ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم) النساء: 71، وقال تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك) المائدة: 49، وقد يروي في خبر اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه، غير مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده، لأن الله تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء، كما لا يكون توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه بالأشياء وفيها، فلذلك قال الله تعالى: (إن الله يحب المتوكلين) آل عمران: 159، كما قال: (إن الله يحب التوابين) البقرة: 222، مع قوله: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) إبراهيم: 12، أي ليتوكل عليه في كل شيء، من توكل عليه في شيء، هذا أحسن وجوهه، والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكله من توكل عليه في الأشياء لأن
الوكيل في شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء، فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء؛ من تحقق به فقد تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه، قال الله سبحانه وتعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (إنما سلطانه على الذين يتولونه) النحل: 99 - 100 يعني العدو، والذين هم به مشركون يعني الله سبحانه، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام التوكل في اليقين، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتقين، كما قال عبد الله بن مسعود: التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني، كما يبتلى سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ، يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء الصادقين المقربين، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه، فيكون مردودا إلى التوبة، كما قال تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) الأحزاب: 24، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم قال تعالى: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) الأحزاب: 24، فأحسن حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم، وقال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت: 2، ثم أخبر بسنته التي قد خلت في عباده فقال: ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فليقل المتوكل عند خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة: اللهم إن جميع ما في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه، فإن أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات: إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله أمره كيف شاء، واختيار الله له نقصان الدنيا، وإذهاب ما لعله يفتتن بتبقيته، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ليظهر صدقه ومسألته، أو ليستيبن للعبد كذبه، فإن حمد الله وشكره على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين، كما جاء في العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال: يا رب من أولياؤك؟ قال: الذين إذا أخذت منه المحبوب سالمني، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف له بطلان دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان وخضع، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان، فيعلم إنه
كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو
بسخطه ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما
كان قد استودعه، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه، وكانت له من قبل، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب، لم يأخذه أبدا؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية، ومن المؤمنين خيانة، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق، وهذا قوله تعالى: (من قبل أن نبرأها) الحديد: 22، قيل: من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وقيل: من قبل أن نبرأ المصيبة، ثم قال تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: 32، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه؟ فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له، فيبقي عليه، أو قد أعيره فيؤخذ منه، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء، فهذا لما أيقن شك، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله، وهذا مزيد الناقصين. ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه، وكانت له من قبل، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب، لم يأخذه أبدا؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية، ومن المؤمنين خيانة، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق، وهذا قوله تعالى: (من قبل أن نبرأها) الحديد: 22، قيل: من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل: من قبل أن نبرأ الأنفس، وقيل: من قبل أن نبرأ المصيبة، ثم قال تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: 32، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه؟ فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له، فيبقي عليه، أو قد أعيره فيؤخذ منه، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء، فهذا لما أيقن شك، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله، وهذا مزيد الناقصين.
والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم، كأنه قد أنفقه في سبيل الله، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها: إن له أجر غلام ولد، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله، وإن كان لم يولد له فقال: أنت تخلقه، وأنت ترزقه إليك، محياه إليك، مماته أقرها قرارها ولك ذلك.
والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء، وأنه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه، قال بعض العارفين لبعض أصحابه: لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت: لاأدري قال: لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه، وطاعة لأمر رسوله في قوله: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما؛ أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته.
والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة: اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال: ولم؟ قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول: لولا الكلاب ما شددته أيضا، فقال أبو سليمان: هذا من ضعف قلوب الصوفيين، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها، وهذا كما قال أبو سليمان: لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به، فيكون هو سبب معصية الله، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه
وكانت في خلده ووجده، وإن لم ينطق بها أو يظهرها: فأكثر الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا، وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا، وأقل الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات، وأطولهم شكوى وأقلهم شكرا، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة، ألم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء: وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه، ومع ذلك فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه، وفوض إليه أمره به، ثم رد عليه، لم يستحب له في الورع أن يتملكه، ولا أن يرجع فيه في حسن الأدب، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا، فيكون رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه.
وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا، ثم قال: في سبيل الله، فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن ناقتك في مكان كذا، فلبس نعله وقام ثم نزعها، ثم قال: أستغفر الله، وجلس فقيل له: ألا تذهب فتأخذها فقال: إني قد كنت قلت: في سبيل الله، وحدثت عن بعضهم قال: رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت: مافعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأدخلني الجنة، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها، قال وهو في ذلك كئيب حزين فقلت: قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين، فتنفس الصعداء ثم قال: نعم إني لاأزال حزينا إلى يوم القيامة، قلت: ولم ذلك؟ قال: إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت، ففرحت بها، فلما هممت بدخولها، نادى مناد من فوقها: اصرفوه عنها فليست هذه له، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت: وما أمضى السبيل؟ قيل لي: قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك: في سبيل الله، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا، وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال: أما إني قد كنت رأيته وهو
يحله، قيل: وما منعك أن تزجره؟ قال: كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال: فجعلوا يدعون عليه فقال: لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له: ألا تدعو على ظالمك؟ فقال: ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه، قيل: أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها؟ قال: ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها، وقيل لآخر: أدع الله على من ظلمك، قال: ماظلمني أحد ثم قال: إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال: ما تعزوني على أمر الدنيا، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل: ولم؟ قال: شغلني الشكر عليه عن الحزن، وقد كانوا يقولون: إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم.
وقد روينا: من دعا على ظالمه فقد انتصر، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له: لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له: إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال: أعلى الدنانير تبكي؟ فقال: لا والله، ولكن على المسكين، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة، وقيل لبعضهم في معنى هذا: أدع على من ظلمك، فقال: إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول: إن كان فقيرا فهو صدقة عليه، وإن كان محتاجا فهو في حل، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه، فقال له: كم كان فيه فأخبره، فحمله إلى منزله فوزن له من المال، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله، فقال: ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي
لكم، فقلنا: لاحاجة لنا فيها فقال: خذوها، قال: فأبينا، فقال: يابني، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه: إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء.