باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة (8/10)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وأشار قوم إلى بقاء الأحوال ودوامها، وقالوا: إنها إذا لم تدم ولم تتوال، فهي لوائح وبواده، ولم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال، فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى حالا، وهذا أبو عثمان الحيري، يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالي في حال فكرهته أشار إلى دوام الرضا، والرضا من جملة الأحوال،
فالواجب في هذا أن يقال: إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال فقد يصير المعني شربا لأحد فيري به ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربا له فاذا دامت هذه الطوارق هل كما دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إلى أحوال أخر فوق هذه وألطف من هذه فأبدا يكون في الترقي.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول في معني قوله صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة أنه كان صلى الله عليه وسلم أبدا في الترقي من أحواله فإذا ارتقي من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقي عنها فكان بعدها غينا بالإضافة إلى ما حصل فيها فابدا كانت أحواله في التزايد ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لا نهاية لها فإذا كان حق الحق تعالى العز، وكان الوصول إليه بالتحقيق محالا فالعبد أبدا في ارتقاء أحواله فلا معنى يوصل إليه إلا وفي مقدوره سبحانه ما هو فوقه يقدر أن يوصله إليه وعلى هذا يحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين وسئل الجنيد عن هذا فأنشد:
طوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع
ومن ذلك القبض والبسط وهما حالتان بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء، فالقبض: للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف ومن الفصل بين القبض والخوف والبسط والرجاء أن الخوف إنما يكون من شيء في المستقبل إما أن يخاف فوت محبوب أو هجوم محذور، وكذلك الرجاء إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل أو بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه في المستأنف.
وأما القبض: فلمعني حاصل في الوقت، وكذلك البسط فصاحب الخوف والرجاء تعلق قلبه في حالتيه بآجله وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله، ثم تتفاوت نعوتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم، فمن وارد يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غير مستوف، ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غير مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فيه لأنه مأخوذ عنه بالكلية بوارده كما قال بعضهم: أنا ردم أي لا مساغ في، وكذلك المبسوط قد يكون فيه بسط يسع الخلق فلا يستوحشن من أكثر الأشياء ويكون مبسوطا لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: دخل بعضهم على أبي بكر القحطي وكان له ابن يتعاطى ما يتعاطاه الشباب وكان ممر هذا الداخل على هذا الابن فإذا هو مع أقرانه في اشتغاله ببطالته
فرق قلبه وتألم القحطي، وقال: مسكين هذا الشيخ كيف ابتلي بمقاساة هذا الابن؟ فلما دخل على القحطي وجده كأنه لا خبر له بما يجري عليه من الملاهي فتعجب منه وقال: فديت من لا تؤثر فيه الجبال الرواسي فقال القحطي: إنا قد حررنا عن رق الأشياء في الأزل.
ومن أدنى موجبات القبض أن يرد على قلبه وارد موجبه إشارة إلى عتاب ورمز باستحقاق تأديب فيحصل في القلب لا محالة قبض وقد يكون موجب بعض الواردت إشارة إلى تقريب أو إقبال بنوع لطف وترحيب فيحصل للقلب بسط، وفي الجملة قبض كل أحد على حسب بسطه، وبسطه على حسب قبضه، وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه يجد في قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه، فسبيل صاحب هذا القبض التسليم حتى يمضي ذلك الوقت، لأنه لو تكلف نفيه أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه ولعله يعد ذلك منه سوء أدب وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض فإن الحق سبحانه قال: {والله يقبض ويبسط} [البقرة: 245] وقد يكون بسط يرد بغته ويصادف صاحبه فلته لا يعرف له سببا يهز صاحبه ويستفزه، فسبيل صاحبه السكون ومراعاة الأدب فإن في هذا الوقت له خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا كذا قال بعضهم: فتح علي باب من البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي، ولهذا قالوا: قف على البساط وإياك والانبساط وقد عد أهل التحقيق مطلق القبض والبسط من جملة ما استعاذوا منه، لأنهما بالإضافة إلى ما فوقهما من استهلاك العبد واندراجه في الحقيقة فقر وضر.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: الخوف من الله يقبضني والرجاء منه يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني إذا قبضني بالخوف أفناني عني، وإذا بسطني بالرجاء ردني علي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيرى فغطائي عنه فهو تعالى في ذلك كله محركي غير ممسكي وموحشي غير مؤنسي فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني أو غيبني عني فروحني
ومن ذلك الهيبة والأنس وهما فوق القبض والبسط فكما أن القبض فوق رتبة الخوف والبسط فوق منزلة الرجاء، فالهيبة أعلى من القبض والأنس أتم من البسط وحق الهيبة الغيبة , فكل هائب غائب , ثم الهائبون يتفاوتون في الهيبة على حسب تباينهم في الغيبة فمنهم ومنهم، وحق الأنس صحوا بحق فكل مستأنس صاح ثم يتباينون حسب تباينهم في الشرب ولهذا قالوا: أدني محل الأنس أنه لو طرح في لظى لم يتكدر عليه أنسه.
قال الجنيد رحمه الله: كنت أسمع السري يقول: يبلغ العبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي أن الأمر كذلك.
وحكي عن أبي مقاتل العكي أنه قال: دخلت على الشبلي وهو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش فقلت: يا سيدي أنت تفعل هذا بنفسك ويعود ألمه إلى قلبي فقال: ويلك الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها فهو ذا فأنا أدخل الألم على نفسي لعلي أحس به فيستتر عني، فلست أجد الألم وليس يستتر عني وليس لي به طاقة، وحال الهيبة والأنس وإن جلتا فأهل الحقيقة يعدونها نقصا لتضمنهما تغير العبد، فإن أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغير وهم محو في وجود العين فلا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حس
والحكاية معروفة عن أبي سعيد الخراز أنه قال: تهت في البادية مرة فكنت أقول:
أتيه فلا أدري من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس في وفي جنسي
أتيه على جن البلاد وإنسها ... فإن لم أجد شخصا أتيه على نفسي
قال فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ... ويفرح بالتيه الدني وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ... لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفا ... تصان عن التذكار للجن والإنس.
وإنما يرتقي العبد عن هذه الحالة بالوجود
ومن ذلك التواجد والوجد والوجود فالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار وليس لصاحبه كمال الوجد إذ لو كان لكان واجدا وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة وليست كذلك، قال الشاعر:
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير ما عور
فقوم قالوا: التواجد غير مسلم لصاحبه لما يتضمن من التكليف ويبعد عن التحقيق، وقوم قالوا: إنه مسلم للفقهاء المجردين الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني وأصلهم خبر الرسول صلى الله عليه وسلم: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا والحكاية المعروفة لأبي محمد الجريري رحمه الله أنه قال: كنت عند الجنيد وهناك ابن مسروق وغيره، وثم قوال، فقام ابن مسروق وغيره والجنيد ساكن فقلت: يا سيدي مالك في السماع شيء، فقال الجنيد: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل: 88] ثم قال: وأنت يا أبا محمد مالك في السماع شيء؟ فقلت: يا سيدي أنا إذا حضرت موضعا فيه سماع وهناك محتشم أمسكت على نفسي وجدى فإذا خلوت أرسلت وجدى فتواجدت فأطلق في هذه الحكاية التواجد ولم ينكر عليه الجنيد
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: لما راعى أدب الأكابر في حال السماع حفظ الله عليه وقته لبركات الأدب حتى يقول أمسكت على نفسي وجدى، فإذا خلوت أرسلت وجدي فتواجدت، لأنه لا يمكن إرسال الوجد إذا شئت بعد ذهاب الوقت وغلباته ولكنه لما كان صادقا في مراعاة حرمة الشيوخ حفظ الله تعالى عليه وقته حتى أرسل وجده عند الخلوة فالتواجد ابتداء الوجد على الوصف الذي جرى ذكره وبعد هذا الوجد، والوجد ما يصادف قلبك ويرد عليك بلا تعمد وتكلف ولهذا قال المشايخ: الوجد المصادفة، والمواجيد ثمرات الأوراد فكل من ازدادت وظائفه ازدادت من الله تعالى لطائفه.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: الورادات من حيث الأوراد فمن لا ورد له بظاهره لا وارد له في سرائره، وكل وجد فيه من صاحبه شيء فليس بوجد، وكما أن ما يتكلفه العبد من معاملات ظاهره يوجب له حلاوة الطاعات، فما ينازله العبد من أحكام باطنه يوجب له المواجيد.
فالخلاوات ثمرات المعاملات والمواجيد نتائج المنازلات، وأما الوجود فهو بعد الارتقاء عن الوجد ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة،
وهذا معني قول أبي الحسين النوري أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد أي إذا وجدت ربي فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي وهذا معني قول الجنيد علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه وفي هذا المعني أنشدوا.
وجودي أن أغيب عن الوجود ... بما يبدو علي من الشهود
فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد فهو كمن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق في البحر وترتيب هذا الأمر قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود وبمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود له صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق وهاتان الحالتان أبدا متعاقبتان عليه، فإذا غلب عليه الصحو بالحق فبه يصول وبه يقول: قال عليه السلام فيما أخبر عن الحق فبي يسمع وبي ويبصر.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: وقف رجل على حلقه الشبلي فسأله
هل تظهر آثار صحة الوجود على الواجدين؟ فقال: نعم نور يزهر مقارنا لنيران الاشتياق فتلوح على الهياكل آثارها كما قال ابن المعتز:
وأمطر الكأس ماء من أبارقها ... فأنبت الدر في أرض من الذهب
وسبح القوم لما رأوا عجبا ... نورا من الماء في نار من العنب
سلافة ورثتها عاد عن إرم ... كانت ذخيرة كسرى عن أب فأب
وقيل لأبي بكر الدقي: إن جهما الدقي أخذ شجرة بيده في حال السماع في ثوارنه فقلعها من أصلها فاجتمعا في دعوة وكان الدقي كف بصره فقام جهم الدقي يدور في هيجانه فقال الدقي: إذ قرب مني أرونيه وكان الدقي ضعيفا فمر به، فلما قرب منه قالوا له: هذا هو، فأخذ الدقي ساق جهم فوقفه فلم يمكنه أن يتحرك، فقال جهم: أيها الشيخ التوبة التوبة فخلاه.
قال الأستاذ الإمام أدام أخدم الله جماله.
فكان ثوران جهم في حق وإمساك الدقي بساقه بحق ولما علم جهم أن حال الدقي فوق حاله رجع إلى الاتصاف واستسلم وكذا من كان بحق لا يستعصي عليه شيء، فأما إذا كان الغالب عليه المحو فلا علم ولا عقل ولا فهم ولا حس.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يذكر بإسناده أن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين لم يأكل ولم يشرب إلى أن مات.
ودخل بعض الفقراء على أبي عقال فقال له: سلام عليكم،
فقال له أبو عقال: وعليكم السلام فقال الرجل: أنا فلان فقال.
أبو عقال: أنت فلان؟ كيف أنت وكيف حالك؟ وغاب عن حالته قال هذا الرجل: فقلت له: سلام عليكم فقال: وعليكم السلام كأنه لم يرني قط ففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب فتركته وخرجت من عنده.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عمر بن محمد بن أحمد يقول: سمعت امرأة أبي عبد الله التروغندي تقول: لما كانت أيام المجاعة والناس يموتون من الجوع دخل أبو عبد الله التروغندي بيته فرأى في بيته مقدار منون حنطه فقال: الناس يموتون من الجوع وفي بيتي حنطة فخولط في عقله فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته، فلم يزل كذلك إلى أن مات دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة وهذا هو صفة أهل الحقيقة ثم كان سبب غبيته عن تمييزه شفقته على المسلمين وهنا أقوى سمة لتحققه في حالة
ومن ذلك الجمع والفرق لفظ الجمع والتفرقة يجري في كلامهم كثيرا وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول: الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب عنك، ومعناه أن ما يكون كسبا للعبد من إقامة العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع هذا أدني أحوالهم في الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفته فهو عبد بوصف التفرقة، ومن أشهده الحق سبحانه ما يوليه من أفعال نفسه سبحانه فهو عبد يشاهد الجمع، فإثبات الخلق من باب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع، ولابد للعبد من الجمع والفرق، فإن من لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له، فقوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] إشارة إلى الفرق وقوله {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] إشارة إلى الجمع، وإذا خاطب العبد الحق سبحانه بلسان نجواه إما سائلا أو داعيا أو مثنيا أو شاكرا أو متنصلا أو مبتهلا قام في محل التفرقة، وإذا أصغي بسره إلى ما يناجيه به مولاه واستمع قلبه ما يخاطبه به فيما ناداه أو ناجاه أو عرفه معناه أو لوح لقلبه وأراه فهو يشاهد الجمع.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: أنشد قوال بين يدي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي رحمه الله تعالى:
جعلت تنزهي نظري إليكا.
وكان أبو القاسم النصرأباذي رحمه الله حاضرا فقال الأستاذ أبو سهل: جعلت بنصب التاء، وقال النصرأباذي: بل جعلت بضم التاء فقال الأستاذ أبو سهل: أليس عين الجمع أتم: فسكت النصرأباذي.
وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن أيضا يحكي هذه الحكاية على هذا الوجه ومعني هذا أن من قال: جعلت بضم التاء يكون إخبار عن حال نفسه فكأن العبد يقول هذا وإذا قال: جعلت بالفتح فكأنه يتبرأ من أن يكون ذلك بتكلمه بل يخاطب مولاه فيقول: أنت الذي خصصتني بهذا لا أنا بتكلفي، فالأول على خطر الدعوى والثاني بوصف التبري من الحول والإقرار بالفصل والطول وفرق بين من يقول بجهدي أشهدك وبين من يقول بفضلك ولطفك أشهدك
وجمع الجمع فوق هذا ويختلف الناس في هذه الجملة على حسب تباين أحوالهم وتفاوت درجاتهم فمن أثبت نفسه وأثبت الخلق ولكن شاهد الكل قائما بالحق، فهذا هو جمع وإذا كان مختطفا عن شهود الخلق مصطلما عن نفسه مأخوذا بالكلية عن الإحساس بكل غير بما ظهر واستولى من سلطان الحقيقة فذاك جمع الجمع، والتفرقة.
شهود الأغيار لله عز وجل والجمع شهود الأغيار بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى الله عز وجل عند غلبات الحقيقة وبعد هذا حال عزيزة يسميها القوم الفرق الثاني وهو أن يرد إلى الصحو عند أوقات أداء الفرائض ليجري عليه الفرائض في أوقات فيكون رجوعا لله بالله تعالى لا للعبد بالعبد فالعبد يطالع نفسه في هذه الحالة في تصريف الحق سبحانه يشهد مبدأ ذاته وعينه بقدرته ومجري أفعاله وأحواله عليه بعلمه ومشيئته وأشار بعضهم بلفظ الجمع والفرق إلى تصريف الحق جمع الخلق، فجمع الكل في التقليب والتصريف من حيث إنه منشئ ذواتهم ومجري صفاتهم ثم فرقهم في التنويع ففريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا هداهم وفريقا أضلهم
وأعماهم وفريقا حجبهم عنه وفريقا جذبهم إليه وفريقا آنسهم بوصلته وفريقا آيسهم من رحمته وفريقا أكرمهم بتوفيقه وفريقا اصطلمهم عند رومهم لتحقيقه وفريقا أصحاهم وفريقا محاهم وفريقا قربهم وفريقا غيبهم وفريقا أدناهم وأحضرهم ثم أسقاهم فأسكرهم وفريقا أشقاهم وأخرهم ثم أقصاهم وهجرهم وأنواع أفعال لا يحيط بها حصر ولا يأتي على تفصيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا لجنيد رحمه الله في معني الجمع والتفرقة:
وتحققتك في سري ... فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعاني ... وافترقنا لمعاني
إن يكن غيبك التعظيم ... عن لحظ عياني
فلقد صيرك الوجد ... من الأحشاء داني
وأنشدوا:
إذا ما بدالي تعاظمته ... فأصدر في حال من لم يرد
جمعت وفرقت عني به ... ففرد التواصل مثنى العدد
ومن ذلك الفناء والبقاء أشار القوم بالفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به، وإذا كان العبد لا يخلوا عن أحد هذين القسمين فمن المعلوم أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة فمن فني عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة.