ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أن الإظهار أفضل وتفضيل
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
ذلك:
قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء، لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصون، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس العامة، وأن فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه، وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البر والتقوى في قوله عز وجل: (إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) البقرة: 271، وللخير الذي جاء: أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر، ولأن عمل السر يفضل على عمل العلانية بسبعين ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه، ولم يساعده على كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه، لأنه سر بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف، وقدروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا على أموركم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود، وهذا مذهب القراء من العابدين، وقال أيوب السجستاني: إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد، وقال بعض الزاهدين: ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنه رأى صاحبا له عليه قميص جديد فقال: من أين للك هذا؟ قال: كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله، فقيل له في ذلك فقال: إن هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه، ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئا بين الملاء فرده فقيل له: لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك؟ فقال: إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى فيما لله، ولم تقنع بعين الله عز وجل فرددت عليك شركك، وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ويأخذ في السر سئل عن ذلك فقال: إن في إظهار الصدقة إذلالا للعلم وامتهانا لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله، وكذلك حدثنا أن رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فرده ثم
دفعه إليه في السر فقبله، فقيل له: رددت في الجهر وقبلت في السر؟ فقال: لأنك أطعت الله تعالى في السر فأعنتك على برك بقبوله، وعصيته بالجهر فلم أكن عونا لك على المصية، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أن أحدهم لا يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من أعمال السر، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها، وقال في الحديث الآخر: أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا، فجعل الورق هدية كالهدايا، وهو من أفضلها، كما قال: لأنه قيم الأشياء، فهذا الآخذ للهدية جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلا أن يهبوا ذلك له، فإن لم يفعل لم يعجبني ذلك.
وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أن الإظهار للآخذ أفضل، لأنه أسلم له، وأدخل في الإخلاص والصدق، وأخرج من الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالرد والزهد، وقد قال الله سبحانه: (لاتكلف إلا نفسك) النساء: 84، قالوا: فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس، بتولى الله عز وجل من ذلك من به ابتلاه، وقالوا: ولأن في التوحيد أن الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للرد عليه في الظاهر، وقد قال بعضهم: سر العارف وعلانيته واحد، لأن المعبود فيهما واحد، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد، وقال بعض العارفين: كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر فرفع يده به علانية، ثم قال: هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل، وقال بعض المريدين: سألت أستاذي وكان أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال: أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذا، فإنك لا تخلو من أحد رجلين، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد، لأنه أسلم لدينك وأقل لآفات نفسك، وينبغي أن تعمل في ذلك، فقد جاءك بلا تكلف، ورجل تزداد وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده، وينبغي أن تعمل في ذلك، وقال بعض العارفين: إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل، وإذا رددت فأخف فإنه عمل لك وإسراره أفضل، وهذا لعمري قول فصل، وهو طريق العارفين، وقال بعض علمائنا: إظهار العطاء من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من الدنيا وكتمها آخرة، وكان هذا لا يكره الإظهار، وهذاكما قال الله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى: 11 وقد ذم الله تبارك وتعالى من كتم ما أتاه الله من فضله وقرنه بالبخل؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) النساء: 37، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة أحب أن ترى عليه، وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين، لأنه مقتضى حالهم وموجب مشاهدتهم
لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى المعطي الأول، فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده، وفصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم: إن الخلق مبتلي بعضه ببعض، وفرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله، فعلى المعطي أن يخفي ويسر جهده، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك، فكانت هذه آفة من آفات نفسه وبابا من أبواب دنياه، وعلى المعطي أن يذكر وينشر، فإن أخفى وكتم فقد ترك الإخلاص في عمله ونقص لذلك، وكانت آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه مثله.
وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك وشكر، فقال: لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مريدا أن يشكره أو يثني عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره: أما ما مدحتني به فألقه عنك، وأما مامدحت به ربك عز وجل فهاته، فإنه يحب المدح لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء حضا وتحريضا على المعروف والعطاء، وأنه خلق من أخلاق الربوبية، أحبه الله عز وجل من نفسه فشكره للمنفقين وهو الرازق، وأحب من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم، وإن شهدوا فيه الأول، وكذلك لما قالت المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال كلاما شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم، ولذلك أمر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال: من أسدي إليه معروف فيلكافئ به، فإن لم يستطع فليثن به، وفي لفظ آخر: من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه، والخبر العام بمعنى ذلك: من لم يشكر الناس لم يشكر الله،
وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين، وهو: من لم يذكر الناس لم يذكر الله عز وجل أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به، والنوع الثاني من التفضيل أن على المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه، فترك الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه، وقد قوى آفات نفسه، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب.