Bölüm 7
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
(والثالث): الضوء فانه إذا صار جسم مضيئا حمى كما أن المرآة الحراقة تحرق بضوئها وقد خالف قوم فى هذا فقالوا إن الماء لا يحمى والأرض كذلك وإن الهواء لا يبرد فتكلفوا لهذه الأقسام وجها فقالوا إذا جاور الماء النار انفصل من أجزاء النار ما يمتزج بأجزاء الماء ن فيكون الحار أجزاء النار ورودة الماء تصير مستورة لكون أجزاء النار غالبة والا فهو فى نفسه بارد كما كان ومهما انقطع مدد النار انفصلت منه أجزاء النار وعادت البرودة ظاهرة بعد أن كمنت لا أنها عدمت فاما الشىء فانما يحمى بالحركة لأن باطنه لا يخلو عن أجزاء من النار فالحركة تخرج الأجزاء إلى الظاهر وأما الضوء فانه لا يجعل غيره حارا فانه ليس بعرض بل هو جسم حار فى نفسه وهو لطيف ينتقل من موضع إلى موضع وإنما تكلفوا هذا لأنهم ظنوا أن هذه الأعراض صور فلم يجدوا وجها لزوال برودة الماء مع بقاء ~~صورته فتكلفوا هذا القول لذلك* وقد أبطلنا هذا الأصل ونتكلم على فساد استنباطهم فى هذه الثلاث.
(أما القسم الأول): وهو أن الحركة تخرج أجزاء النار من الباطن فيدل على بطلانه أنه إن كان صحيحا يجب أن يحمى ظاهره ويبرد باطنه بانتقال الحارمن باطنه وليس كذلك فان السهم إذا كان نصله من رصاص فرمى ذاب كله ولو خرجت الحرارة إلى ظاهره لازداد باطنه انعقادا وبقى كما كان كيف ولو كسر ولمس حال حرارته بالحركة وجد باطنه أحر مما كان قبل ذلك وكذا ظاهره وكذا الماء إذا حرك فى الزق زمانا طويلا وجد حارا بجميع أجزائه حرارة متشابهة فى الظاهر والباطن فدل أن الحرارة حدثت فى جميع الأجزاء ولم تنتقل* فان قيل الحركة جعلت أجزاء النار التى كانت فيها حارة بعد أن لم تكن* قيل فهذا اعتراف بالاستحالة وهو أنها كانت موجودة غير حارة أو ضعيف الحرارة ثم تجددت فان قيل النصل يذوب عن حرارة النار التى فى الهواء لا من حرارة فى باطن النصل وكذلك يذوب أجزائه* قيل هذا باطل لأن الهواء لا يزيد الحرارة على النار الصرف واللابث فى النار أشد احتراقا من المتحرك فيها بسرعة لأن المؤئر يحتاج إلى زمان حتى يؤثر فكأن المتأثر في الهواء أولى باحتراقه من حركة خفيفة فيه فان قيل إذا تحرك فهو بسرعة حركته يجتذب نيران الهواء إلى نفسه فيدخل فى باطنه فيجتمع فيه نيران كثيرة قيل خروج أجزاء النار منها إلى الهواء أسهل من الدخول فيه فكان ينبغى ان يصير أبرد وأشد انعقادا لخروج النار منها فان النار تدخل فى مسامه لا محالة وتلك المسام يحتمل خروج النار منها كما يحتمل الدخول فيها بل انفلات النار فى موضع غريب أيسر من تولجها فى موضع غريب فان كانت الحركة تمنع من الخروج فلتمنع من الدخول.
(وأما القسم الثانى): وهو دخول أجزاء النار في الماء والخشب عند المجاورة فذلك لا يمكن إنكاره إذ يجوز أن يكون الاختلاط أحد الأسباب ولكن إذا ثبت بما سبق جواز الاستحالة لم يبعد أيضا أن يستحيل فى نفسه من غير دخول أجزاء النار فيه.
(وأما القسم الثالث): وهو دعوى كون الشعاع جسما حارا فهو باطل بأمور.
(الأول): أنه كان ينبغى أن لو كان حارا كلهيب النار أن يستر كلما وقع عليه كما يستر النار ومعلوم أنه يظهر الأشياء ولا يسترها بخلاف النار.
(والثانى): أنه كان ينبغى أن يتحرك إلى جهة واحدة والضوء يتفشى فى سائر الجهات.
(والثالث): أنه كان ينبغى أن يكون وصوله من موضع بعيد أبطأ من وصوله من موضع قريب ولو أسرج سراج وقت انجلاء كسوف الشمس وصل ضوئهما إلى الأرض فى وقت واحد من غير تفاوت.
(الرابع): أنه إذا أشرق البيت من روزنه ثم سد فجأة ودفعة واحدة كان ينبغى أن يبقى البيت مضيئا بتلك الأجسام التى كانت فيه إذ منعت من الانفلات بسد الرزونة فان زعموا أنه زال ضوءها لما سد الروزن فهو إذن جسم يقبل الضوء تارة والظلمة أخرى فصار الضوء عرضا لجسم فلا حاجة اليه بل ينبغى أن يعترف بالحق وهو أن الأرض يقبل الضوء مرة والظلمة أخرى بمقابلة الشمس ومفارقتها. (الخامس): أن تلك الأجسام إن كانت متفرقة فكيف يتواصل الضوء فى جميع الهواء والأرض وإن كانت متواصلة غير متفرقه فكيف تداخل أجسام الهواء وإذا لم تداخل كانت متفرقة فكيف يتواصل الضوء على وجه الأرض.
(السادس): أنه لو كان ينتقل من الشمس أو السراج أجسام مضيئة لكانت أجزاء الشمس تتحلل وينقص ضوءها فى ثانى الحال لفارقة الأجزاء المضيئة إياها فان قدر أن تلك الأجسام لا تخرج منها بل هى ثابتة فيها ملازمة لها يتحرك معها عند حركتها وإنما تقع على الأرض فى مقابلتها فقد تقدم الجواب عنه من موضعين حيث قلنا أنها كانت تستر ما وراءها وأنها تكون مداخلة لأجسام الهواء فينبغى أن لا يكون منها شىء فى الهواء لأن جسما واحدا لا يجوز أن يبعد عن الأرض ويقرب منها فينبغى أن لا يخلو الهواء عنه فلو أخرج جسم فى الهواء لكان يجب أن لا يقع الضوء عليه إذ يستحيل أن يقال أن الضوء الذى على الأرض علم اعتراض جسم فانتقل اليه.
(السابع): أنه لو كان جسما لكان انعكاسه عن الأشياء الصلبة كالحجر لا عن اللينة كالماء فظهر بهذه العلامات ان الشعاع عرض ومعناه أن الشمس سبب لحدوث عرض فيما يقابلها إذا كان بينهما جسم شفاف ويكون الجسم المستضىء أيضا سببا لحدوث الضوء فيما يقابله مرة أخرى بالعكس أو بالانعطاف ومهما قبل الشىء الضوء وكان قابلا للحرارة حدثت الحرارة فيه وهى عرض آخر.
زيادة من خارج كما يكبر الماء مرة ويتصغر أخرى فمهما صار حارا صار أكبر ومهما برد جمد وصار أصغر وقدره وهو فاتر بينهما وقد سبق أن المقدار عرض فى الهيولى فلا يلزم أن يكون وقفا على مقدار واحد ولكن نستدل الآن بالمشاهدة على صحة ذلك فان الخمر فى الدن ينتفخ حتى يشقه والقمقمة التى تسمى الصياحة إذا كانت مشدودة الرأس مملوءة بالماء وأوقدت النار تحتها انكسرت ولا سبب لذلك إلا أن الماء صار أكبر مما كان* فان قيل لعله كبر بدخول أجزاء النار فيه* قيل فكيف يمكن دخول أجزاء النار فيه ولم يخرج شىء من الماء ولو خرج شىء من الماء فدخل بدله لكان كما كان ولم تنكسر الصياحة ولو قيل النار طلبت جهة الفوق بطبعها فلذلك كسرت* قيل فكان ينبغى أن ترفع الاناء وتطيره لا أن تكسره لأنه ربما يكون الرفع أسهل من الكسر إذا كان الاناء قويا وكان وزنه خفيفا ثم كان ينبغى أن تكسر الموضع الذى تلاقيه ولكن السبب فيه أن الماء ينبسط فى جميع الجوانب فيدفع سطح الاناء من كل جانب فينفتق الموضع الذى كان هو أضعف من الاناء من أى جانب كان فاذن المقدار عرض يزيد وينقص والطبيعة المقتضية للمقدار لا تزول ولكن تقبل عرضا مخصوصا ما لم يكن قاسر فان وجد قاسر فربما قسر فعلها عن غاية مقتضاه.
(الدعوى الخامسة): إن هذه العناصر الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض فينقلب الهواء ماء أو نارا والماء هواء أو أرضا وكذلك باقيها وقد أنكر هذا قوم* وبرهانه المشاهدة وهو أن منفخ الحدادين لو نفخ فيه زمانا متطاولا نفخا قويا حمى ما فيه من الهواء واحترق وصار نارا ولا معنى للنار إلا هواء محترق ولو ركب كوز من الزجاج مثلا في وسط الثلج تركيبا مهندما برد الهواء الذى فى داخله واستحال ماء واجتمع قطرات على سطحه فاذا كثرت اجتمعت فى اسفله وليس ذلك بدخول الماء فيه من المسام فان الماء الخارج لا ينقص ولو كان بدل البارد ماء حار كان أولى بالدخول من المسام وذلك لا يوجد مع الحار وإنما يوجد مع البارد المفرط أو الثلج وأيضا لو كان ذلك بدخول الماء لكانت القطرات لا توجد إلا فى الموضع الذى فيه الماء وهى قد توجد على طرف من الكوز هو أعلى من الثلج وقد شوهد فى البلاد التى بردها مفرط استيلاء البرد على الهواء الصافى القريب من الأرض فى وقت الضحو وانقلابه ثلجا وسقوطه إلى الأرض حتى اجتمع منه شىء كثير من غير غيم* وأما استحالة الماء هواء فهو ظاهر عند إيقاد النار تحته وتصاعد البخار هواء* فأما استحالة الماء أرضا فقد شوهد ذلك في قطرات الماء الصافى من المطر إذا وقعت على المواضع التى فيها قوة محجرة معقدة فتنعقد فى الحال أحجارا وأما استحالة الحجر بالذوبان ماء فيدرك بالتجربة من صناعة الكيمياء وتحليل الأحجار وهذا كله لأن الهيولى مشتركة ولا يتعين لها صورة من هذه الصور بذاتها بل تقبل الصور بحسب السبب الذى يلاقيها فاذا تغير السبب تغيرت الصورة وإنما يحصل استعدادها لصورة أخرى بحدوث أعراض تناسب تلك الصورة كالحرارة إذا غلبت على الماء فانه يستعد بها للصورة الهوائية فلا تزال الحرارة تقوى والصورة المائية باقية إلى أن تتم قوتها فتصير القوة الهوائية أولى منها فتخلع المائية وتلبس الهوائية من واهب الصور. (الدعوى السادسة): إن هذه السفليات قابلة للتاثر من السماويات فأظهر الكواكب تأثير الشمس والقمر إذ بهما يحصل نضج الفواكه ومد البحار إذ بزيادة القمر تكون زيادة المد وزيادات الفواكه وأمور أخرى يعرف تفصيلها فى الكتب الجزئية وأظهر آثارها فى السفليات الضوء ثم الحرارة بواسطة الضوء وليس يلزم من ذلك كون الشمس حارة ولو جعلت الحرارة منها بواسطة الضوء كما أن الشمس إذا سخنت الماء حركته إلى فوق بالتبخر ولا يدل ذلك على أن الشمس متحركة إلى فوق وكذلك حرارته لا تدل على حرارتها بل للسماويات طبيعة خامسة خارجة عن هذه الطبايع كما سبق ولكن هذه الأعراض متعاشقة ومتعاهدة ومتصاحبة فالحرارة يلازمها الحركة والضوء تلازمه الحرارة بمعنى أن أحدهما يعطى الموضوع استعداده لقبول الآخر حتى يفيض الآخر من واهب الصور فاذن لا يلزم بالضرورة أن يكون فعل الشىء من جنسه لكن الأغلب أن الحاصل فى الجسم من جسم آخر يناسب الفاعل فالسخونة من النار والبرودة من الماء والضوء من الشمس وفعل الجسم فى الجسم تارة يكون بالمجاورة كما أن النار تسخن بالمماسة جسما آخر والريح تحرك بالمماسة جسما آخر وتارة بالمقابلة كما أن الأخضر إذا قابل حائطا فى موضع شروق الشمس أوجب حصول خضرة فى الحائط مثل العكس وكما أن الصورة عند المقابلة للمرآة توجب انطباع مثلها فيها ولو كان مماسا لم توجبه فكذلك مقابلة المتلون للعين توجب حصول مثل صورته فى العين عند البعد فأما مع المماسة فلا وليس حقيقة هذا امتداد جزء من المضىء أو ~~خروج صورة من الصور إلى العين أو المرآة فان ذلك محال لكن وجود المضىء فى مقابلة الجسم الكثيف سبب لحصول مثل صورته فيه بطريق التجدد مهما توسط بينهما جسم شفاف وإذا حدث الضوء فيه بسبب استعد للحرارة فصار حارا ثم ربما يستعد بالحرارة للحركة فيتصاعد بخارا إذا كان ذلك فى ماء والمرآة المحرقة إنما تحرق من حيث أنها مقعرة مخروطة فتقبل النقطة التى هى مركزها الضوء من جميع أجزاء المرآة بالرد والانعكاس اليها فيشتد ضوءها واستعدادها للحرارة فتشتد حرارتها فتحرق ولذلك تغلب الحرارة فى الصيف لأن ضوء الجسم المضىء إنما يقوى بتمام المقابلة لأنه إنما يفعل بالمقابلة فاذا كانت المقابلة أشد كان الضوء أكثر والمقابلة التامة إنما تكون على العمود والشمس فى الصيف تكون فى جانب الشمال قريبا من وسط رؤوسنا ولذلك يكون نهار الصيف أضوء من نهار الشتاء ويكون أحر لا محالة وفى الشتاء ينحرف العمود لميل الشمس عن سمة رؤوسنا إلى الجنوب فيضعف الضوء فتضعف الحرارة وأعنى بالعمود الخط الذى يخرج من مركز الشمس إلى مركز الأرض على زاويتين من الجانبين قائمتين فما يميل عنه لتفاوت الزوايا فلا يكون عمودا.
.(الدعوى السابعة): إن هذه العناصر ينبغى أن تكون فى وسط السماوات ولا يتصور أن تكون خارجة منها ولا يتصور أن يكون لها فى داخل السماوات موضعان طبيعيان بل ينبعى أن يكون مكان كل واحد من العناصر واحدا أما إنه لا يجوز أن يكون خارجا من هذه السماوات فمن حيث أن هذه الأجسام تستدعى جهتين مختلفتين كما سبق لقبولها الحركة المستقيمة فلا يتصور أن تكون إلا حيث يحيط بها جسم يحدد جهتها فان فرضت خارجة عن السطح الأعلى من العالم وليس يحيط بها جسم فهو محال وإن فرضت سماء أخرى حتى يفرض عالمان متجاوران أو متباعدان هكذا كان محالا لأنه يكون بينهما بعد وهو خلاء والخلاء محال ولأنه يكون ذلك البعد ذا جهتين يتصور بينهما حركة مستقيمة فيحتاج إلى ما يوجب اختلاف الجهة وقد بينا أن الجسم لا يوجب الجهة من خارج فيحتاج إلى جسم ثالث محيط بهما ويحويهما وذلك أيضا محال وهو أن يكونا فى موضعين يحويهما محيط واحد على ما فى هذه الصورة مثل جسم القمر وجسم العناصر فانهما جميعا فى فلك القمر ومثل ذلك محال ولهذا نقول يجب أن يكون مكان العنصر البسيط واحدا لأنه لو فرض له مكان طبيعى بين المكانين وليكن العنصر الذى فرض له مكانان الماء لكان لا يخلو إما أن يميل بالطبع إلى أحد المكانين فيكون هو المكان الطبيعى له دون الآخر أو يقصد بعضه أحدهما وبعضه الآخر وهو محال لأن الماء بسيط متشابه الأجزاء فينبغى أن تكون حركته متشابهة إذ لا مخصص لبعضها حتى يجب أن يفارق البعض الآخر فالمكان الطبيعى للجسم هو المكان الذى إذا قدر أجزاء ذلك الجسم فى مواضع متفرقة وخليت وطبعها تحركت كلها إلى ذلك المكان واجتمع الجسم كله فيه بجميع أجزائه فمكان الكل ما يجتمع فيه أجزاء الكل فلا يؤدى إلى المحال الذى ذكرناه فقد بان من هذا أن العالم واحد لا يمكن أن يكون إلا كذلك وأن أجسامه منقسمة إلى ما يستدعى الجهة وإلى ما يفيد الجهة فالذى يستدعى الجهة لا بد أن يكون فى وسط المفيد حتى يتميز جهتاه بالقرب والبعد وأن المستدعى الجهة لا بد أن يكون بعضه داخل البعض ولا يجوز أن يكون خارجا عنه وكل هذا يبنى على أصول هى أن هذه الأجسام بسيطة وكل جسم بسيط فله شكل طبيعى وهو الكرة ومكان واحد طبيعى وقد بان أن الخلاء باطل فينبنى على مجموع هذه الأصول تلك النتيجة التى ذكرناها وإنما قلنا أن كل جسم فله مكان طبيعى لأنه إذا خلا من القواسر فاما أن يسكن فى مكان فنقول هو المكان الطبيعى له أو يتحرك فيتوجه إلى الجهة التى فيها مكانه الطبيعى له لا محالة وإنما قلنا ينبغى أن يكون واحدا لما ذكرناه حتى لا يلزم المحال وهو افتراق أجراء البسيط إذا خلا من الحدين حتى يتوجه إلى المكانين بعضه إلى ذا وبعضه إلى ذلك فانه لو توجه إلى أحدهما وترك الآخر فالطبيعى ما توجه اليه.
(المقالة الثالثة): فى المزاج والمركبات ولا بد فيها من النظر فى خمسة أمور.
(النظر الأول): فى حقيقة المزاج والمعنى به أن تمتزج هذه العناصر بحيث يفعل بعضها فى بعض فتتغير كيفيتها حتى يستقر للكل كيفية متشابهة ويسمى ذلك الاستقرار امتزاجا وذلك أن يكسر الحار من برودة البارد والبارد من حرارة الحار وكذلك الرطب واليابس حتى تصيرالكيفيات المحسوسة التى بينا أنها أعراض للصورة متشابهة لتعادلها بالتفاعل فأما الصور وهى القوى الموجبة لهذه الكيفيات فانها تكون باقية ببقاء التفاعل لأن الصور كلها لو بطلت لكان ذلك فسادا لا مزاجا ولو بطلت الصور النارية مثلا وبقيت الصور الهوائية لكان ذلك انقلاب النار هواء لا مزاجا ولو لم تتغير الكيفيات بتصادم التأثيرات لكان تجاورا لا مزاجا وحيث قال أرسطو أن قوى العناصر باقية فى المزاجات فانه لا يريد بها إلا القوى الفاعلة فان نفى قوى التفاعل يدل على الفساد وهو إنما استدل بهذا على أن المزاج لبس بفساد ثم كيف يقع فساد ولو كانت متكافية فلا يفسد البعض البعض وإن غلب بعضها بقى الغالب وبطل المغلوب وانقلب إلى الغالب وعلى الجملة فلا واسطة بين الجواهر والصور جواهر فلا تقبل الزيادة والنقصان فيلزم من ذلك أن يعتقد حقيقة المزاج كما ذكرناه والمزاج ينقسم فى الوهم إلى معتدل وإلى مائل فالمعتدل غير ممكن الوجود إذ لو وجد لكان الجسم غير ساكن ولا متحرك فانه إن سكن على الأرض فالأرض غالبة عليه وكذلك إن سكن فى الهواء فان الهواء يكون غالبا عليه وإن تحرك من الهواء إلى النار فالنار غالبة عليه وإن تحرك إلى الأرض فالأرض غالبة عليه وحقه أن لا يسكن فى موضع وأن لا يتحرك إلى موضع وذلك محال.
(النظر الثانى): فى الاختلاط الأول بين العناصر التى تقدم القول فى صفاتها وبساطتها فاعلم أن الأرض ينبغى أن تكون ثلاث طبقات الطبقة السافلة وهى ما تكون حول المركزمائلة إلى البساطة فتكون ترابا صرفا وفوقها طبقة تختلط بها رطوبة المياه المنجذبة اليه فتكون طبقة الطين وفوقها طبقة هى وجه الأرض وينقسم إلى ما يستوى عليه البخار وإلى ما تنكشف عنه فما تحت البحر يغلب عليه المائية وما ينكشف عنه يغلب عليه اليبوسة بسبب حرارة الشمس والسبب فى أن الماء غير محيط بالأرض أن الأرض تنقلب ماء فيحصل فى ذلك الموضع وهدة والماء ينقلب أرضا فيحصل بسببه ربوة والأرض صلبة ليست بمشاكلة للماء والهواء حتى ينصب بعض أجزائها إلى بعض فيزيل عن نفسه التفاوت ويتشكل بالاستدارة كما يكون ذلك فى الماء والهواء فيميل المرتفع منه إلى المنخفض فينكشف بعض المواضع للهواء وهذا هو الذى اقتضته العناية الالهية فان الحيوانات البرية لا بد لها من الاغتذاء بالهواء لدوام روحها ولا بد أن تكون الأرضية غالبة عليها لتكون محكمة ثابتة فلم يكن بد من أن تنكشف الأرض للهواء فى بعض المواضع ليتم وجود الحيوانات البرية وأما الهواء فهو أربع طبقات الطبقة التى تلى الأرض فيها مائية من البخارات التى ترتفع اليها من مجاورة المياه وفيها حرارة لأن الأرض تقبل الضوء من الشمس فتحمى فتتعدى الحرارة إلى ما يجاورها وفوقها طبقة لا تخلو عن رطوبة بخارية ولكن تكون أقل حرارة لأن حرارة الأرض لا ترتفع اليها لبعدها وفوقها طبقة هى هواء صاف لأن البخار والحرارة المنعكسة عن الأرض لا يرتفعان اليها وفوقها طبقة فيها دخانية لأن الأدخنة من الأرض ترتفع في الهواء وتقصد عالم الأثير أعنى النار فتكون كالمنتشرة فى السطح الأعلى من الهواء إلى أن تتصاعد فتنحرق* وأما النار فانها طبقة واحدة محرقة لا ضوء لها بل هى كالهواء وألطف منه ولو كان لها لون منع رؤية الكواكب بالليل ولكان لها ضوء كما للنيران المشتعلة ولون السراج وضوءه إنما يحصل من شوب النار الصافية بالدخان المظلم فيحصل من مجموع ذلك اللون والضوء وإلا فالنار الصافية لا لون لها وحيث تقوى النار فى السراج لا يكون لها لون حتى يظن أنها كالثقبة الخالية ليس فيها إلا خلاء أو هواء فانما النار بالحقيقة تلك وإذا حصل لها لون فلكونها مشوبة بالدخان وبالحقيقة فانما ذلك لون الدهن المحترق لا لون النار أو لون الحطب المحترق وإنما النار مثل الهواء لا لون لها ولا ضوء لها لأنها شفافة حيث أنها هواء محترق.
(النظر الثالث): فيما يتكون في الجو من مادة البخار ليس يخفى أن الشمس إذا سخنت الأرض بواسطة الضوء صعدت من الرطب بخارا ومن اليابس دخانا ويتكون عما يحتبس منهما في باطن الأرض المعادن وعما ينفلت منهما ويتصاعد فى الهواء أمور كثيرة لا بد من ذكرها أما ما يتكون من مادة البخار فهو الغيم والمطر والثلج والبرد وقوس قزح والهالة وغير ذلك فمهما ارتفع من الطبقة الحارة من الهواء إلى الباردة شىء تكاثف بالبرد وانعقد به وصار غيما لأن البرد أسرع تأثيرا في قلب البخار الحار ماء في الهواء وذلك للطف البخار بسبب الحرارة أما ترى أنه إذا دخل الشتاء اشتد حمو الحمام فأظلم هواء الحمام وتكاثف البخار لتكاثف الغيم ولذلك يترك الماء وقت العصر فى الشمس لتلطف الشمس بخاره مهما أريد تبريده بالشمال ليلا وكذلك إذا صب الماء البارد والحار على الأرض فى الشتاء كان الحار أسرع جمودا من البارد ويظهر ذلك فيمن يتوضأ بالماء الحار فى البلاد الباردة فينجمد فى الحال على شعر لحيته ولا يكون البارد كذلك وهذه الأبخرة إنما تتصاعد من باطن الأرض لما سرى فيها من حرارة الشمس ولكنها تنفد وتقوى على الخروج من مسام الأرض إلا ما يقع تحت الجبال الصلبة فانها تمنعه من النفوذ إذ تجرى الجبال منها مجرى الانبيق الذى يمسك البخار ثم إذا احتبس فيها صار مادة للمعادن وإذا قوى ثم وجد منفذا فى شعوب الجبال ارتفع منه قدرصالح ثم يختلف فان كان ضعيفا بددته حرارة الشمس فى الجبال وأحالته هواء ولذلك قل ما يجتمع فى نهار الصيف منه غيم ويجتمع فى الليل والشتاء إذا كانت الشمس ضعيفة الحرارة منه أكثر وإن كان ذلك البخار قويا أو كانت حرارة الشمس ضعيفة أو اجتمع الأم إن لم تؤثر فيه الشمس فاجتمع وربما تعين الريح أيضا على جمعه بأن تسوق البعض إلى البعض حتى يتلاحق فمهما انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف وعاد ماء وتقاطر ويسمى مطرا كالبخار يتصاعد عن القدر فينتهى إلى غطائها وعندما يلاقى أدنى برودة ينزل فينعقد قطرات عليه فان أدركه برد شديد قبل أن يجتمع ويصير قطرات جمدت وتفرقت أجزائه ونزل كالقطن المندوف ويسمى ذلك ثلجا وإن لم تدركه برودة حتى كان منه قطرات ثم أدركتها حرارة من الجوانب فانهزمت برودتها إلى بواطنها وتوفر عليها برد الجو الذى كانت منتشرة فيه وانعقدت سميت حينئذ بردا ولذلك لا يكون البرد إلا فى الخريف والربيع فتجتمع البرودة فى بواطنها باحاطة حرارة ما بظواهرها ومهما صار الهواء رطبا بالمطر رطوبة مع أدنى صقالة صار كالمرآة فالمحازى له إذا كانت الشمس وراءه يرى الشمس فى الهواء كما يراها فى المرآة إذا قابلها بها ويشتبك ذلك الضوء بالبخار الرطب فيتولد منه قوس قزح وله ثلاثة ألوان وربما لا يكون اللون المتوسط ويكون مستديرا حتى يكون بعد أجزاء المرآة من الشمس واحدا فان المرآة إنما ترى الصورة إذا كانت على نسبة مخصوصة من الرائى والمرئى ويستقصى ذلك فى علم المناظر ولا تتم الدائرة إذ لو تمت لوقع شطرها تحت الأرض إذ الشمس تكون في قفا الناظر كالقطب لتلك الدائرة ويكون مرتفعا عن الأرض ارتفاعا قريبا فان كان قبل الزوال رئى قوس قزح فى المغرب وإن كان بعده رئى فى المشرق وإن كانت الشمس فى وسط السماء لم يمكن أن يرى إلا قوس صغيرة في الشتاء إن اتفق والهالة وهى الدائرة المحيطة بالقمر من مثل هذا السبب أيضا فان الهواء المتوسط بين القمر وبين البصر صقيل رطب فيرى القمر فى جزء منه وهو الجزء الذى لو كان فيه مرآة لرأى القمر فيها ثم الشىء الذى يرى فى مرآة من موضع لو كانت مرايا كثيرة محيطة بالمبصر وكانت موضوعة على تلك النسبة لرأى الشىء فى كل واحدة من المرايا فاذا تواصلت المرايا يرى فى الكل فيرى دائرة لا محالة* وأما وسطها فانما يرى مظلما لأن البخار المتوسط لطيف فاذا قرب من المضىء انمحق وصار لا يرى وإذا بعد منه صار مرئيا وليس هو كالذرة ترى فى الشمس لا فى الظل بل هو كالكواكب تختفى بالنهار وتظهر بالليل فلهذا يرى وسط الدائرة كأنه خال عن الغيم وهذه الدائرة ربما تحصل من مجرد برودة الهواء وإن لم يكن مطر إذ يحصل في الهواء بها أدنى رطوبة ولم يكن غبار ودخان يمنع صقالة تلك الرطوبة.
(النظر الرابع): فيما يتكون من مادة الدخان وهو الريح والصواعق والشهب والكواكب ذوات الأذناب والرعد والبرق فاذا تصاعد الدخان ارتفع من وسط البخار لأنه أميل إلى جهة الفوق وأقوى حركة من البخار فان ضربه البرد فى ارتفاعه ثقل وانتكس وتحامل على الهواء دفعة وحرك الهواء بشدة كتحريك المروحة العظيمة للهواء فحصلت الريح من ذلك فانها عبارة عن هواء متحرك وإن لم يضر به البرد تصاعد إلى الأثير واشتعلت النار فيه فيكون منه نار تشاهد وربما يستطيل بحسب طول الدخان فيسمى كوكبا منقضا ثم إن كان لطيفا فاما أن ينقلب نارا صرفة أو ينطفى فلا يرى فينمحى لأن الدخان يخرج عن كونه مبصرا بأن يصير نارا صرفة وهى النار المحضة أو ينطفى بالبرد فى ارتفاعه فينقلب هواء فيصير شفافا فان كان الملاقى له البرد المؤثر فى الأطفاء فانه يستحيل هواء وإن قويت النار أثرت فى التخليص من شوب الدخان فيستحيل كله نارا إذ لا يبرد ثم وأن كان الدخان كثيفا واشتعل ولكن لم يكن يستحيل على القرب بقى ذلك زمانا فيرى أنه كوكب ذو ذنب وربما يدور مع الفلك إذ النار متشبثة الأجزاء بأجزاء مقعر الفلك فيدور فى مشايعتها فيدور هذا الدخان الحاصل فى حيزها وإن لم يشتعل ولكن كان كالفحم الذى انطفت النار المشتعلة فيه فانه يرى أحمر فيظهر منه علامات حمر فى الجو وبعضه تزايله الحمرة فيكون كالفحم الذى انمحت ناره فيرى كأنه ثقبة مظلمة فى الهواء ثم إن بقى شىء من الدخان فى تضاعيف الغيم وبرد صار ريحا وسط الغيم فيتحرك فيه بشدة ويحصل من حركته صوت يسمى الرعد وإن قويت حركته وتحريكه اشتعل من حرارة الحركة الهواء والدخان معا فصار نارا مضيئة فيسمى البرق وإن كان المشتعل كثيفا ثقيلا محرقا اندفع بمصادمات الغيم إلى جهة الأرض فيسمى صاعقة ولكنها نارا لطيفة تنفذ فى الثياب والأشياء الرخوة وتنصدم بالأشياء الصلبة كالحديد والذهب فتذيبها حتى تذيب الذهب فى الكيس ولا يحترق الكيس وتذيب ذهب المذهب ولا يحترق الشىء ولا يخلو برق عن رعد لأنهما جميعا عن الحركة ولكن البصر أحد إدراكا فقد يرى البرق ولا ينتهى صوت الرعد إلى السمع لأن البصر يدرك بغير زمان والسمع لا يدرك ما لم يتحرك الهواء الذى بين السمع والمسموع حتى ينتهى أثره إلى السمع وكذلك إذا نظر الناظر إلى القصار من بعد رأى حركته قبل سماع صوته بزمان ما.
(النظرالخامس): فى المعادن وهى إنما تتكون مما يختفى فى الأرض من البخار والدخان فتمتزج فتستعد بسبب أمزجتها المختلفة لقبول صور مختلفة يفيض عليها من واهب الصور فان غلب الدخان كان الحاصل منه مثل النوشادر والكبريت وربما يغلب البخار فى بعضه فيصير كالماء الصافى والمنعقد المتحجر يكون منه الياقوت والبلور وغيرهما وتعسر إذابة هذا النوع بالنار ولا ينطرق تحت المطارق فان الانطراق والذوبان برطوبة لزجة تسهى دهنية وما فيها من الرطوبة نفدت فجمدت وانعقدت فأما الذى يذوب وينطرق كالذهب والفضة والنحاس والرصاص فهو الذى استحكم امتزاج الدخان منه بالبخار وقلة الحرارة المخفية فى جوهرها وبقيت فيها رطوبة ودهنية وذلك لكثرة تأثير حرارته فى رطوبته حتى انكسرت به برودته وامتزجت به الهوائية وبقى فيه شىء من الأرضية مع الهوائية فهذا يذوب فى النار لأن ما فيه من الكبريت يعين النار على الاذابة فتسيل الرطوبة ويقصد التصاعد فتجذبها الأرضية المتشبثة به فيحصل من تصعد ذلك وجذب هذا حركة دورية لا يتفرق أجزاؤها لاستحكام امتزاجها فان كان الامتزاج ضعيفا تصعد البخار وانفصل من الثقيل الجاذب إلى أسفل فاذا كثرت عليه النار ينقص لانفصال البخار فصار كلسا كالرصاص وكلما كانت الدهنية فيه ابعد عن الانعقاد كان أقبل للانطراق تحت المطارق وما انعقد ولم يقبل الاذابة إذا طرح عليه الكبريت والزرنيخ وخلطا به وسريا فيه تسارعت اليه الاذابة مثل سحالة الحديد والطلق والخارصينا وكل ما عقده البرودة ألانه الحرارة مثل الشمع وكلما عقده الحر أذابه البرد مثل الملح فانه ينعقد بالحر مع مشاركة من يبوسة الأرض فان الحرارة تعين الرطوبة واليبوسة جميعا ويزيد فيهما وكل ما كانت المائية فيه غالبة ينعقد بالبرودة وكل ما غلبت فيه الأرضية انعقد بالحرارة فاذا كان فى الشىء أرضية ورطوبة والأرضية أشد مناسبة للحرارة ينعقد بالبرد وتعسر إذابته كالحديد وتفصيل هذا يستدعى تطويلا ومنه تتفرع صناعة الكيميا وصناعات كثيرة سواها.
(المقالة الرابعة فى النفس النباتى والحيوانى والانسانى) (القول في النفس النباتى): كما أن اختلاط الدخان والبخار يوجب استعدادا لقبول صورة المعادن فكذلك العناصر قد يقع لها امتزاج أتم من ذلك واحسن وأقرب إلى الاعتدال وأبعد من بقاء التضاد فى الكيفيات الممتزجة فيستعد لقبول صورة أخرى أشرف من صورة الجمادات حتى يحصل فيه النمو الذى لا يكون فى الجمادات وتسمى تلك الصورة نفسا نباتية وهى التى تكون فى النجم وفى الشجر وهذه النفس لها ثلاثة أفعال.
(أحدها): التغذية بقوة مغذية.
(والثانى): التنمية بقوة منمية.
(والثالث): التوليد بقوة مولدة والغذاء عبارة عن جسم يشبه الجسم المغتذى بالقوة لا بالفعل وإذا وصل إلى المغتذى أثرت فيه القوة المغذية وهى قوة محيلة للغذاء تخلع صورته وتكسوه صورة المغتذى فينتشر فى أجزائه ويلتصق به ويسد مسد ما تحلل من أجزائه* وأما النمو فهو عبارة عن زيادة الجسم بالغذاء فى أقطاره الثلاثة على التناسب اللائق بالنامى حتى ينتهى إلى منتهى النشوء مع التفاوت الذى يليق به أعنى فيما ينخفض من أجزاء النامى ويرتفع ويستدير ويستطيل والقوة التى يليق لها هذا الفعل تسمى منمية فان هذه القوى لا تدرك بالحس بل يستدل عليها بالفعل إذ كل فعل فلا بد له من فاعل فيشتق لها الاسم من الفعل.
(والقوة المولدة): هى التى تفصل جزأ من جسم شبيها به بالقوة ليستعد لقبول صورة مثله كالنطفة من الحيوان والبذرة من الحبوب ثم القوة الغاذية لا تزال عاملة إلى آخر العمر ولكن تضعف فى آخره لعجزها عن سد ما تحلل لضعفها عن إحالة جسم الغذاء.
(وأما القوة المنمية): فانها تفعل إلى وقت البلوغ وكمال النشوء ثم تقف فاذا وقفت النامية من حيث الزيادة فى المقدار لا من حيث الزمان انتهضت المولدة وقويت.
(القول في النفس الحيوانى): فان اتفق مزاج اقرب إلى الاعتدال وأحسن مما قبله استعد لقبول النفس الحيوانى وهو أكمل من النباتى إذ فيه قوى النباتى وزيادة قوتين.
(أحدهما): المدركة.
(والأخرى): المحركة فان الحيوان عبارة عما يدرك ويتحرك بالارادة وهاتان قوتان هما والنفس واحدة فترجعان إلى أصل واحد ولذلك يتصل فعل بعضها بالبعض فمهما حصل الادراك انبعثت الشهوة حتى يتولد منها الحركة إما إلى الطلب وإما إلى الهرب* والقوة المحركة لا بد لها من الارادة ولا تكون الارادة إلا من الشهوة والنزوع إما أن يكون إلى الطلب ويحتاج اليه لطلب الملائم الذى به بقاء الشخص كالغذاء أو بقاء النوع كالجماع ويسمى هذا النوع من النزوع قوة شهوانية وإما أن يكون إلى الهرب والدفع ويحتاج اليه لدفع ما ينافى ويضاد دوام البقاء ويسمى القوة الغضبية والخوف عبارة عن ضعف القوة الغضبية والكراهة عن ضعف القوة الشهوانية وهما متحركتان للقوة المحركة المنبثة فى العضلات والأعصاب على سبيل البعث والاستحثاث على مباشرة الحركة فالقوة التى في العضلات مؤتمرة والقوة النزوعية باعثة آمرة وأما القوة المدركة فتنقسم إلى ظاهرة كالحواس الخمس وإلى باطنة كالقوة الخيالية والمتوهمة والذاكرة والمتفكرة كما سيأتى تحقيقها ولولا أن للحيوان قوة باطنة سوى الحواس لكان إذا تصور أكل شىء مثلا دفعة واحدة استبشعه لا يمتنع منه ثانيا ما لم يذقه دفعة أخرى بالأكل فانه أكل في الأول لأنه لم يعرف أنه مضر فلولا أنه بقى فى ذكره تلك الصورة لكان لا يعرفه إذا رآه ثانيا أنه مضر وذلك الذكر أمر وراء الرؤية والشم وسائر الحواس فلولا أن هذه الحواس الخمس تؤدى ما تدرك من الصور إلى قوة أخرى واحدة جامعة للكل تسمى حسا مشتركا لكنا إذا رأينا شيئا أصفر لا ندرك أنه حلو ما لم نجد إدراك ذلك المذوق أولا أعنى العسل فان العين لا تدرك الحلاوة والذوق لا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم يجتمع عنده الأمران حتى يحكم بأن الأصفر حلو وليس هذا الحكم للذوق ولا العين وإنما ذلك لقوة أخرى باطنة ليست واحدة من الحواس الظاهرة ولولا وجود قوة باطنة لم تكن الشاة تدرك العداوة من الذئب فتهرب منه فان العداوة لا ترى* وهذه مجامع القوى ولا بد من تفصيلها.
