AUTO القول فى الصفة الرابعة وهى العلم
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
فإن قال قائل: اتفق رأى العلماء على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى فى علوم الشرع، ولا يمكنكم دعوى وجود هذه الشريطة، ولو ادعيتم أن ذلك لا يشترط كان انسلالا عن وفاق العلماء قاطبة، فما رأيكم فى هذه الصفة؟
قلنا: لو ذهب ذاهب إلى أن بلوغ درجة الاجتهاد لا يشترط فى الإمامة لم يكن فى كلامه إلا الإعزاب «2» عن العلماء الماضين، وإلا فليس فيه ما يخالف مقتضى الدليل وسياق النظر، فإن الشروط التى تدعى للإمامة شرعا لا بد من دليل يدل عليها، والدليل إما نص من صاحب الشرع، وإما النظر فى المصلحة التى طلبت الإمامة لها ولم يرد النص من شرائط الإمامة فى شي ء إلا فى النسب إذ قال: «إن الأئمة من قريش»! «1»، فأما ما عداه فإنما أخذ من الضرورة والحاجة الماسة فى مقصود الإمامة إليها، فهذا كما شرطنا: العقل، والحرية، وسلامة الحواس، والهداية، والنجدة، والورع، فإن هذه الأمور لو قدر عدمها لم ينتظم أمر الإمامة بحال من الأحوال. وليست رتبة الاجتهاد مما لا بد منه فى الإمامة ضرورة، بل الورع الداعى إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأى فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره، أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه؟! وإذا جاز للمجتهد أن يعول على قول واحد، ويروى له حديثا فيحكم به، إماما كان أو قاضيا، فما المانع من أن يحكم بما يتفق عليه العلماء فى كل واقعة؟ وإن اختلف فيتبع فيه قول الأفضل الأعلم، ولم لا يكون مكملا بأفضل أهل الزمان مقصود العلم، كما كمل بأقوى أهل الزمان مقصود الشوكة، وبأدهى أهل الزمان وأكفاهم رأيا ونظرا مقصود الكفاية، فلا تزال دولته محفوفة بملك من الملوك قوى يمده بشوكته، وكاف من كفاة الزمان يتصدى لوزارته فيمده برأيه وهدايته، وعالم مقدم فى العلوم يفيض ما يلوح من قضايا الشرع فى كل واقعة إلى حضرته، هذا لو قال به قائل لكان مستمدا من قواطع الأدلة والبراهين التى يجوز استعمالها فى مظان القطع واليقين، فكيف فى مواقع الظن والتخمين!
وأكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يحكم فيها بموجب الرأى الأغلب. وما ذكرته مسلك واضح فيه، ولكنى لا أوثر الإعزاب عن الماضين ولا الانحراف عن جادة الأئمة المنقرضين، فإن الانفراد بالرأى والانسلال عن موافقة الجماهير لا ينفك عن إثارة نفرة القلوب، لكنى أستميح مسلكا مقتبسا من كلام الأئمة المذكورين وأقول:
اختلف الناس فى أن أهل الاختيار لو عقدوا عقد البيعة للمفضول وأعرضوا عن الأفضل هل تنعقد الإمامة مع الاتفاق على أن تقديم الأفضل عند القدرة واجب متعين؟ ثم ذهب الأكثرون إلى أنها إذا عقدت للمفضول مع حضور الأفضل انعقدت ولم يجز خلعه لسبب الأفضل، وأنا من هذا أنشئ وأقول: إن رددناها فى مبدأ التولية بين مجتهد فى علوم الشرع وبين متقاصر عنها فيتعين تقديم المجتهد لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزية رتبة على اتباع علم غيره بالتقليد. والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها، أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد، وقامت له شوكة وأذعنت له الرقاب، ومالت إليه القلوب، فإن خلا الزمان عن قرشى مجتهد يستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة، وهذا حكم زماننا، وإن قدر ضربا للمثل حضور قرشى مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون فى خلع الأول إلى تعرض لإثارة فتن واضطراب أمور لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته، لأنا نعلم بأن العلم مزية روعيت فى الإمامة تحسينا للأمر وتحصيلا لمزيد المصلحة فى الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد، وإن الثمرة المطلوبة من الإمامة تطفئة الفتن الثائرة فى تفرق الآراء المتنافرة، فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش نظام الأمور وتفويت أصل المصلحة فى الحال تشوفا إلى مزيد دقيقة فى الفرق بين النظر والتقليد! وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق بسبب عدول الإمام عن النظر إلى تقليد الأئمة بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه واستبداله أو حكموا إمامته غير منعقدة، وإذا أحسن إيراد هذه المقالة علم أن التفاوت بين اتباع الشرع نظرا واتباعه تقليدا قريب هين، وأنه لا يجوز أن تخرم بسببه قواعد الإمامة. وهذا تقدير تسامحنا به من وجهين:
أحدهما: تقدير قرشى مجتهد مستجمع الصفات متصد لطلب الإمامة، وهذا لا وجود له فى عصرنا.
والثانى: تقدير اقتدار الخلق على الاستبدال بالإمام والتصرف فيه بالخلع والانتقال؛ وهذا محال فى زماننا، إذ لو أجمع أهل الدهر وتألبوا على أن يصرفوا الوجوه والقلوب عن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يجدوا إليها سبيلا، فيتعين على كافة علماء العصر الفتوى بصحة هذه الإمامة وانعقادها بالشرع.
ولكن بعد هذا شرطان: أحدهما أن لا يمضى كل قضية مشكلة إلا بعد استنتاج قرائح العلماء والاستظهار بهم، وأن يختار لتقليده عن التباس الأمر واختلاف الكلمة أفضل أهل الزمان وأغزرهم علما، وقلما تنفك مدينة السلام عن شخص يعترف له بالتقدم فى علم الشرع، فلا بد من تعرف الشرع فى الوقائع منه لينوب ذلك عن الاجتهاد، والثانى أن يسعى لتحصيل العلم وحيازة رتبة الاستقلال بعلوم الشرع، فإن الإمامة وإن كانت صحيحة منعقدة فى الحال فخطاب الله تعالى قائم بإيجاب العلم وافتراض تحصيله، إذا ساعدت القدرة عليه لم يكن للتوانى فيه عذر، لا سيما والسن سن التحصيل، وريعان الشباب معين على الغرض، والقدر الواجب تحصيله شرعا إذا صرف إليه الهمة الشريفة حصل فى قدر يسير من الزمان، ولا يليق تطلب غايات الكمال إلا بالحضرة المقدسة الشريفة النبوية المحفوفة بالعز والجلال.
وإذا اتضح، فى هذا الباب، بهذه البراهين اللائحة أن مقتضى أمر الله أن الإمام الحق المستظهر بالله هو المتعين لخلافة الله فما أجدر هذه النعمة أن تقابل بالشكر! وإنما الشكر بالعلم وبالعمل وبالمواظبة على ما أودعته فى الباب الآخر من الكتاب، وعلى الجملة فشكر هذه النعمة ألا يرضى أمير المؤمنين أن يكون لله على وجه الأرض عبد أعبد وأشكر منه؛ كما أن الله تعالى لم يرض أن يكون له على وجه الأرض عبد أعز وأكرم من أمير المؤمنين، فهذا هو الشكر الموازى لهذه النعمة.
والله ولى التوفيق، بمنه ولطفه.