☪ Anlam Arayışı

← Makâsıdü'l-Felâsife

Bölüm 1

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

المقاصد الفلاسقة فى المنطق والحكمة الالهية والحكمة الطبيعية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى عصمنا من الضلال، وعرفنا مزلة أقدام الجهال والصلاة والسلام على المخصوص من ذى الجلال بالقبول والاقبال محمد المصطفى خير خلقه وعلى آله خير آل.

(أما بعد): فانك التمست كلاما شافيا فى الكشف عن تهافت الفلاسفة وتناقض آرائهم ومكامن تلبيسهم وإغوائهم، ولا مطمع فى إسعافك إلا بعد تعريفك مذهبهم، وإعلامك معتقدهم؛ فان الوقوف على فساد المذاهب قبل الاحاطة بمداركها محال بل هو وهى فى العماية والضلال، فرأيت أن أقدم على بيان تهافتهم كلاما وجيزا مشتملا على حكاية مقاصدهم من علومهم المنطقية والطبيعية والالهية من غير تمييز بين الحق منها والباطل بل لا أقصد إلا تفهيم غاية كلامهم من غير تطويل بذكر ما يجرى مجرى الحشو والزوائد الخارجة عن المقاصد وأورده على سبيل الاقتصاص والحكاية مقرونا بما اعتقدوه أدلة لهم ومقصود الكتاب حكاية:

(مقاصد الفلاسفة): وهو اسمه وأعرفك أولا أن علومهم أربعة أقسام؛ الرياضيات، والمنطقيات، والطبيعيات، والالهيات (أما الرياضيات): فهى نظر فى الحساب والهندسة، وليس فى مقتضيات الهندسة والحساب ما يخالف العقل، ولا هى مما يمكن أن يقابل بانكار وجحد، وإذا كان كذلك فلا غرض لنا فى الاشتغال بايراده* (وأما الالهيات): فأكثر عقائدهم فيها على خلاف الحق والصواب نادر فيها.

(وأما المنطقيات): فأكثرها على منهج الصواب والخطأ نادر فيها وإنما يخالفون أهل الحق فيها بالاصطلاحات والايرادات دون المعانى والمقاصد إذ غرضها تهذيب طرق الاستدلالات وذلك مما يشترك فيه النظار.

(وأما الطبيعيات): فالحق فيها مشوب بالباطل. والصواب فيها مشتبه بالخطأ فلا يمكن الحكم عليها بغالب ومغلوب، وسيتضح فى كتاب التهافت بطلان ما ينبغى أن يعتقد بطلانه ولنفهم الآن ما نحن نورده على سبيل الحكاية مهملا مرسلا من غير بحث عن الصحيح والفاسد حتى إذا فرغنا منه استأنفنا له جدا وتشميرا فى كتاب مفرد نسميه: (تهافت الفلاسفة) إن شاء الله.

ولتقع البداية بتفهيم المنطق وإيراده.

~~القول في المنطق

(مقدمة فى تمهيد المنطق وبيان فائدته واقسامه) (أما التمهيد): فهو أن العلوم وإن انشبعت أقسامها، فهى محصورة فى قسمين؛ التصور والتصديق.

(أما التصور): فهو إدراك الذوات التى يدل عليها بالعبارات المفردة على سبيل التفهيم والتحقيق كادراك المعنى المراد بلفظ الجسم والشجر والملك والجن والروح وأمثاله* (وأما التصديق): فكعلمك بأن العالم حادث والطاعة يثاب عليها والمعصية يعاقب عليها. وكل تصديق فمن ضرورتة ان يتقدمه تصوران فان لم يفهم العالم وحده، والحادث وحده، لم يتصور منه التصديق بأنه حادث بل لفظ الحادث إذا لم يتصور معناه صار كلفظ المادث مثلا. ولو قيل العالم مادث لم يمكنك لا تصديق ولا تكذيب لأن ما لا يفهم كيف ينكر أو كيف يصدق به وكذا لفظ العالم إذا أبدل بمهمل. ثم كل واحد من التصور والتصديق ينقسم إلى ما يدرك أولا من غير طلب وتأمل، وإلى ما لا يحصل إلا بالطلب* أما الذى يتصور من غير طلب فكالموجود والشىء وأمثالهما* وأما الذى يتحصل بالطلب فكمعرفة حقيقة الروح والملك والجن وتصور الأمور الخفية وذواتها.

وأما التصديق المعلوم أولا: فكالحكم بأن الاثنين أكثر من واحد وأن الأشياء المساوية لشىء واحد متساوية ويضاف إليه الحسيات والمقبولات وجملة من العلوم التى تشتمل النفوس عليها من غير سبق طلب وتأمل فيها وينحصر في ثلاثة عشر نوعا وسيأتى فى موضعه* وأما الذى يدرك بالتأمل: فكالتصديق بحدوث العالم وحشر الأجساد والمجازات على الطاعات والمعاصى وأمثالها وكل ما لا بد فى تصوره من طلب فلا ينال إلا بذكر الحد وكل ما لابد فى تصديقه من طلب فلا ينال إلا بالحجة وكل واحد منهما من ضرورته أن يتقدم عليه علم لا محالة فانا إذا أنكرنا معنى الانسان وقلنا ماهو فقيل لنا هو حيوان ناطق فينبغى أن يكون الحيوان معلوما عندنا وكذلك الناطق حتى يحصل لنا بهما العلم بالانسان المجهول، ومهما لم نصدق بأن العالم حادث فقيل لنا العالم مصور وكل مصور حادث فاذا العالم حادث فهذا لا يفيدنا العلم بما جهلناه من حدوث العالم إلا إذا سبق لنا التصديق بأن العالم مصور وبان المصور حادث فعند ذلك نقتنص بهذين العلمين العلم بما هو مجهول عندنا فيثبت بهذا أن كل علم مطلوب فانما يحصل بعلم قد سبق ثم لا يتسلسل الى غير النهاية فلا بد وأن ينتهى الى اوائل هى حاصلة فى غريزة العقل بغير طلب وفكرة هذا تمهيد القول فى المنطق * (أما فائدة المنطق): فلما ثبت أن المجهول لا يحصل الا بمعلوم وليس بخفى أن كل معلوم لا يمكن التوصل به إلى كل مجهول بل لكل مجهول معلوم مخصوص يناسبه وطريق فى إيراده وإحضاره فى الذهن يفضى ذلك الطريق إلى كشف المجهول فما يؤدى منه إلى كشف التصورات يسمى حدا أو رسما، وما يفضى إلى العلوم التصديقية يسمى حجة فنه قياس ومنه استقراء وتمثيل وغيره.

وينقسم كل واحد من الحد والقياس إلى ما هو صواب ليفيد اليقين وإلى ماهو غلطولكنه شبيه بالصواب. فعلم المنطق هو القانون الذى به يميز صحيح الحد والقياس عن فاسدهما فيتميز العلم اليقينى عما. ليس يقينيا وكانه الميزان والمعيار للعلوم كلها وكل ما لم يوزن بالميزان لم يتميز فيه الرجحان عن النقصان، ولا الربح عن الخسران. فان قيل إن كانت فائدة المنطق تميز العلم عن الجهل فما فائدةالعلم ؟ قيل له الفوائد كلها مستحقرة بالاضافة إلى السعادة الأبدية وهى سعادة الآخرة وهى منوطة بتكميل النفس، وتكميلها بأمرين. الذكية والتحلية * (أما التذكية): فهى تطهيرها عن رذائل الأخلاق وتقديسها عن الصفات المذمومة * (وأما التحلية): فبأن ينتقش فيها حلية الحق حتى ينكشف لها الحقائق الالهية بل الوجود له على ترتيبه انكشافا حقيقيا موافقا للحقيقة لاجهل فيها ولا لبس. ومثالها المرآة التى كمالها فى أن يظهر فيها الصور الجميلة على ما هى عليها من غير اعوجاج وتغيير وذلك بتطهيرها عن الخبت والصدأ بأن يحاذى بها شطر الصور الجميلة.

فالنفس مرآة تنطبع فيهاصور الوجود كلها مهما ذكيت وصقلت بتخليتها عن رذائل الأخلاق ولا يمكن التميز بين الأخلاق المذمومة والمحمودة إلا بالعلم ولا معنى لتحصيل نقش الموجودات كلهافى النفس إلا بالعلم ولا طريق إلى تحصيله إلا بالمنطق فاذا فائدة المنطق اقتناص العلم. وفائدة العلم حيازة السعادة الأبدية فاذا صح رجوع السعادة إلى كمال النفس بالتذكية والتحلية صار المنطق لا محالة عظيم الفائدة أما أقسام المنطق وترتيبه فيتبين بذكر مقصوده ومقصوده الحد والقياس وتميز الصحيح منهما عن الفاسد وأهمهما القياس وهو مركب إذ لا ينتظم قياس إلا من مقدمتين كما سيأتى وكل مقدمة فيهاموضوع ومحمول وكل موضوع ففيه لفظ ويدل لا محالة على معنى ومن أراد تحصيل المركب إما فى الوجود أو فى العلم فلا سبيل له إلا بتقديم المفردات والأجزاء المفردة أولا كما أن بانى البيت يفتقر إلى اعداد الخشب واللبن والطين وإحضار المفردات والأجزاء أولا ثم الاشتغال بالبناء ثانيا فكذلك العلم يحذو حذو المعلوم فانه مثال مطابق للمعلوم فطالب العلم بالمركب ينبغى أن يحصل العلم أولا بالمفردات فلزم من ذلك أن نتكلم فى الألفاظ ووجه دلالتها على المعانى ثم فى المعانى وأقسامها ثم فى القضية المركبة من محمول وموضوع وأقسامها ثم فى القياس المركب من قضيتين . ونتكلم في القياس فى حين أحدهما فى مادته والآخر في صورته كما سيأتى فعلى هذا يشتمل ما نريد إيراده من المنطق على فنون * (الفن الاول فى دلالة الالفاظ) ويتضح المقصود منها بتقسمات خمسة: (الأول ايساغوجى): اعلم بأن دلالة اللفظ لى المعنى من ثلاثه أوجه: (أحدها) بطريق المطابقة كدلالة لفظ البيت على معناه.

(والآخر): بطريق التضمن كدلالة لفظ البيت على الحائط.

المخصوص فان لفظ الحائط موضوع للمسمى به بالمطابقة فيدل عليه بذلك ولفظ البيت أيضا يدل عليه ولكن يفارقه في وجه الدلالة.

(والثالث): بطريق الالتزام كدلالة السقف على الحائط فانه يباين طريق المطابقة والتضمن فلم يكن بد من اختراع اسم ثالث والمستعمل فى العلوم والمعول عليه فى التفهيمات طريق المطابقة والتضمن أما الالتزام فلا فان اللوازم أيضا لها لوازم ويتداعى إلى أمور غير محدودة ولا يحصل التفاهم بها * (قسمة ثانية): اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب.

(أمالمفرد): فهو الذى لا يراد بأجزائه أجزاء من المعنى كالانسان فانه لا يرادبان ولا بسان معنى من أجزاء معنى الانسان بخلاف قولك غلام زيد. وزيد يمشى إذيراد بالغلام الذى هو جزء من الكلام معنى وبزيد معنى وإذا قلت عبد الله وكان اسم لقب كان مفردا لأنك لاتقصد به إلا ما تقصد بقولك زيد. وان أردت النعت فهو مركب وإذ كان كل مسمى بعبد الله عبد الله لا محالة صار هذا الاسم فى حقه كالمشترك تارة بطلق لقصد التعريف فيكون اسما مفردا وتارة يراد به الوصف فيكون مركبا * (قسمة ثالثة): اللفظ ينقسم إلى جزئى وكلى، فالجزئى ما يمنع نفس مفهومه من الشركة فيه كقولك زيد وهذا الفرس وهذه الشجرة والكلي مالا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه كالفرس والشجروالانسان وان لم يكن فى العالم إلا فرس واحد فقولك الفرس كلى لأن الاشتراك فيه نمكن بالقوة وان لم يوجد بالفعل وإنما يصير جزئيا بأن تقول هذا الفرس. ولهذا لوقلت الشمس فهو كلى لأنه لو قدرت شموس لدخلت تحت الاسم بخلاف قولك هذه الشمس (قسمة رابعة): اللفظ ينقسم إلى فعل واسموحرف، والمنطقيون يسمون الفعل كلمة وكل واحد من الاسم والفعل يفارق الحرف فى ان معناه تام بنفسه فى الفهم بخلاف الحرف فانه إذا قيل لك من الداخل فقلت زيد فهم وتم الجواب. واذا قيل ماذا فعلت فقلت ضربت تم الجواب ولوقيل أين زيد فقلت فى أوقلت على لم يتم الجواب مالم تقل فى الدار أوعلى السطح فيظهر معنى الحرف فى غيره لا في نفسه ،ثم يفارق الكلمة الاسم فى انه يدل على معنى وعلى زمان وقوع ذلك المعنى كقولك ضرب فانه يدل على الضرب الواقع فى الماضى والاسم كقولك الفرس فانه لا يدل على الزمان . فان قيل فقولك أمس وعام أول يدل على الزمان فليكن فعلا. قيل الفعل ما دل على معنى وعلى زمان ذلك المعنى، وقولك أمس يدل على زمان هو نفس المعنى لاهو زمان المعنى فلو كان يدل أمس على معنى الأمس وعلى زمان هو غير معنى الأمس لقيل انه فعل ولكان لازما ومنطبقا على حد الفعل.

(قسمة خامسة ): الألفاظ من المعاني على خمسة منارل؛ (المتواطئة والمترادفة والمتباينة والمشتركة والمتفقة) أما المتواطئة فكقولك حيوان فانه ينطبق على الفرس والثور والانسان بمعنى واحد من غير تفاوت في القوة والضعف ولا تقدم ولا تأخر بل الحيوانية للكل واحد وكذلك الانسان على زيد وعمرو وخالد وأما المترادفة فهى الاسامى المختلفة المتواردة على مسمى واحد كالليث والأسد والخمر والعقار، والمتباينة هى الاسامى المختلفة للمسميات المختلفة كالفرس والثور والسماء لمسمياته . والمشتركة هى اللفظ الواحد المطلق على مسميات مختلفة كلفظ العين للذهب والشمس والميزان وعين الماء، والمتفقة هى المترددة بين المشتركة والمتواطئة كالوجود للجوهر والعرض فانه ليس كلفظ العين إذ مسمياتها لا تشترك فى أمر والوجود حاصل للعرض كما أنه حاصل للجوهر وليس كالمتواطئة لأن الحيوانية للفرس والانسان ثابت على وجه واحد من غير اختلاف والوجود يثبت للجوهر أولا. ثم يثبت للعرض بواسطته فهو ثابت بتقدم وتأخر. وقد يسمى هذا مشككا لتردده، ولنقتصر من فن الألفاظ على هذا الفن * (الفن الثانى فى المعانى الكلية واختلاف نسبها واقسامها) إذا قلنا هذا الانسان حيوان وأبيض أدركنا تفرقة بين نسبة الحيوانية اليه وبين نسبة الأبيضية اليه فما نسبته إلى الموضوعات نسبة الحيوانية يسمى ذاتيا. وما نسبته يشبه نسبة الأبيضية يسمى عرضيا فيقال كل معنى كلى نسب إلى جزئى تحته فاما أن يكون ذاتيا واما أن يكون عرضيا ولا يكون المعنى ذاتيا مالم يجتمع فيه ثلاثة أمور: (الأول): أنك مهما فهمت الذاتى وفهمت ما هو ذاتى له لم يمكنك أن يخطر بالك الموضوع أوتفهمه إلا أن تفهم أولا حصول الذاتى له ولا يمكنك فهمه دون ذلك الذاتى فانك اذا فهمت الانسان والحيوان لم يمكنك فهم الانسان دون فهم الحيوان أولا. واذا فهمت العدد وفهمت الأربعة لم يمكنك أن تقدر الأربعة داخلة فى فهمك دون أن تفهم العدد اولا ولو أبدلت الحيوان والعدد بالموجود والأبيض امكنك أن تفهم الأربعة من غير ان يدخل فى فهمك انها موجودة ام لا وانها ابيض اولا بل ربما يشك فى ان فى العالم أربعة أم لا وذلك لا يقدح في فهم ذات الأربعة وكذلك تفهم ماهية الانسان بعقلك من غير أن تحتاج الى فهم كونه أبيض أو فهم كونه موجودا ولا يمكن دون كونه حيوانا، وان لم يساعدك الذهن فى فهم هذا المثال لأنك انسان موجود ولكثرة وجود الانسان فابدله بالتمساح أو بما شئت من الحيوانات وغيرها فبذلك يظهر أن الوجود عرضى للماهيات كلها، وأما الحيوان للانسان فذاتى وكذلك اللون للسواد والعدد للخمسة.

(والثانى): أنك تفهم أن الكلى لا بد أن يكون أولا حتى يكون الجزئى الموضوع تحته حاصلا إما في الوجود أو فى الذهن اذ تفهم أنه لا بد من حيوان أولا حتى يكون انسانا أو فرسا ولا بد من عدد أولا حتى يكون أربعة أو خمسة ولا يمكنك أن تقول لا بد من ضحاك أولا حتى يكون انسانا بل لا بد من انسان أولا حتى يكون ضحاكا. وكون الانسان ضحاكا بالطبع وصف له عرضى تابع لوجوده وهو مساو لكونه حيوانا فى أنه لازم لا يفارق ولكن الفرق بينهما مدرك اذ لا بد من اتصال الروح بجسد الانسان أولا ليكون انسانا ولا يمكن ان يقال لا بد من ضحاك أولا ليكون انسانا بل لا بد من انسان أولا ليكون ضحاكا. ولا نعنى بهذه الأولية ترتيبا زمانيا بل ترتيبا عقليا وان كان مساويا فى الزمان * (والثالث): ان الذاتى لا يمكن أن يعلل فلا يمكن أن يقال أى شىء جعل الانسان حيوانا والسواد لونا والأربعة عددا بل الانسان حيوان بعينه وذاته لا بجعل جاعل اذ لو ان بحعل جاعل لتصور أن يجعله انسانا ولا يجعله حيوانا ولا يمكن ذلك فى الوهم كما يمكن فى الوهم أن يجعل انسانا ولا يجعل ضحاكا * وأما العرضى فمعلل اذ يقال ما الذى جعل الانسان موجودا فيصح السؤال ولا يصح أن يقال ما الذى جعله حيوانا بل كان قولك ما الذى جعل الانسان حيوانا كقولك مالذى جعل الانسان انسانا فيقال هو انسان لذاته وكذلك هو حيوان لذاته لأن معنى الانسان حيوان ناطق فلافرق بين قوله ما الذى جعل الحيوان الناطق حيوانا ناطقا وبين قوله ما الذى جعل الانسان حيوانا الا أنه اقتصر فى أحد السؤالين على ذ كر احدى الذاتيين دون الأخرى وبالجملة مهما لم يكن المحمول غير الموضوع وخارجا عن ذاته بالكلية لم يمكن ان يطلب له علة فلا يقال لم كان الممكن ممكناوالواجب واجبا ويقال لم كان الممكن موجودا * (قسمة أخرى للعرض خاصة): العرض ينقسم إلى لازم لا يفارق أصلا كالضحاك للانسان، وكالزوجية للاثنين، وككون الزوايا من المثلث مساوية لقائمتين فانه لا يفارق المثلث وهو لازم وليس بذاتي والذى يفارق ينقسم إلى ما هو بطئ، المفارقة ككونه صبيا وشابا وإلى ما هو سريع المفارقة كصفرة الوجل وحمرة الخجل. والذى يفارق ينقسم إلى ما يفارق فى الوهم دون الوجود كالسواد للزنجى والى مالا يتصور ان يفارق أيضا في الوهم كالمحاذاة للنقطة والزوجية للاربعة وقد يفارق فى الوهم دون الوجود ككون الزوايا من المثلث مساوية لقائمتين إذ قد يفهم المثلث من لا يفهم ذلك ولا يمكن فهم الأربعة إلا وان يقترن به فهم الزوجية وإن كانت من اللوازم. ولما كان مثل هذا اللازم قريبا من الذاتي وملتبسا به جمعنا تلك المعانى الثلاثة لتعتبر جميعها فتعرف باجتماعها كون الشىء ذاتيا ولا يعول على آحادها ، وينقسم العرضى إلى ما يخص موضوعه كالضحاك للانسان ويسمى خاصا وإلى ما يعم غيره كالأكل للانسان ويسمى عرضيا مطلقا وعرضا عاما * (قسمة أخرى للذاتى): الذاتي ينقسم باعتبار العموم والخصوص الى ما لا أعم فوقه ويسمى جنسا والى ما لا أخص تحته ويسمى نوعا والى ما هو متوسط ويسمى نوعا بالاضافة الى ما فوقه وجنسا بالاضافة الى ماتحته و يسمى الذى لا نوع تحته نوع الأنواع والذى لا جنس فوقه جنس الأجناس، والأجناس العالية التى لا جنس فوقها عشرة كما سيأتى ، واحد جوهر وتسعة أعراض. فالجوهر جنس الأجناس إذ ليس شىء أعم منه إلا الوجود وهو عرضى وليس بذاتى ، والجنس عبارة عن الذاتي الأعم ، ثم ينقسم إلى الجسم وغير الجسم، والجسم ينقسم إلى النامى وغير النامى . والنامى ينقسم إلى الحيوان وإلى النبات والحيوان ينقسم الى الانسان وغيره فالجوهر جنس الأجناس والانسان نوع الأنواع وما بينهما من النبات والحيوان يسمى نوعا وجنسا بالاضافة، وإنما قيل للانسان نوع الأنواع لأنه لا ينقسم إلا الى معان عرضية كالصبى والكهل والطويل والقصير والعالم والجاهل وهذه عرضيات ليست بذاتيات اذ الانسان يفارق الفرس بذاته. والسواد يفارق البياض بذاته وهذا السواد لا يفارق ذلك السواد بذاته وطباعه ولكن يكون هذا فى المداد وذلك فى الغراب واضافته الى الغراب عرضى له وزيد لا يفارق عمرا فى الانسانية ولافى أمر ذاتى بل فى كونه ابن شخص آخر ومن بلد آخر أوعلى لون آخر وقديوجد فيه حرفة وخلق آخر. وكل هذا عرضيات للانسان كما سبق ذكره بتعريف العرضى* (قسمة أخرى): الذاتى باعتبار آخر ينقسم الى ما يقال فى جواب ماهو مهما كان مطلب السائل بقوله ما هو حقيقة الذات والى ما يقال فى جواب أى شىء هو فالأول يسمى جنسا أونوعا. والآخر يسمى فصلا، فمثال الأول الحيوان المقول فى جواب قول القائل بعد اشارته الى فرس أو ثور أو انسان ماهو وكذا الانسان المقول فى جواب من أشار الى زيد وعمرو وخالد وقال ماهم، ومثال الثانى الناطق فانه اذا أشار الى انسان وقال ماهو فقلت حيوان لم ينقطع السؤال فان الحيوان يشمل غير الانسان بل يحتاج الى مايفصل ذاته عن غيره فيقول أى حيوان هو فجوابه انه الناطق فيكون الناطق فصلا ذاتيا مقولا فى جواب أى شىء هو، ومجموع الحيوان والناطق حد حقيقي اذ الحد عبارة عما يصوركنه ماهية الشىء فى نفس السائل فان أبدلت الناطق بعرضى يفصله عن سائر الحيوانات كقولك حيوان مديد القامة عريض الأظفار ضحاك بالطبع فان هذا يميزه ويفصله عن سائر الحيوانات ولكن يسمى رسما، وفائدته التمييز فقط. وأما الحد فيطلب به حقيقة ذات الشىء فلا يحصل الا بذكر الفصول الذاتية. وأما التمييز فيحصل تبعا لها وقد يحصل التمييز بفصل واحد وقد لا تتصور الحقيقة الا بذكر فصول فرب شىء له فصول تزيد على تواحد، فيجب على المطلوب منه تصوير ماهية الشىء فى النفس ان يذكر تلك الفصول فمن قال فى حد الحيوان انه جسم ذو نفس حساس فقد أتى بأمور ذاتية مميزة مطردة منعكسة ولكنه ينبغي أن يضيف اليه المتحرك بالارادة حتى يتم به ذكر الفصول الذاتية ويتم بسببه تصور الحقيقة. واذا عرض الكلام فى الحد فلننبه على مثارات الغلط وهى بعد الجمع بين الجنس الأقرب وجميع الفصول الذاتية على الترتيب رجع الى تعريف الشىء بما ليس أوضح منه بأن تعرف الشىء بنفسه أو بما هو مثله فى الغموض أو بما هو أغمض منه أو بما لا يعرف الا به. مثال الأول قولهم فى حد الزمان انه مدة الحركة لأن الزمان هو مدة الحركة ومن أشكل عليه الزمان فلم يشكل عليه الا مدة الحركة وان معنى المدة ما هو. ومثال الثانى ان تقول فى حد البياض البياض ما يضاد السواد فيعرف الشيء بضده، ومهما أشكل الشىء أشكل ضده فضده فى الخفاء مثله فليس تعريف البياض بالسواد بأولى من عكسه، ومثال الثالث قول بعضهم في حد النار انه العنصر الشبيه بالنفس، ومغلوم أن النفس أغمض من النار فكيف تعرف به.

ومثال الرابع: أن يعرف الشىء بما لا يعرف إلا به كقولك فى حد الشمس أنه الكوكب المضىء الذى يطلع نهارا فيذكر النهار فى حد الشمس ولا يعرف النهار إلا بعد معرفة الشمس إذ حده الصحيح هو أن تقول هو زمان كون الشمس فوق الأرض فهذه أمور مهمة فى الحد يجب الاحتراز منها * وقد تحصل مما سبق أن الذاتى ثلاثة أقسام: (جنس، ونوع، وفصل) والعرضى قسمان: (خاصة وعرض عام) فثبت أن أقسام الكليات خمسة يسمى المفردات الخس وهى: (الجنس والنوع والفصل والعرض العام والخاصة) (الفن الثالث فى تركيب المفردات واقسام القضايا) المعاني المفردة إذا ركبت حصلت منها أقسام ولسنا نقصد من جملتها إلا قسما واحدا وهو الخبر، ويسمى قضية وقولا جازما وهو الذى يتطرق إليه التصديق أو التكذيب, فانك إذا قلت العالم حادث أمكن أن يقال إنك صادق، وإذا قلت الانسان حجر أمكن أن تكذب، وإذا قلت إن كانت الشمس طالعة فالكوا كب خفية صدقت، فان قلت فالكواكب ظاهرة كذبت، وإن قلت العالم إما حادث وإما قديم صدقت، وإن قلت زيد إما بالعراق وإما بالحجاز كذبت إذ قد يكون بالشام وهذه هى أقسام القضايا * واما إذا قلت علمنى مسألة. أو قلت هل توافقنى فى الخروج إلى مكة لم يمكن أن تصدق أو تكذب فهذا معنى القضية ولنشرحها بذكر تقسيمات.

(القسمة الأولى): أن القضية تنقسم إلى حمليةكقولك العالم حادث، وإلى شرطية متصلة كقولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وإلى شرطية منفصلة كقولك العالم إما قديم وإما حادث أما الأولى الجملى فيشتمل على جزئين يسمى أحدهما موضوعا وهو المخبر عنه كالعالم من قولك العالم حادث. ويسمى الثانى محمولا وهوالخبر كالحادث من قولك العالم حادث، وكل واحد من المحمول والموضوع قد يكون لفظا مفردا كما ذكرناه وقد يكون لفظا مركبا ولكن يمكن أن يدل عليه بلفظ مفرد كقولك الحيوان الناطق منتقل بنقل قدميه. فالحيوان الناطق موضوع ويقوم مقامه لفط الانسان وهو مفرد ، وقولك منتقل بنقل قدميه محمول ويقوم مقامه قولك ماش * (وأما الشرطية المتصلة): فلها أيضا جزآن ولكن كل جزء منهما يشتمل على قضية * "أما الجزء الأول"وهو قولك إن كانت الشمس طالعة فيسمى مقدما ولو حذف منه حرف الشرط وهو قولك (إن) بقى قولك الشمس طالعة وهو قضية فكأن حرف الشرط أخرجها عن كونها قضية قابلة للتصديق والتكذيب* "وأما الجزء الثانى": وهو قولك الكواكب خفية يسمى تالية ولو حذف منه حرف الجزاء وهو الفاء لبقى قولك الكواكب خفية وهى قضية والفرق بين هذا وبين الحملى ظاهر من وجهين* "أحدهما": أن الشرطية المتصلة انتظمت من جزئين لا يمكن أن يدل على كل واحد من جزئه بلفظ مفرد بخلاف الحملية * "والثاني": أنه يمكن أن يسأل عن الموضوع أنه هو المحمول فانك تقول الانسان حيوان، ويمكن أن يسأل فيقال هل الانسان هو الحيوان، وأما المقدم فلا يكون هو التالى بل التالى ربما يكون غيره ولكن يكون متصلا به لازما وتاليا فى وجوده لوجوده وتفارق الشرطية المتصلة المنفصلة بوجهين* "أحدهما": أن المنفصلة أيضا تشتمل على جزئين كل واحد أيضا قضية إذا حذفت عنها كلمة الشرط، ولكن لا ترتيب بين جزئيه إلا من حيث الذكر فانك تقول العالم إما حادث وإما قديم، ولو عكست وقلت إما قديم وإما حادث لم يتبدل المعنى. أما التالى إذا جعل مقدما تغير المعنى فى الشرطية المتصلة، وربما كذب احدهما وصدق الآخر* "والثاني": ان التالى موافق للمقدم بمعنى انه يتصل به ويلازمه ولا يعانده، وأحد جزئى المنفصلة معاند للآخر ومنفصل عنه إذ يوجب وجود أحدهما عدم الآخر (قسمة أخرى): القضية باعتبار محمولها ينقسم الى موجبة كقولك العالم حادث، وإلى سالبة كقولك العالم ليس بحادث. وليس هو حرف السلب، والسلب فى الشرطية المتصلة أن تسلب الاتصال بأن تقول ليس ان كانت الشمس طالعة فالليل موجود والسلب فى المنفصلة أن تسلب الانفصال بأن تقول ليس الحمار إما ذكر وإما أسود بل إما ذكر وإما أنثى، وليس العالم إما قديم واما جسم بل اما قديم واما حادث وربما كان المقدم سالبا والتالى سالبا والشرطية المركبة منهما موجبة كقولك ان لم تكن الشمس طالعة فالنهار ليس بموجود فهذه موجبة لأنك أوجبت لزوم نفى النهار لنفى الطلوع وهو معنى الانجاب فى هذه القضية وهنا مزلة القدم وكذلك قد يغلط فى الحملية ويظن أن قولك: (زيدنا بينا است) بالعجمية سالبة وهى موجبة إذ معناه أنه أعمى وربما يقال بالعربية: زيد غير بصير وهى موجبة والعير البصير عبارة عن الأعمى، وهو بجملته محمول يمكن أن يثبت، ويمكن أن ينفى بأن يقال زيد ليس غير بصير اذ سلب الغير بصير عن زيد، وتسمى هذه قضية معدولة أى هو ايجاب فى التحقيق عدل به الى صيغة السلب. وآية ذلك أن السلب يصح على المعدوم فيمكن أن يقال: شريك الله ليس بصيرا اذ المحال ليس عينا ولا يمكن أن يقال شريك الله غير بصير كما لا يقال أعمى وهو في لغة العجم أظهز* (قسمة اخرى): القضية باعتبار موضوعها تنقسم إلى شخصية كقولك زيد عالم وإلى غير شخصية وهى تنقسم إلى مهملة ومحصورة فالمهمل مالم يسور بسور يبين فيه أن الحكم محمول على كل الموضوع أو بعضه كقولك الانسان فى خسر إذ يحتمل أنك تريد البعض والمحصورة هى التى ذكر ذلك فيها وهى أربعة. إما موجبة كليةكقولك كل إنسان حيوان. أو موجبة جزئية كقولك بعض الناس كاتب أوسالبة كلية كقولك لا إنسان واحدحجر. أوسالبة جزئية كقولك لا كل إنسان كاتب أوبعض الناس ليس بكاتب فتكون القضايابهذا الاعتبار ثمانية: (شخصية سالبه. شخصية موجبة. مهملة سالبة. مهملة موجبة) وهذه الأربع لا تستعمل فى العلوم. أما الشخصى المعين فلا يطلب حكمه فى العلوم إذ لا يطلب حكم زيد بل يطلب حكم الانسان. وأما المهملة فهى فى قوة الجزئية لأنها حاكمة على الجزء لا محالة. وأما العموم فمشكوك ولأجل تردده يجب أن يهجر فى التعليمات فيبقى المحصورات الأربعة: (موجبة كلية، وموجبة جزئية، وسالبة كلية، وسالبة جزئية) والشرطية المتصلة أيضا تنقسم إلى كلية كقولك كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإلى جزئية كقولك ربما إن كانت الشمس طالعة كان الغيم موجودا، وأما المنفصلة فالكلية منها أن تقول كلجسم فاما متحرك وإما ساكن، والجزئية أن تقول الانسان إما أن يكون فى السفينة وإما أن يغرق. فهذا الانقسام والتغاير ثابت للانسان ولكن فى بعض الأحوال وهو أن يكون فى البحر لا فى البر، وعليك أن تورد مثال السالبة الجزئية والكلية من الشرطية المتصلة والمنفصلة. (قسمة أخرى وهى الرابعة): القضية باعتبار نسبة محمولها إلى موضوعها تنقسم إلى ممكنة كقولك الانسان كاتب، الانسان ليس بكاتب، وإلى ممتنعة كقولك الانسان حجر، الانسان ليس بحجر اوالى واجبة كقولك الانسان حيوان، الانسان ليس بحيوان. فنسبة الكتابة الى الانسان نسبة الامكان، ولايلتفت الى اختلاف السلب والايجاب في اللفظ. فان المسلوب محمول بالسلب كما أن الموجب محمول بالايجاب، ونسبة الحجر الى الانسان نسبة الامتناع، ونسبة الحيوان اليه نسبة الوجوب، والممكن لفظ مشترك لمعنيين؛ اذ قد يراد به كل ما ليس بممتنع فيدخل فيه الواجب وتكون الأمور بهذا الاعتبار قسمين: ممكن وممتنع وقد يراد به ما يمكن وجوده ويمكن عدمه أيضا وهو الاستعمال الخاص وتكون الأمور بهذا الاعتبار ثلاثة: (واجب، وممكن، وممتنع): ولا يدخل الواجب فى الممكن بهذا المعنى، ويدخل فى الممكن بالمعنى الأول والممكن بالمعنى الأول لا يجب أن يكون ممكن العدم بل ربما كان ممتنع العدم كالواجب فانه غير ممتنع، والممكن بذلك المعنى عبارة عن غير الممتنع فقط* (قسمة أخرى وهى الخامسة): لكل قضية نقيض فى الظاهر يخالفها بالايجاب والسلب ولكن إن قاسمها الصدق والكذب سميتا متناقضتين وقيل إن إحداهما نقيضة الأخرى ونعنى به أن يكذب إذا صدقت القضية، ويصدق إذا كذبت القضية، ولا يتحقق هذا التناقض إلا بشروط: (الأول): أن يكون الموضوع واحدا بالحقيقة كما أنه واحد بالاسم، وإلا لم تناقضا فانك تقول الحل يذبح ويشوى والحمل لا يذبح ولا يشوى، وتريد باحدهما برج الحمل، وبالآخر الحيوان المعروف فلا يتناقضان* (الثانى): أن يكون المحمول واحدا وإلا لم يتناقضا كقولك المكره مختار أى له قدرة على الامتناع والمكره ليس بمختار أى ما خلى وشهوته فكون اسم المختار مشتركا منع التناقض كاسم الحمل فى الموضوع* (الثالث): أن لا يختلفا فى الجزئية والكلية فانك لوقلت عين فلان أسود، وأردت به الحدقة لم يناقضه قولك عينه ليس باسود إذا أردت به نفى السواد عن جميع العين* (الرابع): أن لا يختلفا فى القوة والفعل فانك لو تقول الخمر فى الدن مسكر وتريد به أنه يسكر بالقوة لا يناقضه قولك الخمر فى الدن ليس بمسكر إذا أردت به نفى الاسكار بالفعل* (الخامس): أن يتساويا فى الاضافة فيما يقع فى جملة المضافات فانك تقول العشرة نصف فلا يناقضه قولك العشرة ليس بنصف إلا بالاضافة الى العشرين وغيره، وتقول زيد والد وزيد ليس بوالد وهما صادقان بالاضافة الى شخصين* (السادس): أن يتساويا في الزمان والمكان . وبالجملة فينبغى أن لا يخالف احدى القضيتين الأخرى البتة فى شىء، الا في السلب والايجاب فتسلب إحدى القضيتين ما توجبه الأخرى بعينه من ذلك الموضوع على ذلك الوجه من غير تفاوت. فان كان الموضوع كليا ولم يكن شخصيا زيد شرط سابع وهو: أن يختلفا ف الكمية بأن يكون إحداهما كلية والأخرى جزئية فانهما إذا كانتا جزئيتين أمكن أن يصدقا في مادة الامكان كقولك بعض الناس كاتب وبعض الناس ليس بكاتب وإن كانتا كليتين أمكن أن يكذبا في مادة الامكان كقولك كل إنسان كاتب وكل إنسان ليس بكاتب * (قسمة أخرى وهى السادسة): كل قضية فلها عكس من حيث الظاهر ولكنه ينقسم إلى ما يلزم صدقه من صدق القضية، وإلى ما لا يلزم، ونعنى بالعكس أن يجعل المحمول موضوعا والموضوع محمولا فان بقى الصدق بعينه قيل هى قضية معكوسة. فان لم يلزم قيل أنها لا تنعكس، وقد ذكرنا أن القضايا المحصورة اربع: سالبة كلية: وهى تنعكس مثل نفسها سالبة كلية. فاذا صدق قولنا لا إنسان واحد حجر صدق قولنا لا حجر واحد إنسان لأنه لولم يصدق لصدق نقيضه وهو قوله بعض الحجر إنسان ولكان ذلك البعض إنسانا وحجرا، وعند ذلك يكذب قولنالا إنسان واحد حجر وهى القضية التى وضعناها أولا على أنها صادقة فيدل هذا على أن السالبة الكلية تعكس سالبة كلية * وأما السالبة الجزئية: فلا تنعكس فانه إذا صدق قولنا ليس.

بعض الناس كاتبا لم يلزم أن يصدق قولنا إن بعض الكاتب ليس إنسانا * وأما الموجبة الكلية: فتنعكس موجبة جزئية لا كلية فاذا صدق قولنا كل إنسان حيوان صدق قولنا بعض الحيوان إنسان لا محالة ولم يصدق قولنا كل حيوان إنسان* وأما الموجبة الجزئية: فتنعكس أيضا مثل نفسها فاذا صدق قولنا بعض الحيوان إنسان صدق قولنا لا محالة بعض الانسان حيوان فهذا هو النظر فى قسمة القضايا* (الفن الرابع فى تركيب القضايا) لتصير قياسا وهو المقصود، ولكن أول الفكر آخر العمل والنظر فيه ينحصر فى الركنين أحدهما فى الصورة والآخر فى المادة (الركن الأول فى صورة القياس): قد ذكرنا أن العلم إما تصور وإما تصديق، وإنما ينال التصور بالحد والتصديق بالحجة * والحجة إما قياس وإما استقراء وإما تمثيل، واعتبار الغائب بالشاهد يسمى مثالا ويدخل فيه والتعويل من هذه الجملة على القياس ومن جملة القياس على القياس البرهانى، ولكن لا بد من ذكر حد القياس فى الملة حتى ينقسم بعد ذلك إلى البرهانى وغيره * والقياس عبارة عن أقاويل ألفت تأليفا يلزم من تسليمها بالذات قولا آخر اضطرارا، ومثال ذلك العالم مصور وكل مصور حادث فانهما قولان مؤلفان يلزم من تسليمهما بالضرورة قول ثالث، وهو أن العالم حادث، وكذلك لو قلت ان كان العالم مصورا فهومحدث ولكنه مصور. فلزم من تسليم هذه الأقاويل أن العالم حادث وكذلك لو قلت العالم إما حادث وإما قديم لكنه ليس بقديم فيلزم منه أنه حادث، والقياس ينقسم إلى ما سمى اقترانيا وإلى ما سمى استثنائيا.

أما الاقترانى: فهو أن يجمع بين قضيتين بينهما اشتراك فى حد واحد إذ كل قضية فلا محالة تشتمل على محمول وموضوع، وتشتمل القضيتان على أربعة أمور لكنهما لو لم يشتركا في أحد المعانى لم يحصل الازدواج والانتاج إذ لا ينتظم قياس من قولك العالم مصور ومن قولك النفس جوهر بل لا بد وأن تكون القضيةالثانية مشاركة للا ولى فى أحد حديها مثل أن تقول العالم مصور والمصور محدث فيرجع مجموع أجزاء القضيتين إلى ثلاثة أجزاء تسمى حدودا ومدار القياس عليها وهو مثل العالم والمصور والمحدث في مثالنا والذي يقع مكررا في القضيتين ومشتركا يسمى الحد الأوسط والذى يصير موضوعا فى النتيجة اللازمة وهوالقصود بان يخبر عنه يسمى حدا أصغر كالعالم، والذى يصير محمولا فى النتيجة وهوالحكم يسمى حدا أكبر كالمحدث فى قولنا العالم محدث وهو النتيجة اللازمة من القياس، والقضية إذاجعلت جزء قياس سميت مقدمة والقضية التى فيها الحد الأصغر يسمى المقدمة الصغرى، والتى فيها الحد الأكبر يسمى المقدمة الكبرى، ولم يشتق الاسم للمقدمتين من الأوسط فانه موجود فيهما جميعا. وأما الأصغر فلا يكون إلا فى أحدهما، وكذا الأكبر واللازم من القياس يسمى بعد لزومه نتيجة وقبل لزومه مطلوبا وتاليف المقدمتين يسمى اقترانا، وهيئة تأليف المقدمتين يسمى شكلا فيحصل منه ثلاثة أشكال: لأن الحد الأوسط إما أن يكون محمولا فى إحدى المقدمتين موضوعا فى الأخرى (ويسمى الشكل الأول) وإما أن يكون محمولا فيهما جميعا(ويسمى الشكل الثانى) وإما أن يكون موضوعا فيهما (ويسمى الشكل الثالث) وحكم القدم والتالى فى الشرطى المتصل حكم الموضوع والمحمول فى انقسام تأليفه الى هذه الأشكال، وتشترك الأشكال الثلاثة فى أنها لا يحصل قياس منتج عن سالبتين ولا عن جزئيتين ولا عن صغرى سالبة وكبرى جزئية ويختص كل شكل بخصائص نذكرها: (الشكل الأول): هذا الشكل يفارق الآخرين بفصلين أحدهما أنه لا يحتاج فى لزوم نتيجه الى الرد إلى شكل آخر وسائر الأشكال ترد الى هذا الشكل حتى يظهر لزوم النتيجة ولذا سمى هذا أولا والآخر أنه ينتج المحصورات الأربع أعنى الموجبة الكلية والجزئية والسالبة الكلية والجرئية* (وأما الشكل الثاني): فلا ينتج موجبة أصلا (والشكل الثالث): لا تنتج كليا أصلا، وشرط انتاج هذا الشكل أعني به الشكل الأول أمران. احدهما أن تكون الصغرى موجبة والآخر أن تكون الكبرى كلية فان فقد الشرطان ربما صدقت المقد متان ولم يلزم النتيجة موضع صدقهما بحال: وحاصلى هذا الشكل أنك إذا وضعت قضية موجبة صادقة فالحكم على كل محمولها حكم لا محالة على موضوعها لا يمكن أن يكون إلا كذلك وسواء كان الحكم على المحمول سلبا أو إيحابا وسواء كان الموضوع كليا أو جزئيا فيحصل من ذلك أربعة أضرب منتجة ولزوم هذه النتيجة ظاهر فانه مهما صدق قولنا الانسان حيوان فكل ما صدق على الحيوان الذى هو محمول من كونه حساسا أو كونه غير حجر لابد وأن يصدق على الاسان لأن الانسان داخل لامحالة فى الحيون وقد صدق الحكم على كل الحيوان فيكون صادقاعلى بعض جزئياته لا محالة فهذا حاصل الشكل الأول، وتفصيل أضرب الأربعة ما نذكره * (الضرب الأول): من كليتين موجبتين مثاله هو أن كل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث فكل جسم محدث لا محالة * (الضرب الثانى): كليتان كبراهما سالبة وهو الأول بعينه ولكن يبدل قولك محدث بأنه ليس بقديم حتى يصير سالبا فتقول كل جسم مؤلف ولا مؤلف واحد قديم فيلزم منه أنه لا جسم واحد قديم * (الضرب الثالث): هو الأول بعينه ولكن يجعل موضوع المقدمة الأولى جزئيا وذلك لا يوجب اختلاف الحكم لأن كل جزئى هوكلى بالاضافة إلى نفسه فالحكم على كل محمول الجزئى حكم على ذلك الجزئى مثاله أنك تقول بعض الموجودات مؤلف وكل مؤلف محدث فيلزم لا محالة أن بعض الموجودات محدث وهذا قد انتظم من موجبتين صغراهما جزئية وكبراهما كلية * (الضرب الرابع): هو الثالث بعينه ولكن تجعل الكبرى سالبة، وتبدل صيغة الايجاب بالسلب وتقول بعض الموجودات مؤلف ولا مؤلف واحد أزلى فيلزم منه أنه لا كل موجود أزلى وقد انتظم هذا من موجبة صغرى جزئية وكبرى سالبة كلية ويبق وراء هذا من الاقترانات اثنى عشر اقترانا لا تنتج. لأنه تنتظم فى كل شكل ستة عشر اقترانا. لأن الصغرى تحتمل أن تكون موجبة كلية أو جزئية، وسالبة كلية أو جزئية فتكون أربعة ثم تضاف إلى كل واحدة أربع كبريات أيضا فيحصل من ضرب أربعة فى أربعة ستة عشر، وإذا شرطنا أن تكون الصغرى موجبة خرجت سالبتان وما يبتنى عليهما من الانتاج فيتعطل به ثمانية وتبقى موجبتان، ولكن الموجبة الكلية الصغرى ينضاف إليها أربع كبريات اثناتن منها جزئيتان لا محالة. فيتعطل به اثنتان أيضا إذ شرطنا في كبرى هذا الشكل أن تكون كلية فقد رجع إلى ستة * وأما الموجبة الجزئية الصغرى. فلا ينضاف إليها جزئية كبرى لا سالبة ولا موجبة. إذ لا قياس عن جزئيتين فسقط اقترانان آخران من الستة الباقية وتبقى أربعة وإن أردت تصويره وتشكيله (فهذه صورته) (ضروب الشكل الأول منتجها وعقيمها) فالصغرى الموجبة الكلية مع الكبرى الموجبة الكلية منتجة وكذلك مع الكبرى السالبة الكلية، وأما مع الكبرين الجزئيتين فلا، والصغرى الموجبة الجزئية مع الكبرى الموجبةالكلية والكبرى السالبة الكلية منتجة أيضا، وأما مع الكبريين الجزئيتين فلا تنتج أيضا فقدركبناعلى كل واحدة من صغرى موجبة كلية وصغرى موجبة جزئية أربع كبريات وكان المجموع ثمانية بطل منها أربعة لأنهاجزئية أعنى كبريانها إذ قد شرطنا أن يكون الكبرى كلية حتى يتعدى الحكم الى الموضوع فيبقى ضغريان سالبتان جزئية وكلية وينضاف إلى كل واحد أربع كبريات من المحصورات الأربع وكلها غير منتجة للخلل فى الصغرى فانا شرطنا أن يكون الصغرى موجبة إذالحكم على المحمول الثابت هو الذى يتعدى إلى الموضوع فأما المحمول المسلوب فمباين للموضوع فالحكم عليه لا يتعدى إلى الموضوع المباين فاذا قلت الانسان: ليس بحجر ثم حكمت على الحجر بحكم نفيا كان أواثباتا لم يتعد ذلك إلى الانسان فانك أوقعت المباينة بين الحجر والانسان بالسلب فهذا تعليل هذه الشروط وتعليل اختصاص النتيجة بأربعة أضرب من جملة ستة عشرضربا.

(الشكل الثاني) يرجع حاصله إلى أن كل قضية أمكن ان تحمل على محمولها مالم يوجد لموضوعها فهى قضية سالبة لا موجبة إذ لو كانت موجبة لكان الحكم على محمولها على موضوعها كما سبق فى الشكل الأول فانا إذا قلنا الحكم على كل محمول القضية الموجبة حكم على الموضوع ثم وجدنا مايحكم به على محمول ولا يحكم به على الموضوع فنعلم به أن القضية سالبة إذ لوكانت موجبة لوجد حكم المحمول على الموضوع وشرط هذا الشكل أن تختلف المقدمتان فى الكيفية لتكون إحداهما سالبة والأخرى موجبة وأن يكون الكبرى كلية بكل حال وهذان الشرطان يردان أيضا ضروبه المنتجة إلى أربعة أضرب من جملة ستة عشر ضربا كما سبق ذكره فى الشكل الأول.

(الضرب الأول): من صغرى موجبة كلية وكبرى سالبة كلية كقولك كل جسم منقسم ولانفس واحدمنقسم ينتج فلا جسم واحد نفس ويبين لزوم هذه النتيجة بالرد إلى الشكل الأول بعكس الكبرى فانها سالبة كلية تنعكس مثل نفسها وهو أن تقول ولا شىء مما هو منقسم واحد نفس فيصير المنقسم موضوعا للأكبر وقد كان محمولا للاصغر فيرجع إلى الشكل الأول.

(الضرب الثانى): كليتان لكن الصغرى سالبة كقولك لا أزلى واحد مؤلف وكل جسم مؤلف فلزم منه أنه لا أزلى واحد جسم لانا نعكس الصغرى ونجعلها كبرى فنقول لا مؤلف واحد أزلى وكل جسم مؤلف فيحضل منه أنه لا جسم واحد أزلى كما فى الشكل الأول ثم نعكس هذه النتيجة لأنها سالبة كلية فيحصل ما ذكرناه وهو أنه لا أزلى واحد جسم.

(الضرب الثالث): من جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى وهوالضرب الأول من هذا الشكل إلا أن الصغرى تجعل جزئية فنقول بعض الموجودات منقسم ولا نفس واحد منقسم فبعض الموجودت ليس بنفس لأنك إذا عكست الكبرى رجع الى الشكل الاول.

(الضرب الرابع): جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى كقولك لا كل موجود مؤلف وكل جسم مؤلف فلا كل موجود جسم وهذا لا يمكن أن يرد إلى الشكل الأول بالعكس لأن السالبة فيها جزئية ولا عكس لها ولو عكست الكبرى الموجبة لانعكست جزئية ولاقياس عن جزئيتين وإنما يصحح بطريقين يسمى أحدهما الافتراض والآخر الخلف أما الافتراض فهو أنك إذا قلت بعض الموجودات ليس بمؤلف فذلك البعض كل فى نفسه فافترضه كلا ولقبه باى اسم تريده فينزل منزلة الضرب الثانى من هذا الشكل وأما الخلف فهو أن تقول إن لم يكن قولنا لا كل موجود جسم صادقا فنقيضه وهو قولنا كل موجود جسم صادق ومعلوم أن كل جسم مؤلف فيلزم أن كل موجود مؤلف وقدكنا وضعنا فى المقدمة الصغرى أنه لا كل موجود مؤلف على أنها صادقة فكيف يصدق نقيضها هذا خلف محال فالمفضى اليه محال وإنما أفضى اليه فرض الدعوى التى فى نقيض النتيجة صادقة فليست بصادقة.

(الشكل الثالث):هو أن يكون الأوسط موضوعا فى المقدمتين ويرجع حاصله الى ان كل قضية موجبة فالحكم على موضوعها حكم على بعض محمولها سواء كان الحكم سلبا أو إيجابا وسواء كانت القضية موجبة جزئية أو كلية وذلك واضح وله شرطان (احدهما) أن تكون الصغرى موجبة (والآخر) أن يكون إحداهما كلية إما الصغرى وإما الكبرى فأيتهما كانت كلية كفى والمنتج من هذا الشكل ستة أضرب.

(الضرب الأول): من كليتين موجبتين كقولك كل إنسان حيوان وكل إنسان ناطق فيلزم أن بعض الحيوان ناطق لأن الصغرى تنعكس جزئية فيصير كأنك قلت بعض الحيوان إنسان وكل إنسان ناطق وهو الضرب الثالث من الشكل الأول (الضرب الثانى): من كليتين والكبرى سالبة كقولك كل إنسان حيوان ولا إنسان واحد فرس فلا كل حيوان فرس وذلك لأنك إذا عكست الصغرى صارت جزئية موجبة ويرجع إلى الرابع من الشكل الأول (الضرب الثالث): من موجبتين والصغرى جزئية كقولك بعض الناس بيض وكل إنسان حيوان فبعض البيض حيوان فانك تعكس الصغرى جزئية موجبة ويرجع إلى الثالث من الشكل الأول (الضرب الرابع): من موجبتين والكبرى جزئية كقولك كل إنسان حيوان وبعض الناس كاتب فبعض الحيوان كاتب لأنك إذا عكست الكبرى جزئية وجعلتها صغرى صار كأنك قلت كاتب ما إنسان وكل إنسان حيوان فيلزم كاتب ما حيوان وتعكس النتيجة فتصير حيوان ما كاتب (الضرب الخامس): من كلية موجبة صغرى وجزئية سالبة كبرى كقولك كل إنسان ناطق ولا كل إنسان كاتب فيلزم لا كل كاتب ناطق ويتبين هذا بطريق الافتراض كان تقول مثلا كل إنسان ناطق وبعض ما هو انسان أمى فبعض ما هو ناطق أمى ثم تقول بعض ما هو ناطق أمى ولا شىء مما هو أمى بكاتب فلا كل ناطق بكاتب.

(الضرب السادس): من صغرى موجبة جزئية وكبرى سالبة كلية كقولك بعض الحيوان أبيض ولا حيوان واحد ثلج فبعض الأبيض ليس بثلج ويظهر بعكس الصغرى لأنه يرجع إلى الرابع من الشكل الأول هذا تفصيل الأقيسة الحملية * (القول فى القياسات الاستثنائية) القياس الاستثنائى نوعان شرطى متصل وشرطى منفصل (أما الشرطى المتصل): فمثاله قولك إن كان العالم حادثا فله محدث فهذه مقدمة إذا استثئيت هين المقدم منها لزم عين التالى وهو أن تقول ومعلوم أن العالم حادث وهوعين المقدم فيلزم منه عين التالى وهو أن له محدثا وإن استثنيت نقيض التالى لزم منه نقيض المقدم وهو أن تقول ومعلوم أنه ليس له محدث فلزم أنه ليس بحادث فأما إذا استثنيث نقيض المقدم لم يلزم منه لاعين التالى ولا نقيضه فانك لو قلت لكنه ليس بحادث فهذا لا ينتج كما أنك تقول إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه ليس بانسان فلا يلزم منه أنه حيوان ولا أنه ليس بحيوان وكذلك إن استثنيت عين التالى لم ينتج فانك إن قلت ومعلوم أن العالم له محدث لم يلزم منه نتيجة لأنك إذا قلت إن كانت هذه الصلوة صحيحة فالمصلى مطهر ولكنه مطهر فلا يلزم منه أن الصلاة صحيحة ولا أنها باطلة فهذه أربع إستثاآت لا ينتج منها إلا إثنان وهى عين المقدم وينتج عين التالى ونقيض التالى وينتج نقيض المقدم فأما نقيض المقدم وعين التالى فلا ينتج إلا إذا أثبت أن التالى مساو للمقدم وليس باعم منه فعند ذلك ينتج الاستثاآت الأربع فانك تقول إن كان هذا جسما فهو مؤلف لكنه جسم فهومؤلف لكنه مؤلف فهوجسم لكنه ليس بجسم فليس بمؤلف ولكنه ليس بمؤلف فليس بجسم فاما إذا كان التالى أعم من المقدم كالحيوان بالنسبة إلى الانسان ففى نفى الأعم نفى الأخص إذ فى نفى الحيوان نفى الانسان وليس فى نفى الأخص نفى الأعم إذليس فى نفى الانسان نفى الحيوان نعم فى إثبات الأخص إثبات الأعم إذ فى إثبات الانسان إثبات الحيوان وليس فى إثبات الحيوان إثبات الانسان.

(النوع الثانى الشرطى المنفصل): وهو أن تقول العالم إما حادث وإما قديم فهذا ينتج منه أربع استثنا آت فانك تقول لكنه حادث فليس بقديم لكنه ليس بحادث فهو قديم لكنه قديم فليس بحادث لكنه ليس بقديم فهو حادث فاستثناء عين كل واحد ينتج نقيض الآخر واستثناء نقيض كل واحد ينتج عين الآخر وهذا شرطه الحصر فى قسمين فان كان فى ثلاثة فاستثناء عين كل واحد ينتج نقيض الآخرين كقولك هذا العدد إما أكثر أو أقل أومساو ولكنه أكثرفبطل أن يكون أقل أو مساويا* فاما استثناء نقيض الواحد يوجب أحد الباقين لا بعينه كقولك لكنه ليس بمساو فيجب أن يكون إما أقل أو أكثر وإن لم تكن الأقسام حاصرة كقولك زيد إما بالحجاز وإما بالعراق أو هذا العدد إما خمسة أو إما عشرة وإما كيت وإما كيت فاستثناء عين واحد ينتج بطلان عين الآخرين* وأما استثناء نقيض الواحد فلا ينتج إلا الانحصار فى الباقى الذى لا ينحصر فهذه أصول الأقيسة ونكمل الكلام بذكر أمور أربعة (قياس الخلف والاستقراء والمثال والقياسات المركبة) أما قياس الخلف فصورته أن تثبت مذهبك بابطال نقيضه بأن تلزم عليه محالات بأن تضيف إليه مقدمة ظاهرة الصدق وينتج منه نتيجة ظاهرة الكذب ثم تقول النتجة الكاذبة لا تحصل إلا من مقدمات كاذبة وإحدى المقدمتين ظاهرة الصدق فيتعين الكذب فى المقدمة الثانية التى هى مذهب الخصم مثاله أن يقول القائل كل نفس فهو جسم فنقول كل نفس فهو جسم وكل جسم فهو منقسم فاذا كان كل نفس فهو منقسم وهذا ظاهر الكذب فى نفس الانسان فلا بد أن يكون فى مقدماته المنتجة له قول كذب لكن قولنا كل جسم منقسم ظاهر الصدق فبقى الكذب فى قولنا كل نفس جسم فاذا بطل ذلك ثبت أن النفس ليس بجسم (أما الاستقراء): فهو أن يحكم من جزئيات كثيرة على الكلى الذى يشمل تلك الجزئيات كقولك: كل حيوان إما إنسان أو فرس أو غيرهما، وكل إنسان يحرك فكه الأسفل عند المضغ وكل فرس يحرك فكه الأسفل عند المضغ، وكل كذا وكذا مما غايرهما يحرك فكه الأسفل عند المضغ. فينتج أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ فعند المضغ يحرك فكه الأسفل لأنا رأينا الفرس والانسان والهرة وسائر الحيوانات كذلك فهذا صحيح إن أمكن استقراء جميع الجزئيات حتى لا يشذ واحد فعند ذلك ينتظم قياس من الشكل الأول ولكن إذا احتمل أن يشذ واحد لم يفد اليقين كالتمساح الذى يحرك فكه الأعلى ولا يبعد أن يطرد حكم فى ألف إلا فى واحد والاعتماد على الاستقراء يصلح فى الفقهيات لا فى اليقينيات وفى الفقهيات كل ما كان الاستقراء أشد استقصاء وأقرب إلى الاستيفاء كان آكد فى تغليب الظن (وأما المثال): فهوالذى يسميه الفقهاء والمتكلمون قياسا وهو نقل الحكم من جزئى على جزئى آخر لأنه يماثله فى أمر من الأمور وهوكمن ينظر إلى البيت فيراه حادثا ومصورا ثم إنه ينظر إلى السماء فيراها مصورة فينقل الحكم اليها فيقول السماء جسم مصور فهو حادث قياسا على البيت. وهذا لا يفيد اليقين ولكنه يصلح لتطييب القلب وإقناع النفس فى المحاورات وكثيرا ما يستعمل فى الخطابة ونعنى بالخطابة المحاورات الجارية فى الخصومات والشكايات والاعتذارات فى الذم والمدح وفى تفخيم الشىء وتحقيره وما يجرى هذا المجرى فاذا قيل لمريض هذا الشراب ينفعك فيقول لم فيقال لأن المريض الفلانى شربه فنفعه فاذا قيل له ذلك مالت نفسه إلى القبول ولم يطالب بأن يصحح عنده أنه ينفع لكل مريض أو يصحح أن مرضه كمرضه وحاله في السن والقوة والضعف وسائر الأموز كحاله* ولما أحس الجدليون بضعف هذا الفن أحدثوا طرقا وهو أن قالوانبين أن الحكم في الاصل معلل بهذا المعنى وسلكوا فى إثبات المعنى والعلة طريقين (أحدهما) الطرد والعكس وهو أنهم قالوا نظرنا فرأينا أن كل ما هو مصور فهو محدث وكل ماليس بمصور فليس بمحدث وهذا يرجع إلى الاستقراء وهو غير مفيد لليقين من وجهين (أحدهما) أن استيفاء جميع الآحاد غير ممكن فلعله شذ عنه واحد (والآخر) أنه فى استقرائه هل تصفح السماء فان كان ما تصفح فاذا لم يتصفح الكل بل تصفح ألفا مثلا إلا واحدا ولا يبعد أن يخالف في الحكم الواحد والألف كما ذكرناه فى التمساح وإن تصفح السماء وعرف أنه محدث لكونه مصورا فهو محل النزاع وقد بان له قبل صحة مقدمة القياس يعنى قبل إطراده فأى حاجة به الى القياس إن ثبت له ذلك.

(الطريقة الأخرى): السبر والتقسيم وهو أنهم قالوا نسبر او أوصاف البيت مثلا ونقول انه موجود وجسم وقائم بنفسه ومصور وباطل أن يكون محدثا لكونه موجودا أو قائما بنفسه أو كذا أو كذا إذ يلزم أن يكون كل موجود قائم بنفسه محدثا فثبت أن ذلك لأنه مصور وهذا فاسد من أربعة أوجه.

(الأول): أنه يحتمل أن يقال ليس الحكم معللا في الأصل بعلة.

من هذه العلل التى هى أعم بل بعلة قاصرة على ذاته لا تتعداه ككونه بيتا مثلا وان ثبت ان غير البيت حادث فيكون معللا بما يجمع البيت وذلك الشىء خاصة ولا يتعدى إلى السماء.

(والثانى): أن هذا إنما يصح إذا استقصى جميع أوصاف الأصل حتى لا يشذ شىء والحصر والاستقصاء ليس يبين فلعله شذ وصف عن السير ويكون هو العلة، وأكثر الجدليين لا يهتمون بالحصر بل يقولون إن كانت فيه علة أخرى فابرزها أو يقولون لو كان لادركته أنا وأنت كما انه لو كان بين يدينا فيل لادركناه وإذ لم ندركه حكمنا بنفيه وهذا ضعيف إذ عجز الخصمين عن الادراك فى الحال ولا فى طول العجز لا يدل على العدم أيضا وليس هذا كالفيل فانك قط لم تعهد فيلا قائما بين أيدينا ولم نشاهده فى الوقت وكم من المعانى الموجودة قد طلبناها ولم نعثر عليها فى الحال ثم عثرنا عليها.

(والثالث): أنه وإن سلم الاستقصاء فيها وكانت الأوصاف أربعة فابطال ثلاثة لا يوجب ثبوت الرابع إذ الأقسام فى التركيب تزيد على أربعة إذ يحتمل ان يكون حادثا لكونه موجود او جسما أو لكونه موجودا وقائما بنفسه أو لكونه موجودا ومصورا، ويحتمل أن يكون حاد لكونه جسما وقائما بنفسه أو لكونه جسما ومصورا، ويحتمل أن يكون حادثا لكونه جسما ومصورا، ويحتمل أن يكون حادثا لكون موجودا وجسما وقائما بنفسه، ويحتمل أن يكون حادثا لكون موجودا وقائما بنفسه ومصورا أو غير ذلك من التركيبات من اثنين اثنين أو من ثلاثة ثلاثة فكم من حكم لا يثبت ما لم تجتمع أمور كالسواد للحبر يشترك فيه العفص والزاج والعجن بالماء وأكثر الأحكام معللة بأمور مركبة فكيف يكفى ابطال المفردات.

(والرابع): أنه إن سلم الاستقصاء وسلم انه إذا بطل ثلاث ولم يبق إلا رابع فهذا يدل على أن الحكم ليس فى الثلاث وانه لا يعدو الرابع لكنه لا يدل على انه منوط بالرابع لا محالة بل يحتمل أن ينقسم المعنى الرابع إلى قسمين ويكون الحكم فى أحد القسمين دون الآخر فابطال ثلاث يدل على أن المعنى لا يعدو الرابع ولا يدل على أنه العلة وهذا مزلة قدم فانه لو قسم أولا وقال وصفه أنه موجود وقائم بنفسه وجسم ومصور بصفة كذا ومصور بصفة أخرى لكان إبطال ثلاثة لا يوجب أن يتعلق الحكم بالمصور المطلق بل بأحد قسمى المصور فهذا كشف هذه الأدلة الجدلية ولا يصير ذلك برهانا ما لم تقل كل مصور محدث والسماء مصور فهو محدث فان نوزع فى قوله كل مصور محدث فلا بد من اثباته ولا يثبت ذلك بأن يرى مصورا آخر محدثا ولا ألف مصور محدثا بل صارت هذه المقدمة مطلوبة فيجب اثباتها بمقدمتين مسلمتين أو بطريق من الطرق المذكورة لا محالة فهذا حكم المثال.

(أما القياسات المركبة): فاعلم أن العادة فى الكتب والتعليمات غير جارية بترتيب الأقيسة على النحو الذى رتبناه ولكن تورد فى الكتب مشوشة إما مع زيادة مستعنى عنها، وإما مع حذف احدى المقدمتين استغناء بظهورها أو قصدا إلى التلبيس وما يورد مشوش الترتيب مما ليس على ذلك النظم وأمكن رده اليه فهو قياس منتج وما هو على ذلك النظم فى ظاهره ولكنه ليس معه شروطه فهو غير منتج، ومثال الترتيب هو الشكل الأول من أقليدس وهو انه إذا كان معك خط.

(اب) وأردت أن تبنى عليه مثلثا متساوى الاضلاع وتقيم البرهان على أنه متساوى الاضلاع فتقول مهما جعلنا نقطة (ا) مركزا ووضعنا عليه طرف الفركار وفتحناه إلى نقطة (ب) وتممنا دائرة حول مركز (ا) ثم جعلنا نقطة (ب) مركزا ووضعنا عليه طرف الفركار وفتحناه إلى نقطة (ا) وتممنا دائرة على مركز (ب) فالدائرتان متماثلتان لأنهما على بعد واحد ويتقاطعان لا محالة فى ج فنخرج من موضع التقاطع خطا مستقيما إلى نقطة (ا) وهو خط (ج ا) ونخرج خطا آخرمستقيما من نقطة (ج) إلى نقطة (ب) وهو (ج ب) فنقول هذا المثلث الحاصل من نقط (ا ب ج) مثلث متساوى الاضلاع، وبرهانها أن خطى (ا ج) و (ا ب) متساويان لانهما خرجا من مركز دائرة واحدة إلى محيطها وكذا خطا (ب ج) و(ا ب) متساويان بمثل هذه العلة وخطا (اج) و (ب ج) متساويان لانهما ساويا خطا واحدا بعينه وهو خط (ا ب) فاذن النتيجة أن المثلث متساوى الاضلاع فهكذا جرت العادة باستعمال المقدمات ههنا، وإذا أردت الرجوع إلى الحقيقة والترتيب لم يحصل النتيجة إلا من أربعة أقيسة كل قياس من مقدمتين (الأول) ان خطى (ا ب) و (ا ج) متساويان لأنهما خرجا من مركز دائرة إلى محيطها وكل خطين مستقيمين خرجا من المركز إلى المحيط فهما متساويان فاذا هما متساويان (الثانى) أن خطى (اب) و (ب ج) أيضا متساويان بمثل هذا القياس (الثالث) ان خطى (اج) و (ب ج) متساويان لأنهما خطان ساويا خط (ا ب) وكل خطين ساويا شيئا واحدا بعينه فهما متساويان فاذا هما متساويان (الرابع ) شكل (ا ب ج) محاط بثلاثة خطوط متساوية وكل شكل محاط بثلاثة خطوط متساوية فهو مثلث متساوى الأضلاع فشكل (ا ب ج) الذى على خط (ا ب) مثلث متساوى الأضلاع هذا ترتيبه الحقيقى ولكن يتساهل بحذف بعض المقدمات لوضوحها بالنسبة لهذا هذا هو القول في صورة القياس (القول فى مادة القياس): مادة القياس هى المقدمات فان كانت صادقة يقينية كانت النتائج صادقة يقينية وإن كان كاذبة لم ينتج الصادقة وإن كانت ظنية لم ينتج اليقينية وكما أن الذهب مادة الذينار والتدوير صورته وقد يحتمل تزيف الدينار تارة باعوجاج صورته وبطلان استدارته بأن يكون مستطيلا فلا يسمى دينارا وتارة بفساد مادته بأن يكون نحاسا أو حديدا كذلك القياس تارة يفسد بفساد صورته وهو أن لا يكون على شكل من الأشكال السابقة وتارة بفساد مادته وإن صحت صورته وهو أن تكون المقدمة ظنية أو كاذبة وكما أن الذهب له خمس مراتب (الاول) أن يكون إبريزا خالصا محققا (والثانى) أن لا يكون فى تلك الدرجة ولكن يكون فيه غش ما لا يظهر البتة إلا للناقد البصير (والثالث) أن يكون فيه عش يظهر لكل ناقد ويمكن أن يشعر به غير الناقد أيضا وينبه عليه (والرابع) أن يكون زيفا من نحاس ولكن موه تمويها يكاد يغلط فيه الناقد مع أنه لا ذهب فيه أصلا (والخامس) أن يكون مموها تمويها يظهر لكل أحد أنه مموه* فكذلك المقدمات لها خمسة أحوال (الأول) أن يكون يقينية صادقة بلا شك ولا شبهة فالقياس الذى ينتظم منها يسمى برهانا (والثانى) أن تكون مقاربة لليقين على وجه يعسر الشعور بامكان الخطأ فيها ولكن يتطرق اليها إمكان إذا تأنق الناظر فيها والقياس المرتب منها يسمى جدليا (والثالث) أن تكون المقدمات ظنية ظنا غالبا ولكن تشعر النفس بنقيضها وتتسع لتقدير الخطأ فيها* والقياس المركب منها يسمى خطابيا (والرابع) ما صور بصور اليقينيات بالتلبيس وليس ظنيا ولا يقينيا والحاصل منه يسمى مغالطيا وسوفسطائيا (والخامس) هو الذى نعلم أنه كاذب ولكن تميل النفس إليه بنوع تخيل والقياس الحاصل منه يسمى شعريا ولا بد من شرح هذه المقدمات وكل مقدمة ينتظم منها قياس ولم تثبت تلك المقدمة بحجة ولكنها أخذت على أنها مقبولة مسلمة فانها لا تتعدى ثلاثة عشر قسما (الأوليات) (والمحسوسات) (والتجربيات). (والمتواترات). و(القضايا التى لا يخلو الذهن عن حدودها الوسطى وقياساتها). (والوهميات) (والمشهورات) (والمقبولات) (والمسلمات). (والمشبهات) و(المشهورات فى الظاهر) (والمظنونات) (والمخيلات) (أما الأوليات) فهى التى تضطر غريزة العقل بمجردها إلى التصديق بها كقولك الاثنان أكثر من الواحد والكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشىء واحد متساوية فان من قدر نفسه عاقلا ولم يتعلم إلا بمجرد العقل ولم يلقن تعليما ولا عود تخلقا بخلق بل قدر أنه خلق دفعة واحدة عاقلا وعرضت هذه القضايا عليه وثبت فى نفسه تصورها أعنى إذا تصور معنى الكل ومعنى الجزء ومعنى الأكبر فلا يمكنه أن لا يصدق بأن الكل أكبر من الجزء هذا فى كل كل كيفما كان وليس ذلك من الحس إذ الحس لا يدرك إلا واحدا أو اثنين أو أشياء محصورة وهذا حكم ثابت في العقل كليا ولا يمكن أن يقدر العقل منفكا عنه قط (والمحسوسات) مثل قولنا الشمس مستنيرة وضوء القمر يزيد وينقص (والتجربيات) ما يحصل من مجموع العقل والحس كعلمنا بأن النار تحرق والسقمونيا تسهل الصفراء والخمر يسكر فان الحس يدرك السكر عقيب شرب الخمر مرة بعد أخرى على التكرار فينتبه العقل لكونه موجبا له إذ لو كان اتفاقيا لما اطرد فى الأكثر فينتقش فى الذهن علم بذلك موثوقا به (والمتواترات) ما علم بأخبار جماعة كعلمنا بوجود (مصر ومكة) وإن لم نبصرهما ومهما استحال الشك فيه سمى متواترا ولا يجوز أن يقاس البعض على البعض فيقال من شك فى وجود معجزة من نبى ينبغى أن يصدق بها لأن النقل فيه متواتر كما فى وجود النبى لأنه يقول ليس يمكننى أن أشكك نفسى فى وجود النبى لمشاهدتى له ويمكننى أن أشكك نفسى فى هذا فلو كان هذا مثل ذلك لما قدرت على التشكك فلا بد وان يمهل إلى أن يتواتر عنده تواترا يستحيل معه الشك إن كان متواترا (وأما القضايا التى قياساتها فى الطبع معها) فهى القضايا التى لا تثبت فى النفس إلا بحدودها الوسطى ولكن لا يعزب عن الذهن الحد الأوسط فيظن الانسان أنها مقدمة أولية عرفت بغير وسط وهى على التحقيق معلومة بوسط ولا معنى للقياس إلا طلب الحد الاوسط وإلا فالأكبر والأصغر موجودان فى نفس المسئلة المطلوبة. مثاله انك تعلم أن الاثنين نصف الأربعة على البداهة وهذا معلوم بوسط وهو أن النصف الآخر أحد جزئى الكل المساوى للآخر والاثنان من الأربعة أحد الجزئين المتساويين فكان نصفا الدليل عليه أنه لو قيل له كم سبعة عشر من أربع وثلاثين ربما لم يقدر على أن يحكم على البداهة بأنه نصفه ما لم يقسم أربع وثلاثين يقسمين متساويين ثم ينظر إلى كل قسم فيراه سبعة عشر فيعلم أنه نصف وإن كان هذا حاضرا أيضا فى الذهن فاعتبر ذلك فى عدد كثير أو أبدل النصف بالعشر والسدس وغيره فالمقصود المثال.

وبالجملة فلا يستبعد أن يكون الشىء معلوما بوسط ولكن الذهن لا يتنبه لكونه معلوما بوسط وقياس فليس كل ما يثبت على وجه يتنبه الانسان لوجهه، وثبوت الشىء للذهن شىء والشعور بوجه ثبوته والتعبير عنه شىء آخر.

(والوهميات): هى مقدمات باطلة ولكنها قويت فى النفس قوة تمنع من إمكان الشك فيه وذلك من أثر حكم الوهم فى أمور خارجة عن المحسوسات لأن الوهم لا يقبل شيئا إلا على وفق المحسوسات التى ألفها مثل حكم الوهم باستحالة موجود لا إشارة فيه إلى جهة ولا هو داخل العالم ولا خارجه وكحكمه بأن الكل ينتهى إلى خلاء أو ملاء أعنى وراء العالم؛ وكحكمه بأن الجسم لا يزيد عن نفسه ولا يكثر إلا بأن يضاف إليه زيادة من خارج وإنما سبب حكم الوهم بهذا إن هذه الأمور ليست موافقة للحس فلا يدخل فى الوهم وإنما الحكم بطلانه من حيث أنه لو كان كل ما لا يدخل فى الوهم باطلا لكان نفس الوهم باطلا فان الوهم لا يدخل فى الوهم بل العلم والقدرة، وكل صفة لا يدركها الحواس الخسة لا يدركها الوهم وإنما يعرف غلطه فى أمثال هذه المسائل المعينة من حيث أنها لازمة عن أقيسة ترتبت من أوليات يساعد الوهم على قبولها ويسلم أن القياس إذا رتب من الأوليات كانت النتيجة صادقة، ثم إذا حصلت النتيجة كاع عن قبول النتيجة فعلم بذلك أن امتناعه عن القبول لمكان طباعه فانه ينبو عن قبول ما ليس على نحو المحسوسات.

ص (وأما المشهورات): فهى القضايا التى لا يعول فيها إلا على مجرد الشهرة ونظر العوام والظاهر بين أهل العلم أنها أوليات لازمة فى غريزة العقل مثل قولك الكذب قبيح، والنبى ينبغى أن لا يعذب ولا يدخل الحمام بغير مئزر بحيث تنكشف العورة، والعدل واجب والظلم قبيح وأمثاله وهذه أمور تكرر على السمع من الصبا ويتفق عليه أهل البلاد لمصالح معاشهم فتسارع النفوس إلى قبولها لكثرة الألف وربما يؤيدها مقتضيات الأخلاق من الرقة والحنين والحياء ولو قدر الانسان نفسه وقد خلق عاقلا ولم يؤدب باستصلاح ولم يتشبث بخلق ولم يأنس باعتياد وأورد على عقله هذه القضايا أمكنه الامتناع عن قبولها لا كقولنا: الاثنان أكثر من الواحد، وقد يكون بعض هذه المقدمات صادقة ولكن بشرط دقيق أو برهان فيظن أنها صادقة مطلقا كما يظن أن قول القائل إن الله قادر على كل أمر صادق وهو مشهور وإنكاره مستقبح وليس بصادق فانه ليس قادرا على أن يخلق مثل نفسه بل ينبغى أن يقال هو قادر على كل أمر ممكن فى نفسه ويقال هو عالم بكل شىء وليس عالما بوجود مثل له وهذه المشهورات قد تتفاوت فى القوة والضعف بحسب اختلاف الشهرة واختلاف العادات والأخلاق، وقد تختلف فى بعض البلاد وفى حق أرباب الصنائع فليس المشهور عند الأطباء مشهورا عند النجارين ولا بالعكس، والمشهور ليس نقيضا للباطل بل نقيض المشهور الشنيع؛ ونقيض الباطل الحق، ورب حق شنيع، ورب باطل محبوب مشهور ولا شك فى أن الأوليات وبعض المحسوسات والمتواترات والمجربات مشهورة ولكنا قصدنا بهذا ما ليس فيه إلا الشهرة فقط.

(وأما المقبولات): فهى المقبول من أفاضل الناس وأكابر العلماء ومشايخ السلف. إذا تكرر نقل ذلك منهم على ذلك الوجه وفى كتبهم وانضاف إلى ذلك حسن الظن بهم فان ذلك يثبت فى النفس ثبوتا ما.

(وأما المسلمات): فهى التى سلمها الخصم أو كان مشهورا بين الخصمين فقط فانه يستعمل معه دون غيره فلا يفارق المشهور إلا فى العموم والخصوص. فان المشهور تسلمه العامة، وهذا يسلمه الخصم فقط.

(وأما المشبهات): فهى التى يحتال فى تشبيهها بالأوليات والتجربيات والمشهورات، ولا تكون بالحقيقة كذلك ولكنها تقاربها فى الظاهر.

(وأما المشهورات فى الظاهر): فهى كل قول يقبله كل من يسمعه كافة ببادىء الرأى وأول النظر، وإذا تأمله وتعقبه وجده غير مقبول وأحس بكونه فاسدا كقول القائل انصر أخاك ظالما أو مظلوما فان النفس تسبق إلى قبوله ثم تنساق الى أن تأمل فتعلم أن نصرته ظالما ليس بواجب.

(وأما المظنونات): فما يفيد غلبة الظن مع الشعور بامكان نقيضه كما أن من خرج ليلا يقال إنه خائن. اذ لو لم يكن خائنا لم يخرج ليلا وكما يقال إن فلانا يناجى العدو فهو عدو مثله أيضا مع أنه يحتمل ان يكون مناجاته اياه خداعا له أو حيلة عليه لأجل الصديق.

(وأما المخيلات): فهى مقدمات يعلم أنها كاذبة ولكنها تؤثر فى النفس بالترغيب والتنفير كما يشبه الحلاوة بالعذرة فتنفر النفس عنه مع العلم بأنه كذب. فهذه هى المقدمات.

فنذكر الآن مظان استعمالها* (القول فى مجارى هذه المقدمات) أما الخمسة الأولى: فانها تصلح للأقيسة البرهانية وهى الأولية والحسية والتجربية والتواترية والتى قياساتها معها فى الطبع.

وفائدة البرهان ظهور الحق وحصول اليقين.

(وأما المشهورات والمسلمات): فهى مقدمات القياس الجدلى.

(وأما الأوليات) وما معها: لو وقعت فى الجدل كان أقوى ولكن انما يستعمل فى الجدل من حيث أنها مسلمة بالشهرة إذ لا تفتقر صناعة الجدل إلى أكثر منه وللجدل فوائد.

(الأول): إفحام كل فضولى ومبتدع يسلك غير طريق الحق ويكون فهمه قاصرا عن معرفة الحق بالبرهان فيعدل معه إلى المشهورات التى يظن أنها واجبة القبول كالحق، وبطل عليه رأيه الفاسد.

(الثانى): أن من أراد أن يتلقن الاعتقاد الحق وكان مرتفعا عن درجة العوام ولا يقنع بالكلام الخطابى الوعظى، ولم ينته إلى ذروة التحقيق بحيث يطيق الاحاطة بشروط البرهان فانه يمكن أن يغرس فى نفسه الاعتقاد الحق بالأقيسة الجدلية، وهو حال أكثر الفقهاء وطلبة العلم.

(الثالث): أن المتعلمين للعلوم الجزئية مثل الطب، والهندسة وغيرهما لا يذعن أنفسهم أن يعرفوا مقدمات تلك العلوم ومبادئها هجوما بالبرهان في أول الأمر ولو صودرواعليها لم تسمح نفوسهم بتسليمها فتطيب نفوسهم لقبولها بأقيسة جدلية من مقدمات مشهورة إلى أن يمكن تعريفها بالبرهان.

(الرابع): أن من طباع الأقيسة الجدلية أنه يمكن أن ينتج منها طرفا النقيض فى المسألة فاذا فعل ذلك وتأمل موضع الخطأ منهما وبما انكشف له وجه الحق بذلك التفتيش، ويكفى هذا القدر من صناعة الجدل، وإلا فهو كتاب برأسه، ولا حاجة إلى الاشتغال بحكاية ذلك.

(وأما الوهميات والمشبهات): فانها مقدمات الأقيسة المغالطية ولا فائدة لها أصلا إلا أن تعرف لتحذر وتتوقى وربما يمتحن بها فهم من لا يدرى أنه قاصر فى العلم أو كامل حتى ينظر كيف يتقصى عنه وإذ ذاك يسمى قياسا امتحانيا وربما يستعمل فى إفضاح من يخيل إلى العوام أنه عالم ويستتبعهم فيناظر بذلك بين أيديهم ويظهر لهم عجزه عن ذلك بعد أن يعرفوا فى الحقيقة وجه الغلط حتى يعرفوا به قصوره فلا يعتدون به وعند ذلك يسمى قياسا عناديا.

(وأما المشهورات فى الظاهر، والمظنونات، والمقبولات): فتصلح أن تكون مقدمات للقياس الخطابى والفقهى، وكل ما لا يطلب به اليقين. فلا يخفى فائدة الخطابة فى استمالة النفوس وترغيبها فى الحق وتنفيرها عن الباطل، وكذا فائدة الفقه، وفى الخطابة كتاب برأسه ولا حاجة إلى حكايته.

(وأما المخيلات): فهى مقدمات الأقيسة الشعرية فان استعملت الأوليات وما معها فى الخطابة أو الشعر لم يكن استعمالها إلا من حيث الشهرة والتخيل وما وراء ذلك فليس بشرط فيها وليس يحتاج إلا إلى البيان البرهانى ليطلب، والمغالطى ليتقى فلنقتصر فى الحكاية عليها.

1 / 8 Sonraki →

Anlam Arayışı