AUTO الفصل الأول فى ألقابهم التى تداولتها الألسنة على اختلاف
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
ولكل لقب سبب: أما «الباطنية» فإنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجرى فى الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورا جلية، وهى عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة؛ وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارعا إلى الاغترار؛ كان تحت الأواصر والأغلال معنى بالأوزار «3» والأثقال؛ وأرادوا ب «الأغلال» التكليفات الشرعية. فإن من ارتقى إلى علم الباطن انحط عن التكليف واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف: 157] الآية؛ وربما موهوا بالاستشهاد عليه بقولهم إن الجهال المنكرين للباطل هم الذين أريدوا بقوله تعالى: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد: 13]. وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد موجب الظواهر قدروا على الحكم بدعوى الباطن على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين، إذ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عصام «1» يرجع إليه ويعول عليه.
وأما «القرامطة» فإنما لقبوا بها نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط «2»، وكان أحد دعاتهم فى الابتداء، فاستجاب له فى دعوته رجال، فسموا قرامطة وقرمطية.
وكان المسمى حمدان قرمط رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية فى طريق وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعى- وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: «أراك سافرت من موضع بعيد، فأين مقصدك؟» فذكر موضعا هو قرية «حمدان». فقال له حمدان: اركب بقرة من هذه البقر لتستريح عن تعب المشى. فلما رآه مائلا إلى الزهد والديانة أتاه من حيث رآه مائلا إليه فقال: إنى لم أومر بذلك؛ فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم. قال حمدان: وبأمر من تعمل؟ فقال الداعى: بأمر مالكى ومالكك، ومن له الدنيا والآخرة. فقال حمدان: ذلك إذن هو رب العالمين. فقال الداعى: صدقت؛ ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: وما غرضك فى البقعة التى أنت متوجه إليها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة؛ وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب. فقال له حمدان: أنقذنى! أنقذك الله! وأفض على من العلم ما يحببنى به، فما أشد احتياجى إلى مثل ما ذكرته! فقال الداعى: وما أمرت بأن أخرج السر المخزون «1» لكل أحد إلا بعد الثقة به والعهد عليه. فقال حمدان: وما عهدك؟ فاذكره لى، فإنى ملتزم له. فقال الداعي: أن تجعل لى وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه أن لا يخرج سر الإمام الذي ألقيته إليك، ولا تفشى سرى أيضا.
فالتزم حمدان سره، ثم اندفع الداعى فى تعليمه فنون جهله حتى استدرجه واستغواه واستجاب له فى جميع ما دعاه. ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه الدعوة، فسمى أتباعه «القرمطية».
وأما الخرمية فلقبوا بها نسبة لهم إلى حاصل مذهبهم وزبدته، فإنه راجع إلى طى بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات. و«خرم» لفظ أعجمى ينبئ عن الشي ء المستلذ المستطاب، الذي يرتاح الإنسان إليه بمشاهدته، ويهتز لرؤيته. وقد كان هذا لقبا للمزدكية «2»، وهم أهل الإباحة من المجوس، الذين نبغوا فى أيام قباذ «3»، وأباحوا النساء وإن كن من المحارم، وأحلوا كل محظور.
وكانوا يسمون «خرمدينية». فهؤلاء أيضا لقبوا بها لمشابهتهم إياهم فى آخر المذهب، وإن خالفوهم فى المقدمات وسوابق الحيل فى الاستدراج.
وأما البابكية فاسم لطائفة منهم بايعوا رجلا يقال له بابك الخرمى «1»، وكان خروجه فى بعض الجبال بناحية أذربيجان فى أيام المعتصم بالله، واستفحل أمرهم واشتدت شوكتهم. وقاتلهم أفشين، صاحب حبس المعتصم، مداهنا له فى قتاله ومتخاذلا عن الجد فى قمعه، إضمارا لموافقته فى ضلاله. فاشتدت وطأة البابكية على جيوش المسلمين حتى مزقوا جند المسلمين وبددوهم منهزمين، إلى أن هبت ريح النصر، واستولى عليهم المعتصم المترشح للإمامة فى ذلك العصر، فصلب بابك وصلب أفشين بإزائه «2».
وقد بقى من البابكية جماعة يقال إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون سرجهم وشموعهم، ثم يتناهبون النساء، فيثب كل رجل إلى امرأة يظفر بها؛ ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد، فإن الصيد من أطيب المباحات. ويدعون- مع هذه البدعة- نبوة رجل كان من ملوكهم قبل الإسلام، يقال له شروين ويزعمون أنه كان أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء قبله.
وأما الإسماعيلية فهى نسبة لهم إلى أن زعيمهم محمد بن إسماعيل بن جعفر «3»، ويزعمون أن أدوار الإمامة انتهت به، إذ كان هو السابع من محمد صلى الله عليه وسلم وأدوار الإمامة سبعة سبعة عندهم؛ فأكبرهم يثبتون له منصب النبوة، وأن ذلك يستمر فى نسبه وأعقابه. وقد أورد أهل المعرفة بالنسب فى كتاب «الشجرة» «4» أنه مات ولا عقب له «5».
وأما «السبعية» فإنما لقبوا بها لأمرين: أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة؛ وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر لها قط. والثاني: قولهم إن تدابير العالم السفلى، أعنى ما يحويه مقعر فلك القمر منوطة بالكواكب السبعة التى أعلاها زحل، ثم المشترى، ثم المريخ، ثم الشمس، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم القمر. وهذا المذهب مسترق من ملحدة المنجمين وملتفت إلى مذاهب الثنوية فى أن النور يدبر أجزاؤه الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة؛ فهذا سبب هذا التلقيب «1».
وأما «المحمرة» فقيل إنهم لقبوا به لأنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك ولبسوها، وكان ذلك شعارهم؛ وقيل سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من الفرق وأهل الحق: حمير؛ والأصح هو التأويل الأول «2».
وأما «التعليمية» فإنهم لقبوا بها لأن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأى وإبطال تصرف العقول، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا التعليم.
ويقولون فى مبتدأ مجادلتهم: الحق إما أن يعرف بالرأى، وإما أن يعرف بالتعليم، وقد بطل التعويل على الرأى لتعارض الآراء وتقابل الأهواء واختلاف ثمرات نظر العقلاء؛ فتعين الرجوع إلى التعليم والتعلم.
وهذا اللقب هو الأليق بباطنية هذا العصر، فإن تعويلهم الأكثر على الدعوة إلى التعليم وإبطال الرأى وإيجاب اتباع الإمام المعصوم، وتنزيله- فى وجوب التصديق والاقتداء به- منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.