الشطر الأول في مقدماته وتوابعه إلى نفخة الصور وفيه ثمانية أبواب (4/8)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
فيقول عبد الله إني لم أر أحدا أولى بذلك منك قالت عائشة رضي الله عنها وما قلت ذاك ولا صرفته عن أبي بكر إلا رغبة به عن الدنيا ولما في الولاية من المخاطرة والهلكة إلا من سلم الله وخشيت أيضا أن لا يكون الناس يحبون رجلا صلى في مقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي أبدا إلا أن يشاء الله فيحسدونه ويبغون عليه ويتشاءمون به فإذن الأمر أمر الله والقضاء قضاؤه وعصمه الله من كل ما تخوفت عليه من أمر الدنيا والدين (3) وقالت عائشة رضي الله عنها فلما
كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا منه خفة في أول النهار فتفرق عنه الرجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين وأخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء فبينا نحن على ذلك لم نكن على مثل حالنا في الرجاء والفرح قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرجن عني هذا الملك يستأذن علي فخرج من في البيت غيري ورأسه في حجري فجلس وتنحيت في جانب البيت فناجى الملك طويلا ثم إنه دعاني فأعاد رأسه في حجري وقال للنسوة ادخلن فقلت ما هذا بحس جبريل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل يا عائشة هذا ملك الموت جاءني فقال إن الله عز وجل أرسلني وأمرني أن لا أدخل عليك إلا بإذن فإن لم تأذن لي أرجع وإن أذنت لي دخلت وأمرني أن لا أقبضك حتى تأمرني فماذا أمرك فقلت أكفف عني حتى يأتيني جبريل عليه السلام فهذه ساعة جبريل فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب ولا رأى فوجمنا وكأنما ضربنا بصاخة ما نحير إليه شيئا وما يتكلم أحد من أهل البيت إعظاما لذلك الأمر وهيبة ملأت أجوافنا قالت وجاء جبريل في ساعته فسلم فعرفت حسه وخرج أهل البيت فدخل فقال إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول كيف تجدك وهو أعلم بالذي تجد منك ولكن أراد أن يزيدك كرامة وشرفا وأن يتم كرامتك وشرفك على الخلق وأن تكون سنة في أمتك فقال أجدني وجعا فقال أبشر فإن الله تعالى أراد أن يبلغك ما أعد لك فقال يا جبريل إن ملك الموت استأذن علي وأخبره الخبر فقال جبريل يا محمد إن ربك إليك مشتاق ألم يعلمك الذي يريد بك لا والله تعالى ما استأذن ملك الموت على أحد قط ولا يستأذن عليه أبدا إلا أن ربك متم شرفك وهو إليك مشتاق قال فلا تبرح إذن حتى يجىء وأذن للنساء فقال يا فاطمة ادنى فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وعيناها تدمع وما تطيق الكلام ثم قال أدني مني رأسك فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك وما تطيق الكلام فكان الذي رأينا منها عجبا فسألتها بعد ذلك فقالت أخبرني وقال إني ميت اليوم فبكيت ثم قال إني دعوت الله أن يلحقك بي في أول أهلي وأن يجعلك معي فضحكت وأدنت ابنيها منه فشمهما قالت وجاء ملك الموت واستأذن فأذن له فقال الملك
ما تأمرنا يا محمد قال الحقني بربي الآن فقال بلى من يومك هذا أما إن ربك إليك مشتاق ولم يتردد عن أحد تردده عنك ولم ينهنى عن الدخول على أحد إلا بإذن غيرك ولكن ساعتك أمامك وخرج قالت وجاء جبريل فقال السلام عليك يا رسول الله هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا طوى الوحي وطويت الدنيا وما كان لي في الأرض حاجة غيرك ومالي فيها حاجة إلا حضورك ثم لزوم موقفي لا والذي بعث محمدا بالحق ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة ولا يبعث إلى أحد من رجاله لعظم ما يسمع من حديثه ووجدنا وإشفاقنا قالت فقمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أضع رأسه بين ثديي وأمسكت بصدره وجعل يغمى عليه حتى يغلب وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قط فجعلت أسلت ذلك العرق وما وجدت رائحة شيء أطيب منه فكنت أقول له إذا أفاق بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي ما تلقى جبهتك من الرشح فقال يا عائشة إن نفس المؤمن تخرج بالرشح ونفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار فعند ذلك ارتعنا وبعثنا إلى أهلنا فكان أول رجل جاءنا ولم يشهده أخي بعثه إلى أبي فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يجيء أحد وإنما صدهم الله عنه لأنه ولاه جبريل وميكائيل وجعل إذا أغمى عليه قال بل الرفيق الأعلى كأن الخيرة تعاد عليه فإذا أطاق الكلام قال الصلاة الصلاة إنكم لا تزالون متماسكين ما صليتم جميعا الصلاة الصلاة كان يوصي بها حتى مات وهو
يقول الصلاة الصلاة (1) قالت عائشة رضي الله عنها مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ارتفاع الضحى وانتصاف النهار يوم الاثنين (2) قالت فاطمة رضي الله عنها ما لقيت من يوم الاثنين والله لا تزال الأمة تصاب فيه بعظيمة وقالت أم كلثوم يوم أصيب علي كرم الله وجهه بالكوفة مثلها ما لقيت من يوم الاثنين مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قتل علي كرم وفيه قتل أبي فما لقيت من يوم الاثنين وقالت عائشة رضي الله عنها لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتحم الناس حين ارتفعت الرنة وسجى رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة بثوبة فاختلفوا فكذب بعضهم بموته وأخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد البعد وخلط آخرون فلاثوا الكلام بغير بيان وبقي آخرون معهم عقولهم وأقعد آخرون فكان عمر بن الخطاب فيمن كذب بموته وعلي فيمن أقعد وعثمان فيمن أخرس
فخرج عمر على الناس وقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت وليرجعنه الله عز وجل وليقطعن أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت إنما واعده الله عز وجل كما واعد موسى وهو آتيكم (3) وفي رواية أنه قال يا أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمت والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات إلا علوته بسيفي هذا
وأما علي فإنه أقعد فلا يبرح البيت
وأما عثمان فجعل لا يكلم أحدا يؤخذ بيده فيجاء به ويذهب به ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس فإن الله عز وجل أيدهما بالتوفيق والسداد وإن كان الناس لم يرعووا إلا بقول أبي بكر حتى جاء العباس فقال والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت ولقد قال وهو بين أظهركم {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}
وبلغ أبا بكر الخبر وهو في بني الحرث بن الخزرج فجاء ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه
ثم أكب عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كان الله تعالى ليذيقك الموت مرتين فقد والله توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى الناس فقال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإنه حى لا يموت قال الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم الآية (1) فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية إلا يومئذ وفي رواية أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما بلغه الخبر دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وغصصه ترتفع كقصع الجرة وهو في ذلك جلد الفعل والمقال فأكب عليه فكشف عن وجهه وقبل جبينه وخديه ومسح وجهه وجعل يبكي ويقول بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي طبت حيا وميتا انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء والنبوة فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لحزنك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء العيون فأما مالا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدكار محالفان لا يبرحان اللهم فأبلغه عنا اذكرنا يا محمد صلى الله عليك عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم يقم أحد لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا وأحفظه فينا (2)
وعن ابن عمر أنه لما دخل أبو بكر البيت وصلى وأثنى عج أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلى كلما ذكر شيئا ازدادوا فما سكن عجيجهم إلا تسليم رجل على الباب صيت جلد قال السلام عليكم يا أهل البيت {كل نفس ذائقة الموت} الآية إن في الله خلفا من كل أحد ودركا لكل رغبة ونجاة من كل مخافة فالله تعالى فارجوا وبه فثقوا
فاستمعوا له وأنكروه وقطعوا البكاء فلما انقطع البكاء فقد صوته فاطلع أحدهم فلم ير أحدا ثم عادوا فبكوا فناداهم مناد آخر لا يعرفون صوته يا اهل البيت اذكروا الله تعالى واحمدوه على كل حال تكونوا من المخلصين إن في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل رغيبة فالله فأطيعوا وبأمره فاعملوا
فقال أبو بكر هذا الخضر واليسع عليهما السلام حضرا النبي صلى الله عليه وسلم (3) واستوفى القعقاع بن عمرو حكاية خطبة أبي بكر رضي الله عنه فقال قام أبو بكر في الناس
خطيبا حيث قضى الناس عبراتهم بخطبة جلها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه على كل حال وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلله الحمد وحده وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه وأشهد أن الكتاب كما شرع وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين اللهم فصل على محمد عبدك ورسولك ونبيك وحبيبك وأمينك وخيرتك وصفوتك بأفضل ما صليت به على أحد من خلقك اللهم واجعل صلواتك ومعافاتك ورحمتك على سيد المرسلين وخاتم النبيين وإمام المتقين محمد قائد الخير وإمام الخير ورسول الرحمة اللهم قرب زلفته وعظم برهانه وكرم مقامه وابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون وألاخرون وانفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة واخلفه فينا في الدنيا والآخرة وبلغه الدرجة والوسيلة في الجنة اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم إنك حميد مجيد أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت وإن الله قد قدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا فإن الله عز وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم وعالجوا الشيطان بالخير تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم ويفتنكم
وقال ابن عباس لما فرغ أبو بكر من خطبته قال يا عمر أنت الذي بلغني انك تقول ما مات نبي الله صلى الله عليه وسلم أما ترى أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يوم كذا كذا وكذا ويوم كذا كذا وكذا وقال تعالى في كتابه {إنك ميت وإنهم ميتون} فقال والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا أشهد أن الكتاب كما أنزل وأن الحديث كما حدث وأن الله حي لا يموت {إنا لله وإنا إليه راجعون} وصلوات الله على رسوله وعند الله نحتسب رسوله صلى الله عليه وسلم ثم جلس إلى أبي بكر
وقالت عائشة رضي الله عنها لما اجتمعوا لغسله قالوا والله ما ندري كيف نغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنجرده عن ثيابه كما نصنع بموتانا أو نغسله في ثيابه قالت فأرسل الله عليهم النوم حتى ما بقي منهم رجل إلا واضع لحيته على صدره نائما ثم قال قائل لا يدري من هو غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه فانتبهوا ففعلوا ذلك فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه حتى إذا فرغوا من غسله كفن
وقال علي كرم الله وجهه أردنا خلع قميصه فنودينا لا تخلعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه
فأقررناه فغسلناه في قميصه كما نغسل موتانا مستلقيا ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه إلا قلب لنا حتى نفرغ منه وإن معنا لحفيفا في البيت كالريح الرخاء ويصوت بنا ارفقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ستكفون فهكذا كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك
سبدا ولا لبدا إلا دفن معه
قال أبو جعفر فرش لحده بمفرشه وقطيفته وفرشت ثيابه عليها التي كان يلبس يقظان على القطيفة والمفرش ثم وضع عليها في أكفانه فلم يترك بعد وفاته مالا ولا نبي في حياته لبنة على لبنة ولا وضع قصبة على قصبة (1) ففي وفاته عبرة تامة وللمسلمين به أسوة حسنة
لما احتضر أبو بكر رضي الله تعالى عنه جاءت عائشة رضي الله عنها فتمثلت بهذا البيت لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال ليس كذا ولكن قولي {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي إلى الجديد أحوج من الميت
وقالت عائشة رضي الله عنها عند موته
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
فقال أبو بكر ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا عليه فقالوا ألا ندعوا لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلى طبيبي وقال إني فعال لما أريد
ودخل عليه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه يعوده فقال يا أبا بكر أوصنا فقال إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا تأخذن منها إلا بلاغك واعلم أن من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفرن الله في ذمته فيكبك في النار على وجهك
ولما ثقل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأراد الناس منه أن يستخلف فاستخلف عمر رضي الله عنه فقال الناس له استخلفت علينا فظا غليظا فماذا تقول لربك فقال أقول استخلفت على خلقك خير خلقك
ثم أرسل إلى عمر رضي الله عنه فجاء فقال إني موصيك بوصية اعلم إن لله حقا في النهار لا يقبله في الليل وأن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل وإنما خفت موازين من خفت موزاينهم يوم القيامة باتباع الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلاالباطل أن يخف وإن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فيقول القائل أنا دون هؤلاء ولا أبلغ مبلغ صالح الذي عملوا فيقول القائل أنا أفضل من هؤلاء وإن الله ذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا ولا يلقى بيديه إلى التهلكة ولا يتمنى على الله غير الحق
فإن حفظت وصيتي هذه فلا يكون غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه وإن ضيعت وصيتي فلا يكون غائب أبغض إليك من الموت ولا بد لك منه ولست بمعجزه
وقال سعيد بن المسيب لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه أتاه ناس من الصحابة فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم زودنا فإنا نراك لما بك
فقالوا أبو بكر من قال هؤلاء الكلمات ثم مات جعل الله روحه في الأفق المبين قالوا وما الأفق المبين قال قاع بين يديالعرش فيه رياض الله وأنهار وأشجار يغشاه كل يوم مائة
رحمة فمن قال هذا القول جعل الله روحه في هذا المكان اللهم إنك ابتدأت الخلق من غير حاجة بك إليهم ثم جعلتهم فريقين فريقا للنعيم وفريقا للسعير فاجعلني للنعيم ولا تجعلني للسعير اللهم إنك خلقت الخلق فرقا وميزتهم قبل أن تخلقهم فجعلت منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فلا تشقني بمعاصيك
اللهم إنك علمت ما تكسب كل نفس قبل أن تخلقها فلا محيص لها مما علمت فاجعلني ممن تستعمله بطاعتك اللهم إن أحدا لا يشاء حتى تشاء فاجعل مشيئتك أن أشاء ما يقربني إليك
اللهم إنك قد قدرت حركات العباد فلا يتحرك شيء إلا بإذنك فاجعل حركاتي في تقواك اللهم إنك خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما عاملا يعمل به فاجعلني من خير القسمين اللهم إنك خلقت الجنة والنار وجعلت لكل واحدة منهما أهلا فاجعلني من سكان جنتك
اللهم إنك أردت بقوم الضلال وضيقت به صدورهم فاشرح صدري للإيمان وزينه في قلبي اللهم إنك دبرت الأمور وجعلت مصيرها إليك فأحيني بعد الموت حياة طيبة وقربني إليك زلفى اللهم من أصبح وأمسى ثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي ولا حول ولا قوة إلا بالله قال أبو بكر هذا كله في كتاب الله عز وجل
قال عم بن ميمون كنت قائما غداة أصيب عمر ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس وكان إذا مر بين الصفين قام بينهما فإذا رأى خللا قال استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا لا تقدم فكبر قال وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن أكبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه أبو لؤلؤة وطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا فمات منهم تسعة وفي رواية سبعة
فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه
وتناول عمر رضي الله تعالى عنه عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأما من كان يلي عمر فقد رأى ما رأيت وأما نواحي المسجد ما يدرون ما الأمر غير أنهم فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا ابن العباس انظر من قتلني قال فغاب ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة بن شعبة فقال عمر رضي الله عنه قاتله الله لقد كنت أمرت به معروفا
ثم قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل مسلم قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال ابن عباس إن شئت فعلت أي إن شئت قتلناهم قال بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا إلى قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه قال وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ قال فقائل يقول أخاف عليه وقائل يقول لا بأس
فأتى بنبيذ فشرب منه فخرج من جوفه ثم أتى بلبن فشرب منه فخرج من جوفه فعرفوا أنه ميت
قال فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى من الله عز وجل قد كان لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة فقال وددت أن ذلك كان كفافا لا علي ولا لي
فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمس الأرض فقال ردوا على الغلام فقال يا ابن أخي أرفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك
ثم قال يا عبد الله انظر ما على من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه فقال إن وفي به مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم وأد عني هذا المال وانطلق إلى أم المؤمنين عائشة فقل
عمر يقرأ عليك السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه
فذهب عبد الله فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر ابن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فلما اقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء فقال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين قد أذنت قال الحمد لله ما كان شيء أهم إلى من ذلك فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلم وقل يستأذن عمر فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين
وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فكبت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا فسمعنا بكاءها من داخل فقالوا أوص يا أمير المؤمنين واستخلف فقال ما أرى أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمارة سعدا فذاك وإلا فليستعن به أيكم أمر فإني لم اعز له من عجز ولا خيانة
وقال أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم فضلهم وبحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة الأموال وغيظ العدو وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام وأن يأخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله عز وجل وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل لهم من وراءهم ولا يكلفهم إلا طاقتهم قال فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال يستأذن عمر بن الخطاب فقالت أدخلوه فأدخلوه في موضع هنالك مع صاحبيه الحديث
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لي جبريل عليه السلام ليبك الإسلام على موت عمر (1) وعن ابن عباس قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فترحم على عمر وقال ما خلفت أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر // حديث ابن عباس قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون فذكر قول علي بن أبي طالب كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر الحديث متفق عليه فإني كنت لأرجو أن لأظن أن يجعلك الله معهما
الحديث في قتله مشهور
وقد قال عبد الله بن سلام أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور فدخلت عليه فقال مرحبا يا أخي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه الخوخة وهي خوخة في البيت فقال يا عثمان حصروك قلت نعم قال عطشوك قلت نعم فأدلى إلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى
إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي وقال لي إن شئت نصرت عليهم وإن شئت أفطرت عندنا فاخترت أن أفطر عنده فقتل ذلك اليوم رضي الله عنه وقال عبد الله بن سلام لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين جرح ماذا قال عثمان وهو يتشحط قالوا سمعناه يقول اللهم اجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثا قال والذي نفسي بيده لو دعا الله أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى يوم القيامة
وعن ثمامة بن حزن القشيري قال شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان رضي الله عنه فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم على قال فجيء بهما كأنما هما حملان أو حماران فأشرف عليهم عثمان رضي الله عنه فقال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال من يشترى رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني ان أشرب منها ومن ماء البحر قالوا اللهم نعم قال أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أنى جهزت جيش العسرة من مالي قالوا نعم أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن المسجد كان ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشترى بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالى فأنتم اليوم تمنعونى أن أصلى فيها ركعتين قالوا اللهم نعم قالوا أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير بمكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقط حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال أسكن ثبير فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد (1) وروى عن شيخ من ضبة أن عثمان حين ضرب والدماء تسيل على لحيته جعل يقول {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} اللهم إني أستعديك عليهم وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على ما ابتليتني
قال الأصبغ الحنظلي لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي كرم الله وجهه اتاه ابن التياح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل فعاد الثانية وهو كذلك ثم عاد الثالثة فقام علي يمشي وهو يقول
اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لافيكا
ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا
فلما بلغ الباب الصغير شد عليه ابن ملجم فضربه
فخرجت أم كلثوم أبنة علي رضى الله وعنه فجعلت تقول مالي ولصلاة الغداة قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة وقتل أبي صلاة
الغداة وعن شيخ من قريش أن عليا كرم الله وجهه لما ضربه ابن ملجم قال فزت ورب الكعبة
وعن محمد بن علي أنه لما ضرب أوصى بنيه ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض
ولما ثقل الحسن بن علي رضي الله عنهما دخل عليه الحسين رضي الله عنه فقال يا أخي لأي شيء تجزع تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علي بن أبي طالب وهما أبواك وعلى خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وهما أماك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك قال يا أخي أقدم على أمر لم أقدم على مثله
وعن محمد بن الحسن رضي الله عنهما قال لما نزل القوم بالحسين رضي الله عنه وأيقن أنهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد نزل من الأمر ما ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر