باب ذكر تفضيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما وما جاء في
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
معناه
فأما ما حكي عن بعض أصحاب الحديث، أنه فرق بين الإيمان والإسلام فقال الزهري: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، وقال عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل عن الإيمان والإسلام فقال: هما شيئان، وقال حماد بن زيد: الإسلام عام، والإيمان خاص، فإن قول هؤلاء على جملة قولنا، وهو دليل له وشاهد عليه، وأنهم لم يفرقوا بين الإيمان والإسلام تفرقة اختلاف ولا تضاد، ولم يريدوا أن أحدهما يوجد ويصح بعدم الآخر ليواطئوا مذهب المرجئة، لأنهم أبعد شيء منهم، إذ هم أصحاب أثر وتوقيف، وإنما فرقوا بينهما تفريق تفاوت وتخصيص؛ أي أن الإيمان أخص وأعلى، لأن الزيادة والنقصان فيه، والفضائل والمقامات عنه، والإستثناء واجب فيه، وأن الاسلام عام لا يخرج منه إلا الكافرون، إذ ليس وراءه شيء، وعند جماعة من العلماء أن الإستثناء غير واجب في الإسلام، لأنه محدود معلوم، فهذا كان قصد من فرق بين الإسلام والإيمان، وهي طريقة بعض السلف، وعبارة القدماء؛ وهو على نحو ما فصلناه وبمعنى ما بيناه، وإن كنا نحن أظهر تفصيلا وأبين ترتيبا، وهذا مثل الخبر الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الإيمان أفضل؟ قال: الإسلام قيل: فأي الإسلام خير؟ قال الإيمان، فلم يفرق بينهما، ولكنه خصص فجعل الإيمان حقيقة الإسلام وخالصه لأنه أخبر أنه منه فهذا من قوله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه،
أي من تحققه بالإسلام ومن أعلى إسلامه؛ هذا الوصف، وهذا هو نعت المؤمن الموقن الزاهد وهذا يشبه ما مثله أبو جعفر محمد بن علي في أنه أدار دائرة كبيرة وأدار فيها دارة صغيرة تخصيصا، وجميع ما شرحناه وذكرناه عن السلف يبطل قول المرجئة والكرامية الإباضية ويدحض دعواهم، في أن الإيمان قول أو معرفة وعقد بلا عمل، وهو أيضا رد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، الذين يقولون: مؤمن، وفاسق، وكافر؛ فلا يجعلون الفاسق مؤمنا وهو رد على الحشبية والجرمية والقطعية والحرورية، أصناف من الخوارج يقولون: من أتى كبيرة خرج من الإيمان، وأن أهل الكبائر كفار يحل قتلهم، ويقولون إن أهل البغي من الأئمة كفرة يجب على الرعية قتالهم، ومنهم من يقول: إن من بغى على الإمام فقد كفر بخلاف قول الله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) الحجرات: 9، فأمر بقتال أهل البغي بتسميته إياهم مؤمنين ولم يجعل لهم منزلة ثالثة، وقد ابتلينا بطائقتين مبتدعتين متضادتين في المقالة المرجئة والمعتزلة، قال المرجئة: إن الموحدين لا يدخلون النار، وإن عملوا بالكبائر والفسوق كله لأن ذلك لا ينقص إيمانهم، وقالت المعتزلة: إن ليس الفاسق بمؤمن وإن مات على صغيرة من الصغائر من غير توبة دخل النار لا محالة ولم يخرج منها خالدا من الكفار، والصواب من ذلك أن الفاسق مؤمن لا يخرجه فسقه من اسم الاسمان وحكمه، ولكن لا يدخله في المؤمنين حقا من الصديقين والشهداء، وأن أهل الكبائر قد استوجبوا الوعيد ودخول النار، وجائز أن يعفو الله تعالى عنهم بكرمه ويسمح لهم بجوده، كما روينا عن علي أنه قال: عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه الغالي ويرتفع عنه القالي.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في وصف علماء السنة ومدحهم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين؛ فالغالون هم المجاوزون للسنن والآثار، والمبطلون هم المدعون بالرأي والقياس، والجاهلون هم الشاطحون من المتصوفة الضلال، وعدول كل خلق من اتبع سنة صالح من سلف، ولم يبتدع في الدين، ولا اتخد وليجة دون طريق المؤمنين؛ وهم رواة الأخبار وجملة الآثار من المحدثين وفقهاء المسلمين، ويوضح قولنا ويصححه قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) المائدة: 3، إجماعا من المسلمين، وأنها نزلت بعد نزول الفرائض وإتمام الشرائع وفي حجة الوداع؛
وهي آخر حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول فرض الحج، لأن سورة المائدة مدنية بإجماع من القراء، وهي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق من الفقهاء، ولم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام اتفق عليه أهل التاريخ، لأنها نزلت يوم التاسع من ذي الحجة من آخر يوم عرفة وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة خلون من ربيع الأول، فقال الله تعالى بعد نزول الأحكام وأحكام الحلال والحرام: (اليوم أكملت لكم دينكم) المائدة: 3، والإكمال هو إتمام الشيء الذي بعضه متعلق ببعض، فلا يقال أكمل لما كان بعضه قبل بعض، فإذا وجد جميعه قيل: قد أكمل وتمم؛ هذا هو حقيقة هذه الكلمة، فلما كان الإيمان قد تقدم بمكة، وأنزل الله تعالى الفرائض والدين شيئا بعد شيء، وكان الإكمال من الدين دل أن بعضه متعلق ببعض إلى أكمله، فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان؛ وهما الدين المكمل.
وقال بعض السلف: من لم يقل من المرجئة أن إبليس مؤمن لأنه قد أقر بالإيمان وقال به انكسر عليه مذهبه، ولعمري أن إبليس لعنه الله موحد لله تعالى عارف به إلا أنه لم يعمل بالتوحيد ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر، فأما تعلقهم بقول الله تعال: (فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار) المائدة: 85، فإنه شرط القول للجنات أو علق الجنات بالقول فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول، وأنه قول إيمان ويقين، وأنهم غير متعوذين بالقول، ولا متخذوه جنة كالمنافقين، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) آل عمران: 761، فأراد سبحانه بأن قول هؤلاء قول المؤمنين، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العمل وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان، وأنه يستحق عليه ثوابا، لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأما أن يكون فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها الأعمال، ومن قوله في الكفار: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا بالزكاة فخلوا سبيلهم) التوبة: 5 وأيضا فإن في نفس هذه الأية بطلان دعوى المرجئة لأن الله تعالى لم يقل فلم يثبهم الله إلا بما قالوا جنات وإنما قال عز وجل: (فأثابهم الله بما قالوا جنات) المائة: 85، فأخبر أنه أجرهم على قولهم بالحق، كما قال فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا، ثم أحكام ذلك وقيده بقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) البينة: 5، ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) آل عمران: 7، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم؛ وذلك أن
الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والأحكام، فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان لا نصيب لهما في الإسلام، وفي لفظ آخر: لا تنالهم شفاعتي: القدرية والمرجئة، وفي الحديث الغربي: طائفتان لا يدخلون الجنة: من قال أن الإيمان كلام، ورواه حذيفة فقال: إني لأعلم أهل دينين في النار قوم شرار بلا علم، وقوم في آخر الزمان يقولون كانوا ألوفا ضلالا، نسأل الله تعالى أن لا يصرفنا عن فهم آياته ولا يبلونا بالكبر، وإن يرينا سبيل الرشد ويوفقنا لاتخاذه سبيلا، وإن يرينا سبيل الغي ويعصمنا من اتخاذه سبيلا، كما أخبر بذلك عمن بلاه به فقال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) الأعراف: 146 الآية.