AUTO القول فى الصفة الثالثة وهى: الورع
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وهذه هى أعز الصفات وأجلها وأولاها بالرعايات، وأجدرها وهو وصف ذاتى لا يمكن استعارته ولا والوصل إلى تحصيله من جهة الغير؛ أما النجدة فتحصيلها من الغير لا محالة، والهداية وإن اعتمدت على غزارة العقل ففوائدها يمكن فيها الاستعارة بطريق المراجعة والاستشارة، والعلم أيضا يمكنه تحصيله بالاستفتاء واستطلاع رأى العلماء؛ والورع هو الأساس والأصل، وعليه يدور الأمر كله. ولا يغنى فيه ورع الغير، وهو رأس المال ومصدر جملة الخصال، ولو اختل هذا- والعياذ بالله! - لم يبق معتصم فى تحقيق الإمامة، فالحمد لله الذي زين أحوال الإمام الحق المنصور إمامته، بالورع والتقوى حتى أو فى فيه على الغاية القصوى فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين فى جماهير الخلفاء، حتى ظهر من أحواله، منذ تجمل صدر الخلافة بجماله، من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا وذوى الحاجات وقطع العمارات التى كانت العادة جارية بالمواظبة عليها، كل ذلك إضرابا عن عمارة الدنيا وإكبابا على ما ظهر من عمارة الدين؛ هذا مع ما ظهر من سيرته فى خاصة حالته، من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفه والدعة، والمواظبة على العبادات، ومهاجرة الشهوات واللذات، استحقارا لزخارف الدنيا، وتوقيا من ورطات الهوى، والتفاتا إلى حسن المآب فى العقبى، فهو على التحقيق الشاب الذي نشأ فى عبادة الله، هذا كله فى عنفوان السن وغرة من الشباب وبداية الأمر، ينبه العقلاء لما سينتهى إليه الحال إذا قارب سن الكمال:
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
والله تعالى يمده بأطول الأعمار وينشر أعلامه فى أقاصى الديار.
فإن قال قائل: كيف تجاسرتم على دعوى التقوى والورع، ومن شرطه التجرد عن الأموال حتى لا يأخذ قيراطا إلا من حله، ولا يدعه إلا فى مظنة استحقاقه، وقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» «1». وليس يتم الورع بالمواظبة على الفرائض واجتناب الموبقات والكبائر، بل عماد هذا الأمر العدل واجتناب الظلم فى طرفى الإعطاء والأخذ، فإن ادعيتم حصول هذا الشرط نفرت القلوب عن التصديق؛ وإن اعترفتم باختلال الأمر فيه انخرم ما ادعيتموه من حصول الورع والتقوى.
قلنا: هذا السؤال نكسر أولا سورته، ثم ننبه على سر هو منتهى الإنصاف فنقول: إن صدر الاعتراض عن باطنى فلعله لو راجع صاحبه الذي يواليه واستقرى ما شاهده من هذه الأحوال فيه، افتضح فى دعاويه، وكان الحياء خيرا له مما يورده ويبديه، وإن صدر السؤال عن أحد علماء العصر الذين يعتقدون خلو الزمان عن الإمام لفقد شرطه، فيقال له: هون على نفسك، فإن دعوى وجود هذا الشرط غير مستبعدة؛ فإن الأموال المنصوبة إلى الخزائن المعمورة أربعة أصناف: الصنف الأول ارتفاع المستغلات، وهى مأخوذة من أموال موروثة له، والصنف الثانى أموال الجزية، وهى من أطيب ما يؤخذ. والصنف الثالث: أموال التركات، ولم يعهد منه قط إلى الآن الطمع فى تركة يتعين لاستحقاقها وارث، ومن لا وارث له فمنصبه بيت المال؛ الصنف الرابع: أموال الخراج المأخوذة من أرض العراق، ومذهب الشافعى وطوائف من العلماء أن أرض العراق وقف- وهى من عبادان إلى الموصل طولا، ومن القادسية إلى حلوان عرضا «1»، إنه وقفها عمر رضى الله عنه على المسلمين ليكون جميع خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين، فهذه هى الأموال المأخوذة، وأخذها جائز، ويبقى النظر فى مصارفها، وهى مع اختلاف جهاتها تحويها أربع جهات، وفيها تنحصر مصالح الإسلام والمسلمين:
الجهة الأولى: المرتزقة من جند الإسلام، إذ لا بد من كفايتهم، وأكثرهم فى هذا العصر مكفيون بثروتهم واستظهارهم، ومقتدرون على كفاية غيرهم؛ ومع ذلك فقد أمدهم الرأى الشريف النبوى فى هذه الأيام مدة مقام العسكر بمدينة السلام بأموال استفرغ فيها الخزائن، وأفاض عليهم من ضروب التشريفات والإنعام ما يخلد ذكره على مكر الأيام والأعوام.
الجهة الثانية: علماء الدين وفقهاء المسلمين القائمون بعلوم الشريعة، فإنهم حراس الدين بالدليل والبرهان، كما أن الجنود حراسه بالسيف والسنان، وما من واحد منهم إلا وهو مكفى من جهته برسم وإدرار، ومخصوص بإنعام وإيثار، والمستحق لهم أيضا على بيت المال قدر الكفاية، وهو مبذول لكل من يتشبه بأهل العلم، فضلا عمن يتحلى بتحقيقه.
الجهة الثالثة: محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال وطوارق الزمان عن اكتساب قدر الكفاية. وليس ينتهى إليه الخبر فى حاجة إلا سدها، ولا يرتفع إليه قصد ذى فاقة إلا تداركها، ومواظبته على الصدقات فى نوب متواليات فى السر والعلانية كافية جميع الحاجات.
الجهة الرابعة: المصالح العامة من عمارة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس، فيصرف لا محالة إلى هذه الجهة عند الحاجة قدر من بيت مال المسلمين، فلا ترى هذه المواضع فى أيامه إلا معمورة وملحوظة بالتعاهد من القوام بها والمتكفلين لها، وهذا وجه الدخل والخرج.
ونختم الكلام بما يقطع مادة الخصام وتبين فيه غاية الإنصاف فنقول: لا يظنن ظان أنا نشترط فى الإمامة العصمة، فإن العلماء اختلفوا فى حصولها للأنبياء، والأكثرون على أنهم لم يعصموا من الصغائر، ولو اعتبرت العصمة من كل زلة لتعذرت الولايات وانعزلت القضاة، وبطلت الإمامة، وكيف يحكم باشتراط التنقى من كل معصية والاستمرار على سمت التقوى من غير عدول، ومعلوم أن الجبلات متقاضية للذات، والطباع محرضة على نيل الشهوات، والتكاليف يتضمنها من العناء ما يتقاعد عن احتمالها الأقوياء، ووساوس الشيطان وهواجس النفس مستحثة على حب العاجلة واستحقار الآجلة، والجبلة الإنسانية بالسوء أمارة، والتقى فى أرجوحة الهوى يغلب تارة ويعجز تارة، والشيطان ليس يفتر عن الوساوس، والزلات تجرى على الأنفاس؛ فكيف يتخلص البشر عن اقتحام محظور والتورط فى محظور!؟ ولذلك قال الشافعى- رضى الله عنه- فى شرط عدالة الشهادة: لا يعرف أحد بمحض الطاعة حتى لا يتضمخ «1» بمعصية؛ ولا أحد بمحض المعصية حتى لا يقدم على طاعة، ولا ينفك أحد عن تخليط؛ ولكن من غلبت الطاعات فى حقه المعاصى، وكانت تسوؤه سيئته وتسره حسنته فهو مقبول الشهادة؛ ولسنا نشترط فى عدالة القضاء إلا ما نشترطه فى الشهادة، ولا نشترط فى الإمامة إلا ما نشترطه فى القضاء، وهذا ذكرناه إذا لج ملاح أو ألح ملح ولازم اللدد فى تصوير أمر من الأمور لا يوافق ظاهر الشرع، وإرادته الطعن فى الإمامة والقدح فيها، عرف أن ذلك غير قادح فى أصل الإمامة بحال من الأحوال.