AUTO الفصل الأول فى تمسكهم بالنص على الإمامة
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وقد عجزت طائفة منهم عن التمسك بطريق النظر لمناقضة ذلك مسلكهم فى إبطال نظر العقل وإيجاب الاتباع، فعدلوا إلى منهج الإمامية بحيث استدلوا على إمامة علي- رضى الله عنه! - بالنص وزعموا أنها مطردة فى عترته؛ فطمع هؤلاء فى التمسك بالنص مع مخالفة مذهبهم مذهب الإمامية، فزعموا أنه- عليه السلام! - نص على علي، ونص علي على ولده، حتى انتهى إلى الذي هو الآن متصد للإمامة، بكونه منصوصا عليه ممن كان قبله. وهذا غير ممكن لهذه الفرقة، فإنهم بين التعلق فيه بأخبار آحاد لا تورث العلم ولا تفيد اليقين وثلج الصدر، بل يحتمل فى تعمد الكذب تارة والغلط فيه أخرى، ولمنهج هؤلاء اجتووا طرق النظر فى العقليات احترازا عما فيها من الخطأ فكيف يستتب لهم التمسك بأخبار الآحاد! فيضطرون إلى دعوى خبر متواتر فيه من صاحب الشرع صلوات الله عليه، تجرى فى الوضوح مجرى الخبر المتواتر فى بعثته ودعوته وتحديه بالنبوة وشرعه الصلوات الخمس والحج والصوم وسائر الوقائع المستفيضة.
ومهما راجع العاقل بصيرته استغنى فى معرفة استحالة هذه الدعوى عن مرشد يرشده ويسدد منهجه على وجه الاستحالة. كيف وقد استحالت هذه الدعوى وتعذرت على الإمامية فى دعوى إمامة علي فقط- فكيف تستتب لهؤلاء دعوى إمامة صاحبهم مع تضاعف الشغل عليهم وكثرة دعاويهم إلى أن ينساقوا إلى إثبات الإمامة لمن اعتقدوا إمامته اليوم! ولكنا مع الاستغناء عن الإيضاح لفساد دعواهم، ننبه على ما فيه من العسر والاستحالة ونقول: مدعى الإمامة اليوم لشخص معين من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى نص متواتر عن رسول الله على علي- رضى الله عنه- ينتهى فى الوضوح إلى حد الخبر المتواتر عن وجود على ومعاوية وعمرو بن العاص، فإنا بالتواتر عرفنا وجودهم، ومهما ادعى تواتر هذا الخبر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقر إلى حد التواتر بعده فى كل عصر ينقرض، حتى لا يزال النقل متواترا على تناسخ الأعصار وانقراض القرون بحيث يستوى فى بلوغ المخبرين حد التواتر طرف الخبر وواسطته. وهذا ممتنع، يفتقر فى كل واحد من على وأولاده- رضى الله عنهم- إلى يومنا هذا أربعة أمور:
الأول: أن يثبت أنه مات عن ولد ولم يمت أبتر لا ولد له حتى يعرف ولده كما عرف على- رضى الله عنه! - وتعرف صحة أنسابهم كما عرف صحة أنساب علي.
الثانى: أن يثبت أن كل واحد منهم نص على ولده قبل وفاته، وجعله ولى عهده، وعينه من بين سائر أولاده فانتصب للإمامة بتوليته؛ ولم يمت واحد إلا بعد التنصيص والتعيين على ولى عهده.
الثالث: أن ينقل أيضا- خبرا متواترا- أنه صلى الله عليه وسلم جعل نص جميع أولاده بمنزلة نصه فى وجوب الطاعة ومصادفته لمظنة الاستحقاق ووقوعه على المستحق للمنصب من جهة الله تعالى حتى لا يتصور وقوع الخطأ لواحد منهم فى التعيين.
الرابع: أن ينقل أيضا بقاء العصمة والصلاح للإمامة من وقت نصه على من نص عليه إلى أن توفى هو بعد نصه على غيره.
فلو انخرمت رتبة من هذه الرتب لم تستمر دعاويهم، ولو أثبتوا تواتر نص كل واحد منهم ووجود ولده فى العصر الأول فلا يغنيهم حتى يثبتوا تواتره كذلك فى سائر الأعصار المتوالية بعده عصرا بعد عصر. وهذه أمور لو ثبت التواتر فيها لعلمت كما يعلم وجود الأنبياء ووجود الأقطار التى لم تشاهد كالصين وقيروان المغرب، ووجود الوقائع كحرب بدر وصفين، ولا يشترك الناس فى دركه، حتى كان لا يقدر أحد على أن يشكك فيه نفسه، وليس يخفى أن الأمر فى هذه الدعاوى بالضد، إذ لو كلف الإنسان أن يتسع لتجويز ما قالوه وإمكانه لم يتمكن، بل علم قطعا خلافه، فكيف يتصور الطمع فى إثباته! وكيف يتواقحون على دعواه وقد اختلف القائلون بوجوب الإمام المعصوم فى جماعة من الأئمة بزعمهم أنه خلف ولدا أو لم يخلف؛ واختلفوا فى تعيين الإمامة فى بعضهم؛ واختلفوا فى ظهوره، فقال قائلون: الإمام موجود ولكنه ليس يظهر تقية، وقال آخرون هو ظاهر؛ فكيف خالفهم أصحابهم؟! وإن كانوا قد عرفوا ذلك بنص متواتر فكيف قبلوه من الآحاد إن لم يكن متواترا، وقول الآحاد لا يورث إلا الظن؟! فاستبان أن ما ذكروه طمع فى غير مطمع، وفزع إلى غير مفزع. ومثالهم فى الفرار من مسلك النظر إلى مسلك النص مثال من يميل من البلل إلى الغرق؛ فإن المسلك الأول أقرب إلى التلبيس من هذا المسلك.
فإن قال قائل: قد طولتم الأمر عليهم وأحرجتموهم إلى إثبات النص على علي، ثم إثبات النص من كل واحد من أعقابه ولدا ولدا؛ ثم صحة نسبه؛ ثم استفاضة هذه الأخبار أولا ووسطا وآخرا، وهم يستغنون عن جميع ذلك بخبر واحد وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإمامة بعدى لعلى وبعده لأولاده لا تخرج من نسبى، ولا ينقطع نسبى أصلا، ولا يموت واحد منهم قبل توليته العهد لولده» - وهذا القدر يكفيهم- قلنا: نعم! يكفيهم هذا القدر إن كان كل ما يخطر بالبال ويوافق شهوة الضلال يمكن اختراعه ونقله متواترا، ولكن هذا على هذا الوجه لم يقع ولا نقل، ولا ادعى مدع وقوعه، معتقدا بالباطل ولا على سبيل العناد، فضلا عن أن ينطق به عن الاعتقاد. ونقل هذا النص ودعوى التواتر فيه كدعوى من نقل مضاده وهو أن الإمامة ليست لعلى بعدى وإنما هى لأبى بكر، وإنما تكون بعده بالاختيار والشورى؛ وأن من ادعى النص أو اختصاص الإمامة بأولاده من سائر قريش فهو كاذب مبطل. فكما نعلم أن هذا الخبر لم يكن ولم ينقل- لا آحادا ولا تواترا- نعلم ذلك فما يناقضه. ومهما فتح باب الاختراع اشترك فى الاقتدار عليه كل من يحاول اللجاج والنزاع، وذلك مما لا يستحله ذوو الدين أصلا.
فإن قال قائل: هذه الدعاوى لا تستتب لهؤلاء؛ فهل تستتب للإمامية فى دعوى النص على علي رضى الله عنه؟ - قلنا: لا؛ إنما الذي يستتب لهم دعوى ألفاظ محتملة نقلها الآحاد. فأما اللفظ الذي هو نص صريح، فلا. ودعوى التواتر أيضا لا يمكن، وتيك الألفاظ كما رووا أنه قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه» «1»، وقوله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى» «2» - إلى غير ذلك من الألفاظ المحتملة، لا تجرى مجرى النصوص الصريحة. فأما دعوى النص الصريح المتواتر فمحال من وجوه موضع استقصائها فى كتاب الإمامة من علم الكلام، وليس من غرضنا الآن، ولكنا نذكر استحالته بمسلكين: أحدهما أنه لو كان ذلك متواترا لما شككنا فيه، كما لم يشك فى وجود علي- رضى الله عنه، ولا فى انتصابه للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والصيام والزكاة والحج. فإن قوله- عليه السلام! - فى التنصيص على الخلافة بعده على ملأ من الناس ليس قولا يستحقر فيستر ولا يتساهل فى سماعه فيهمل، بل تتوفر الدواعى على إشاعته، ولا تسمح النفوس بإخفائه والسكوت عنه، ولم تسمح بالسكوت عن أخبار وأحوال تقع دون ذلك فى الرتبة. فهذا قاطع فى بطلان دعواهم الخبر المتواتر. وعلى هذه الجملة فلا تتميز دعواهم عن دعوى البكرية «3» حيث قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبى بكر- رضى الله عنه! - نصا صريحا متواترا، ولا عن دعوى الروندية «4» إذ قالوا إنه نص على العباس نصا متواترا، وهذه الأقاويل متعارضة لأنها لم تعرف ولم تظهر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الخوض فى الإمامة.
فلا تبقى بعد ذلك ريبة فى بطلان هذه الدعوى.
المسلك الثانى: أن الذين نازعوا فى إمامة أبى بكر وتصدوا للنضال عن علي- رضى الله عنهما- تمسكوا فى نصرته بألفاظ محتملة نقلها آحاد، كقوله عليه السلام: «من كنت مولاه فعلى مولاه»، وقوله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى»، وكيف سكتوا عن النص المتواتر الذي لا يتطرق التأويل إلى متنه والطعن على سنده! ومعلوم أن النفوس فى مثل هذه المثارات تضطرب بأقصى الإمكان ولا تتعلق بالشبه إلا عند العجز عن البرهان، فهذا أيضا يعرف المنصف ضرورة كذب المخترعين لهذه الأمور، وإنما هداهم إلى اختراع دعوى النص المتواتر طائفة من الملحدين أرادوا الطعن على الدين، وهم الذين لقنوا اليهود أن ينقلوا عن موسى نصا بأنه خاتم النبيين وأنه قال لليهود: «عليكم بالسبت ما دامت السموات والأرضون». وكان سبيلنا فى الرد عليهم أن اليهود، مع ما جرى عليهم من الذل والإرقاق والسبى للذرارى والأولاد وتخريب البلاد وسفك الدماء فى طول زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم «1»، كانوا يحتالون بكل حيلة فى طمس شريعته وتطفئة نوره ودفع استيلائه؛ فلم لم ينقلوا عن موسى عليه السلام ذلك، ولم لم يقولوا له: ما جئت إلا بتصديق موسى وأنه قال: أنا خاتم النبيين. ومعلوم أن الدواعى تتوافر على نقل مثل ذلك توفرا لا يطاق السكوت معه؛ وقد كان فيهم الأحبار والمتقدمون، وكلهم كانوا مضطرين تحت القهر والذل، متعطشين إلى دفع حجته بأقصى الجد، وهذا بعينه هو الذي يكشف عن اختراع هؤلاء وتهجمهم على الاختلاق والتخرص.
فإن قيل: لعله تمسك به المتمسكون، إلا أنه اندرس ولم ينقل إلينا، قلنا: كيف نقل إلينا التمسك بالألفاظ الظاهرة، ونقل المنازعة فى الإمامة من الأنصار وقول قائلهم: «أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب» «1» والدواعى على نقل النص أوفر. ولو جاز فتح هذا الباب لجاز لكل ملحد- إذا احتججنا عليه بالقرآن وعجز الخلق عن معارضته، وبينا به صدق محمد صلى الله عليه وسلم- أن يقول: لعله عورض ولكنه لم ينقل، وتعاطى المسلمون إخفاءه. فإن قيل: أنتم مضطرون إلى معرفة هذا الخبر المتواتر، ولكنكم تعاندون فى إخفائه تعصبا- قلنا: ولم تنكرون على من يقلب عليكم ويقول: أنتم تعرفون بطلان ما ينقلون ضرورة ولكنكم تعاندون فى الاختراع؟ وبم تنفصلون عن البكرية والراوندية إذا ادعوا ذلك فى النص على أبى بكر والعباس رضى الله عنهما؟ - فإن قيل: ألستم تدعون فى معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وكلام الذئب وحنين الجذع وتكثير الطعام القليل- إلى غير ذلك مما أنكره كافة الكفار وطوائف من المسلمين ولم يكن خلافهم مانعا لكم من دعوى التواتر- قلنا: نحن لا ندعى التواتر الذي يوجب العلم الضرورى إلا فى القرآن؛ أما ما عداه من هذه المعجزات فلو نقلها خلق كثير بلغوا حد التواتر لما تصوروا الشك فيها؛ وإنما نقلها جماعة دون تلك الكثرة يعرف صدقهم بضروب من الأدلة النظرية والاستدلال بالقرائن الخالية من روايتهم ذلك، وسكوت الآخرين عن الإنكار، إلى غير ذلك من الأمور التى يتوصل إلى استفادة العلم منها عند إمعان النظر فيها بدقيق الفكر، ومن أعرض عن النظر فى تيك الدلائل والقرائن ولم يتأملها حق التأمل لم يحصل له العلم. وأما أنتم فلا تقنعون فى خبركم بالنقل من عدد دون عدد التواتر، ولا بالحاجة فيه إلا النظر والاستدلال والتأمل فإنكم تبطلون طرق النظر، فلا تستقيم هذه المقابلة منكم.
فإن قيل: انشقاق القمر من الآيات العلوية والبراهين السماوية- فكيف يتصور أن يختص بمشاهدته عدد دون عدد التواتر؟ - قلنا: ولو شاهده عدد التواتر كيف كان يتصور التردد فيه والإنكار له؟ وهل ترى أحدا يتردد فى وجود مكة ووجود أبى حنيفة والشافعى وسائر المشهورين، وهى من الأمور الأرضية؟ وهل ترى أن أحدا يتردد فى أن الشمس كانت تطلع فى أيام نوح عليه السلام ضربا للمثل؟ - فإن ذلك لما كان من الأمور المتواترة لم تتصور الاسترابة فيه. فيبقى قولكم إنه كيف اختص بمشاهدة انشقاق القمر طائفة؟ فقد قال العلماء الأصوليون المنكرون لالتباس ما يتواتر من الأخبار: هذه آية ليلية فى وقت كان الناس فيه نياما، أو كانوا تحت السقوف والظلال والأستار؛ والمصحرون «1» منهم المنتبهون لا تستحيل عليهم الغفلة فى لحظة، فيكون ذلك مثل انقضاض كوكب تختص بمشاهدته شرذمة قليلة؛ وذلك ممكن، فلم يكن الانشقاق أمرا دائما زمانا طويلا، فليس يمتنع أن يختص بمشاهدته من حدق إليه بصره ممن كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث احتج على قريش بانشقاق القمر. وقال قائلون أيضا: يحتمل أن يكون الله تعالى خصص برؤية ذلك من حاج النبي صلى الله عليه وسلم فى تلك الساعة وناظره حيث قال صلى الله عليه وسلم: «آيتى أنكم ترفعون رءوسكم فترون القمر منشقا» «2» - وحجب الله أبصار سائر الخلق عن رؤيته بحجاب أو سحاب أو تسليط عقله وصرف داعية النظر لمصلحة الخلق فيه حتى لا يتحدى لنفسه بعض الكذابين فى الأمصار فيستدل به على صدق نفسه؛ أو يكون معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم من وجهين خارقين للعادة: أحدها إظهاره لهم، والآخر إخفاؤه عن غيرهم. وهذه الاحتمالات ذكرها العلماء حتى قال بعضهم إن انشقاق القمر ثبت بالقرآن وهو قوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: 1].
والكلام فيه طويل. وعلى الأحوال كلها فما بلغ حد التواتر لا يتصور التشكك فيه. هذه قاعدة معلومة عليها تنبنى جميع قواعد الدين؛ ولولاه لما حصلت الثقة بأخبار التواتر، ولما عرفنا شيئا من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالمشاهدة.
والكلام فى هذا يحتمل الإطناب، ولكنه بعيد عن مقصود الكتاب، فرأيت الإيجاز فيه أولى.