AUTO الفصل الأول ولي حق الله
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
والأولياء عندنا على صنفين: صنف أولياء حق الله، وصنف أولياء الله. وكلاهما يحسبان أنهما أولياء الله.
فأما ولي حق الله فرجل أفاق من سكرته. فتاب إلى الله تعالى، وعزم على الوفاء لله تعالى بتلك التوبة. فنظر إلى ما يراد له في القيام بهذا الوفاء فإذا هي حراسة هذه الجوارح السبع: لسانه وسمعه وبصره ويده ورجله وبطنه وفرجه. فصرفها من باله، وجمع فكرته وهمته في هذه الحراسة، ولها عن كل شيء سواها، حتى استقام. فهو رجل مؤدي الفرائض حافظ للحدود، لا يشتغل بشيء غير ذلك. يحرس هذه الجوارح حتى لا ينقطع الوفاء لله تعالى بما عزم عليه. فسكنت نفسه، وهدأت جوارحه.
فنظر إلى حاله، فإذا هو على خطر عظيم: لأنه وجد نفسه بمنزلة شجرة قطعت أغصانها والشجرة باقية بحالها. فما يؤمنه أن يغفل عنها قليلا فإذا الشجرة قد بدت لها أغصان كما كان بديا، فكلما قطعها خرج مكانها مثلها. فقصد الشجرة ليقطعها من أصلها، ليأمن من خروج أغصانها، فقطعها. فظن أنه قد كفى مؤنتها، فإذا أصلها قد بدت منه أغصان؟ فعرف أنه لا يخلص من شرها دون أن يقلعها من أصلها. فإذا قلعها من أصلها استراح.
فلما نظر هذا العبد إلى جوارحه قد هدأت، التفت إلى باطنه؛ فإذا نفسه محشوة بشهوات هذه الجوارح. فقال: إنما هي شهوة واحدة، أبيح لي منها بعضها وحظر على بعضها: فأنا في خطر عظيم! أحتاج أن أحرس بصري حتى لا ينظر إلا المباح: فإذا بلغ المحظور عليه غمض وأعرض وكذلك اللسان وجميع الجوارح. فإذا غفلت ساعة عن الحراسة، رمتني في أودية المهالك. فلما وقع في هذا الخوف، ضيقت عليه المخافة جميع الأمور، وحجزته عن الخلق، وأعجزته عن القيام بكثير من أمور الله، عز وجل. وصار ممن يهرب من كل أمر، عجزا منه وخوفا على جوارحه من نفسه الشهوانية.
فقال في نفسه: قد اشتغل قلبي بحراسة نفسي في جميع عمري، فمتى أقدر أن أفكر في منن الله وصنائعه؟ ومتى يطهر قلبي من هذه الأدناس؟ فإن أهل اليقين يصفون من قلوبهم أمورا، أنا خلو منها! فقصد ليطهر الباطن، بعدما استقام له تطهير الظاهر. فعزم على رفض كل شهوة في نفسه لهذه الجوارح السبع، مما أطلق أو حظر عليه. وقال: إنما هي شهوة واحدة، تطلق لي في مكان وتحظر علي في مكان. فلا خلاص منها، حتى أميتها من نفسي وحسب إن رفضها إماتتها! فعلم الله صدق الرفض من عبده وماذا يريد.
فافترقت الإرادة ههنا. فمنهم من صدق الله في رفضه ليطهر مناه، ويلقاه بصدقه وطهارته لينال ما وعد الصادقين من ثواب جهدهم. ومنهم من صدق الله في رفضه ليلقاه بخالص العبودية غدا، فتقر عينه بلقائه. ففتح لهذا الطريق إليه، وترك الآخر على جهده، واقتضائه ثواب الصدق يوم لقائه.
فأما الذي فتح له الطريق إليه، فهذا الذي ذكره في تنزيله {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فلم فتح له الطريق إليه أشرق النور في صدره، فأصاب روح الطريق، فوجد قوة على رفض الشهوات، فازداد رفضا وهجرانا. فزيد له في الروح، لأنه كلما رفض شيئا نال من ربه عطاء من روح القربة؛ فازداد قوة. فقوي على الرفض، حتى مهر في الطريق، وحذق بصرا بالسير إلى الله تعالى. فعلم أنه إذا رفض شهوة الأكل، ينبغي له أن يرفض شهوة اللباس؛ فإذا رفضها، ينبغي له أن يرفض شهوة الشراب، فإذا رفض هذه الأشياء، رفض شهوة السمع والبصر واللسان واليد والرجل. فلا ينطق إلا بما لا بد منه، ولا يسمع إلا إلى ما لا بد منه، ولا ينظر إلا إلى ما لا بد منه، ولا يمشي إلا إلى ما لا بد منه. فيلزم العزلة حسما لهذه الأبواب، وإماتة لهذه الشهوات. فازداد قربا وانشرح صدره. والخطر العظيم ههنا! (والسالكون) بين معصوم ومخذول. وذلك أن من زلت قدمه في هذا الطريق، فمن ههنا زلت، ومن ههنا خذل. فاحذرك هذا الباب!
قال له قائل: وكيف ذلك؟
قال: من أجل أنه لما عمت أنوار العطاء في قلبه، واتسع قلبه وانشرح صدره فرحت نفسه بخروجها من تلك المضايق إلى فسحة التوحيد. فترك العزلة لهذه الجوارح، وأخذ ينطق بما فتح الله له من شأن هذا الطريق، ومما تراءى له من الحكم والفوائد وعلم الطريق. وخالط الناس على ذلك. فأكرم وبجل. فقبل إكرامهم وتبجيلهم. ثم أعطى على ذلك فقبل نوالهم. خدعته نفسه فانخدع لها. وموهت عليه فقبل تمويهها. وانبعثت عليه الدنيا عفوا لا صفوا!
فوثب هذا الأسد المتماوت وثبة من حينه فركب عنقه. وذلك (أنه) لما أصاب تلك اللذات، التي كانت زالت بالفطام عنها، استيقظ. فصارت (نفسه) بمنزلة السمكة، التي انفلتت من الشبكة: فهي أشد غوصا واضطرابا لا تأمن على نفسها أن تؤخذ. فصارت النفس كذلك منفلتة من شبكة صاحبها، فهي أشد وأصعب من أن يظفر بها. فاحذر هذا الباب! فإني رأيت وعاينت كل من أفسد طريقه، وأدبر ناكصا على عقبيه، فمن ههنا سقط وزلت قدمه. فلم يزالوا في ذل وصغار، قد نفتهم قلوب الصادقين، ومقتهم جمهور العلماء.
وذلك أنهم هراب متصنعون، لا هم يتوبون من هذا الأمر ويتطهرون ويصحون ويستقيمون في سيرهم؛ ولا تسمح نفوسهم بأن يصيروا إلى أعمال الأركان، لأن فيه مشقة وضيقا، وقد كانوا أصابوا الروح والسعة. فلا قلوبهم مشغولة بحق الله، ولا أبدانهم مشغولة بعبادة الله. وقد عطلوا الأركان عن العبادة، وعطلوا القلوب عن السير إلى الله عز وجل، وقطع مسافة المنازل. فصاروا ضحكة الشيطان، وبرم القلوب، وثقلا على الفؤاد. يسيحون في البلدان، يخدعون الضعفاء والجهال والنساء عن دنياهم. ويأكلون بما يبدون من الزهد، والسمت الحسن، وكلام الرجال. تراهم الشهر والدهر في الاحتيال والاصطياد. ويجرون المنافع بالرقى، ويباشرون الأعمال على المنى، ويتخيرونها على العمى!
فالكيس أدركه التوفيق من ربه. فثبت ههنا عندما جاشت الحكم في صدره، وراودته نفسه على مخالطة الخلق؛ تزعم له بخداعها أنه قد أصاب من القوة ما يباشر هذه الأمور. فيرجع بعقله عليها، فيقول: كيف آمنك على أمور، وأنت معروفة بالخيانة، ومعك آلة الخيانة، التي تدعى شهواتك؟ ويعزم على إلا يقضى شهواتها ومنيتها. فأيده الله تعالى، وثبت ركنه. وعزم على تجنب هذه الشهوات كلها، ما ظهر منها وما بطن. حتى إذا مر في عزمه، فاستفرغه وبلغ الغاية من ذلك (و) ظن أنه قد أماتها، فإذا هي بمكانها! وذلك أنه بلغ الغاية في روض شهوات الدنيا، وبقيت لذة الطاعات والنفس حية بمكانها.
فمن ههنا زلت أقدام طائفة منهم. فقالوا في أنفسهم. أنقعد فراغا هكذا، نبطل أعمالنا في القعود معطلين؟ بل ننغمس في أعمال البر، فكل ما زدنا منه، ازددنا به قربة إلى الله تعالى. فيقال لهم: هذا (هو) الداء الدفين فيكم، وأنتم به جاهلون! متى وجدت نفسك لذة الطاعات وحلاوتها فأجبتها صرت مفتونا بها. فتأمل هذا المكان، فإن فيه مسرحا من مسارح النفس ومصيدة من مصايد الشيطان. وأعوذ بالله ممن يصير مفتونا بالطاعة!
أما بلغك الخبر، عن جريج الراهب، حيث نادته أمه وهو في الصلاة، فآثر الصلاة على إجابة أمه - فلقي ما لقي من البلاء؟ وهكذا تكون فتنة الطاعة. وهل تكون الفتنة إلا من وجود النفس لذة الشيء؟ فكيف يطمح قلبك أن يصل إلى الله تعالى، مع شهوة النفس؟ فإن شهوة النفس هي الدنيا! إن هذا لحمق! والجهل قد يبلغ بصاحبه منازل الحمقى.
ويقال لمثل هذا المفتون، بمثل هذا القول: متى تتخلص من لحظات نفسك إلى جهدك، وأعمال برك، حتى لا تكون معتمدا عليه؟ والمعتمد على عمله متى يفلح؟ وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، يقول: ((إنه ليس أحد منكم ينجيه عمله. قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)).
قال له قائل: فماذا يصنع إن لم يعمل نفسه في الطاعات؟
قال: يؤدي الفرائض، ويحفظ الحدود. فليس في هذا الشغل، أن قام به، ما يعجزه عن سائر الأشياء. وأي عبودة أشرف من هذا؟ وهل ألزم الله العباد إلا بهذا؟
قال له قائل: فهل يضره إن هو اشتغل بهذه الطاعات؟
قال: وأي ضرر بأكثر من سائر إلى الله تعالى، وقف على بعض عبيده، أو على شيء من خلقه، يلتذ به؟ أليس هذا مما يقف به عن السير؟ أرأيت لو أن أمير المؤمنين دعا بعض قواده ليقربه ويخلع عليه ويحبوه؟ فسار إليه هذا القائد؛ فلما بلغ بعض الطريق، عمد إلى موضع منزه، حلى لصدره لنزاهته، فأخذ يبني له هناك قصرا. هل يقع ذلك من أمير المؤمنين؟ واحتج (القائد) بأن قال: أبني هذا القصر، لأ تقرب به إليه. أليس هذا، عند أهل العقل، من الحمق؟ وما خطر هذا القصر، عند أمير المؤمنين؟ وأين هذا من ملكه إنما دعاك ليقربك، ويظهر مكنون ما عنده لك. فما اشتغالك بهذا؟ قال (القائد): لأزداد عنده قربة! فسمع أمير المؤمنين بذلك، فازدرى عقله، وقال: أحسب هذا إنما دعوته لأقربه بما سلف منه إلي؟ فوجد عليه من ذلك، وقال: اكتساب الجاه عندي أن تسير إلي عندما بلغتك دعوتي؛ فتنال محل القربة؛ لا باشتغالك ببناء القصر لي.
فإذا كانت هذه المعاملة، فيما بين العبيد، في الدنيا هكذا - فكيف بمعاملتك مع رب العزة على هذا السبيل.