ذكر فضائل الحج وآدابه
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وهيئاته وفضائل الحجاج وطريق السلف السالكين للمنهاج
قال الله سبحانه وتعالى: (أالحج أشهر معلومات من فرض فيهن الحج) البقرة: 196، يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، الرفث اسم جامع لكل لغو
وخني وفجر من الكلام ومغازلة النساء ومداعبتهن والتحدث في شأن الجماع، والفسوق جمع فسق وهو اسم جامع لكل خروج من طاعة ولكل تعدي حد من حدود الله تعالى، والجدال وصف مبالغ للخصومة والمراء فيما يورث الضغائن وفيما لا نفع فيه؛ فهذه ثلاثة أسماء جامعة مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى بتنزيه شعائره ومناسكه منها لأنها مشتملة على الآثام وهن أصول الخطايا والإجرام، والحج في اللغة هو القصد إلى من يعظم، وكانت العرب تقول نحج إلى النعمان أي نقصده تعظيما له وتعزيزا، فينبغي أن يكون الحاج معظما لمن قصده بالحج ليتحقق بمعنى هذا الاسم، والحج أيضا سلوك الطريق الواضح الذي يخرج إلى البغية ويوقف على المنفعة واشتقاقه من المحجة بمنزلة النسك، وهو اسم للطريق مشتق من المنسك، وهو من أسماء الطريق وإن كان أصله المذيح ومنه سمي الناسك لأنه سالك لطريق الآخرة، فأول فضائل الحج حقيقة الإخلاص به لوجه الله تعالى، وأن تكون النفقة حلالا واليد فارغة من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم، ويكون الهم مجردا والقلب ساكنا مطمئنا مملوءا بالذكر فارغا من الهوى ناظرا أمامه غير ملتفت إلى ورائه، وصحة القصد بحسن الصدق ثم طيب النفس بالبذل والإنفاق والتوسع في النفقة والزاد وبذل ذلك، لأن النفقة في الحج بمنزلة النفقة في سبيل الله تعالى؛ الدرهم بسبعمائة درهم، والحج من سبيل الله، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر وغيره: من كرم الرجل طيب زاده في سفره، وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقينا، وفي حديث ابن المنكدرعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وقال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج، قال: طيب الكلام وإطعام الطعام، ويقال: إنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وبعضهم يقول يسفر عن صفات النفس وجوهرها إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر حسنت صحبته في السفر، وقال رجل لآخر: إنه يعرفه، فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: ما أراك تعرفه، ولا يجادل ولا يخاصم ولا يكثر المراء ولا يرفث بلسانه.
وروينا عن بشر بن الحرث قال: قال سفيان: من رفث فسد حجه، وليتعلم أحكام المناسك ومعالم الحج وهيئاته وآداب المشاهد قبل الخروج، وليكن ذلك أهم شيء إليه وليقدمه على جميع أسباب السفر، فإن هذا هو المقصود والبغية فلا يتأبن عنه، وليعد له رفيقا صالحا عالما محبا للخير معينا عليه، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن جبن شجعه، وإن عجز قواه، وإن أساء ظنه وضاق صدره وسع صدره وصبره وحسن ظنه ولا يخالف رفيقه ولا يكثر الاعتراض عليه، وليحسن خلقه مع جميع الناس، ويلين جانبه ويخفض جناحه، ويكف أذاه عن الخلق، ويحتمل أذاهم؛ فبهذه المعاني يفضل الحج
وإن يحج على رحل أو زاملة فإن ذلك حج المتقين وطريق السلف، يقال: حج الأبرار على الرحال، وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال: برزت من الكوفة إلى القادسية للحج، ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل، وما رأيت في جميعهم إلا محملين، وقال مجاهد لابن عمر وقد دخلت القوافل: ما أكثر الحجاج، فقال: ما أقلهم، ولكن قل: ما أكثر الراكب، قال: وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل والمحامل يقول: الحاج قليل والركب كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحته جوالق فقال: هذا نعم الحاج، فينبغي أن يكون رث الهيئة، خفيف المؤونة، متقللا من كل شيء، لا يحمل معه من الزاد إلا ما لا بد له منه مما يحتاج إليه، ولا يسرف في المبالغة والتناهي فيه، ولا يقتر، ولا يضيق على نفسه ورفيقه، بل يستعمل الاقتصار في كل شيء والكفاية، ويجتنب من الزي الحمرة فإن ذلك مكروه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في سفر، فنزل أصحابه منزلا، فسرحت الإبل، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال: أرى هذه الحمرة قد غلبت عليكم، قال: فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل، ثم ليجتنب من الزي الشهرة، وكل منظور إليه من الأثاث، ولا يتشبه بالمترفين ولا بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر فيكتب من المتكبرين، ولا يكثر التنعم والرفاهة فإن ذلك غير مستحب في سبيل الله تعالى، لأن المشقة والظمأ والمخمصة والأواء كلما كثر في سبيل الله كان أفضل وأثوب، حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلة وكان تحته رحل رث وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم، وطاف على الراحلة لينظر الناس إليه ويهتدوا بشمائله، وقال عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم، وكان يقول: لبيك اللهم لبيك، حجا لا رياء فيه ولا سمعة، وقال: لبيك، أن العيش عيش الآخرة، وأمر صلى الله عليه وسلم بالشعث والاختفاء، ونهى عن التنعم والرفاهة، في حديث فضالة بن عبيد، وفي الخبر: إنما الحاج الشعث التفل، يقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى زوار بيتي قد جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق، وقال الله عز وجل: (ثم ليقضوا تفثهم) الحج: 29، التفث الشعث والأغبار، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظافر، وكتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان واستعملوا الخشونة من الأشياء، وبعض أصحاب الحديث يصف هذه الحروف يقول: احلقوا من الحلق، ولا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة كيف، وقد قال لصبيغ حين توسم في مذهب الخوارج: اكشف رأسك، فرآه ذا ضفيرتين فقال: لو كنت محلوقا لضربت عنقك، ولينح مثال أهل اليمن في الزي والأثاث، فإن الاقتداء بهم والاتباع لشمائلهم في الحج طريقة السلف على ذلك الهدى والوصف، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما عدا
وصفهم وخالف هديهم، فهو محدث ومبتدع، ولهذا المعنى قيل: زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على منهاج الصحابة وطريقة السلف، وقيل في مدحهم بالتقلل والانفراد: لا يغلون سعرا ولا يضيقون طريقا، وقد كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفين قد خرجوا إلى مكة يقولون: لا تقولوا خرج فلان حاجا، ولكن قولوا: خرج مسافرا، ويقال: إن هذه المحامل والقباب أحدثها الحجاج بن يوسف، فركب الناس سنته، وقد كان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها، وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل، ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول الشقة وقلة الطعم، وينبغي أن يقلل من نومه على الدابة، فإنه يقال: إن النائم يثقل على البعير، وقد كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة، وكانوا أيضا لا يقفون عليها الوقوف الطويل لأن ذلك يشق عليها.
وفي الحديث: لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي، ولا يحمل على الدابة المكتراة إلا ما قاضى عليه الجمال أو ما أعلمه به، وقال رجل لابن المبارك: احمل لي هذا الكتاب معك، فقال: حتى أستأمر الجمال، فإني قد اكتريت، ولينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك، ففيه سنة وآثار عن السلف، وقد كان بعض السلف يكتري لازما ويشترط أن لا ينزل، ثم إنه ينزل للرواح ليكون ما رفه عن الدابة من حسناته محتسبا له في ميزانه، وبعض علماء الظاهر يقول: إن الحج راكبا أفضل لما فيه من الإنفاق والمؤونة، ولأنه أبعد لضجر النفس، وأقل لأذاه وأقرب لسلامته وتمام حجه، فهذا عندي بمنزلة الإفطار يكون أفضل إذا ساء عليه خلقه، وضاق به ذرعه، وكثر عليه ضجره، لأن حسن الخلق وانشراح الصدر أفضل، وقد يكون كذلك لبعض الناس دون بعض ممن يكون حاله الضجر ووصفه التسخط وقلة الصبر، أو لم يمكن المشي، وسألت بعض فقهائنا بمكة وكان ورعا عن تلك العمر التي تعتمر من مكة إلى التنعيم، وهو الذي يقال له مسجد عائشة، وهو ميقاتنا للعمرة في طول السنة أي ذلك أفضل المشي في العمرة، أو يكتري حمارا بدرهم يعتمر عليه فيقال: يختلف ذلك على قدر شدته على الناس، فإن كان إنفاق الدرهم أشد عليه من المشي فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه وشدته عليها، ومن كان المشي عليه أشق فالمشي أفضل لما فيه من المشقة، ثم قال: هذا يختلف لاختلاف أحوال الناس من أهل الرفاهية والنعمة، فيكون المشي عليهما أشد، وعندي أن الاعتمار ماشيا أفضل، وكذلك الحج ماشيا لمن أطاق المشي ولم يتضجر به وكان له همة وقلب، وقد روينا في خبر من طريق أهل البيت: إذا كان في آخر الزمان خرج الناس للحج أربعة أصناف؛
سلاطينهم للنزهة، وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للسمعة، ويكره أخذ الأجرة على الحج فيجعل نصيبه وعناه لغيره ملتمسا عرض الدنيا، وقد كره ذلك بعض العلماء، ولأنه من أعمال الآخرة ويتقرب به إلى الله، يجري مجرى الصلاة والأذان والجهاد فلا يأخذ على ذلك أجرا إلا في الآخرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: واتخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان أجرا، وسئل عن رجل خرج مجاهد فأخذ ثلاثة دنانير فقال: ليس له من دنياه وآخرته إلا ما أخذ، فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة واضطر إلى ذلك، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا، رجوت أن يسعه ذلك، وفي الخبر: يؤجر على الحجة الواحدة ثلاثة ويدخلون الجنة: الموصي بها، والمنفذ للوصية، والحاج الذي يقيمها لأنه ينوي خلاص أخيه المسلم والقيام بفرضه، وقد جاء مثل المجاهد الذي يأخذ أجرا على جهاده مثل أم موسى يحل أجرها وترضع ولدها، هذا إذا كانت نيته الجهاد واحتاج إلى معونة عليه، كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة، والتقرب إلى الله تعالى بالطواف والعمرة بعد قضاء ما عليه، لم يضره أخذ أجرة على حجه إن شاء الله تعالى.
ومن فضائل الحج أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن المسجد الحرام بالمال، فإن المعونة والتقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس، والصد عن المسجد الحرام يكون بالمنع والإحصار، ويكون بطلب المال، فليحتل في التخلص من ذلك فإن بعض علمائنا كان يقول: ترك التنقل بالحج الرجوع عنه أفضل من تقوية الظالمين بالمال، لأن ذلك عنده دخيلة في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، وإقامة وإظهار لبدعة أحدثت من الآخذ والمعطي؛ وهذا كما قال لأنه جعل بدعة سنة ودخولا في صغار وذلة ومعاونة على وزر أعظم في الحرم من تكلف حج نافلة قد سقط فرضه كيف، وفي ذلك إدخال ذلة وصغار على الإسلام والمسلمين مضاهاة للجزية، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فإن ترك المسلمون فاشدد لئلا يؤتى الإسلام من قبلك، وفي الخبر المشهور: المسلمون كرجل واحد ومثل المسلم من المسلمين كمثل الرأس من الجسد، يألم الجسد لما يألم الرأس ويألم الرأس لما يألم الجسد، وقد يترخص القائل في ذلك بتأويل أنه مضطر إليه، وليس كما يظن، لأنه لو رجع لما أخذ منه شيء، ولو خرج في زي المترفين مما أحدث
من المحامل لما أخذ منه شيء، فقد زال الاضطرار وحصل منه بالطوع والشهوة الاختيار، لعل هذا الذنب عقوبة ما حملوا على الإبل فوق طاقتها من البيوت المسقفة التي علوها عليها، كان البعير يحمل الرجل ورحله فجعلوه يحمل مقدار أربعة وزيادة، فأدى ذلك إلى تلفها، فهم مطالبون بقتلها، لأن من حمل بعيرا فوق طوقه حوسب بذلك وطولب، أو لعله ذنب ما خرجوا به من التجارات وفضول الأسباب وشبهات الأموال أو لسوء النيات وفساد المقاصد، وروينا أن أبا الدرداء قال لبعير له في الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك، وقد يعاقب الله على الذنب بذنب مثله أو فوقه، وينبغي أن يكون في المشاعر والمناسك أشعث أغبر فإنه سنة، ويكثر ذكر الله في طريقه وجميع مناسكه، ويذكر به الغافلين ويقل ذكر الناس ويلزم الصمت فيما لا يعنيه، ولا يتكلف ما قد كفى، ولا يدخل فيما لم يكلف، وإن رأى موضعا للمعروف أمر به أو منكرا نهى عنه، فهذه المعاني تضاعف أمر الحج وتفضل الحجاج واستحب أن يقرن بين حجة وعمرة من ميقاته لأن فيه إيجاب هدى يقربه وليكون جامعا بين نسكين من ميقات بلده، ويكون قد أتى بالعمرة لأنها مقرونة بالحج في الكتاب، ولأن مذهب كثير من العلماء أنها فريضة كالحج، وجماعة من السلف كانوا يستحسنون الابتداء بالعمرة وتقديمها على الحج، منهم: الحسن وعطاء وابن سيرين والنخعي.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وأهل بهما معا في حديث أنس، وقد حدثت عن شقيق بن سلمة عن الضبي بن معبد قال: أردت الغزو فأشار علي رجل من أهل العلم أن أبدأ بالحج فاستشرت رجلا من أهل الفقه فأمرني أن أجمع بين حج وعمرة جميعا، ففعلت، فأنشأت إلي بهما حتى قدمنا على عمر فأخبرته بالذي فعلت، فقال: هديت لسنة نبيك وإن قدم العمرة فحج متمتعا ثم أفرد الحج بعدها من عامه فهو أفضل؛ وهذا اختيار جماعة من العلماء، وإن حج مفردا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحج فيما روينا عن عائشة وجابر، وإذا فرغ من حجه رجع إلى ميقات بلده فاعتمر من هناك فحسن، وقد قال الله عز وجل: وأتموا الحج والعمرة لله فإفرادهما من إتمامهما؛ وهذا قول عمر وعثمان في الإتمام، وليطف لقرانه ويسع طوافين وسعيين ليخرج بذلك من اختلاف العلماء جمعهما أو فرقهما، وليكثر العبد من التلبية في حال إحرامه فهي من أفضل الأذكار فيه، وليرفع بها صوته وإن قال في تلبيته: لبيك يا ذا المعارج، لبيك حجا حقا، تعبدا ورقا، والرغباء إليك والعمل، فقد روي هذا عن الصحابة وإن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن، وفيها كفاية وبلاغ وأحب أن يذبح وإن لم يجب عليه ويجتنب الأكل من يذبح ما كان واجبا عليه مثل نسك قران أو متعة أو كفارة، واستحب أن يأكل مما لم يكن عليه واجبا وليجتنب المعايب
الثمانية في ذبيحته التي وردت بها الآثار، وكذلك في الأضحية فقد نهي أن يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء، ونهى عن الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء، التي لا تنقي، يعني المهزولة؛ وهذا جميع ما جاء في عيوب الأضاحي بأخبار متفرقة، فالجدع في الأنف والأذن، والقطع فيهما، والعضب الكسر في القرن، وفي نقصان القوائم، والجرباء من الجرب، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق، والخرقاء المشقوقة من أسفل، والمقابلة المخروقة الأذن من قدام، والمدابرة المخروقة من خلف، والتي لا تنقي المهزولة التي لا نقي لها؛ والنقي هو المخ وقد روينا في تفسير قوله تعالى ذلك: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج: 32، قيل: تسمين الهدي وتحسينه، وأفضل الهدي بدنة، ثم بقرة، ثم كبش أقرن أبيض، ثم الثني من المعز، وإن ساق هديه من الميقات فهو أفضل من حيث لا يجهده ولا يكده، وقد كانوا يغالون بثلاث ويكرهون المكاس، فيهن الهدي والأضحية والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عندأهله، وفي حديث ابن عمر أن عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا، فنهاه عن ذلك وقال: بل أهدها فهذه سنة في تخير الهدى، وحسن الأدب في المعاملة، وترك الاستبدال بها طلبا للكثرة، لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون، إن في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين، فكان الخالص الحسن كافيا من الكثير المتقارب، وفي حديث ابن المنكدر عن جابر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج؟ قال: العج والثج، فالعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج هو نحر البدن.
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما عمل آدمي يوم النحر عملا أحب إلى الله عز وجل من إهراق دم، وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها فإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، طيبوا بها نفسا، وفي الخبر: لكم بكل
صوفة من شعرها وبكل قطرة من دمها حسنة، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا ولا يضحى بجذع إلا من الضأن فقط، وهو ما كان في آخر حوله، وبالثني من المعز والبقر والإبل، فالثني من المعز ما دخل في السنة الثانية، والثني من البقر ما دخل في الثالثة، والثني من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، وإن أحرم من بلده فقد قيل إنه من إتمام الحج والعمرة ومن عزائم الأعمال، روينا عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما: وأتموا الحج والعمرة لله، قالوا: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ولتكن حاضر القلب، مشاهد القرب عند المواطن المرجو فيها الإجابة، وفي المشاهد المبتغي منها المنفعة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم، واستحب له أن يمشي في المشاعر من حين يخرج من مكة إلى أن يقف بعرفة، وإلى أن يرجع من طواف الزيارة إلى منى، ومن استحب للحاج الركوب فإنه يستحب له المشي إلى مكة في المناسك إلى انقضاء حجه، ولأن عبد الله بن عباس أوصى بنيه عند موته فقال: يا بني حجوا مشاة، فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال الحسنة بمائة ألف وأوكد ما مشي فيه من المناسك وأفضله، من مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى الموقف، ومن الموقف إلى المزدلفة في الإفاضة، ومن المشعر الحرام غداة النحر إلى منى، وفي أيام رميه الجمار وصومه يوم عرفة فيه فضل إن قوي معه على الدعاء والتلبية ولم يقطعه الصوم عن ذلك، فإن أضعفه فالفطر أفضل، ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا أبو بكر ولا عمر وصامه عثمان رضي الله عنه وعنهم، وليعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من الحكمة والقدرة من تصريف الخلق، وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت فيكون له في كل شيء عبرة، ومن كل شيء موعظة، فإنه على مثال طريق الآخرة، وليكن له بكل شيء تذكرة، وفي كل شيء فطنة وتبصرة، ترده إلى الله تعالى، وتدله عليه، وتذكره به، ويشهده منها فيتفكر في أمره، ويستدل به على حكمته، ويشهد منه قدرته.
وسئل الحسن ما علامة الحج المبرور؟ فقال: أن يرجع العبد زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وقيل في وصف الحج المبرور: هو كف الأذى، واحتمال الأذى، وحسن الصحبة، وبذل الزاد، ويقال: إن علامة قبول الحج ترك ما كان عليه العبد من المعاصي والاستبدال بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده، ومن أصيب بمصيبة في نفسه وماله فهو من دلائل قبول حجه، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله تعالى، الدرهم بسبعمائة، وبمثابة الشدائد في طريق الجهاد، وليستكثر من الطواف بالبيت، لأنه يستوعب بطواف أسبوع مائة وعشرين رحمة يكون
بكل رحمة ما شاء الله، لأنه سبحانه يختص برحمته من يشاء، وأقل ماله بكل رحمة عشر حسنات، لأن في حديث عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل الله على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرين رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين، وفي الحديث: استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أقل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة، وأغبط عمل تجدونه، ولا تتحدث في طوافك، وعليك بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى من التسبيح والتهليل والحمد وتلاوة القرآن وامش بسكينة ووقار وخشوع وانكسار، ولا تزاحمن أحدا، واقرب من البيت ما أمكن، واستلم الركنين اليمانيين مع تقبيل الحجر في كل وتر من طوافك إن أمكن.
وقد روينا في الخبر: من طاف بالبيت حافيا حاسرا كان له كعتق رقبة، ومن طاف أسبوعا في المطر غفر له ما سلف من ذنوبه، روي ذلك عن الحسن بن علي قاله لأصحابه ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: واتق الهمة الردية والأفكار الدنية، فيقال: إن العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك البلد، وعن ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالإرادة قبل العمل إلا بمكة، وقال أيضا: لو هم العبد أن يعمل سوءا بمكة عاقبه الله تعالى، ثم تلا: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) ؛ يعني أنه علق العذاب بالإرادة دون الفعل، ويقال: إن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، وإن السيئات التي تكتسب هنالك لا تكفر إلا هناك، وكان ابن عباس يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم، وقيل: الكذب فيه من الإلحاد، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلي من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة؛ وركية منزلة بين مكة والطائف، وقد كان الورعون من السلف منهم عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما يضرب أحدهم فسطاطا في الحرم وفسطاطا في الحل، فإذا أراد أن يصلي أو يعمل شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام عندهم في جميع ما يذكر إنما هو الحرم كله، وإذا أراد أن يأكل أو يكلم أهله أو يتغوط خرج إلى فسطاط الحل، ويقال: إن آل الحجاج في سالف الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوي تعظيما للحرم، وقد سمعنا من لم يكن يتغوط ولا يبول في الحرم من المقيمين بمكة ورأينا بعضهم لا يتغوط ولا يبول حتى يخرج إلى الحل تعظيما لشعائر الله تعالى، وتنزيها لحرمه وأمنه، وأعمال البر كلها تضاعف بمكة، والحسنة بمائة ألف حسنة على مثال الصلاة في المسجد الحرام، روي معنى ذلك عن ابن عباس وأنس، وعن الحسن البصري: أن صوم يوم بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف درهم، ويقال: إن طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة،
وإن ثلاث عمر تعدل حجة، وإن العمرة هي الحجة الصغرى؛ وهذا في دليل الخطاب من قوله تعالى: يوم الحج الأكبر، فدل أن الحج الأصغر هو العمرة، ومن العرب من يسمي العمرة حجا، وفي الخبر: عمرة في رمضان تعدل حجة، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده.