☪ Anlam Arayışı

← Kûtü'l-Kulûb

ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

وافتراقهما في التفصيل والاسم

وأن كل مؤمن مسلم، وتحقيق القول بالعمل، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية والحرورية، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة، وفقنا الله تعالى لذلك، قال قائلون: الإيمان هو الإسلام وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات، وهذا يقرب من مذهب المرجئة وقال آخرون: إن الإسلام غير الإيمان، وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير وهذا قريب من قول الإباضية، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد؛ فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى؛ فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا بد للمسلم من إيمان به يحق إيمانه، من حيث اشترط الله سبحانه وتعالى للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) الأنبياء: 94، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) طه: 75، ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام؛ فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه عاملا بما أمر به فهو مؤمن مسلم، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما، ولجاز أن لا يسمى كل مسلم مؤمنا بالله تعالى ورسله وكتبه، ومثل الإيمان من الأعمال كمثل القلب من الجسم، لا ينفك أحدهما من الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب لا جسم له؛ فهما سببان منفردان، وفي المعنى والحكم متصلان، ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة لا يقال حبتان لتقارب وصفيهما، فكذلك أعمال الإسلام من الإيمان، الإسلام هو ظاهر الإيمان

وهو أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو أعمال القلوب.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الإسلام علانية والإيمان سر، وفي لفظ آخر: والإيمان في القلب، فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان، عقود الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن؛ أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية؛ أي لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: إنما تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات، وأعمال القلوب من النيات، فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك عدد الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين) البلد: 8 - 9، المعنى: ألم نجعله ناظرا متكلما؟ فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له، وذكره الشفتين لأن الكلام الذي جرت النعمة به لا يتم إلا بهما، ومثل الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر متجاف وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في باطن الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليهما، إذ لا استقامة له ولا قوة إلا بهما، كذلك الإسلام من أعمال الجوارح، ولا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام؛ وهو صالح الأعمال، وقد عبر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام، فلولا أنهما كشيء واحد ما عبر عن أحدهما بالآخر، فقال سبحانه: (فأخرجنا من كان فها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) الذاريات: 35 - 36، ولم يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط وبناته، وقال عز وجل في مثله: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) يونس: 84 فعطف بقوله: إن كنتم مسلمين على قوله: إن كنتم آمنتم، فدل على أنهما اسمان بمعنى واحد؛ وهذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي، لأن اليوم مرتبط بالليلة وأنت تعلم أنهما شيئان، فقال في قصة واحدة: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) آل عمران: 41 وقال أيضا سبحانه: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) مريم: 1،، وأيضا فإن الله تعالى قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحد، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ضدهما

واحد، فقال سبحانه: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) آل عمران: 86، وقال: (يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) آل عمران: 8،، فجعل ضدهما الكفر، وعلى مثل هذا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام بوصف واحد، فقال في حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، صوم رمضان، وحج البيت، وفي حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف فدل بذلك أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام على نية إلا بالإيمان سرا، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بغير صاحبه، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر، كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ضدهما وهو الكفر، كما روي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يكفر أحد إلا بجحود ما أقر به، وأظهر من حديث ابن عباس آنفا أن في نفس حديث ابن عمر ذكر الإيمان أيضا بدلا من لفظ الإسلام.

ورواه جرير عن سالم بن أبي الجعد عن عطية مولى بني عامر عن يزيد بن بشر قال: أتيت ابن عمر فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله بن عمر ما لك تحج وتعتمر وقد تركت الغزو؟ قال: ويلك إن الإيمان بني على خمس تعبد الله تعالى، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، كذلك حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشترط الله تعالى للإيمان العمل الصالح، ونفى النفع بالإيمان إلا بوجود العمل، كما شرط للإيمان الإسلام فقال تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) الفرقان: 7،، إجماع من أهل التفسير؛ إلا من تاب من الشرك كقوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) التوبة: 5، بعد قوله وخذوهم واحصروهم، وقال سبحانه وتعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا) سبأ: 37، وقال تعالى: (الذين آمنوا وكانوا يتقون) يونس: 63، كما قال تعالى: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) الزخرف: 69، فاشترط للإيمان الأعمال والتقوى، كما اشترط للأعمال الصالحة الإيمان، فكما لو عمل العبد بالصالحات كلها لم تنفعه إلا بالإيمان، كذلك لو آمن من الإيمان كله لم ينفعه إلا بالأعمال، وفي وصية لقمان لابنه: يا بني كما لا يصلح الزرع إلا بالماء والتراب فكذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعمل والعلم، فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام لما سأله ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله بالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره، ثم قال: ما الإسلام؟ فذكر الخصال الخمس؛ فإن ذلك

تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها، أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح، فيما توجب الأفعال الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية، إلا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضاد، وليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، إذ قد يجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف ظاهر جسمه، والدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين معنى واحدا في حديث ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، وقد روى ذلك مفصلا في حديث علي رضي الله تعالى عنه: الإيمان قول باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالأركان، فأدخل أعمال الجوارح في عقود الإيمان، وأيضا فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما.

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم: أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وليس فيه دليل على أن الإسلام غير الإيمان، أو أن المسلمين سوي المؤمنين، أو أن الإيمان ضد الإسلام، والوجه الثاني من تأويل الخبر أن معنى قوله أو مسلم يعني به أو مستسلم، فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا، ومن لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفر أبا بكر رضي الله تعالى عنه وجهله في قتال أهل الردة وادعى عليه أنه قتل المؤمنين، لأن القوم جاؤوا بعقود الإيمان ولم يجحدوا التوحيد ولا أكثر الأعمال وإنما أنكروا الزكاة فاستحل قتلهم، وواطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم.

وأما الحديث الآخر الذي جاء ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المؤمن والمسلم في أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر، فقال له سعد: يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال: أو مسلم؟ فأعاد عليه، فأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مسلم؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان والإسلام في التفاضل والمقامات؛ أي ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم، فكشف مقامه الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه، إذ كان خاملا لا يؤبه له فقال: كيف أصبحت؟ فنطق بوجده عن مشاهدته، فقال: عرفت فالزم؛ فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام، وأن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام، وأن الإيمان لا حد له وإن كانت صحته بمحدود الإسلام، فآثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آمن طوعا على المكره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء، ومن لا يؤمن عاديته، وجمعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أن تكلم فيه فقيل له في ذلك، فقال: هذا أحمق مطاع، أو من يكثر عشيرته وأتباعه فيكون ظهيرا على المؤمنين،

أو من فيه غنى للمسليمن ومنفعة وعزة للمسلمين، فأما الأتباع والسفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء، بل كان يؤثر المؤمنين، يقدمهم على أراذل المؤلفة وضعفائهم، كما فعل بالقسم الذي قسمه بين المؤمنين فأعطاهم، إلا رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم يعطه وقال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، والله ما عدل فقال صلى الله عليه وسلم إن لم أعدل فمن يعدل؟ وكان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج، أفلا تراه لم يعط هذا شيئا ولم يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين، ولا ممن يتقي بأسه أو يظهر في الإسلام غناه فيتألف بالعطاء؛ وهذا مثل قول فرعون حين ألجمه الله الغرق فاضطره إلى الإسلام بقوله: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين، أجمع أهل التفسير أن معناه من المستسلمين فإن قيل، فقد روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ما يدل على ضد هذا التأويل، وأن الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما، وهو أن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأعطي قوما وأمنع آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من الإيمان: منهم فلان، قيل: إن هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاده القائل لأنه بعث بجوامع الكلم، وكان يسأل عن الشيء فيخبر به ويزيد عليه للبيان والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع عطائه وبضروب المعطين من الناس؛ هذا للحاجة، وهذا للفضل، وهذا للتآلف؛ لأن الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان الإسلام أفضل من الإيمان، ولكان المسلمون أفضل من المؤمنين، ولم يقل بهذا أحد من العلماء، إلا أن الإيمان خاص فيه التفاوت والمقامات؛ فهو يشتمل على الإسلام، والإسلام داخل فيه، والمؤمنين هم خصوص المسلمين، منهم المقربون والصديقون والشهداء، والإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين، ويدخل فيه أهل الكبائر والإجرام، ولا يخرج منه من فارق الكفر ووقع عليه اسم الإيمان، كما قال تعالى: (فمن افترى على الله الكذب) آل عمران: 94 وأخبر عنه بالفسوق، (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين) الصف: 7، فعلى إجماعهم أن الإيمان أعلى اسقاط وهم من توهم أن الرجل كان أفضل، كيف وقد روينا تخصيص الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإسلام، قيل: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، فجعل الإيمان مقاما في الإسلام، ففي هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما، بمعنى قوله في وصف الرجل أو مسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الرجل: أو مسلم، فدل على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الإستفهام لا تستعمل في عرف الكلام إلا في

الوصف الأنقص والحال الأدنى فافهم.

وأما قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) الحجرات: 14، فإن هذا أيضا من هذا النوع معناه: قولوا: استسلمنا حذر القتل؛ وهؤلاء ضعفاء المؤلفة وأراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثاره وتقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم، وإرجاءه إياهم فقالوا: لم لا يعطينا كما يعطي المؤمنين؟ فإنا مؤمنون كهم، فأخبر الله تعالى بذلك عنهم وأكذبهم في دعواهم وهم الذين قص الله تعالى أخبارهم في قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة: 58، ففي هذه الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعطي هذا الضرب من المؤلفة، وليس في الآية تفرقة بين الإيمان والإسلام بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) الجرات: 17، فسمى إسلامهم إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض، ورد أوله إلى آخره، وإنما أسقط المنة به على رسوله، وأثبت المن عليهم بنفسه، وعطف بآخر الإسم على أوله، وغاير بين اللفظين، فلم يرد أحدهما على الآخر، فيقول: أن هداكم للإسلام لاتساع لسان العرب وليفيدنا فضل بيان، وإن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد، كما قال تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم) فاطر: 3، ولم يقل: يخلقكم، ليبين أن الرازق هو الخالق وليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ففما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) الذاريات: 35 - 36، وهكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال: سبحانك تبت إليك، وأنا أول المسلمين، فلولا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأا بخلاف المعنى، فأما ما روي عن أبي جعفر بن علي: الإيمان مقصور في الإسلام؛ فمعناه هو باطنه، قال: وأدار دائرة كبيرة فقال: هذا الإسلام، ثم، أدار في وسطها دارة صغيرة فقال: وهذا الإيمان في الإسلام، فإذا فعل وفعل خرج من الإيمان وصار في الإسلام، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان وكماله ولم يكن من الموصوفين الممدوحين بالخوف والورع من المؤمنين، لأنه خرج من الإسم والمعنى حتى لا يكون مؤمنا بالله مصدقا برسله وكتبه، ألا ترى إلى الدارة الصغيرة غير خارجة من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها وضرب المثل بها، لكنها خالصها وليها ومخصومة فيها، ولو أراد أنه يخرج من الإيمان لجعلها دائرتين منفردتين ولم يجعل إحداهما جوف الأخرى، وكذلك جاء الخبر: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخر وهو مؤمن، معناه كامل الإيمان أو مؤمن حقا، لأن حقيقة الإيمان وكماله بالخوف

والورع، إذ الأمة مجمعة أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، وإذا فسق بالزنا وشرب الخمر خرج من حقيقة الإيمان، هو الخوف والورع، ولم يخرج من اسمه ومعناه؛ وهو التصديق والتزام الشريعة، وفيه معنى لطيف كأنه يرتفع عنه إيمان الحياء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء من الإيمان، والمستحي لا يكشف عورته على حرام، ويبقى إيمان الإسلام والتوحيد وإيجاب الأحكام، وقد روينا عن الحسن بيان ذلك أنه قال: الإيمان حقيقة الإسلام، وقيل لحذيفة: من المنافق؟ فقال: الذي يتكلم بالإسلام ولا يعمل به فسمي علم الإيمان إسلاما وقرن القول، بالعمل وقال الثوري رحمه الله: الناس عندنا مؤمنون مسلمون في حدودهم، وفرائضهم، وفي النكاح، وفي المواريث، وفي الصلاة خلفهم، والصلاة عليهم، لا يحاسب الأحياء ولا يقضي على الأموات، ونكل ما لم نعلم من سرائرهم إلى الله تعالى، ونسمع بالتشديد فنخافه ونسمع اللين فنرجوه لأهل القبلة، ونتهم رأينا لرأي السلف قبلنا، وما ذكرناه من أن الإسلام والإيمان قرينان لا يفترقان؛ هذا مذهب فقهاء أصحاب الحديث وطريقة أئمة السلف رضي الله عنهم أجمعين.

← Önceki 177 / 226 Sonraki →

Anlam Arayışı