باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة (9/10)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
واعلم أن الذي يتصف به العبد أفعال وأخلاق وأحوال، فالأفعال: تصرفاته باختياره والأخلاق جبلة فيه ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة، والأحوال: ترد على العبد على وجه الابتداء لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال فيه كالأخلاق من هذا الوجه، لأن العبد إذا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفاسفها من الله عليه بتحسين أخلاقه، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ببذل وسعه من الله عليه بتصفية أحواله بل بتوفية أحواله فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشرعية يقال إنه فني عن شهواته فإذا فني عن شهواته بقي بصدق إنابته، ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر وأمثال هذا من رعونات النفس يقال فني عن سوء الخلق، فإذا فني عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق،
ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام يقال: فني عن حسبان الحدثان من الخلق، فإذا فني عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق، ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لاعينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا يقال إنه فني عن الخلق، وبقي بالحق ففناء العبد عن أفعاله الذميمة وأحواله الخسيسة بعدم هذه الأفعال، وفناؤه عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم فإذا فني عن الأفعال والأخلاق والأحوال فلا يجوز أن يكون ما فني عنه من ذلك موجودا، وإذا قيل فني عن نفسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ولكنه لا علم له بهم ولابه ولا إحساس ولا خبر فتكون نفسه موجودة والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين غير محس بنفسه وبالخلق وقد ترى الرجل يدخل على ذي سلطان أو محتشم فيذهل عن نفسه وعن أهل مجلسه هيبة وربما يذهل عن ذلك المحتشم حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده عن أهل مجلسه وهيئات ذلك الصدر وهيئات نفسه لم يكن الإخبار عن شيء قال الله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام على الوهلة ألم قطع الأيدي وهن
أضعف الناس وقلن: {ما هذا بشرا} [يوسف: 31] ولقد كان بشرا وقلن {إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31] ولم يكن ملكا فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق فما ظنك بمن تكاشف بشهود الحق سبحانه فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأي أعجوبة فيه فمن فني عن جهله بقي بعلمه، ومن فني عن شهوته بقى بإنابته، ومن فني عن رغبته يفي بزهادته، ومن فني عن منيته بقي بإرادته،
وكذلك القول في جميع صفاته، فإذا فني العبد عن صفته بما جري ذكره يرتقي عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه، وإلى هذا أشار قائلهم: فقوم تاه في أرض بقفر وقوم تاه في ميدان حبه فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا وأبقوا بالبقا من قرب ربه فالأول فناء عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق ثم فناؤه عن صفات الحق بشهوده الحق ثم فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق
ومن ذلك الغيبة والحضور فالغيبة غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره بوارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب كما روي أن الربيع بن خيثم كان يذهب إلى ابن مسعود رضى الله عنه فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماه في الكير فغشي عليه ولم يفق إلى الغد فلما أفاق سئل عن ذلك فقال: تذكرت كون أهل النار في النار فهذه غيبة زادت على حدها حتى صارت غشية.
وروي عن علي بن الحسين أنه كان في سجوه فوقع حريق في داره فلم ينصرف عن صلاته، فسئل عن حاله فقال: ألهتني النار الكبرى عن هذه النار وربما تكون الغيبة عن إحساسه بمعني يكاشف به من الحق سبحانه وتعالى ثم إنهم مختلفون في ذلك على حسب أحوالهم، ومن المشهور أن ابتداء حال أبي حفص النيسابوري الحداد في ترك الحرفة أنه كان على حانوته فقرأ قارئ آية من القرآن فورد على قلب أبي حفص وارد تغافل عن إحساسه فأدخل يده في النار وأخرج الحديدة المحماه بيده فرأى تلميذ له ذلك فقال: يا أستاذ ما هذا؟ فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه فترك الحرفة وقام من حانوته.
وكان الجنيد قاعدا وعنده امرأته فدخل عليه الشلبي فأرادت امرأته أن تستتر فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك فاقعدي
فلم يزل يكلمه الجنيد حتى بكي الشلبي فلما أخذ الشلبي في البكاء قال الجنيد لامرأته: استتري فقد أفاق الشلبي من غيبته.
سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور وكان رجلا صالحا قال: كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيرا، فأثر في قلبي كلامه فخرجت إلى الحج تلك السنة وتركت الحانوت والحرفة وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله خرج إلى الحج أيضا في تلك السنة وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأوظب على القراءة في مجلسه فرأيته يوما في البادية تطهر ونسي قمقمة كانت بيده فحملتها، فلما عاد إلى رحله وضعتها عنده فقال: جزاك الله تعالى خيرا حيث حملت هذا، ثم نظر إلي طويلا كأنه لم يرني قط وقال: رأيتك مرة أنت؟ .
فقلت: المستغاث بالله تعالى صحبتك مدة وخرجت عن مسكني ومالي بسببك وتقطعت في المفازة بك والساعة تقول رأيتك مرة.
وأما الحضور فقد يكون حاضرا بالحق لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق على معني أنه يكون كأنه حاضر وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه فهو حاضر بقلبه بين يدي ربه تعالى فعلى حسب غيبته عن الخلق يكون حضوره بالحق فإن غاب بالكلية كان الحضور على حسب الغيبة.
فإذا قيل فلان حاضر فمعناه أنه حاضر بقلبه لربه غير غافل عنه ولا ساه مستديم للذكر ثم يكون مكاشفا في حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالي بها وقد يقال لرجوع العبد إلى أحساسه بأحوال نفسه وأحوال الخلق إنه حضر أي رجع عن غيبته، فهذا يكون حضور بخلق والأول حضورا بحق، وقد تختلف أحوالهم في الغيبة، فمنهم من لا تمتد غيبته، ومنهم من تدوم غيبته وقد حكي أن ذا النون المصري بعث إنسانا من أصحابه إلى أبي يزيد لينقل إليه صفة أبي يريد، فلما جاء الرجل إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد فدخل عليه فقال له أبو يزيد: ما تريد؟
فقال: أريد أبا يزيد؟ وأين أبا يزيد أنا في طلب أبي يزيد، فخرج الرجل وقال: هذا مجنون، فرجع الرجل إلى ذي النون فأخبره بما شهد فبكي ذون النون وقال: أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله
ومن ذلك الصحو والسكر فالصحو رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة والسكر غيبة بوارد قوي والسكر زيادة على الغيبة من وجه، وذلك أن صاحب السكر قد يكون مبسوطا إذا لم يكن مستوفيا في سكره، وقد يسقط أخطار الأشياء عن قلبه في حال سكره، وتلك حال المتساكر الذي لم يستوفه الوارد فيكون للإحساس فيه مساغ وقد يقوى سكره حتى يزيد على الغيبة، فربما يكون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة إذا قوى سكره، وربما يكون صاحب الغيبة أتم في الغيبة من صاحب السكر إذا كان متساكرا غير مستوف، والغيبة قد تكون للعبادة بما يغلب على قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتضيات الخوف والرجاء، والسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجد، فإذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر، وطالب الروح، وهام القلب وفي معناه أنشدوا:
فضحوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي يبيح لك الشرابا
فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا
وأنشدوا:
فاسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير
وأنشدوا:
لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
وأنشدوا:
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... فمتى يفيق فتى به سكران
واعلم أن الصحو على حسب السكر، فمن كان سكره بحق كان صحوه بحق، ومن كان سكره بحفظ مشوبا كان صحوه بحظ صحيح مصحوبا، ومن كان محقا في حاله كان محفوظا في سكره، والسكر والصحو يشيران إلى طرف من التفرقة، وإذا ظهر من سلطان الحقيقة علم أن صفة العبد الثبور والقهر.
وفي معناه أنشدوا:
إذا طلع الصباح لنجم راح ... تساوى فيه سكران وصاح
قال الله تعالي: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] هذا مع رسالته خر صعقا وهذا مع صلابته وقوته صار دكا متكسرا والعبد في حال سكره يشاهد الحال وفي حال صحوه يشاهد العلم إلا أنه في حال سكره محفوظ لا يتكلفه وفي صحوه متحفظ بتصرفا والصحو والسكر بعد الذوق والشرب
ومن ذلك الذوق والشرب ومن جملة ما يجرى في كلامهم الذوق والشرب ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبواده الواردات وأول ذلك الذوق ثم الشرب ثم الري فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري فصاحب الذوق متساكر وصاحب الري صاح، ومن قوى حبه تسرمد شربه فإذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكرا فكان صاحيا بالحق فانيا عن كل حظ لم يتأثر بما يرد عليه ولا يتغير عما هو به، ومن صفا سره لم يتكدر عليه الشرب، ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه ولم يبق بدونه وأنشدوا:
إنما الكاس رضاع بيننا ... فإذا ما لم نذقها لم نعش
وأنشدوا:
عجبت لمن يقول ذكرت ربي ... فهل أنسى فأذكر ما نسيت
شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشراب ولا رويت
ويقال: كتب يحيي بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي ههنا من شرب كأسا من المحبة لم يظمأ بعده
فكتب إليه أبو يزيد عجبت من ضعف حالك ههنا من يحتسي بحار الكون وهو فاغر فاه يتزيد.
واعلم أن كاسات القرب تبدو من الغيب ولا تدار إلا على أسرار معتقة وأرواح عن رقة الأشياء محررة
ومن ذلك المحو والإثبات المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة، فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة فهو صاحب محو وإثبات.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: قال بعض المشايخ لواحد: أيش تمحو وأيش تثبت؟ فسكت الرجل فقال: أما علمت أن الوقت محو وإثبات إذ من لا محو له ولا إثبات فهو معطل مهمل وينقسم إلى محو الزلة عن الظواهر ومحو الغفلة عن الضمائر ومحو العلة عن السرائر، ففي محو الزلة إثبات المعاملات، وفي محو الغفلة إثبات المنازلات، وفي محو العلة إثبات المواصلات، هذا محو وإثبات بشرط العبودية، وأما حقيقة المحو والإثبات فصادران عن القدرة فالمحو ما ستره الحق ونفاه والإثبات ما أظهره الحق وأبداه والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة قال الله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] قيل: يمحو عن قلوب العرافين ذكر غير الله تعالى ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله ومحو الحق لكل أحد وإثباته على ما يليق بحاله ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدة أثبته بحق حقه
ومن محاه الحق عن إثباته به رده إلى شهود الأغيار وأثبته في أودية التفرقة.
وقال رجل للشبلي رحمه الله: مالي أراك قلقا أليس هو معك وأنت معه؟ فقال الشبلي: لو كنت أنا معه كنت أنا ولكني محو فيما هو والمحق فوق المحو، لأن المحو يبقى أثرا والمحق لا يبقى أثرا وغاية همة القوم أن يمحقهم الحق عن شاهدهم ثم لا يردهم إليه بعد ما محقهم عنهم
ومن ذلك الستر والتجلي العوام في غطاء الستر والخواص في دوام التجلي وفي الخبر: إن الله إذا تجلي لشيء خشع له فصاحب الستر بوصف شهوده وصاحب التجلي أبدا بنعت خشوعه والستر للعوام عقوبة وللخواص رحمة، إذ لولا أنه يستر عليهم ما يكاشفهم به لتلاشوا عند سلطان الحقيقة ولكنه كما يظهر لهم يستر عليهم.
سمعت منصور المغربي يقول: وافي بعض الفقراء حيا من أحياء العرب فأضافة شاب فبينا الشاب في خدمة هذا الفقير إذ غشي عليه فسأل الفقير عن حاله فقالوا له: بنت عم وقد علقهم فمشت في خيمتها فرأى الشاب غبار ذيلها فغشي عليه فمضى الفقير إلى باب الخيمة وقال: إن للغريب فيكم حرمة وذماما وقد جئت مستشفعا إليك في أمر هذا الشاب فتعطفي عليه فيما هو به من هواك، فقالت: سبحان الله أنت سليم القلب إنه لا يطيق شهود غير ذيلي فكيف يطيق صحبتي؟ وعوام هذه الطائفة عيشهم في التجلي وبلاؤهم في الستر، وأما الخواص: فهم بين طيش وعيش، لأنهم إذا تجلى لهم طاشوا وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحظ فعاشوا،
وقيل: إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام {وما تلك بيمينك يا موسى} [طه: 17] ليستر عليه ببعض ما يعلله به بعض ما أثر فيه من المكاشفة بفاجأة السماع وقال صلى الله عليه وسلم: إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة والاستغفار طلب الستر ولأن الغفر هو الستر ومنه غفر الثوب والمغفرة وغيره فكأنه أخبر أنه يطلب الستر على قلبه عند سطوات الحقيقة إذ الخلق لا بقاء لهم مع وجود الحق وفي الخبر لو كشف عن وجهه لحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره
ومن ذلك المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة ابتداء ثم المكاشفة ثم المشاهدة فالمحاضرة حضور القلب وقد يكون بتواتر البرهان وهو بعد وراء الستر وإن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر ثم بعده المكاشفة وهو حضوره بنعت البيان غير مفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب عن نعت الغيب ثم المشاهدة وهي حضور الحق من غير بقاء تهمة فإذا أصحت سماء السر عن غيوم الستر فشمس الشهود مشرقة عن برج الشرف وحق المشاهدة ما قاله الجنيد رحمه الله: وجود الحق مع فقدانك فصاحب المحاضرة مربوط بآياته وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته وصاحب المشاهدة ملقي بذاته وصاحب
المحاضرة يهديه عقله وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته ولم يزد في بيان تحقيق المشاهدة أحد على ما قاله عمرو بن عثمان المكي رحمه الله ومعني ما قاله أنه تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر اتصال البروق فكما أن الليلة الظلماء بتوالي البروق فيها واتصالها إذا قدرت تصير في ضوء النهار فكذلك القلب إذا دام به دوام التجلي متع نهاره فلا ليل وأنشدوا:
ليلي بوجهك مشرق ... وظلامه في الناس ساري
والناس في سدف الظلام ... ونحن في ضوء النهار
وقال النوري: لا يصح للعبد المشاهدة وقد بقي له عرق قائم وقال إذا طلع الصباح استغني عن المصباح وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة، لأن باب المفاعلة في العربية بين اثنين وهذا وهم من صاحبه فإن في ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقتضي مشاركة الاثنين نحو سافر وطارق النعل وأمثاله وأنشدوا:
فلما استبان الصبح أدرك ضوؤه ... بأنواره أنوار ضوء الكواكب
يجرعهم كأسا لو ابتلي به ... اللظى بتجريعه طارت كأسرع ذاهب
كأس وأي كأس تصطلمهم عنهم وتفنيهم وتخطفهم منهم ولا تبقيهم كأس لا تبقي ولا تذر تمحوهم بالكلية ولا تبقي شظية من آثر البشرية كما قال قائلهم: ساروا فلم يبق لا رسم ولا أثر
ومن ذلك اللوائح والطوالع واللوامع قال الأستاذ هذه الألفاظ متقاربة المعنى لا يكاد يحصل بينها كبير فرق وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب فلم يدم لهم بعد ضياء شموس المعارف لكن الحق سبحانه وتعالى يؤتي رزق قلوبهم في كل حين كما قال ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فكلما أظلم عليهم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لهم فيها لوائح الكشف وتلألأ لوامع القرب وهم في زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح فهم كما قال القال: يا أيها البرق الذي يلمع من أي أكناف السما تسطع فتكون أولا لوائح ثم لوامع ثم طوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل: افترقنا حولا فلما التقينا كان تسليمه علي وداعا وأنشدوا:
يا ذا الذي زار وما زار ... كأنه مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا ... ما ضره لو دخل الدارا
واللوامع أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى اللوامع وقتين وثلاثة ولكن كما قالوا: والعين باكية لم تشبع النظرا
وكما قالوا: لم ترد ماء وجهه العين إلا شرقت قبل ريها برقيب فإذا لمع قطعك عنك وجمعك به لكن لم يسفر نور نهاره حتى كر عليه عساكر الليل فهؤلاء بين روح ونوح، لأنهم بين كشف وستر كما قالوا: فالليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحقنا رداء مذهبا الطوالع أبقى وقتا وأقوى سلطانا وأدوم مكثا وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة لكنها موقفة على خطر الأقوال ليست برفيعة الأوج ولا بدائمة المكث ثم أوقات حصولها وشيكة الارتحال وأحوال أفوالها طويلة الأذيال وهذه المعاني التي هي اللوائح واللوامع والطوالع تختلف في القضايا فمنها ما إذا فات لم يبق عنها أثر كالشوارق إذا أفلت فكأن الليل كان دائما ومنها ما يبقى عنه أثر فإن زال رقمه بقي ألمه وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بعد سكون غلباته يعيش في ضياء بركاته فإلي أن يلوح ثانيا يرجى وقته على انتظار عوده ويعيش بما وجد في حين كونه
ومن ذلك البواده والهجوم البواده ما يفاجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة إما موجب فرح وإما موجب ترح والهجوم ما يرد على القلب بقوة الوقت من غير تصنع منك ويختلف في الأنواع على حسب قوة الوارد وضعفه فمنهم من تغيره البواده وتصرفه الهواجم ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا وقوة أولئك سادت الوقت كما قيل: لا تهتدي نوب الزمان إليهم ولهم على الخطب الجليل لجام
ومن ذلك التلوين والتمكين التلوين صفة أرباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إلى حال وينتقل من وصف إلى وصف ويخرج من مرحل ويحصل في مربع فإذا وصل تمكن وأنشدوا:
ما زلت أنزل في ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله
وصاحب التلوين أبدا في الزيادة وصاحب التمكين وصل ثم اتصل وأمارة أنه اتصل أنه بالكلية من كليته بطل.
وقال بعض المشايخ انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم فإذا ظفروا بنفوسهم فقد وصلوا.
قال الأستاذ رحمه الله: يريد به انخناس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة فإذا دام للعبد هذه الحالة فهو صاحب تمكين كان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول: كان موسى عليه السلام صاحب تلوين فرجع من سماع الكلام واحتاج إلى ستر وجهه لأنه أثر فيه الحال، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان صاحب تمكين فرجع كما ذهب لأنه لم يؤثر فيه ما شاهده تلك الليلة وكان يتشهد على هذا بقصة يوسف عليه السلام أن النسوة اللاتي رأين يوسف عليه السلام قطعن أيديهم لما ورد عليهن من شهود يوسف عليه السلام على وجه الفجأة وامرأة