النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب (1/8)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
اعلم أنهما من أعظم أنواع البلاغة حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم أنه قال: البلاغة هي الإيجاز والإطناب.
قال صاحب الكشاف: كما أنه يجب على البليغ في مظان الإجمال أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع أنشد الجاحظ:
يرمون بالخطب الطوال وتارة
وحي الملاحظ خيفة الرقباء
واختلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا وهي داخلة في قسم الإيجاز فالسكاكي وجماعة على الأول لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة وفسروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف والإطناب أداؤه بأكثر منها لكون المقام خليقا بالبسط وابن الأثير وجماعة على الثاني فقالوا الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد والإطناب بلفظ أزيد.
وقال القزويني: الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إما بلفظ مساو للأصل المراد أو ناقص عنه واف أو زائد عليه لفائدة والأول المساواة والثاني الإيجاز والثالث الإطناب
واحترز ب "واف" عن الإخلال وبقولنا لفائدة عن الحشو والتطويل فعنده ثبوت المساواة واسطة وأنها من قسم المقبول
فإن قلت عدم ذكرك المساواة في الترجمة لماذا هل هو لرجحان نفيها أو عدم قبولها أو لأمر غير ذلك؟ قلت: لهما ولأمر ثالث وهو أن المساواة لا تكاد توجد خصوصا في القرآن وقد مثل لها في التلخيص بقوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} وفي الإيضاح بقوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} وتعقب بأن في الآية الثانية حذف موصوف "الذين" وفي الأولى إطناب بلفظ "السيئ" لأن المكر لا يكون إلا سيئا وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرغ أي بأحد وبالقصر في الاستثناء وبكونها حاثة على كف الأذى عن جميع الناس محذرة عن جميع ما يؤدي إليه وبأن تقديرها يضر بصاحبه مضرة بليغة فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعية الواقعة على سبيل التمثيلية لأن "يحيق"بمعنى "يحيط" فلا يستعمل إلا في الأجسام.
تنبيه
الإيجاز والاختصار بمعنى واحد كما يؤخذ من المفتاح وصرح به الطيبي.
وقال بعضهم الاختصار خاص بحذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز
قال الشيخ بهاء الدين: وليس بشيء والإطناب قيل بمعنى الإسهاب والحق أنه أخص منه فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا لفائدة كما ذكره التنوخي وغيره.
فصل
في نوعي الإيجاز
الإيجاز قسمان: إيجاز قصر وإيجاز حذف
يجاز القصر.
فالأول: هو الوجيز بلفظه قال الشيخ بهاء الدين: الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر
وقال بعضهم: إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ
وقال آخر: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم."
وقال الطيبي: في التبيان الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام:
أحدها: إيجاز القصر وهو أن يقصر اللفظ على معناه كقوله: {إنه من سليمان} إلى قوله: {وأتوني مسلمين} جمع في أحرف
العنوان والكتاب والحاجة وقيل في وصف بليغ: كانت ألفاظه قوالب معناه قلت وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز.
الثاني: إيجاز التقدير وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق ويسمى بالتضييق أيضا وبه سماه بدر الدين بن مالك في المصباح لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه نحو: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} أي خطاياه غفرت فهي له لا عليه {هدى للمتقين} أي للضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى.
الثالث: الإيجاز الجامع وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة نحو: {إن الله يأمر بالعدل والأحسان} الآية فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط المومى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية والإحسان هو الإخلاص في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه" أي تعبده مخلصا في نيتك وواقفا في الخضوع آخذا أهبة الحذر إلى ما لا يحصى {وإيتاء ذي القربى} هو الزيادة على الواجب من النوافل هذا في الأوامر. وأما النواهي
فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرم شرعا وبالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية
قلت: ولهذا قال ابن مسعود: ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه الآية أخرجه في المستدرك وروى البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن أنه قرأها يوما ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية
واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه
وروى أيضا عن ابن أبي شهاب في معنى حديث الشيخين: " بعثت بجوامع الكلم" قال بلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك
ومن ذلك قوله تعالى: {خذ العفو} الآية فإنها جامعة لمكارم الأخلاق لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق واللين والرفق في الدعاء إلى الدين وفي الأمر بالمعروف كف الأذى وغض البصر وما شاكلهما من المحرمات وفي الإعراض الصبر والحلم والتؤدة
ومن بديع الإيجاز قوله تعالى: {قل هو الله أحد} إلى آخرها فإنه نهاية التنزيه وقد تضمنت الرد على نحو أربعين فرقة كما أفرد ذلك بالتصنيف بهاء الدين بن شداد
وقوله: {أخرج منها ماءها ومرعاها} دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء
وقوله: {لا يصدعون عنها ولا ينزفون} جمع فيه جميع عيوب الخمر من الصداع وعدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب
وقوله: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} الآية أمر فيها ونهى
وأخبر ونادى، ونعت وسمى وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت الأقلام وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف، وفي العجائب للكرماني: أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها وحسن نظمها وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال
وقوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} الآية جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام نادت وكنت ونبهت وسمت وأمرت وقصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وعذرت فالنداء "يا"والكناية "أي" والتنبيه "ها" والتسمية "النمل" والأمر "ادخلوا" والقصص "مساكنكم" والتحذير "لا يحطمنكم" والتخصيص "سليمان" والتعميم "جنوده" والإشارة "وهم " والعذر "لا يشعرون" فأدت خمس حقوق حق الله وحق رسوله وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان
وقوله: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} الآية جمع فيها أصول الكلام النداء والعموم والخصوص والأمر والإباحة والنهي والخبر
وقال بعضهم جمع الله الحكمة في شطر آية {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} الآية،
قال ابن العربي: هي من أعظم آي في القرآن فصاحة إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان
وقوله: {فاصدع بما تؤمر} قال ابن أبي الإصبع: المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم إيجازها وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة وقد حكي أن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام
وقوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} قال بعضهم جمع بهاتين اللفظين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه
وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} فإن معناه كثير ولفظه قليل لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان ارتفاع القتل حياة لهم وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم "القتل أنفى للقتل" بعشرين وجها أو أكثر وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.
الأول: أن ما يناظره من كلامهم وهو قوله: "القصاص حياة " أقل حروفا فإن حروفه عشرة وحروف "القتل أنفى للقتل" أربعة عشر.
الثاني: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة والآية ناصة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.
الثالث: أن تنكير "حياة" يفيد تعظيما فيدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ولا كذلك المثل فإن اللام فيه للجنس ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
الرابع: أن الآية فيه مطردة بخلاف المثل فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل بل قد يكون أدعى له وهو القتل ظلما وإنما ينفيه قتل خاص وهو القصاص ففيه حياة أبدا.
الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ "القتل" الواقع في المثل والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.
السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف بخلاف قولهم فإن فيه حذف "من" التي بعد أفعل التفضيل- وما بعدها وحذف قصاصا مع القتل الأول وظلما مع القتل الثاني والتقدير القتل "قصاصا" أنفى للقتل ظلما من تركه
السابع: أن في الآية طباقا لأن القصاص مشعر بضد الحياة بخلاف المثل.
الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضده الذي هو الحياة واستقرار الحياة
في الموت مبالغة عظيمة ذكره في الكشاف وعبر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال "في" عليه.
التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة حفيفة وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به وظهرت فصاحته بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون فالحركات تنقطع بالسكنات نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا يتبين إطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره فهي كالمقيدة.
العاشر: أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر لأن الشيء لا ينفي نفسه،
الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعدها عن غنة النون
الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد إذ القاف من حروف الاستعلاء والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق.
الثالث عشر: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت ولا كذلك تكرير القاف والتاء
الرابع عشر: سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة بخلاف لفظ "الحياة" فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل.
الخامس عشر: أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل.
السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفي والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه.
السابع عشر: أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة وقوله: "في القصاص حياة"مفهوم من أول وهلة.
الثامن عشر: أن في المثل بناء "أفعل" التفضيل من فعل متعد والآية سالمة منه.