النوع الثامن والسبعون: في معرفة شروط المفسر وآدابه (3/3)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
قال ابن الصلاح: وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به
القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإيهام والإلباس! وقال النسفي في عقائده: النصوص على ظاهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد
قال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية
قال: وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان
وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} : إن معناه: من ذل: أي من الذل ذي: إشارة إلى النفس يشف: من الشفا جواب "من" ع: أمر من الوعي فأفتى بأنه ملحد، وقد قال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه، أخرجه ابن أبي حاتم
فإن قلت: فقد قال الفريابي حدثنا سفيان، عن يونس بن عبيد، عن
الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع"
وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا: "القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد"
وأخرج الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم، عن ابن مسعود موقوفا: "إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد ولكل حد مطلع"
قلت: أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه:
أحدها: أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها
والثاني: أن ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها كما قال ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم
الثالث: أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها
الرابع: قال أبو عبيد- وهو أشبهها بالصواب: إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين إنما هو حديث حدث به، عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم فيحل بهم مثل ما حل بهم
وحكى ابن النقيب قولا خامسا: أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق ومعنى قوله: "ولكل حرف حد" أي منتهى، فيما أراد الله من معناه وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب ومعنى قوله: "ولكل حد مطلع" لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته، ويوقف على المراد
به وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة،
وقال بعضهم: الظاهر التلاوة والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد
قلت: يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته فمن أوغل فيه برفق نجا ومن أوغل فيه بعنف هوى أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن فظهره التلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء
وقال ابن سبع في شفاء الصدور: ورد عن أبي الدرداء أنه قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها
وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن
قال: وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر
وقال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم فهذا يدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن المنقول من ظاهر التفسير وليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر بل لا بد منه أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب انتهى.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه لطائف المنن: اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني العربية ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه وقد جاء في الحديث لكل آية ظهر وبطن فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك بل يقرؤون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم.
فصل: فيما يجب على المفسر
قال العلماء: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام وأن يؤاخي بين المفردات ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف ثم الاشتقاق ثم يتكلم عليها بحسب التركيب،
فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعاني ثم البيان ثم البديع ثم يبين المعنى المراد ثم الاستنباط ثم الإشارات
وقال الزركشي في أوائل البرهان: قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث في أنه أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول
قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كآية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة.
وقال في موضع آخر جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في أول كل سورة لما فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشري فإنه يذكرها في أواخرها
قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: سألت الزمخشري عن العلة في ذلك فقال لأنها صفات لها والصفة تستدعي تقديم الموصوف وكثيرا ما يقع في كتب التفسير "حكى الله" كذا فينبغي تجنبه
قال الإمام أبو نصر القشيري في المرشد: قال معظم أئمتنا: لا يقال: "كلام الله محكي" ولا يقال: "حكى الله" لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء وليس لكلامه مثل وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار
وكثيرا ما يقع في كلامهم إطلاق الزائد على بعض الحروف وقد مر في نوع الإعراب
وعلى المفسر أن يتجنب ادعاء التكرار ما أمكنه قال بعضهم مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين نحو: {لا تبقي ولا تذر} {صلوات من ربهم ورحمة} وأشباه ذلك أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ انتهى.
وقال الزركشي في البرهانك: ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز
وقال في موضع آخر: على المفسر مراعاة مجازي الاستعمالات في الألفاظ التي يظن بها الترادف والقطع بعدم الترادف ما أمكن فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد انتهى.
وقال أبو حيان: كثيرا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل النحو ودلائل مسائل أصول الفقه ودلائل مسائل الفقه ودلائل أصول الدين وكل ذلك مقرر في تآليف هذه العلوم وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون استدلال عليه، وكذلك أيضا ذكروا ما لا يصح من أسباب نزول وأحاديث في الفضائل وحكايات لا تناسب وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير.
فائدة
قال ابن أبي جمرة: عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو شئت أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن لفعلت وبيان ذلك أنه إذا قال: {الحمد لله رب العالمين} يحتاج تبيين معنى الحمد وما يتعلق به الاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على جميع أنواعه وأعداده وهي ألف عالم أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ذلك كله فإذا قال: {الرحمن الرحيم} يحتاج إلى بيان الاسمين الجليلين وما يليق بهما من الجلال وما معناهما ثم يحتاج إلى بيان جميع الأسماء والصفات ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين الاسمين دون غيرهما فإذا قال: {مالك يوم الدين} يحتاج إلى بيان ذلك اليوم وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية مستقره، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} يحتاج إلى بيان المعبود من جلالته والعبادة وكيفيتها وصفتها وأدائها على جميع أنواعها والعابد في صفته والاستعانة وأدائها وكيفيتها، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما هي والصراط المستقيم وأضداده وتبيين المغضوب عليهم والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع وتبيين المرضي عنهم وصفاتهم وطريقتهم فعلى هذه الوجوه يكون ما قاله علي من هذا القبيل.