكذلك حرام على الإمام أن يأخذ منه شيئا لهم مما صالحهم عليه، وكذلك إن أعطاهم هذا في عبد له، أو متاع غلبوا عليه لم يكن للإمام أن يأخذ منه الشيء يعطونه إياه فيأخذه الإمام برد السلف، أو مثله، أو قيمته إن لم يكن له مثل، ولو أعطوه إياه بيعا فهو بالخيار بين أن يرده إليهم إن لم يكن تغير أو يعطيهم قيمته، أو الثمن؛ لأنه مكره حين اشتراه، وهو أسير فلا يلزمه ما اشترى وللإمام أن يعطيهم منه ما وجب لهم عليه بما اشتراه.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وبهذا قلنا: لو أعطى الإمام قوما من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه من أيديهم بلا عوض لما وصفت من خلاف حال الأسير وأموال المسلمين في أيدي المشركين ما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية من رد رجالهم الذين هم أبناؤهم وإخوانهم وعشائرهم الممنوعين منهم ومن غيرهم أن ينالوا بتلف فإن ذهب ذاهب إلى رد أبي جندل بن سهيل إلى أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلى أهله بما أعطاهم قيل: له آباؤهم وأهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرص على سلامتهم وأهلهم كانوا سيقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوهم بتلف، أو أمر لا يحملونه من عذاب، وإنما نقموا منهم خلافهم دينهم ودين آبائهم فكانوا يتشددون عليهم ليتركوا دين الإسلام، وقد وضع الله عز وجل عنهم المأثم في الإكراه فقال: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] ومن أسر مسلما من غير قبيلته وقرابته، فقد يقتله بألوان القتل ويبلوه بالجوع والجهد، وليس حالهم واحدة، ويقال له أيضا: ألا ترى أن الله عز وجل نقض الصلح في النساء إذا كن إذا أريد بهن الفتنة ضعفن عند عرضها عليهن، ولم يفهمن فهم الرجال أن التقية تسعهن في إظهار ما أراد المشركون من القول وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام فأسرى المسلمين في أكثر من هذا الحال إلا أن الرجال ليس ممن ينكح وربما كان في المشركين من يفعل فيما بلغنا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : قال الله عز وجل {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] قرأ الربيع الآية.

(قال الشافعي) : وكان بينا في الآية منع المؤمنات المهاجرات من أن يرددن إلى دار الكفر وقطع العصمة بالإسلام بينهن وبين أزواجهن، ودلت السنة على أن قطع العصمة إذا انقضت عددهن، ولم يسلم أزواجهن من المشركين وكان بينا فيها أن يرد على الأزواج نفقاتهم ومعقول فيها أن نفقاتهم التي ترد نفقات اللائي ملكوا عقدهن وهي المهور إذا كانوا قد أعطوهن إياها، وبين أن الأزواج الذين يعطون النفقات؛ لأنهم الممنوعون من نسائهم وأن نساءهم المأذون للمسلمين بأن ينكحوهن إذا آتوهن أجورهن؛ لأنه لا إشكال عليهم في أن ينكحوا غير ذوات الأزواج إنما كان الإشكال في نكاح ذوات

الأزواج حتى قطع الله عز وجل عصمة الأزواج بإسلام النساء وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك بمضي العدة قبل إسلام الأزواج فلا يؤتى أحد نفقته من امرأة فاتت إلا ذوات الأزواج، وقد قال الله عز وجل للمسلمين {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] فأبانهن من المسلمين وأبان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك بمضي العدة فكان الحكم في إسلام الزوج الحكم في إسلام المرأة لا يختلفان. قال: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} [الممتحنة: 10] يعني والله تعالى أعلم أن أزواج المشركات من المؤمنين إذا منعهم المشركون إتيان أزواجهم بالإسلام أوتوا ما دفع إليهن الأزواج من المهور كما يؤدي المسلمون ما دفع أزواج المسلمات من المهور وجعله الله عز وجل حكما بينهم ثم حكم لهم في مثل هذا المعنى حكما ثانيا، فقال عز وعلا {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم} [الممتحنة: 11] والله تعالى أعلم يريد فلم تعفوا عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} [الممتحنة: 11] كأنه يعني من مهورهن إذا فاتت امرأة مشرك أتتنا مسلمة قد أعطاها مائة في مهرها وفاتت امرأة مشركة إلى الكفار قد أعطاها مائة حسبت مائة المسلم بمائة المشرك فقيل: تلك العقوبة.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ويكتب بذلك إلى أصحاب عهود المشركين حتى يعطي المشرك ما قاصصناه به من مهر امرأته للمسلم الذي فاتت امرأته إليهم ليس له غير ذلك، ولو كان للمسلمة التي تحت مشرك أكثر من مائة رد الإمام الفضل عن المائة إلى الزوج المشرك، ولو كان مهر المسلمة ذات الزوج المشرك مائتين ومهر امرأة المسلم الفائتة إلى الكفار مائة ففاتت امرأة مشركة أخرى قص من مهرها مائة وليس على الإمام أن يعطي ممن فاتته زوجته من المسلمين إلى المشركين إلا قصاصا من مشرك فاتت زوجته إلينا، وإن فاتت زوجة المسلم مسلمة، أو مرتدة فمنعوها فذلك له، وإن فاتت على أي الحالين كان فردوها لم يؤخذ لزوجها منهم مهر وتقتل إن لم تسلم إذا ارتدت وتقر مع زوجها مسلمة.

(أخبرنا الربيع) قال: (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : إذا جاءت المرأة الحرة من نساء أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى موضع الإمام من دار الإسلام أو دار الحرب فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض، وإذا طلبها زوجها بنفسه أو طلبها غيره بوكالته منعها، وفيها قولان أحدهما يعطى العوض والعوض ما قال الله عز وجل {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} [الممتحنة: 11] .

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ومثل ما أنفقوا يحتمل والله تعالى أعلم ما دفعوا بالصداق لا النفقة غيره، ولا الصداق كله إن كانوا لم يدفعوه.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فإذا جاءت امرأة رجل قد نكحها بمائتين فأعطاها مائة ردت إليه مائة، وإن نكحها بمائة فأعطاها خمسين ردت إليه خمسون؛ لأنها لم تأخذ منه من الصداق إلا خمسين، وإن نكحها بمائة، ولم يعطها شيئا من الصداق لم ترد إليه شيئا؛ لأنه لم ينفق بالصداق شيئا، ولو أنفق من عرس وهدية وكرامة لم يعط من ذلك شيئا لأنه تطوع به، ولا ينظر في ذلك إلى مهر مثلها إن كان زادها عليه، أو نقصها منه؛ لأن الله عز وجل أمر بأن يعطوا مثل ما أنفقوا ويعطي الزوج هذا الصداق من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة دون ما سواه من المال؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود

فيكم» يعني والله تعالى أعلم في مصلحتكم وبأن الأنفال كانت تكون عنه، وأن عمر روى أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل فضل ماله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله» .

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فإن ادعى الزوج صداقا وأنكره الإمام، أو جهله، فإن جاء الزوج بشاهدين من المسلمين أو شاهد حلف معه أعطاه، وإن لم يجد شاهدا إلا مشركا لم يعطه بشهادة مشرك وينبغي للإمام أن يسأل المرأة فإن أخبرته شيئا وأنكر الزوج، أو صدقته لم يقبله الإمام وكان على الإمام أن يسأل عن مهر مثلها في ناحيتها ويحلفه بأنه دفعه ثم يدفعه إليه وقل قوم إلا ومهورهم معروفة ممن معهم من المسلمين الأسرى والمستأمنين، أو الحاضرين لهم، أو المصالح عليهم لم يكن معهم مسلمون منها.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإن أعطاه المهر على واحد من هذه المعاني بلا بينة ثم أقام عنده شاهدا أنه أكثر مما أعطاه رجع عليه بالفضل الذي شهدت له به البينة، ولو أعطاه بهذه المعاني، أو ببينة ثم أقر عنده أنه أقل مما أعطاه رجع عليه بالفضل وحبسه فيه ولم يكن هذا نقضا لعهده، وإن لم يقدم زوجها، ولا رسوله بطلبها حتى مات فليس لورثته فيما أنفق من صداقها شيء؛ لأنه لو كان حيا فلم يطلبه إياه، وإنما جعل له ما أنفق إذا منع ردها إليه، وهو لا يقال له ممنوع ردها إليه حتى يطلبها فيمنع ردها إليه.

وإن قدم في طلبها فلم يطلبها إلى الإمام حتى مات كان هكذا، وكذلك لو لم يطلبها إلى الإمام حتى طلقها ثلاثا، أو ملكها أن تطلق نفسها ثلاثا فطلقت نفسها ثلاثا، أو تطليقة لم يبق له عليها من الطلاق غيرها لم يكن له عوض؛ لأنه قد قطع حقه فيها حتى لو أسلم وهي في عدة لم تكن له زوجة فلا يرد إليه المهر من امرأة قد قطع حقه فيها بكل حال، وكذلك لو خالعها قبل أن يرتفع إلى الإمام؛ لأنه لو أسلم ثبت الخلع وكانت بائنا منه لا يعطى من نفقته شيء من امرأة قطع أن تكون زوجة له بحال، ولو طلقها واحدة يملك الرجعة ثم طلب العوض لم نعطه حتى يراجعها فإن راجعها في العدة من يوم طلقها ثم طلبها أعطي العوض؛ لأنه لم يقطع حقه في العوض لا يكون قطعه حقه في العوض إلا بأن يحدث طلاقا لو كانت ساعتها تلك أسلمت وأسلم لم يكن له عليها رجعة، ولو كانت المرأة قدمت غير مسلمة كان هذا هكذا.

قال: ولو قدمت مسلمة وجاء زوجها فلم يطلبها حتى ماتت لم يكن له عوض؛ لأنه إنما يعاوض بأن يمنعها وهي بحضرة الإمام، ولو كانت المسألة بحالها فلم تمت، ولكن غلبت على عقلها كان لزوجها العوض، ولو قدم الزوج مسلما وهي في العدة كان أحق بها، ولو قدم يطلبها مشركا ثم أسلم قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته ورجع عليه بالعوض فأخذ منه إن كان أخذه، ولو طلب العوض فأعطيه ثم لم يسلم حتى تنقضي عدتها ثم أسلم فله العوض؛ لأنها قد بانت منه بالإسلام في ملك النكاح، ولو نكحها بعد لم نرجع عليه بالعوض؛ لأنه إنما ملكها بعقد غيره؛ وإن قدمت امرأة من بلاد الإسلام، أو غيرها حيث ينفذ أمر الإمام ثم جاء زوجها يطلبها إلى الإمام لم يعط عوضا؛ لأنها لم تقدم عليه وواجب على كل من كانت بين ظهرانيه من المسلمين أن يمنعها زوجها ومتى ما صارت إلى دار الإمام فمنعها منه فله العوض ومتى طلبها زوجها وهي في دار الإمام فجاء زوجها فلم يرفعها إلى الإمام حتى تنحت عن دار الإمام لم يكن له عوض؛ لأنه يكون له العوض بأن تقيم في دار الإمام، ومتى طلبها بعد مدتها، أو مغيبها عن دار الإمام فلا عوض له.

ولو قدمت مسلمة ثم ارتدت استتيبت فإن تابت وإلا قتلت فإن قدم زوجها بعد القتل، فقد فاتت، ولا عوض، وإن قدم قبل أن ترتد فارتدت وطلبها لم يعطها وأعطي العوض واستتيبت فإن تابت وإلا قتلت، وإن قدم وهي مرتدة قبل أن تقتل فطلبها أعطي العوض وقتلت مكانها، ومتى طلبها، فقد استوجب العوض؛ لأن على الإمام منعه منها، وإن قدمت وطلبها الزوج ثم قتلها رجل فعليه القصاص

أو العقل ولزوجها العوض، وكذلك لو قدم، وفيها الحياة لم تمت، وإن كان يرى أنها في آخر رمق؛ لأنه يمنعها في هذه الأحوال إلا أن تكون جنى عليها جناية فصارت في حال لا تعيش فيها إلا كما تعيش الذبيحة فهي في حال الميتة فلا يعطى فيها عوضا، وإذا كان على الإمام منعه إياها في هذه الأحوال بأن تكون في حكم الحياة كان له العوض، ولا يستوجب العوض بحال إلا أن يطلبها إلى الإمام، أو وال يخلفه ببلده فإن طلبها إلى من دون الإمام من عامة، أو خاصة الإمام، أو وال ممن لم يوله الإمام هذا فهذا لا يكون له به العوض، ومتى وصل إلى الإمام طلبه بها، وإن لم يصل إليه فله العوض، وإن ماتت قبل أن تصل إلى الإمام ثم طلبها إليه فلا عوض له، وإن كانت القادمة مملوكة متزوجة رجلا حرا أو مملوكا أمر الإمام باختيار فراق الزوج إن كان مملوكا، وإن كان حرا فطلبها، أو مملوكا فلم تختر فراقه حتى قدم مسلما فهي على النكاح، وإن قدم كافرا فطلبها فمن قال: تعتق، ولا عوض لمولاها؛ لأنها ليست منهم فلا عوض لمولاها، ولا لزوجها كما لا يكون لزوج المرأة المأسورة فيهم من غيرهم عوض، ومن قال تعتق ويرد الإمام على سيدها قيمتها فلزوجها العوض إذا كان حرا، وإن كان مملوكا فلا عوض له إلا أن يجتمع طلبه وطلب السيد فيطلب هو امرأته بعقد النكاح والسيد المال مع طلبه، فإن انفرد أحدهما دون الآخر فلا عوض له.

وإن كان هذا بيننا وبين أحد من أهل الكتاب فجاءتنا امرأة رجل منهم مشركة، أو امرأة غير كتابي، وهذا العقد بيننا وبينه فطلبها زوجها لم يكن لنا منعه منها إذا كان الزوج القادم أو محرما لها بوكالته إذا سألت ذلك، وإن كان الزوج القادم فطلبها زوجها وأسلمت أعطيناه العوض، وإن لم تسلم دفعناها إليه، ولو خرجت امرأة رجل منهم معتوهة منعنا زوجها منها حتى يذهب عنها، فإذا ذهب فإن قالت خرجت مسلمة وأنا أعقل ثم عرض لي، فقد وجب له العوض، وإن قالت خرجت معتوهة ثم ذهب هذا عني فأنا أسلم منعناها منه، وإن طلبها يومئذ أعطيناه العوض، وإن لم يطلبها فلا عوض له.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإن خرجت إلينا منهم زوجة رجل لم تبلغ، وإن عقلت فوصفت الإسلام منعناها منه بصفة الإسلام، ولا يعطى حتى تبلغ، فإذا بلغت وثبتت على الإسلام أعطيناه العوض إذا طلبها بعد بلوغها وثبوتها على الإسلام فإن لم يطلبها بعد ذلك لم يكن له عوض من قبل أنه لا يكمل إسلامها حتى تقتل على الردة إلا بعد البلوغ، ولو جاءتنا جارية لم تبلغ فوصفت الإسلام وجاء زوجها وطلبها فمنعناه منها فبلغت، ولم تصف الإسلام بعد البلوغ فتكون من الذين أمرنا إذا علمنا إيمانهن أن لا ندفعهن إلى أزواجهن فمتى وصفت الإسلام بعد وصفها الإسلام والبلوغ لم يكن له عوض، وكذلك إن بلغت معتوهة لم يكن له عوض.

والقول الثاني: أن له العوض في كل حال منعناها منه بصفة الإسلام، وإن كانت صبية، وإذا جاء زوج المرأة يطلبها فلم يرتفع إلى الإمام حتى أسلم، وقد خرجت امرأته من العدة لم يكن له عوض، ولا على امرأته سبيل؛ لأنه لا يمنع من امرأته إذا أسلم إلا بانقضاء عدتها، ولو كانت في عدتها كانا على النكاح، وإنما يعطي العوض من يمنع امرأته، ولو قدم وهي في العدة ثم أسلم ثم طلبها إلى الإمام خلى بينه وبينها فإن لم يطلبها حتى ارتدت بعد إسلامه ثم طلب العوض لم يكن له؛ لأنه لما أسلم صار ممن لا يمنع امرأته فلا يكون له عوض؛ لأني أمنعها منه بالردة، فإن لحق بدار الحرب مرتدا فسأل العوض لم يعطه لما وصفت، ولو قدمت مسلمة ثم ارتدت ثم طلب منها

الإسلام الأول ويمنع منها بالردة، وإن رجعت إلى الإسلام وهي في العدة فهو أحق بها وإن رجعت بعد مضي العدة والعصمة منقطعة بينهما فلا عوض وكل ما وصفت فيه العوض في قول من رأى أن يعطي العوض، وفيه قول ثان لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض، ولو شرط الإمام برد النساء كان الشرط منتقضا ومن قال هذا قال: إن «شرط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل الحديبية إذ دخل فيه أن يرد من جاءه منهم» وكان النساء منهم كان شرطا صحيحا فنسخه الله ثم رسوله لأهل الحديبية ورد عليهم فيما نسخ منه العوض ولما قضى الله ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ترد النساء لم يكن لأحد ردهن، ولا عليه عوض فيهن؛ لأن شرط من شرط رد النساء بعد نسخ الله عز وجل ثم رسوله لها باطل، ولا يعطى بالشرط الباطل شيء.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ومن قال: هذا لم يرد مملوكا بحال، ولا يعطيهم فيه عوضا وأشبههما أن لا يعطوا عوضا والآخر كما وصفت يعطون فيه العوض، ومن قال: هذا لا نرد إلى أزواج المشركين عوضا لم يأخذ للمسلمين فيما فات من أزواجهم عوضا، وليس لأحد أن يعقد هذا العقد إلا الخليفة، أو رجل بأمر الخليفة؛ لأنه يلي الأموال كلها فمن عقده غير خليفة فعقده مردود، وإن جاءت فيه امرأة، أو رجل لم يرد للمشركين، ولم يعطوا عوضا ونبذ إليهم، وإذا عقد الخليفة فمات، أو عزل واستخلف غيره فعليه أن يفي لهم بما عقد لهم الخليفة قبله، وكذلك على والي الأمر بعده إنفاذه إلى انقضاء المدة فإن انقضت المدة فمن قدم من رجل، أو امرأة لم يرده، ولم يعط عوضا وكانوا كأهل دار الحرب قدم علينا نساؤهم ورجالهم مسلمين فنقبلهم، ولا نعطي أحدا عوضا من امرأته في قول من أعطى العوض.

فإن هادناهم على الترك سنة فقدمت علينا امرأة رجل منهم وكان الذين هادنونا من أهل الكتاب أو ممن دان دينهم قبل نزول الفرقان وأسلموا في دارهم أو أعطوا الجزية ثم جاءونا يطلبون رجالهم ونساءهم قيل: قد انقضت الهدنة وخير لكم دخولكم في الإسلام وهؤلاء رجالكم فإن أحبوا رجعوا، وإن أحبوا أقاموا، وإن أحبوا انصرفوا، ولو نقضوا العهد بيننا وبينهم لم يعطوا عوضا من امرأة رجل منهم، ولم يرد إليهم منهم مسلم وهكذا لو هادنا قوما هكذا وأتانا رجالهم فخلينا بين أوليائهم وبينهم ثم نقضوا العهد كان لنا إخراجهم من أيديهم وعلينا طلبهم حتى نخرجهم من أيديهم؛ لأنهم تركوا العهد بيننا وبينهم وسقط الشر.

وهكذا لو هادنا من لا تؤخذ منه الجزية في كل ما وصفته إلا أنه ليس لنا أن نأخذ الجزية، وإذا هادنا قوما رددنا إليهم ما فات إلينا من بهائم أموالهم وأمتعتهم؛ لأنه ليس في البهائم حرمة يمنعن بها من أن نصيرها إلى مشرك، وكذلك المتاع، وإن صارت في يد بعضنا فعليه أن يصيرها إليهم، ولو استمتع بها واستهلكها كان كالغصب يلزمه لهم ما يلزم الغاصب من كراء إن كان لها وقيمة ما هلك منها في أكثر ما كانت قيمته.

إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عبد الله فلان أمير المؤمنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة كذا وكذا لفلان بن فلان النصراني من بني فلان الساكن بلد كذا وأهل النصرانية من أهل بلد كذا إنك سألتني أن أؤمنك وأهل النصرانية من أهل بلد كذا وأعقد لك ولهم ما يعقد لأهل الذمة على ما أعطيتني وشرطت لك ولهم وعليك وعليهم فأجبتك إلى أن عقدت لك ولهم علي وعلى جميع المسلمين الأمان ما استقمت

واستقاموا بجميع ما أخذنا عليكم وذلك أن يجري عليكم حكم الإسلام لا حكم خلافه بحال يلزمكموه، ولا يكون لكم أن تمتنعوا منه في شيء رأيناه نلزمكم به وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا - صلى الله عليه وسلم - أو كتاب الله عز وجل أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به، فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين ونقض ما أعطي عليه الأمان وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب دماؤهم.

وعلى أن أحدا من رجالكم إن أصاب مسلمة بزنا، أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم، أو فتن مسلما عن دينه، أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال، أو دلالة على عورة المسلمين وإيواء لعيونهم، فقد نقض عهده وأحل دمه وماله، وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه، أو نال به من على مسلم منعه من كافر له عهد، أو أمان لزمه فيه الحكم وعلى أن نتتبع أفعالكم في كل ما جرى بينكم وبين مسلم فما كان لا يحل لمسلم مما لكم فيه فعل رددناه وعاقبناكم عليه وذلك أن تبيعوا مسلما بيعا حراما عندنا من خمر، أو خنزير، أو دم ميتة أو غيره ونبطل البيع بينكم فيه ونأخذ ثمنه منكم إن أعطاكموه، ولا نرده عليكم إن كان قائما ونهريقه إن كان خمرا، أو دما ونحرقه إن كان ميتة، وإن استهلكه لم نجعل عليه فيه شيئا ونعاقبكم عليه، وعلى أن لا تسقوه، أو تطعموه محرما أو تزوجوه بشهود منكم، أو بنكاح فاسد عندنا وما بايعتم به كافرا منكم، أو من غيركم لم نتبعكم فيه، ولم نسألكم عنه ما تراضيتم به.

وإذا أراد البائع منكم، أو المبتاع نقض البيع وأتانا طالبا له فإن كان منتقضا عندنا نقضناه، وإن كان جائزا أجزناه إلا أنه إذا قبض المبيع وفات لم يرده؛ لأنه بيع بين مشركين مضى ومن جاءنا منكم، أو من غيركم من أهل الكفر يحاكمكم أجريناكم على حكم الإسلام ومن لم يأتنا لم نعرض لكم فيما بينكم وبينه، وإذا قتلتم مسلما، أو معاهدا منكم، أو من غيركم خطأ فالدية على عواقلكم كما تكون على عواقل المسلمين وعواقلكم قراباتكم من قبل آبائكم، وإن قتله منكم رجل لا قرابة له فالدية عليه في ماله، وإذا قتله عمدا فعليه القصاص إلا أن تشاء ورثته دية فيأخذونها حالة، ومن سرق منكم فرفعه المسروق إلى الحاكم قطعه إذا سرق ما يجب فيه القطع وغرم، ومن قذف فكان للمقذوف حد حد له، وإن لم يكن حد عزر حتى تكون أحكام الإسلام جارية عليكم بهذه المعاني فيما سمينا، ولم نسم.

وعلى أن ليس لكم أن تظهروا في شيء من أمصار المسلمين الصليب، ولا تعلنوا بالشرك، ولا تبنوا كنيسة، ولا موضع مجتمع لصلاتكم، ولا تضربوا بناقوس، ولا تظهروا قولكم بالشرك في عيسى ابن مريم، ولا في غيره لأحد من المسلمين، وتلبسوا الزنانير من فوق جميع الثياب الأردية وغيرها حتى لا تخفى الزنانير وتخالفوا بسروجكم وركوبكم وتباينوا بين قلانسكم وقلانسهم بعلم تجعلونه بقلانسكم وأن لا تأخذوا على المسلمين سروات الطرق، ولا المجالس في الأسواق وأن يؤدي كل بالغ من أحرار رجالكم غير مغلوب على عقله جزية رأسه دينارا مثقالا جيدا في رأس كل سنة لا يكون له أن يغيب عن بلده حتى يؤديه، أو يقيم به من يؤديه عنه لا شيء عليه من جزية رقبته إلى رأس السنة ومن افتقر منكم فجزيته عليه حتى تؤدى عنه وليس الفقر بدافع عنكم شيئا، ولا ناقض لذمتكم عن ما به فمتى وجدنا عندكم شيئا أخذتم به، ولا شيء عليكم في أموالكم سوى جزيتكم ما أقمتم في بلادكم واختلفتم ببلاد المسلمين غير تجار وليس لكم دخول مكة بحال، وإن اختلفتم بتجارة على أن تؤدوا من جميع تجاراتكم العشر إلى المسلمين فلكم دخول جميع بلاد المسلمين إلا مكة والمقام بجميع بلاد المسلمين كما شئتم إلا الحجاز فليس لكم

المقام ببلد منها إلا ثلاث ليال حتى تظعنوا منه، وعلى أن من أنبت الشعر تحت ثيابه، أو احتلم، أو استكمل خمس عشرة سنة قبل ذلك فهذه الشروط لازمة له إن رضيها فإن لم يرضها فلا عقد له، ولا جزية على أبنائكم الصغار، ولا صبي غير بالغ ومغلوب على عقله، ولا مملوك، فإذا أفاق المغلوب على عقله وبلغ الصبي وعتق المملوك منكم فدان دينكم فعليه جزيتكم والشرط عليكم وعلى من رضيه ومن سخطه منكم نبذنا إليه ولكم أن نمنعكم وما يحل ملكه عندنا لكم ممن أرادكم من مسلم، أو غيره بظلم بما نمنع به أنفسنا وأموالنا ونحكم لكم فيه على من جرى حكمنا عليه بما نحكم به في أموالنا وما يلزم المحكوم في أنفسكم فليس علينا أن نمنع لكم شيئا ملكتموه محرما من دم، ولا ميتة، ولا خمر، ولا خنزير كما نمنع ما يحل ملكه، ولا نعرض لكم فيه إلا أنا لا ندعكم تظهرونه في أمصار المسلمين فما ناله منه مسلم، أو غيره لم نغرمه ثمنه؛ لأنه محرم، ولا ثمن لمحرم ونزجره عن العرض لكم فيه فإن عاد أدب بغير غرامة في شيء منه.

وعليكم الوفاء بجميع ما أخذنا عليكم وأن لا تغشوا مسلما، ولا تظاهروا عدوهم عليهم بقول، ولا فعل عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من الوفاء بالميثاق ولكم عهد الله وميثاقه وذمة فلان أمير المؤمنين وذمة المسلمين بالوفاء لكم، وعلى من بلغ من أبنائكم ما عليكم بما أعطيناكم ما وفيتم بجميع ما شرطنا عليكم فإن غيرتم أو بدلتم فذمة الله ثم ذمة فلان أمير المؤمنين والمسلمين بريئة منكم ومن غاب عن كتابنا ممن أعطيناه ما فيه فرضيه إذا بلغه فهذه الشروط لازمة له ولنا فيه ومن لم يرض نبذنا إليه. شهد.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فإن شرط عليهم ضيافة، فإذا فرغ من ذكر الجزية كتب في أثر قوله: ولا شيء عليكم في أموالكم غير الدينار في السنة والضيافة على ما سمينا فكل من مر به مسلم، أو جماعة من المسلمين فعليه أن ينزله في فضل منازله فيما يمكنه من حر، أو برد ليلة ويوما، أو ثلاثا إن شرطوا ثلاثا ويطعمه من نفقة عامة أهله مثل الخبز والخل والجبن واللبن والحيتان واللحم والبقول المطبوخة ويعلفه دابة واحدة تبنا، أو ما يقوم مقامه في مكانه فإن أقام أكثر من ذلك فليس عليه ضيافة، ولا علف دابة وعلى الوسط أن ينزل كل من مر به رجلين وثلاثة لا يزيد عليهم ويصنع لهم ما وصفت وعلى الموسع أن ينزل كل من مر به ما بين ثلاثة إلى ستة لا يزيدون على ذلك، ولا يصنعون بدوابهم إلا ما وصفت إلا أن يتطوعوا لهم بأكثر من ذلك فإن قلت المارة من المسلمين يفرقهم وعدلوا في تفريقهم.

فإن كثر الجيش حتى لا يحتملهم منازل أهل الغنى، ولا يجدون منزلا أنزلهم أهل الحاجة في فضل منازلهم وليست عليهم ضيافة فإن لم يجدوا فضلا من منازل أهل الحاجة لم يكن لهم أن يخرجوهم وينزلوا منازلهم وإذا كثروا وقل من يضيفهم فأيهم سبق إلى النزول فهو أحق به، وإن جاءوا معا أقرعوا فإن لم يفعلوا وغلب بعضهم بعضا ضيف الغالب، ولا ضيافة على أحد أكثر مما وصفت، فإذا نزلوا بقوم آخرين من أهل الذمة أحببت أن يدع الذين قروا القرى ويقري الذين لم يقروا، فإذا ضاق عليهم الأمر فإن لم يقرهم أهل الذمة لم يأخذ منهم ثمنا للقرى، فإذا مضى القرى لم يؤخذوا به إذا سألهم المسلمون، ولا يأخذ المسلمون من ثمار أهل الذمة، ولا أموالهم شيئا بغير إذنهم، وإذا لم يشترطوا عليهم ضيافة فلا ضيافة عليهم وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا، وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين إن فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد، أو قصاص لا نقض عهد، وإن فعل ما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم، ولكنه قال: أتوب وأعطي الجزية كما كنت

أعطيها، أو على صلح أجدده عوقب، ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص بقتل، أو قود فأما ما دون هذا من الفعل، أو القول وكل قول فيعاقب عليه، ولا يقتل.

(قال الشافعي) : - رحمه الله - فإن فعل، أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول أسلم، أو أعطى جزية قتل وأخذ ماله فيئا.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : قال: الله عز وجل {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال: فكان معقولا في الآية أن تكون الجزية غير جائزة والله تعالى أعلم إلا معلوما ثم دلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مثل معنى ما وصفت من أنها معلوم فأما ما لم يعلم أقله، ولا أكثره، ولا كيف أخذ من أخذه من الولاة له، ولا من أخذت منه من أهل الجزية فليس في معنى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نوقف على حده.

ألا ترى إن قال: أهل الجزية نعطيكم في كل مائة سنة درهما وقال: الوالي بل آخذ منكم في كل شهر دينارا لم يقم على أحد هذا، ولا يجوز فيها إلا أن يستن فيها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنأخذ بأقل ما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يكون لوال أن يقبل أقل منه، ولا يرده؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها معلومة، ألا ترى أنه أخذها دينارا وازداد فيها ضيافة فأخذ من كل إنسان من أهل اليمن دينارا ومن أهل أيلة مثله وأخذ من أهل نجران كسوة وأعلمني علماء من أهلها أنها تتجاوز قيمة دينار، ولم يجز في الآية إلا أن تكون على كل بالغ لا على بعض البالغين دون بعض من أهل دين واحد فلا يجوز والله تعالى أعلم أن تؤخذ الجزية من قوم من أموالهم على معنى تضعيف الصدقة بلا ثني عليهم فيها وذلك أن ذلك لو جاز كان منهم من لا مال له تجب فيه الصدقة، وإن كان له مال كثير من عروض ودور كغلة وغيرها فيكونون بين أظهرنا مقرين على دينهم بلا جزية، ولم يبح هذا لنا، ولا أن يكون أحد من رجالهم خليا من الجزية.

ويجوز أن يؤخذ من الجزية على ما صالحوا عليه من أموالهم تضعيف صدقة، أو عشر أو ربع، أو نصف، أو نصف أموالهم أو أثلاثها، أو ثني أن يقال: من كان له منكم مال أخذ منه ما شرط على نفسه وشرطوا له ما كان يؤخذ منه في السنة تكون قيمته دينارا أو أكثر، فإذا لم يكن له ما يجب فيه ما شرط، أو هو أقل من قيمة دينار فعليه دينار، أو تمام دينار، وإنما اخترت هذا أنها جزية معلومة الأقل وأن ليس منهم خلي منها قال: ولا يفسد هذا؛ لأنه شرط يتراضيان به لا بيع بينهما فيفسد بما تفسد به البيوع كما لم يفسد أن يشترط عليهم الضيافة، وقد تتابع عليهم فتلزمهم وتغب فلا تلزمهم بإغبابها شيء.

قال ولعل عمر أن يكون صالح من نصارى العرب على تضعيف الصدقة وأدخل هذا الشرط، وإن لم يحك عنه، وقد روي عنه أنه أبى أن يقر العرب إلا على الجزية فأنفوا منها، وقالوا تأخذها منا على معنى الصدقة مضعفة كما يؤخذ من العرب المسلمين فأبى فلحقت منهم جماعة بالروم فكره ذلك وأجابهم إلى تضعيف الصدقة عليهم فصالحه من بقي في بلاد الإسلام عليها فلا بأس أن يصالحهم عليها على هذا المعنى الذي وصفت من الثني.

(أخبرنا الربيع) قال (أخبرنا الشافعي) وإذا أراد الإمام أن يكتب لهم كتابا على الجزية بشرط معنى الصدقة كتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عبد الله فلان أمير المؤمنين لفلان بن فلان النصراني من بني فلان الفلاني من أهل بلد كذا وأهل النصرانية من أهل بلد كذا أنك سألتني لنفسك وأهل النصرانية من أهل بلد كذا أن أعقد لك ولهم علي وعلى المسلمين ما يعقد لأهل الذمة على ما شرطت عليك وعليهم ولك ولهم فأجبتك إلى ما سألت لكم ولمن رضي ما عقدت من أهل بلد كذا على ما شرطنا عليه في هذا الكتاب وذلك أن يجري عليكم حكم الإسلام لا حكم خلافه ولا يكون لأحد منكم الامتناع مما رأيناه لازما له فيه ولا مجاوزا به ثم يجري الكتاب على مثل الكتاب الأول لأهل الجزية التي هي ضريبة لا تزيد ولا تنقص فإذا انتهى إلى موضع الجزية كتب على أن من كان له منكم إبل أو بقر أو غنم أو كان ذا زرع أو عين مال أو تمر يرى فيه المسلمون على من كان له منهم فيه الصدقة أخذت جزيته منه الصدقة مضعفة وذلك أن تكون غنمه أربعين فتؤخذ منه فيها شاتان إلى عشرين ومائة فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة أخذت فيها أربع شياه إلى مائتين فإذا زادت شاة على مائتين أخذت فيها ست شياه إلى أن تبلغ ثلاثمائة وتسعة وتسعين فإذا بلغت أربعمائة أخذ فيها ثمان شياه ثم لا شيء في الزيادة حتى تكمل مائة ثم عليه في كل مائة منها شاتان ومن كان منكم ذا بقر فبلغت بقره ثلاثين فعليه فيها تبيعان ثم لا شيء عليه في زيادتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين فعليه فيها مسنتان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها أربعة أتبعة ثم لا شيء في زيادتها إلى ثمانين فإذا بلغتها ففيها أربع مسنات ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ تسعين.

فإذا بلغتها ففيها ستة أتبعة ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة فإذا بلغتها فعليه فيها مسنتان وأربعة أتبعة ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وعشرا فإذا بلغتها فعليه فيها أربع مسنات وتبيعان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وعشرين فإذا بلغتها فعليه فيها ست مسنات ثم يجري الكتاب بصدقة البقر مضعفة ثم يكتب في صدقة الإبل فإن كانت له إبل فلا شيء فيها حتى تبلغ خمسا فإذا بلغتها فعليه فيها شاتان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرا فإذا بلغتها فعليه فيها أربع شياه ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمس عشرة فإذا بلغتها فعليه فيها ست شياه ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرين فإذا بلغتها فعليه فيها ثمان شياه ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمسا وعشرين فإذا بلغتها فعليه فيها ابنتا مخاض فإن لم يكن فيها ابنتا مخاض فابنا لبون ذكران.

وإن كانت له ابنة مخاض واحدة وابن لبون واحد أخذت بنت المخاض وابن اللبون ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وثلاثين فإذا بلغتها فعليه فيها ابنتا لبون ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وأربعين فإذا بلغتها فعليه فيها حقتان طروقتا الجمل ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وستين فإذا بلغتها ففيها جذعتان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وسبعين فإذا بلغتها ففيها أربع بنات لبون ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وتسعين فإذا بلغتها ففيها أربع حقائق ثم ذلك فرضها حتى تنتهي إلى عشرين ومائة فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة طرح هذا وعدت فكان في كل أربعين منها ابنتا لبون وفي كل خمسين مباحا وإذا لم يوجد في مال من عليه

الجزية من الإبل السن التي شرط عليه أن تؤخذ في ست وثلاثين فصاعدا فجاء بها قبلت منه وإن لم يأت بها فالخيار إلى الإمام بأن يأخذ السن التي دونها ويغرمه في كل بعير لزمه شاتين أو عشرين درهما أيهما شاء الإمام أخذه به وإن شاء الإمام أخذ السن التي فوقها ورد إليه في كل بعير شاتين أو عشرين درهما أيهما شاء الإمام فعل وأعطاه إياه، وإذا اختار الإمام أن يأخذ السن العليا على أن يعطيه الإمام الفضل أعطاه الإمام أيهما كان أيسر نقدا على المسلمين، وإذا اختار أن يأخذ السن الأدنى ويغرم له صاحب الإبل فالخيار إلى صاحب الإبل فإن شاء أعطاه شاتين وإن شاء أعطاه عشرين درهما.

ومن كان منهم ذا زرع يقتات من حنطة أو شعير أو ذرة أو دخن أو أرز أو قطنية لم يؤخذ منه فيه شيء حتى يبلغ زرعه خمسة أوسق يصف الوسق في كتابه بمكيال يعرفونه فإذا بلغها زرعه فإن كان مما يسقى بغرب ففيه العشر وإن كان مما يسقى بنهر أو سيح أو عين ماء أو نيل ففيه الخمس. ومن كان منهم ذا ذهب فلا جزية عليه فيها حتى تبلغ ذهبه عشرين مثقالا فإذا بلغتها فعليه فيها دينار نصف العشر وما زاد فبحساب ذلك. ومن كان ذا ورق فلا جزية عليه في ورقه حتى تبلغ مائتي درهم وزن سبعة فإذا بلغت مائتي درهم فعليه فيها نصف العشر ثم ما زاد فبحسابه، وعلى أن من وجد منكم ركازا فعليه خمساه، وعلى أن من كان بالغا منكم داخلا في الصلح فلم يكن له مال عند الحول يجب على مسلم لو كان له فيه زكاة أو كان له مال يجب فيه على مسلم لو كان له الزكاة فأخذنا منه ما شرطنا عليه فلم يبلغ قيمة ما أخذنا منه دينارا فعليه أن يؤدي إلينا دينارا إن لم نأخذ منه شيئا وتمام دينار إن نقص ما أخذنا منه عن قيمة دينار وعلى أن ما صالحتمونا عليه على كل من بلغ غير مغلوب على عقله من رجالكم وليس ذلك منكم على بالغ مغلوب على عقله ولا صبي ولا امرأة. قال: ثم يجري الكتاب كما أجريت الكتاب قبله حتى يأتي على آخره وإن شرطت عليهم في أموالهم قيمة أكثر من دينار كتبت أربعة دنانير كان أو أكثر وإذا شرطت عليهم ضيافة كتبتها على ما وصفت عليهم في الكتاب قبله وإن أجابوك إلى أكثر منها فاجعل ذلك عليهم.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ولا بأس فيهم وفيمن وقت عليهم الجزية أن يكتب على الفقير منهم كذا ولا يكون أقل من دينار ومن جاوز الفقر كذا لشيء أكثر منه ومن دخل في الغنى كذا لأكثر منه ويستوون إذا أخذت منهم الجزية هم وجميع من أخذت منه جزية مؤقتة فيما شرطت لهم وعليهم وما يجري من حكم الإسلام على كل، وإذا شرط على قوم أن على فقيركم دينارا وعلى من جاوز الفقر ولم يلحق بغني مشهور دينارين وعلى من كان من أهل الغنى المشهور أربعة دنانير جاز، وينبغي أن يبينه فيقول وإنما أنظر إلى الفقر والغنى يوم تحل الجزية لا يوم عقد الكتاب، فإذا صالحهم على هذا فاختلف الإمام ومن تؤخذ منه الجزية فقال الإمام لأحدهم أنت غني مشهور الغنى وقال بل أنا فقير أو وسط فالقول قوله إلا أن يعلم غير ما قال ببينة تقوم عليه بأنه غني لأنه المأخوذ منه، وإذا صالحهم على هذا فجاء الحول ورجل فقير فلم تؤخذ منه جزيته حتى يوسر يسرا مشهورا أخذت جزيته دينارا على الفقر لأن الفقر حاله يوم وجبت عليه الجزية، وكذلك إن حال عليه الحول وهو مشهور الغنى فلم تؤخذ جزيته حتى افتقر أخذت جزيته أربعة دنانير على حاله يوم حال عليه الحول وإن لم توجد له إلا تلك الأربعة الدنانير فإن أعسر ببعضها أخذ منه ما وجد له منها واتبع بما بقي دينا عليه وأخذت جزيته ما كان فقيرا فيما استأنف دينارا لكل سنة على الفقر ولو كان في الحول مشهور الغنى حتى إذا كان قبل الحول بيوم افتقر أخذت جزيته في عامه ذلك جزية فقير، وكذلك لو كان في حوله فقيرا فلما كان قبل الحول بيوم صار مشهورا بالغنى أخذت جزيته جزية غني.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : لست أثبت من جعل عمر عليه الضيافة ثلاثا ولا من جعل عليه يوما وليلة ولا من جعل عليه الجزية ولم يسم عليه ضيافة بخبر عامة ولا خاصة يثبت ولا أحد الذين ولوا الصلح عليها بأعيانهم لأنهم قد ماتوا كلهم وأي قوم من أهل الذمة اليوم أقروا أو قامت على أسلافهم بينة بأن صلحهم كان على ضيافة معلومة وأنهم رضوها بأعيانهم ألزموها ولا يكون رضاهم الذي ألزموه إلا بأن يقولوا صالحنا على أن نعطي كذا ونضيف كذا وإن قالوا أضفنا تطوعا بلا صلح لم ألزمهموه وأحلفهم ما ضيفوا على إقرار بصلح وكذلك إن أعطوا كثيرا أحلفتهم ما أعطوه على إقرار بصلح فإذا حلفوا جعلتهم كقوم ابتدأت أمرهم الآن فإن أعطوا أقل الجزية وهو دينار قبلته وإن أبوا نبذت إليهم وحاربتهم وأيهم أقر بشيء في صلحه وأنكره منهم غيره ألزمته ما أقر به ولم أجعل إقراره لازما لغيره إلا بأن يقولوا صلحنا على أن نعطي كذا ونضيف كذا فأما إذا قالوا أضفنا تطوعا بلا صلح فلا ألزمهموه قال ويأخذهم الإمام بعلمه وإقرارهم وبالبينة إن قامت عليهم من المسلمين ولا نجيز شهادة بعضهم على بعض وكذلك نصنع في كل أمر غير مؤقت مما صالحوا عليه وفي كل مؤقت لم يعرفه أهل الذمة بالإقرار به وإذا أقر قوم منهم بشيء يجوز للوالي أخذه ألزمهموه ما حيوا وأقاموا في دار الإسلام وإذا صالحوا على شيء أكثر من دينار ثم أرادوا أن يمتنعوا إلا من أداء دينار ألزمهم ما صالحوا عليه كاملا فإن امتنعوا منه حاربهم فإن دعوا قبل أن يظهر على أموالهم وتسبى ذراريهم إلى أن يعطوا الإمام الجزية دينارا لم يكن للإمام أن يمتنع منهم وجعلهم كقوم ابتدأ محاربتهم فدعوه إلى الجزية أو قوم دعوه إلى الجزية بلا حرب فإذا أقر منهم قرن بشيء صالحوا عليه ألزمهموه فإن كان فيهم غائب لم يحضر لم يلزمه وإذا حضر ألزم ما أقر به مما يجوز الصلح عليه وإذا نشأ أبناؤهم فبلغوا الحلم أو استكملوا خمس عشرة سنة فلم يقروا بما أقر به آباؤهم قيل إن أديتم الجزية وإلا حاربناكم فإن عرضوا أقل الجزية وقد أعطى آباؤهم أكثر منها لم يكن لنا أن نقاتلهم إذا أعطوا أقل الجزية ولا يحرم علينا أن يعطونا أكثر مما يعطينا آباؤهم ولا يكون صلح الآباء صلحا على الأبناء إلا ما كانوا صغارا لا جزية عليهم أو نساء لا جزية عليهن أو معتوهين لا جزية عليهم فأما من لم يجز لنا إقراره في بلاد الإسلام إلا على أخذ الجزية منه فلا يكون صلح أبيه ولا غيره صلحا عنه إلا برضاه بعد البلوغ ومن كان سفيها بالغا محجورا عليه منهم صالح عن نفسه بأمر وليه فإن لم يفعل وليه وهو معا حورب فإن غاب وليه جعل له السلطان وليا يصالح عنه فإن أبى المحجور عليه الصلح حاربه وإن أبى وليه وقبل المحجور عليه جبر وليه أن يدفع الجزية عنه لأنها لازمة إذا أقر بها لأنها من معنى النظر له لئلا يقتل ويؤخذ ماله فيئا وإذا كان هذا هكذا وكان من صالحهم ممن مضى الأئمة بأعيانهم قد ماتوا فحق الإمام أن يبعث أمناء فيجمعون البالغين من أهل الذمة في كل بلد ثم يسألونهم عن صلحهم فما أقروا به مما هو أزيد من أقل الجزية قبله منهم إلا أن تقوم عليهم بينة بأكثر منه ما لم ينقضوا العهد فيلزمه منهم من قامت عليه بينة ويسأل عمن نشأ منهم فمن بلغ عرض عليه قبول ما صالحوا عليه فإن فعل قبله منه وإن امتنع إلا من أقل الجزية قبل منه بعد أن يجتهد بالكلام على استزادته ويقول هذا صلح أصحابك فلا تمتنع منه ويستظهر بالاستعانة بأصحابه عليه وإن أبى إلا أقل الجزية قبله منه فإن اتهم أن يكون أحد منهم بلغ ولم يقر عنده بأن قد استكمل خمس عشرة سنة أو قد احتلم ولم يقم بذلك عليه بينة مسلمون أقل من يقبل في ذلك شاهدان عدلان كشفه كما «كشف رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - بني قريظة فمن أنبت قتله» فإذا أنبت قال له إن أديت الجزية وإلا حاربناك فإن قال أنبت من أني تعالجت بشيء تعجل إنبات الشعر لم يقبل منه ذلك إلا أن يقوم شاهدان مسلمان على ميلاده فيكون لم يستكمل خمس عشرة فيدعه، ولا يقبل لهم ولا عليهم شهادة غير مسلم عدل ويكتب أسماءهم وحلاهم في الديوان ويعرف عليهم ويحلف عرفاؤهم لا يبلغ منهم مولود إلا رفعه إلى واليه عليهم ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم إلا رفعوا إليه فكلما دخل فيهم أحد من غيرهم ممن لم يكن له صلح وكان ممن تؤخذ منه الجزية فعل به كما وصفت فيمن فعل وكلما بلغ منهم بالغ فعل به ما وصفت.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإن دخل من له صلح ألزمته صلحه ومتى أخذ منه صلحه رفع عنه أن تؤخذ عنه في غير بلده فإن كان صالح على دينار وقد كان له صلح قبله على أكثر أخذ منه ما بقي من الفضل على الدينار لأنه صالح عليه وإن كان صلحه الأول على دينار ببلده ثم صالح ببلد غيره على دينار أو أكثر قيل له إن شئت رددنا عليك الفضل عما صالحت عليه أولا إلا أن يكون نقض العهد ثم أحدث صلحا فيكون صلحه الآخر كان أقل أو أكثر من الصلح الأول ومتى مات منهم ميت أخذت من ماله الجزية بقدر ما مر عليه من سنته كأنه مر عليه نصفها لم يؤدها يؤخذ نصف جزيته وإن عته رفع عنه الجزية ما كان معتوها فإذا أفاق أخذتها منه من يوم أفاق فإن جن فكان يجن ويفيق ولم ترفع الجزية لأن هذا ممن تجري عليه الأحكام في حال إفاقته وكذلك إن مرض فذهب عقله أياما ثم عاد إنما ترفع عنه الجزية إذا ذهب عقله فلم يعد وأيهم أسلم رفعت عنه الجزية فيما يستقبل وأخذت لما مضى وإن غاب فأسلم فقال أسلمت من وقت كذا فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم بينة بخلاف ما قال.

