النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب (3/8)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن ولهذا قال في قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} إن الأصل "لا تجزي فيه" فحذف حرف الجر فصار "تجزيه" ثم حذف الضمير فصار "تجزي" وهذه ملاطفة في الصناعة ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا قال ابن جني: وقول الأخفش أوفق في النفس وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد.
قاعدة
الأصل أن يقدر الشيء في مكانه الأصلي لئلا يخالف الأصل من وجهين الحذف ووضع الشيء في غير محله فيقدر المفسر في نحو "زيدا رأيته" مقدما عليه وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه لإفادة الاختصاص كما قاله النحاة وإذا منع منه مانع نحو: {وأما ثمود فهديناهم} إذ لا يلي "أما" فعل.
قاعدة
ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل ومن ثم ضعف قول الفارسي في {واللائي لم يحضن} إن التقدير "فعدتهن ثلاثة أشهر" والأولى أن يقدر "كذلك" قال الشيخ عز الدين ولا يقدر من المحذوفات إلا أشدها موافقة للغرض وأفصحها لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون في ذلك في الملفوظ به نحو: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} قدر أبو علي "جعل الله نصب الكعبة" وقدر غيره "حرمة الكعبة" وهو أولى لأن تقدير الحرمة في الهدي والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة قال ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن لأن الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث فليكن محذوفه أحسن المحذوفات كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات قال ومتى: تردد بين أن يكون مجملا أو مبينا فتقدير المبين أحسن نحو: {وداود وسليمان
إذ يحكمان في الحرث} لك أن تقدر "في أمر الحرث" و"في تضمين الحرث" وهو أولى لتعينه والأمر مجمل لتردده بين أنواع.
قاعدة
إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقي فاعلا وكونه مبتدأ والباقي خبرا فالثاني أولى لأن المبتدأ عين الخبر وحينئذ فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف فأما الفعل فإنه غير الفاعل اللهم إلا أن يعتضد الأول برواية أخرى في ذلك الموضع أو بموضع آخر يشبهه.
فالأول: كقراءة {يسبح له فيها} بفتح الباء، {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله} بفتح الحاء فإن التقدير: "يسبحه رجال" و "يوحيه الله" ولا يقدران مبتدأين حذف خبرهما لثبوت فاعلية الاسمين في رواية من بنى الفعل للفاعل
والثاني: نحو: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} فتقدير "خلقهم الله" أولى من "الله خلقهم" لمجيء {خلقهن العزيز العليم.}
قاعدة
إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا فكونه ثانيا أولى ومن ثم رجح أن المحذوف في نحو: {أتحاجوني} نون الوقاية لا نون الرفع وفي {نارا تلظى} التاء الثانية لا تاء المضارعة وفي {والله ورسوله أحق أن
يرضوه} : أن المحذوف خبر الثاني لا الأول وفي نحو: {الحج أشهر} أن المحذوف مضاف للثاني أي حج أشهر لا الأول أي أشهر الحج وقد يجب كونه من الأول نحو: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} في قراءة من رفع "ملائكته" لاختصاص الخبر بالثاني لوروده بصيغة الجمع وقد يجب كونه من الثاني نحو: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} أي بريء أيضا لتقدم الخبر على الثاني.
فصل: في أنواع الحذف
الحذف على أنواع:
أحدها: ما يسمى بالاقتطاع وهو حذف بعض حروف الكلمة وأنكر ابن الأثير ورود هذا النوع في القرآن ورد بأن بعضهم جعل منه فواتح السور على القول بأن كل حرف منها من اسم من أسمائه كما تقدم وادعى بعضهم أن الباء في {وامسحوا برؤوسكم} أول كلمة بعض ثم حذف الباقي ومنه قراءة بعضهم: {ونادوا يا مالك} بالترخيم ولما سمعها بعض السلف قال: ما أغنى أهل النار عن الترخيم وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم عجزوا عن إتمام الكلمة ويدخل في هذا النوع حذف همزة "أنا" في قوله: {لكنا هو الله ربي} إذ الأصل "لكن أنا" حذفت همزة "أنا" تخفيفا وأدغمت النون في النون ومثله ما قرئ "ويمسك السماء
أن تقع علرض" بما أنزليك" {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} {إنها لإحدى الكبر.}
النوع الثاني: ما يسمى بالاكتفاء وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة ويختص غالبا بالارتباط العطفي كقوله: {سرابيل تقيكم الحر} أي والبرد وخصص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد عندهم من البرد وقيل لأن البرد تقدم ذكر الامتنان بوقايته صريحا في قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} وفي قوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} وفي قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} ومن أمثلة هذا النوع {بيدك الخير} أي والشر وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم أو لأنه أكثر وجودا في العالم أو لأن إضافة الشر إلى الله ليس من بابا الآداب كما قال صلى الله عليه وسلم "والشر ليس إليك."
ومنها {وله ما سكن في الليل والنهار} أي وما تحرك وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
ومنها: {الذين يؤمنون بالغيب} أي والشهادة لأن الإيمان بكل منهما واجب وآثر الغيب لأنه أمدح ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس.
ومنها: {ورب المشارق} أي والمغارب
ومنها: {هدى للمتقين} أي وللكافرين قاله ابن الأنباري ويؤيده قوله: {هدى للناس}
ومنها: {إن امرؤ هلك ليس له ولد} أي ولا والد بدليل أنه أوجب للأخت النصف وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها
النوع الثالث: ما يسمى بالاحتباك وهو من ألطف الأنواع وأبدعها وقل من تنبه له أو نبه عليه من أهل فن البلاغة ولم أره في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي وذكره الزركشي في البرهان ولم يسمه هذا لاسم بل سماه الحذف المقابلي وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي قال الأندلسي في شرح البديعية من أنواع البديع الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول كقوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} الآية التقدير ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به فحذف من الأول الأنبياء لدلالة "الذي ينعق" عليه ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة "الذين كفروا" عليه
وقوله: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء} التقدير تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء فحذف من الأول "غير بيضاء"
ومن الثاني "وأخرجها" وقال الزركشي: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون} التقدير "إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون"
وقوله: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} التقدير: "ويعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم"
وقوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن} أي حتى يطهرن من الدم ويتطهرن بالماء فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن
وقوله: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} أي عملا صالحا بسيئ وآخر سيئا صالح
قلت: ومن لطيفه قوله: {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت
وفي الغرائب للكرماني: في الآية الأولى التقدير: "مثل الذين كفروا معك يا محمد كمثل الناعق مع الغنم" فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر وله في القرآن نظائر وهو أبلغ ما يكون من الكلام انتهى.
ومأخذ هذه التسمية من الحبك الذي معناه الشد والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج وشده وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق وبيان أخذه منه من أن
مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخيوط فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه فوضع المحذوف مواضعه كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه فسد بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق.
النوع الرابع: ما يسمى بالاختزال هو ما ليس واحدا مما سبق وهو أقسام لأن المحذوف إما كلمة اسم أو فعل أو حرف أو أكثر.
أمثلة حذف الاسم:
حذف المضاف هو كثير في القرآن جدا حتى قال ابن جني في القرآن منه زهاء ألف موضع وقد سردها الشيخ عز الدين في كتابه "المجاز" على ترتيب السور والآيات ومنه: {الحج أشهر} أي حج أشهر أو أشهر الحج {ولكن البر من آمن} أي ذا البر أو بر من {حرمت عليكم أمهاتكم} أي نكاح أمهاتكم {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} أي ضعف عذاب {وفي الرقاب} أي وفي تحرير الرقاب
حذف المضاف إليه يكثر في ياء المتكلم نحو {رب اغفر لي} وفي الغايات نحو: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي من قبل الغلب ومن بعده
وفي كل وأي وبعض وجاء في غيرهن كقراءة {فلا خوف عليهم} بضم بلا تنوين أي فلا خوف شيء عليهم
حذف المبتدإ يكثر في جواب الاستفهام نحو: {وما أدراك ما هيه
نار} أي هي نار وبعد فاء الجواب {من عمل صالحا فلنفسه} أي فعمله لنفسه {ومن أساء فعليها} أي فإساءته عليها وبعد القول نحو: {وقالوا أساطير الأولين} {قالوا أضغاث أحلام} وبعد ما الخبر صفة له في المعنى نحو: {التائبون العابدون} ونحو: {صم بكم عمي}
ووقع في غير ذلك نحو: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل} {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} أي هذا {سورة أنزلناها} أي هذه
ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع حذف الخبر نحو: {أكلها دائم وظلها} أي دائم
ويحتمل الأمرين: {فصبر جميل} أي أجمل أو فأمري صبر {فتحرير رقبة} أي عليه أو فالواجب
حذف الموصوف: {ندهم قاصرات الطرف} أي حور قاصرات {أن اعمل سابغات} أي دروعا سابغات {أيها المؤمنون} أي القوم المؤمنون
حذف الصفة نحو {يأخذ كل سفينة} أي صالحة بدليل
أنه قرئ كذلك وأن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة {الآن جئت بالحق} أي الواضح وإلا لكفروا بمفهوم ذلك {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي نافعا
حذف المعطوف عليه: {أن اضرب بعصاك البحر} فانفلق أي فضرب فانفلق، وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل ففي تخريجه وجهان:
أحدهما: أن يكون تعليلا معلله محذوف كقوله {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك.
والثاني: أنه معطوف على علة أخرى مضمرة ليظهر صحة العطف أي فعل ذلك ليذيق الكافرين بأسه وليبلي
حذف المعطوف مع العاطف {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أي ومن أنفق بعده {بيدك الخير} أي والشر
حذف المبدل منه خرج عليه: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أي لما تصفه والكذب بدل من الهاء
حذف الفاعل لا يجوز إلا في فاعل المصدر نحو: {لا يسأم الأنسان من دعاء الخير} أي دعائه الخير وجوزه الكسائي مطلقا لدليل وخرج عليه: {إذا بلغت التراقي} أي الروح، {حتى توارت بالحجاب} أي الشمس
حذف المفعول تقدم أنه كثير في مفعول المشيئة والإرادة ويرد في غيرهما،
نحو: {إن الذين اتخذوا العجل} أي إلها {كلا سوف تعلمون} أي عاقبة أمركم
حذف الحال يكثر إذا كان قولا نحو: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام} أي قائلين حذف المنادى: {ألا يا اسجدوا} أي يا هؤلاء {يا ليت} أي يا قوم
حذف العائد يقع في أربعة أبواب:
الصلة: نحو: {أهذا الذي بعث الله رسولا} أي بعثه.
والصفة: نحو: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس} أي فيه
والخبر: نحو: {وكلا وعد الله الحسنى} أي وعده.
والحال: