ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا، قال الله سبحانه وتعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة) الشورى: 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي، كان صادقا في توكله، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه، وهذا مقام الضعفاء، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء، الأمثل فالأمثل بالأنبياء، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء، ومنه قوله عز وجل: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) آل عمران: 141، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها، فما فاته من جهل النعمة، وترك الشكر، أعظم مما يترك من جميع الدنيا، وأخاف عليه لطيفة من المحق، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى: ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه، بمقدار ما كفر شكر نعمته، وقد قال سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة: 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) الشورى: 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم
ولحسن ظنهم به، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم، ويعلو بذلك فيه مقامهم: فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من المتوكلين، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين: (وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) القصص: 60، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما أصابه، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأول التوكل، وقال تعالى في وصف الخصوص: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) الشورى: 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم، إذ قد باعوها منه، فكيف يتملكون ماعندها؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه، وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل: 96