☪ Anlam Arayışı

← Kûtü'l-Kulûb

ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

فإن لم يكن للفقير معلوم من الدنيا وكان رزقه قد أجرى على أيدى العباد من غير تعويض منه لهم من صنائع الدنيا معتاد، فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا المال مال الله فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه: فكان كالآكل ولا يشبع، وروينا من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه، وفي لفظ آخر فلا يرده فإن كان محتاجا إليه وإلا فليصرفه إلى من هو إليه أحوج منه، وروينا عن الحسن وعطاء حديثا مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتاه رزقه من غير مسألة فرده فإنما هو يرده على الله، وروينا عن عابد بن شريح عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما لمعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا، وقال بعض العلماء: لو هرب العبد من رزقه لطلبه حتى يصل إليه كما لو هرب من الموت لأدركه، وقال أبو محمد رحمه الله: لو أن العبد سأل ربه فقال: لا ترزقني لما استجاب له وكان عاصيا، ويقال له: يا جاهل لا بد أن أرزقك كما خلقتك، وقد حدثنا بعض العارفين أنه زهد في الدنيا فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار، وقال: لا أسأل أحد أشياء حتى يأتيني رزقي إن كان لي رزق، قال: فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعا لم يأته شيء حتى كاد أن يتلف، قال: يارب إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى الله تعالى إليه: وعزتي لا أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس، فدخل المصر للأمر، وأقام بين ظهراني الناس، فجاءه هذا بطعام، وهذا بأدام، وهذا بشراب، فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى الله إليه: أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبد بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد القدرة.

وقال بعض المنقطعين إلى الله من العارفين: كنت ذا صنعة جليلة، فأريد مني تركها، فحاك في صدري: من أين المعاش؟ فهتف بي هاتف: لا أراه، تنقطع إلي وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليا من أوليائي، أو أسخر لك منافقا من أعدائي، وفي خبر عن بعض السلف: أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا: اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك، وقال بعض المجاورين بمكة: كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله،

فرأيت ذات لية فقيرا يطوف بالكعبة في طلمة الليل، حسن الهدى والسمت، قال: فكنت أتتبع آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر، فلما قضى أسبوعه وقف في الملتزم بين الباب والحجر، فسمعته يدعو دعاء خفيا، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول: جائع كما ترى، عريان كما ترى، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى، قال: فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي: لا أجد لتلك الدراهم موضعا خير من هذا، قال: فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة زمزم يصلي ركعتي الطواف، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت: رحمك الله أنت في مثل هذا الموضع، وعلى مثل هذه الحالة، فخذ هذه تنفقها، قال: وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم فقال: أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتفوت به ثلاثا، ثم قال: لاحاجة لي بسائرها، قال: فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد لبسهما، قال: فهجس في نفسي من أمره شيء، فقبض على يدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين، منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر، لم يظهر للناس، فقال: هذا كله قد أعطيناه فزهدنا فيه، ونأخذ من أيدي الخلق أحب إلينا لأنه أحب إلى الله، وأخف علينا في المطالبة؛ وهذه أثقال وفتنة، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة، وروينا في خبر: البلاد بلاد الله والخلق عباده، فأينما وجدت رزقا فأقم واحمد الله.

وروينا عن ابن عباس: اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل، أجمعوا على أن لا رازق إلا الله ولا مميت إلا الله، وقال: إن الله عز وجل لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها، فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف موضع، ومنهم من ألف موضع، ومنهم من مائة موضع، ومنهم في موضع وأقل وأكثر، ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروم إليه، وكل عبد يسعى بأثره الذي كتب له حتى يستوفي رزقه الذي قسم له، فإذا فني أثره واستوفى رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه، واعلم أن العبد لا ينقطع رزقه أبدا منذ أظهرت خلقته كان في بطن أمه، غذاؤه مما تفيض الأرحام من دم الحيض، يعيش بذلك جسمه من ظاهره، ومعاه المستطيل من سرته متصل بمعي أمه، يصل من بطنها مخ الطعام إلى بطنه، فيعيش بذلك؛ فإذا أذن الله عز وجل بخروجه بعث إليه الملك، فقطع ذلك المعي من موضع اتصاله بمعي أمه؛ فإذا دخل إلى الدنيا جعل رزقه من الدنيا؛ فإذا خرج منها فآخر رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة؛ فإذا دخل في الآخرة كان رزقه من البرزخ كما كان في الدنيا بتلك المعاني لمعاينته المختلفة المحتملة؛ لذلك فإذا خرج من البرزخ ودخل في القيامة كان رزقه في الموقف على قدر حاله هناك؛ فإذا خرج من الموقف دخل أحد الدارين انتقل رزقه إليها فكان منها

إلى أبد الأبد؛ فإذا شهد العبد هذا بيقين إيمانه اطمأن قلبه فاستوى عنده الرزق والأجل فعلم يقينا أن لا بد من رزق كما لابد من أجل، فلم يكن عليه إلا مراعاة الأحكام فيه، وشهد من هذه الشهادة أن خلقا لا يقدر أن يزيد في عمره ساعة ولا ينقص منه ساعة؛ فإذا أيقن بهذا كان مشغولا بالمخالصة لمولاه فيما تعبده به وولاه، ثم أن الرزق على وجهين؛ عن معان لا تحصى وبأسباب لا تعد ولا تضبط، فمن الرزق ما يأتي العبد بسكونه وقعوده فيكون الرزق هو الذي تحرك إليه ويأتيه، ومنه ما يأتي العبد بحركته وقيامه فيكون يتسبب إليه ويطلبه، والرزق فيهما واحد والرازق بهما واحد، الحكمة والقدرة في المتحرك القائم وفي الساكن القاعد واحد، إلا إن الأحكام فيهما متفاوتة، ثم إن الأشياء كلها على ضربين: مسخر لك ومسلط عليك، فما سخر لك سلطت عليه وهو نعمة عليك وعليك الشكر عليه؛ وهذا مقام الشكر على معنى الرزق، وما سلط عليك فقد سخرت له أنت وهو بلاء عليك وعليك الصبر فيه؛ وهذا مقام الصبر عن معنى الابتلاء، فمن شهد ما ذكرناه عرف حاله من مقامه فقام بحكم ما عرف، ومن لم يشهده جهل حاله ولم يدر مقامه فاضطرب فيه فضيع حكم الله عليه والمستحب لمن لا معلوم له أن لا يأخذ مما آتاه إلا قدر الحاجة، وعلامة حاجته هو أن لا يأخذ إلا ما يحتاج أن يشتريه فهو حاجته في وقته؛ فذاك رزق من الله تعالى ومعونة له، فأخذ هذا أفضل وما آتاه مما لا يحتاج أن يشتريه أو عنده مثله فهو اختبار له وابتلاء لينظر كيف زهده في فضول حاجته، وكيف رغبته في الاستكثار، لأنه إذا ملك الشيء فكأنه قد كان له فيعلم الآن بمعرفته أن هذا ابتلاء من الله، وفيه حكمان؛ أحدهما أن يأخذه في العلانية ويخرجه في السر إلى من هو أحوج إليه منه؛ هذا طريق الأقوياء، ومن أشد الأشياء على النفس وهو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عمر وغيره؛ وهذا حال علماء الزاهدين، والحكم الآخر أن لا يأخذه ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج إليه منه لأن الله تعالى له عليه فيه أحكام؛ وهذا هو الطريق الأوسط من طرق الزهاد، فإما أن يأخذه من غير حاجة ليتكثر به ويدخره فلا أعلم في هذا طريقا إلى الله تعالى، وما لم يكن طريقا إلى الله فهو من طرقات الهوى إلى العدو، ثم ينظر الآخذ فيما آتاه من الله إلى أحكامه فيه، فإن كان ما يأتيه من الزكاة المفروضة على أربابها المشترط له الأوصاف الستة المنصوص عليها في الكتاب؛ فذلك أضيق عليه وألزم له في الاحتياط لأخيه أن يضعه في حقيقة موضعه عند أخيه نصحا لله تعالى في دينه ونصحا لإخوانه في ربه فإن الأفضل في ذلك أن لا يضعه إلا في أربعة أشياء: مطعم، وملبس، ومسكن، ودين في قضائه عنه؛ فهذا من أفضل ما صرفت فيه الواجبات.

وقد روينا عن ابن عباس: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه، وفضول

الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه، والدين يحتاج إليه، فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة، والشهوات لا حد لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها، والقوت له حد وغاية ينتهي إليه فيها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا حق لابن آدم إلا في ثلاث؛ طعام يقيم صلبه، وثوب يواري عورته، وبيت يكنه، فما زاد فهو حساب؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه، وفي قبره، وبين ذلك في دنياه، وبعد ذلك في عقباه، فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد والرد لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ، وينبغي أن يكون العبد الذي لا معلوم له عارفا بأحكام العطاء؛ فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع: نوعان محمودان، ونوعان مكروهان، فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق والمعونة، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء، وبين الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أن الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله فيه، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به في السر مسقطا لمنزلته عند الناس في العلانية، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو اعتقد التقلل في شيء قربه إلى ربه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحل عليه عقده، فرد هذا أفضل وهو من الزهد والرعاية للعهد، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج؛ فهذا هو زهد الزهد، وله في هذا معاملات؛ منها أن العبد مندوب إلى الإيثار، فإذا كان فقيرا وملك شيئا فأخرجه كان في ميزانه، ومنها موافقة السنة في أنه قد أمر بأخذه أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه، ومنها إن أخذ هذا في العلانية من الناس ورده في السر إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلا على الخاشعين لأن النفس تسقط في منزلتها، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلا الموقنون؛ وهذا مقام الزاهدين في النفس؛ وهو حال أغنياء الفقراء، وعلماء الزهاد، وهم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم: والوجهان الآخران من العطاء هو الرفق وصورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه، الأفضل للعبد أن يأخذه وربما خيف من رد مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب.

وقال بعض العلماء: من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط، وهذا من النوع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى والبر المأمور بهما، ولا يضر هذا العطاء آخذه، وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري: يا أحمد إحذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ، فقال له أحمد: أعد علي ما قلت فأعاده، فقال أحمد: ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلى، والرابع من العطاء هو المعونة؛ وهذا يكون مخصوصا لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده، وينفذ له من المعروف والبر عادته، ويعينه على خلقه ومروءته؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أن هذا هو الاختبار، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى، وقد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به، فإذا رزقه قضاه، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه، على مولاه قضاؤه، وأن يرضى عنه غرماءه، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) الطلاق: 7، قال: من ضيق عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه، وقد قيل: فليستقرض بجاهه فذلك آتاه الله عز وجل.

وقال بعضهم: لله عباد ينفقون على قدر بضائعهم، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرق على ثلاث طوائف: الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل: من هؤلاء؟ قال: أما الأقوياء فهم أهل التوكل على الله، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرى المعطين لها، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب؛ لأن الله سبحانه وتعالى له في كل شيء حكم، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها، والقاعد عن الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب، لأن ترك

العمل عمل يحتاج إلى عمل، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد، ولا في كل وقت، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلا أن يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه؛ لأن ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة الله تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه.

وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلا من علة في أحدهما، فلا يستحب للفقير أن يأخذ إلا من صديق، ولا يقبل إلا ممن يحب لأن لأهل المعرفة بالله عز وجل أن يحكموا في الأسباب بما أراهم الله تعالى من الرد أو من القبول، فإن اعتل معتل بما رويناه آنفا من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله سبحانه وتعالى فلا يصلح أن يردوا عليه، قيل له: إن من يشهد العطاء من الله تعالى هو الذي يشهد الرد أيضا منه، فإن يرد إليه له أو رد إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الرد منه وشكر الفعل له، فهو أيضا إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل الله عز وجل، كان يشهد فعل نفسه بالرد، فعل الله تبارك وتعالى بالمنح؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام، ولم يتبع الهوى، وقام بحكم ما منه يقتضي، فليس في هذا حجة إلا لعالم مستكثر، أو لعابد جاهل غير مستبصر، على أن في القبول من بعض الناس دون بعض، وفي رد بعض الهدية سنة، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط ورد الكبش، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض، وقال: لقد هممت مرارا أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين.

جاءت صرة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال: حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتاه رزق من غير مسألة فرده، فإنما يرده على الله عز وجل، ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضا، ثم حدثنا عنه أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان، فرد ذلك، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال: من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله عز وجل يوم القيامة، وليس له عند الله عز وجل خلاق، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئا، وكان بعضهم يقول:

أحب أن أعلم من أين يأكل؟ فقال له: من يخبر أمره؟ أنا أدري من أين يأكل، له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين، لأن بعضهم كان لا يقبل إلا من نظرائه، لا من الأتباع، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته، ولم يكن يظهر أمره، ولا يلتقي معه؛ هو سري بن المغلس السقطي، لأنا حدثنا عن بشر أنه قال: ما سألت أحد قط شيئا من الدنيا إلا سريا السقطي، لأنه قد صح عندي زهده في الدنيا، فهو يفرح بخروج الشيء من يده، ويتبرم ببقائه عنده، فأكون أعينه على ما يحب.

وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه، وكان إذا ذكر عند أحمد يقول: ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره، وكان بعض العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول: دعه عندك، وأعرض على قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني، فإن قال له: أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه، وكان بعضهم يرد على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال: ماأرد إلا إشفاقا عليهم ونصحا لهم، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره، لأنه قيل في معنى قوله عز وجل: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) البقرة: 264 قال: المن أن يذكره والأذى أن يظهره، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد: بل أفرقه على الفقراء، فقال: أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا، فقال الجنيد: أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا، فقال: إني لم أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن يرد عليه، فقبله، فقال الرجل: ما ببغداد أحد أعطم منة علي منك، فقال الجنيد: وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلا من كان مثلك؛ فهذه كانت طرائق أهل الحقائق، ولا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلا أن يكون تاركا ذلك لأجل الله سبحانه، عالما في قعوده بأحكام الله عز وجل، قائما بعلم حاله، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبب الوهاب، ويحل تركه للمعلوم يقينا منه بالعالم.

وقد كان بعض العلماء يقول: لا تأكل إلا عند من يعلم أنك أكلت رزقك، ولا تشكر عليه إلا ربك، ودعا بعض الناس شقيقا البلخي وكان في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلا، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة، فلما قعدوا قال لهم شقيق: إن هذا الرجل يقول: من لم يرني صنعت هذا الطعام وأنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام، قال: فقاموا كلهم خرجوا إلا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم، فقال صاحب

المنزل لشقيق: رحمك الله ماأردت إلي هذا؟ فقال: أردت أن أجرب توحيد أصحابي أي كلهم، لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدم إلا ذلك الغلام وحده.

وحدثونا عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يارب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني يوما هذا ويعشيني هذا الليلة، فأوحى الله إليه: هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم، والعالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف، والعالم المتكسب أفضل من القاعد الجاهد، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف، والقوي المتصرف أفضل من الضعيف التارك للتصرف.

وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة، ذكرهم في آيات ثلاث، فقال عز وجل في الآية الأولى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) التوبة: 60 وقال في الثانية: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) الذاريات: 19، وقال في الثالثة: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الحج: 36، فمن لامعلوم له من تكسب أو تصرف فهو أدخل شيء في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء، ومن كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول في الآية: إنما الصدقات للفقراء والمساكين نزلت في أهل الصفة، ومن كان في معناهم إلى يوم القيامة، وكانوا أربعمائة وخمسين رجلا لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار، وكانوا نزاع القبائل، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المسجد، وقسم الله عز وجل لهم الأموال، ثم إن الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء الستة، ووصفهم بأحسن الصفات، وفضل أجور المتقين بطيب الاكتساب عليهم الطالبين وجه الله عز وجل فقال: (ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) البقرة: 267 وقال: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) البقرة: 272، وكل هذا متصل متعلق بقوله عز وجل: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض) البقرة: 372، إلى آخر أوصافهم، فوصفهم بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها، وأنهم لا يلتحفونها التحافا لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا؛ فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم، والله تبارك وتعالى لا يحب عبدا إلا وصفه، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف، دليل على الحب والمحبة، تدل على الفضل العظيم، كما قال تعالى في آخر وصف المحبين: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) المائدة: 54 وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يد المعطي هي العليا ويد المعطى

هي السفلى، إن المعطى هو الفقير وإن المعطي هو الغني، ويصلح أن يستدل له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي، ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله: إن الصدقة تقع بيد الله سبحانه وتعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، فقد صارت يد الفقير هي العليا، والخبر الآخر: يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أن الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى.

فإن قيل: قد رتب الأيدي بقوله تعالى: يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب، قيل له: إن يد الله تبارك وتعالى فوقهما معا وهي لا تدخل تحت الترتيب، فيده سبحانه وتعالى العليا عليهما جميعا، قال تبارك وتعالى: يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أن أيديهم بعضها فوق بعض، ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأول لهما جميعا، فكما لا أول؛ أول منه في العطاء، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا: إن المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول؛ وذلك هو العطاء من الآخرة الباقية، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها، والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه الفانية، والدنيا موصوفة بلا شيء، فأي شيء يعطي منها؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما، والذي أعطاهما جميعا، لأن يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف بتحت ولا بأسفل، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى، وهو لا يدخل تحت القياس والتشبيه، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال: رأيت أبا الحسن النوري يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال: فأعظمت ذلك واستقبحته، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم هذا عليك، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره، ثم قال: هات الميزان قال: فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة، ثم قال: احملها إليه، قال: قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا وهو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك، قال: فذهبت بالصرة إلى النوري فقال: هات الميزان، قال: فوزن مائة درهم وقال: ردها عليه، وقل آه: أنا لا أقبل منك أنت شيئا، وأخذ مازاد على المائة،

قال: فقلت هذا أعجب فسألته: لم فعلت هذا؟ فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل، فأخذت ماكانت لله عز وجل، ورردت ما كان جعله لنفسه، قال: فرددتها إلى الجنيد فبكى، وقا حلب أخذ ماله ورد مالنا والله أعلم.

← Önceki 208 / 226 Sonraki →

Anlam Arayışı