☪ Anlam Arayışı

← Fedâihü'l-Bâtıniyye

AUTO الباب التاسع فى إقامة البراهين الشرعية على أن الإمام القائم

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

والمقصود من هذا الباب: بيان إمامته على وفق الشرع، وأنه يجب على كافة علماء الدهر الفتوى، على البت، والقطع، بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الحق، وصحة توليته للولاة وتقليده للقضاة، وبراءة ذمة المكلفين عند صرف حقوق الله تعالى إليه، وأنه خليفة الله على الخلق، وأن طاعته على كافة الخلق فرض.

فهذا باب يتعين- من حيث الدين- صرف العناية إلى تحقيقه وإقامة البرهان على منهج الحق وطريقه، فإن الذي يسير إليه كلام أكثر المصنفين فى الإمامة يقتضي ألا نعتقد فى عصرنا هذا وفى أعصار منقضية خليفة غير مستجمع لشرائط الإمامة، متصف بصفاتهم، فتبقى الإمامة معطلة لا قائم بها، ويبقى المتصدى لها متعديا عن شروط الإمامة غير مستحق لها ولا متصف بها وهذا هجوم عظيم على الأحكام الشرعية وتصريح بتعطيلها وإهمالها، ويتداعى إلى التصريح بفساد جميع الولايات وبطلان قضاء القضاة وضياع حقوق الله تعالى وحدوده وإهدار الدماء والفروج والأموال، والحكم ببطلان الأنكحة الصادرة من القضاة فى أقطار الأرض، وبقاء حقوق الله تعالى فى ذمم الخلق؛ فإن جميع ذلك لا يتأدى على وفق الشرع إلا إذا صدر استيفاؤها من القضاة، ومصدر القضاة تولية الإمام، فإن بطلت الإمامة بطلت التولية، وانحلت ولاية القضاة والتحقوا بآحاد الخلق وامتنعت التصرفات فى النفوس والدماء والفروج والأموال، وانطوى بساط الشرع بالكلية فى هذه المهمات العظيمة.

فالكشف عن فساد كل مذهب يتداعى إلى هذه العظائم من مهمات الدين وفرائضه؛ إلا أن تقرير ذلك متوعر، وترتيبه مع الاحتراز عن التهدف للإشكالات والاعتراضات متعسر، ونحن بتوفيق الله نكشف الغطاء عنه فنقول: ندعى أن الإمام المستظهر بالله- حرس الله أيامه- هو الإمام الحق الواجب الطاعة، فإن طولنا بإقامة البرهان عليه تدرجنا فى تحقيقه وتلطفنا فى تفهيمه، إلى أن يعترف المستريب فيه بالحق، ويلوح له وجه الصواب والصدق، ونقول: لا بد من إمام فى كل عصر، ولا مترشح للإمامة سواه فهو الإمام الحق إذا، فهذه نتيجة بنيناها على مقدمتين: إحداهما قولنا لا بد من الإمام، والأخرى قولنا: لا يترشح للإمامة سواه. ففى أيهما النزاع؟ فإن قيل: بم تنكرون على من لا يسلم أنه لا بد من إمام، بل يقول: لنا غنية عنه؟ - قلنا: هذا سؤال اتفقنا نحن والباطنية وسائر أصناف المسلمين على بطلانه، فإنهم أجمعوا وتطابقوا على أنه لا بد من إمام؛ وإنما نزاعهم فى التعيين لا فى الأصل. ولم يذهب أحد إلى أن الإمام لا يجب نصبه وأنه يستغنى عنه إلا رجل يعرف بعبد الرحمن بن كيسان «1». ولا يستريب محصل فى بطلان مذهبه وفساد معتقده، وكأننا ننبه المسترشد عليه بمسلكين: الأول هو أن ابن كيسان مسوق فيما يدعيه بإجماع الأمة قاطبة، ولقد هجم بما انتحل من المذهب على خرق الإجماع وتضمخ برذيلة العدول عن سنن الاتباع، فليلاحظ العصر الأول كيف تسارع الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصب الإمام وعقد البيعة، وكيف اعتقدوا ذلك فرضا محتوما وحقا واجبا على الفور والبدار وكيف اجتنبوا فيه التوانى والاستئخار حتى تركوا- بسبب الاشتغال به- تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلموا أنه لو تصرم عليهم لحظة لا إمام لهم فربما هجم عليهم حادثة ملمة وارتبكوا فى حادثة عظيمة تتشتت فيها الآراء، وتختلف فيها الأهواء، ولا يصادفون فيها متبوعا مطاعا يجمع شتات الآراء لانخرم النظام وبطل العصام وتداعت بالانفصام عرى الأحكام. فلأجل ذلك آثروا البدار إليه، ولم يعرجوا فى الحال إلا عليه. وهذا قاطع فى أن نصب الإمام أمر ضرورى فى حفظ الإسلام.

المسلك الثانى: هو أن نقول: لا يتمارى متدين فى أن الذب عن حوزة الدين والنضال دون بيضته والانتداب لنصرته وحراسته بالمحافظة على نظام أمور جند الإسلام وعدته أمر ضرورى واجب لا بد منه، وأن النظام لا يستمر على الدوام إلا بمترصد يكلأ الخلق بالعين الساهرة، فمهما اشرأبت فئة للثوران وكشرت عن نابها وأشرفت على الاستحكام بادر إلى تطفئتها وحسم غائلها، فإنها لو تركت حتى إذا ثارت اشتغل بتطفئتها العوام والطغام والأفراد والآحاد، لأفضى ذلك إلى التعادى والتضاد، وصارت الأمور شورى، وبقى الناس فوضى مهملين سدى متهافتين على ورطات الردى، مقتحمين فيه مسالك الهوى ومناهج المنى، وعند ذلك تتناقض الإرادات، وتتنازع الشهوات، وتفضى بالآخرة إلى استيلاء الرذائل على الفضائل وتوثب الطغام على علماء الإسلام والأماثل، وتمتد الأيدى إلى الأموال والفروج، وأصبحت الأيدى السافلة عالية. وليس يخفى ما فى ذلك من حل عصام الأمور الدينية والدنيوية، فيتبين بهذا للناظر البصير أن الإمام ضرورة الخلق لا غنية لهم عنه فى دفع الباطل وتقرير الحق. فقد ثبتت هذه المقدمة وهى أن الإمام لا بد منه، فإن قيل: وبم تنكرون على من ينازع فى المقدمة الثانية- وهى قولكم: لا يترشح للإمامة سواه؟ فإن الباطنية يدعون الخلق إلى مترشح لها غير ما إليه دعوتكم، فكيف تستتب لكم هذه الدعوى؟

قلنا: لا ننكر دعوى بعض المدعين للإمامة بغير استحقاق، ولكنا نقول: إذا بطل ما تدعيه الباطنية تعينت الإمامة لمن يدعيها، وحصل ما نرومه ونبتغيه. فإنه إذا لم يكن بد من إمام وفاقا، وثبت أن الإمامة لا تعدو شخصين، وثبت بطلان الإمامة فى حق واحد لم تبق ريبة فى ثبوتها للثانى، والمسالك الدالة على إبطال الإمامة التى تدعيها الباطنية وترجيح الإمامة التى ندعيها أكثر من أن تدخل تحت الحصر، فلسنا نسلك فيه مسلك الاستقصاء، ولكنا نقتصر على دليلين واقعين قاطعين تقر بهما كل عين، ويشترك فى دركهما الفطن والغبى والمحنك والصبى، والمعاند المنصف، والمقتصد والمتعسف.

الأول: هو أن عصام شرائط الإمامة صحة العقيدة وسلامة الدين، ولقد حكينا عن مذهب الباطنية وصاحبهم ما اقتضى أدنى درجاته التبديع والتضليل، وأعلاه التكفير والتبرى، وذلك فى إثباتهم إلهين قديمين، على ما أطبق عليه جميع فرقهم.

والثانى: فى إنكارهم الحشر والنشر والجنة والنار وجملة ما اشتمل عليه وعد القرآن ووعيده بفنون من التأويلات باطلة، وذلك مما نعلم أنه لو ذكر شي ء منه فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة بعده لبادروا إلى حز الرقبة ولم يتماروا أنه صريح التكذيب لله ولرسوله، فمن كذب الله فى وحدانيته ولم يصدق بالآيات الواردة فى التوحيد ولم يصدق بالقيامة والبعث والنشور كيف يصلح أن ينتصب منصب الإمامة وأن يناط به عرى الإسلام؟! وهذا المسلك يتحققه الناظر إذا تصفح ثم رجع إلى مذاهبهم التى ذكرناها فى إبطاله، فصح له بمجموع النظرين ما ذكرناه من اختلال الدين وفساد العقيدة. وأنى يصح للإمامة من فيه مثل هذه الرذيلة!

المسلك الثانى: أنا نسلم جدلا- على سبيل التبرع والتقرير لمورد هذا السؤال- أن صاحب الباطنية صالح للإمامة بصفاء الاعتقاد وصحة الدين وحصول سائر الشروط، فمسلك الترجيح غير منحسم، فإن الإمامة التى ندعيها أجمع عليها أئمة العصر وعلماء الدهر، بل جماهير الخلق وأقاليم الأرض فى أقصى المشرق وفى أقصى المغرب حتى تطوق الطاعة له والانقياد لأمره كل من على بسيط الأرض إلا شرذمة الباطنية، ولو جمع قضهم وقضيضهم وصغيرهم وكبيرهم لم يبلغ عددهم عدد من أهل بلدة واحدة من متبعى الإمامة العباسية، فكيف إذا قيسوا بأهل ناحية أو بأهل إقليم أو بكافة من على وجه الأرض من منتحلى الإمام! أفيتمارى المنصف فى أن الغلاة من الباطنية على أهل الحق لو جمع منهم الصغير والكبير لم يبلغ عشر العشير من ناصرى هذه الدولة القاهرة ومتبعى هذه العصابة المحقة؟! وإذا كانت الإمامة تقوم بالشوكة، وإنما تقوى الشوكة بالمظاهرة والمناصرة والكثرة فى الاتباع والأشياع وتناصر أهل الاتفاق والاجتماع فهذا أقوى مسلك من مسالك الترجيح.

وهذا بعد أن أعطيناهم بطريق المسامحة والتبرع صحة دينهم ووجود شروط الإمامة فى صاحبهم.

فإن قيل: ليس ينكر منكر كثرة هذه العصابة بالإضافة إليهم، ولكن الحق لا يتبع الكثرة، فإن الحق خفى لا يستقل بدركه إلا الأقلون، والباطل جلي يبادر إلى الانقياد له الأكثرون. وأنتم فقد بنيتم الترجيح على قيام الشوكة بكثرة الأنصار والأشياع، وهذا إنما يستقيم لو كانت الإمامة فى أصلها تنعقد باجتماع الخلق على الطاعة، فإن ذلك لا يرجح عند التجويز والاختلاف بالكثرة، وليس الأمر كذلك، بل الإمامة إنما تنعقد عند التجويز والاختلاف بالكثرة، وليس الأمر كذلك، بل الإمامة إنما تنعقد عند الباطنية بالنص، والمنصوص عليه محق بويع أو لم يبايع، قل مبايعوه أو كثروا؛ والمخالف له مبطل ساعدته دولته فكثر بسببها أتباعه أو لم تساعده، فمن أى وجه يصح الاستدلال بكثرة الأتباع؟ - قلنا: إنما يستبين وجه دلالة الكثرة من فهم مأخذ الإمامة، وقد بان أنها ليست مأخوذة من النص كما قدرناه فى الباب السابع ونبهنا على حماقة من يدعى تواتر النص من كل واحد منهم على ولده، بل بينا جهل من يدعى ذلك فى علي رضى الله عنه. فإن ذلك لو كان لاستدل به على ولم يعجز عن إظهاره ولا رضى به؛ فهو الذي جر العساكر والجنود فى زمان معاوية حتى قتل من أبطال الإسلام فى تلك المعارك ألوف ولم يكترث بقتلهم، فما الذي كان نزعه وأشياعه عن الاستدلال بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا أن ذلك يقابله دعوى البكرية فى النص على أبى بكر- رضى الله عنه! - ودعوى الروندية «1». فى النص على العباس رضى الله عنه!، فإذا بطل تلقى الإمامة من النص لم يبق إلا الاختيار من أهل الإسلام والاتفاق على التقديم والانقياد، وعند ذلك يبين أنه مهما وقع الاتفاق على نصب واحد كما اتفقوا فى بداية إمامة العباسية فمن طمح إلى طلبها لنفسه كان باغيا، فإنهم لو اختلفوا فى مبدأ الأمر وجب الترجيح بالكثرة فى ذلك عند تقابل العدد وتقاربهم، فكيف إذا أطبق كل من شرقت عليهم الشمس شارقة وغاربة، لم يخالفهم إلا فئة معدودة وشرذمة يسيرة لا يؤبه ولا يعبأ بهم لشذوذهم بالإضافة إلى الخلق الكثير والجم الغفير الذين هم فى مقابلتهم ولا عشر العشر من أعشارهم وما هم إلا كالحسوة «2» فى البحر الزاخر والموج المتلاطم.

فإن قيل: وبم تنكرون على من يقول: لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار، فإذا بطل الاختيار ثبت النص؟ ويدل على بطلان الاختيار أنه لا يخلو إما أن يعتبر فيه إجماع كافة الخلق، أو إجماع كافة أهل الحل والعقد من جملة الخلق فى جميع أقطار الأرض، أو يعتبر إجماع أهل البلد الذي يسكنه الإمام ويقدر بإجماع عشرة أو خمسة أو عدد مخصوص، أو يكتفى بمبايعة شخص واحد، وباطل أن يعتبر فيه إجماع كافة الخلق فى جميع أقطار الأرض، فإن ذلك غير ممكن ولا مقدور لأحد من الأئمة، ولا فرض ذلك أيضا فى الأعصار الخالية للأئمة الماضين، وباطل أن يعتبر إجماع جميع أهل الحل والعقد فى جميع أقطار الأرض، لأن ذلك مما يمتنع أو يتعذر تعذرا يفتقر فيه إلى انتظار مدة عساها تزيد على عمر الإمام، فتبقى الأمور فى مدة الانتظار مهملة؛ ولأنه لما عقدت البيعة لأبى بكر- رضى الله عنه! - لم ينتظر انتشار الأخبار إلى سائر الأمصار، ولا تواتر كتب البيعة من أقاصى الأقطار، بل اشتغل بالإمامة وخاض فى القيام بموجب الزعامة محتكما فى أوامره ونواهيه على الخاصة والعامة، إذا بطل اشتراط إجماع كافة الخلق وكافة أهل الحل والعقد فالتخصيص بعد ذلك تحكم، إذ ليس من يشترط باتفاق أهل بلدة بأولى ممن يكتفى بأهل محلة أو قرية أو لم يشترط اتفاق أهل ناحية أو إقليم، ومن لا يشترط إجماع أربعين أو خمسة أو أربعة أو اثنين بأولى من غيره من الأعداد، وهذه المقدرات قد ذهب إلى التحكم بها ذاهبون بمجرد التشهى من غير مستند، فلا يبقى إلا الاكتفاء ببيعة شخص واحد وفى الأشخاص كثرة، وأحوالهم متعارضة، ولا يترجح شخص على شخص إلا بالعصمة، فيجب أن يكون إذا مولى العهد واحدا، وليكن ذلك الشخص معصوما وهو معتقدنا، وعند هذا لا تنفع الكثرة فى المخالفين لذلك الواحد المتميز عن غيره، فإذا لا معتصم فى الكثرة التى تعلقتم بها.

قلنا: نعم! لا مأخذ للإمامة إلا النص، أو الاختيار، ونحن نقول: مهما بطل النص ثبت الاختيار، وقولهم إن الاختيار باطل لأنه لا يمكن اعتبار كافة الخلق ولا الاكتفاء بواحد، ولا التحكم بتقدير عدد معين بين الواحد والكل، فهذا جهل بمذهبنا الذي نختاره ونقيم البرهان على صحته، والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام مهما كان ذلك الواحد مطاعا ذا شوكة لا تطال ومهما كان مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولم يخالفه إلا من لا يكترث بمخالفته، فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع كفى، إذ فى موافقته موافقة الجماهير، فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم، وليس المقصود أعيان المبايعين، وإنما الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع، وذلك يحصل بكل مستول مطاع. ونحن نقول: لما بايع عمر أبا بكر- رضى الله عنهما! - انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته؛ ولكن لتتابع الأيدى إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر وبقى كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء فى مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأى واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت فى النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبرى كل زمان.

فإذا بان أن هذا مأخذ الإمامة، فليس يتمارى فى أن الجهة الشريفة التى ننصرها قد صرف الله وجوه كافة الخلق إليها وجبل قلوبهم على حبها، ولذلك قامت الشوكة له فى أقطار الأرض، حتى لو ظهر باغ يظهر خلافا فى هذا الجناب الكريم، ولو بأقصى الصين أو المغرب، لبادروا إلى اختطافه وتطهير وجه الأرض منه، متقربين إلى الله تعالى.

وقد لاح لك الآن كيف ترقينا من هذه المغاصة المظلمة، وكيف دفعنا ما أشكل على جميع جماهير النظار من تعيين المقدار فى عدد أهل الاختيار، إذ لم نعين له عددا، بل اكتفينا بشخص واحد يبايع، وحكمنا بانعقاد الإمامة عند بيعته، لا لتفرده فى عينه، ولكن لكون النفوس محمولة على متابعته ومبايعة من أذعن هو لطاعته، وكان فى متابعته قيام قوة الإمام وشوكته، وانصراف قلوب الخلائق إلى شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة على ما تقتضيه الحال فى كل عصر، ليس أمرا اختياريا يتوصل إليه بالحيلة البشرية، بل هو رزق إلهى يؤتيه الله من يشاء، فكأنا فى الظاهر رددنا تعيين الإمامة إلى اختيار الله تعالى ونصبه؛ إلا أنه قد يظهر اختيار الله عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص. وإنما المصحح لعقد الإمامة انصراف قلوب الخلق لطاعته والانقياد له فى أمره ونهيه، وهذه نعمة وهدية من الله تعالى. فإذا أتاحها لعبد من عباده وصرف إلى محبته وجوه أكثر خلقه، كان ذلك من الله تعالى لطفا فى اختياره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره فى تفقد عباده، وذلك أمر لا يقدر كل البشر على الاحتيال لتحصيله.

فلينظر الناظر إلى مرتبة الفريقين إذا نسبت الباطنية أنفسها إلى أن نصب الإمام عندهم من الله تعالى، وعند خصومهم من العباد، ثم لم يقدروا على بيان وجه نسبة ذلك إلى الله تعالى إلا بدعوى الاختراع على رسوله فى النص على علي، ودعوى بقاء ذلك فى ذريته بقاء كل خلف لكل واحد، ودعوى تنصيصه على أحد أولاده بعد موته، إلى ضروب من الدعاوى الباطلة، ولما نسبونا إلى أنا ننصب الإمام بشهوتنا واختيارنا، ونقموا ذلك منا، كشفنا لهم بالآخرة أنا لسنا نقدم إلا من قدمه الله، فإن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة، والشوكة تقوم بالمبايعة، والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهرا إلى الطاعة والموالاة، وهذا لا يقدر عليه البشر، ويدلك عليه أنه لو أجمع خلق كثير لا يحصى عددهم على أن يصرفوا وجوه الخلق وعقائدهم عن الموالاة للإمامة العباسية عموما، وعن المشايعة للدولة المستظهرية- أيدها الله بالدوام! - خصوصا، لأفنوا أعمارهم فى الحيل والوسائل وتهيئة الأسباب والوصائل ولم يحصلوا فى آخر الأمور إلا على الخيبة والحرمان.

فهذا طريق إقامة البرهان على أن الإمام الحق هو أبو العباس أحمد المستظهر بالله- حرس الله ظلاله فى هذا العصر- ولم يبق إلا حسم مطاعن المنكرين فى دعواهم اختلال شرائط الإمامة وفوات صفات الأئمة، وها نحن نبين وجه الحق فيه فى معرض سؤال وجواب.

فإن قال قائل: ما ذكرتموه من الترجيح وتعيين هذه الجهة الكريمة لمن يستحق الإمامة إنما يستتب إذا أظهرتم وجود شرائط الإمامة وصفات الأئمة؛ ولها شروط كثيرة لا تنعقد دون شروطها، بل لو تطرق الخلل إلى شرط من شرائطها امتنع انعقادها، ففصلوا الشروط وبينوا تحققها حتى نسلم لكم ثبوت الإمامة ونبطل مذهب القائلين بأن هذا العصر والأعصار الخالية القريبة كانت خالية عن الإمام لفقد شروط الإمامة فى المترشحين لها.

الجواب: إن الذي عد علماء الإسلام من صفات الأئمة وشروط الإمامة تحصرها عشر صفات: ست منها خلقية لا تكتسب، وأربع منها تكتسب أو يفيد الاكتساب فيها مزيدا، فأما الست الخلقية فلا شك فى حضورها، ولا تتصور المجاحدة فى وجودها: الأولى: البلوغ- فلا تنعقد الإمامة لصبى لم يبلغ؛ الثانية: العقل- فلا تنعقد لمجنون، فإن التكليف ملاك الأمر وعصامه، ولا تكليف على صبى ومجنون؛ الثالثة: الحرية- فلا تنعقد الإمامة لرقيق، فإن منصب الإمامة يستدعى استغراق الأوقات فى مهمات الخلق، فكيف ينتدب لها من هو كالمفقود فى حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره! كيف وفى اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط، إذ ليس يتصور الرق فى نسب قريش بحال من الأحوال. الرابعة: الذكورية- فلا تنعقد الإمامة لامرأة وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال. وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة، وليس لها منصب القضاء، ولا منصب الشهادة فى أكثر الحكومات! الخامسة: نسب قريش لا بد منه لقوله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش، واعتبار هذا مأخوذ من التوقيف ومن إجماع أهل الأعصار الخالية على أن الإمامة ليست إلا فى هذا النسب، ولذلك لم يتصد لطلب الإمامة غير قرشى فى عصر من الأعصار مع شغف الناس بالاستيلاء والاستعلاء وبذلهم غاية الجهد والطاقة فى الترقى إلى منصب العلى، ولذلك لما هم المخالفون بمصر «1» لطلب هذا الأمر ادعوا أولا لأنفسهم الاعتزاء إلى هذا النسب، علما منهم بأن الخلق متطابقون على اعتقادهم لانحصار الإمامة فيهم. السادسة: سلامة حاسة السمع والبصر- إذ لا يتمكن الأعمى والأصم من تدبير نفسه، فكيف يتقلد عهدة العالم! ولذلك لم يستصلحا لمنصب القضاء، وأضاف مصنفون إلى هذا اشتراط السلامة من البرص والجذام والزمانة وقطع الأطراف وسائر العيوب الفاحشة المنفرة، وأنكره منكرون وقالوا لا حاجة إلى وجود السلامة من هذه الأمراض؛ فإن التكفل بأمور الخلق والقيام بمصالحهم لا تستدعيها، ولم يرد من الشارع توقيف وتعبد فيها، وليس من غرضنا بيان الصحيح من المذهبين، وإنما المقصود أن هذه الصفات الست غريزية لا يمكن اكتسابها، وهى بجملتها حاضرة حاصلة فلا تثور منها شبهة المعاندة.

أما الصفات الأربع المكتسبة، وهى النجدة والكفاية والعلم والورع، فقد اتفقوا على اعتبارها. ونحن نبين وجود القدر المشروط لصحة الإمامة فى الإمام المستظهر بالله أمير المؤمنين ثبت الله دولته، وأن إمامته على وفق الشرع، وأنه يجب على كل مفت من علماء الدهر أن يفتى على القطع بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بالحق، وبصحة توليته للولاة، وتقليده للقضاة، وصرف حقوق الله إليه ليصرفها إلى مصارفها ويوجهها إلى مظانها ومواقعها. ونتكلم فى هذه الصفات الأربع على الترتيب:

← Önceki 36 / 46 Sonraki →

Anlam Arayışı