(قال الربيع) وفيه قول آخر أن عليه الجزية من حين غاب إلى أن قدم فأخبرنا أنه مسلم إلا أن تقوم له بينة بأن إسلامه قد تقدم قبل أن يقدم علينا بوقت فيؤخذ بالبينة.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإذا أسلم ثم تنصر لم يؤخذ الجزية وإن أخذت ردت وقيل إن أسلمت وإلا قتلت وكذلك المرأة إن أسلمت وإلا قتلت قال ويبين وزن الدينار والدنانير التي تؤخذ منهم وكذلك صفة كل ما يؤخذ منهم وإن صالح أحدهم وهو صحيح فمرت به نصف سنة ثم عته إلى آخر السنة ثم أفاق أو لم يفق أخذت منه جزية نصف السنة التي كان فيها صحيحا ومتى أفاق استقبل به من يوم أفاق سنة ثم أخذت جزيته منه لأنه كان صالح فلزمه الجزية ثم عته فسقطت عنه وإن طابت نفسه أن يؤديها ساعة أفاق قبلت منه وإن لم تطب لم يلزمها إلا بعد الحول وإذا عتق العبد البالغ من أهل الذمة أخذت منه الجزية أو نبذ إليه وسواء أعتقه مسلم أو كافر.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإذا أقر أهل الذمة بضيافة في صلحهم ورضوا بها فعلى الإمام مسألتهم عنها وقبول ما قالوا أنهم يعرفونه منها إذا كانت زيادة على أقل الجزية ولا تقبل منهم ولا يجوز أن يصالحهم عليها بحال حتى تكون زيادة على أقل الجزية فإن أقروا بأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين يوما وليلة أو ثلاثا أو أكثر وقالوا ما حددنا في هذا حدا ألزموا أن يضيفوا من وسط ما يأكلون خبزا وعصيدة وإداما من زيت أو لبن أو سمن أو بقول مطبوخة أو حيتان أو لحم أو غيره أي هذا تيسر عليهم

← Önceki 99 / 199 Sonraki →

Anlam Arayışı