(القول فى تحقيق الادراكات الظاهرة) أما حس اللمس فظاهر وهو قوة مبثوثة فى جميع البشرة واللحم يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة واللين والخشونة والملاسة والخفة والثقل وهذه القوة تصل إلى أجزاء اللحم والجلد بواسطة جسم لطيف كالحامل لها يسمى روحا ويجرى فى شباك العصب وبواسطة العصب يصل وإنما يستفيد ذلك الجسم اللطيف تلك القوة من الدماغ والقلب كما سيأتى وما لم تستحيل كيفية البشرة إلى شبه المدرك من البرودة والحرارة أو غيرها لم تكن مدركة ولذلك لا تدرك إلا ما هو أبرد منه وأسخن فأما المساوى لها فى الكيفية فلا تؤثر فيه فلا تدركه* وأما الشم فانه قوة في زائدتى الدماغ الشبيهتين بحلمتى الثديين وإنما تدرك بواسطة جسم ينفعل من الروائح ويمتزج أو يختلط به أجزاء ذى الرائحة وذلك مثل الهواء والماء وليس يلزم أن يكون أجزاء ذى الرائحة مختلطة بالهواء بل لا يبعد أن يستحيل الهواء فيقبل الرائحة ويستعد لقبولها من واهب الصور بسبب المجاورة منه لا بأن تنتقل الرائحة اليه فان ذلك محال في العرض وقد بينا استحالة انتقال الأعراض ولو لم يكن اختلاط أجزاء الرائحة بأجزاء الهواء لما انتشرت الرائحة فراسخ وقد حكى اليونانيون أن الرخمة انتقلت برائحة الجيف التى حصلت من حرب وقعت بينهم من مسافة مائتى فرسخ إلى المعركة في بلدة لم تكن حواليها رخمة بل كانت الرخمة منه على مائتى فرسخ وذلك بقوة حواس الطير وانفعال الهواء وقبوله لرائحة الجيف* وأما البخار المتصاعد من الجيف فلا يمكن أن ينتشر أجزاؤه إلى هذا الحد* وأما السمع فانه قوة مودعة فى عصبة مفروشة فى أقصى الصماخ ممدودة عليه مد الجلد على الطبل وهى تدرك الصوت والصوت عبارة عن تموج الهواء بحركة شديدة يحصل من قرع بعنف أو قلع بحدة فان كان من قرع اصطك منه الجسمان وانفلت الهواء بشدة وإن كان من قلع تولج الهواء بين الجسمين المنفصلين بشدة وحدث الصوت عند التموج فى الهواء ويصل إلى حيث تصل حركة التموج فاذا انتهت تلك الحركة إلى الهواء الراكد الذى فى الصماخ انفعل بها ذلك الهواء الراكد المجاور لتلك العصبة وهى مفروشة على أقصى الصماخ فحدث فيها ما يحدث فى جلد الطبل من الطنين فتشعر بذلك الطنين القوة المودعة فى تلك العصبة والحركة تحدث فى الهواء موجا مستديرا كما يحدث الموج المستدير فى الماء إذا ألقى فيه حجر فتنتشر منه دوائر صغار ولا تزال تلك الدوائر تتسع وتضعف فى حركتها إلى أن تنمحى فكذلك يحدث فى الهواء وكما أن الطاس إذا كان فيه ماء وألقى فيه حجر نشأت عنه دائرة إلى أطراف الطاس المحيطة بالماء انصدمت بها تلك الدائرة ثم انعطفت إلى الوسط إلى موضع ابتدأت فيه فكذلك موج الهواء إذا انصدم بجسم صلب ربما انعطف فيكون منه الصدى ويكون بتلاحق الانعطاف وتزيده دوام الصوت فى الطشت والحمام والصريخ تحت الجبل* فأما الذوق فهو بقوة مودعة في العصبة المفروشة على ظاهر اللسان بواسطة الرطوبة اللعابية التى لا طعم لها المنبسة على ظهر اللسان فانها تأخذ طعم ذى الطعم وتستحيل اليه وتتصل بتلك العصبة فتدركها القوة المودعة فى العصبة وأما البصر فهو قوة دراكة للألوان والأشكال مودعة فى ملتقى تجويف العينين من مقدم الدماغ والابصار هو عبارة عن أخذ صورة المدرك أعنى انطباع مثل صورته فى الرطوبة الجليدية من العين التى تشبه البرد والجمد أى الجليد وهى مثل المرآة فاذا قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الانسان المقابل للمرآة فيها بتوسط جسم شفاف بينهما لا بأن ينفصل من المتلون شىء ويمتد إلى العين ولا بأن ينفصل من العين شعاع فيمتد إلى الصورة فان كليهما محالان فى الابصار وفى المرآة ولكن يحدث مثال صورته فى المرآة وفى عين الناظر ويكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الشفاف* وأما حصوله فمن واهب الصور وكل إدراك فى الحواس الخمس بل وغيرها إنما هو عبارة عن أخذ صورة المدرك فاذا حصلت الصورة فى الجليدية أفضت إلى القوة الباصرة المودعة فى ملتقى العصبتين الجوفتين.
النابتتين من مقدم الدماغ على هذه الصورة فأدركته النفس بتوسط الحس المشترك كما سيأتى شرحه ولو كان للمرآة نفس لأدركت مما يقابلها ويحصل فيها مثال صورته* وأما سبب تأثير البعد في أن يرى الصغير كبيرا فهو أن الرطوبة الجليدية كرية ومقابلة الكرة إنما تكون بالمركز فاذا فرضنا سطحا مستديرا كالترس في مقابلة كرة العين أدركت العين السطح المستدير بانفعال الهواء الذى بين السطح والعين وانفعال طبقة العين عن الهواء إلى أن ينتهى إلى الروح الباصر ويكون المنفعل وهو الهواء مخروط الشكل قاعدته سطح المدرك ورأسه ينتهى إلى الروح الباصر ورأسه زاوية مجسمة هى المدرك بالحقيقة فاذا ازداد سطح المرئى الذى هو قاعدة المخروط بعدا من العين طال المخروط وصغرت زاويته أعنى رأسه الذى ينتهى إلى الحدقة وكلما بعد سطح المرئى أعنى قاعدة المخروط طال المخروط وبطوله يدق رأسه أى يصغر الزاوية المدركة في الحقيقة إلى أن ينتهى من الصغر إلى حد لا تقوى القوة الباصرة على إدراكه فيغيب المرئى عن الادراك وهذه صورته ولو كان المرئى غير مستدير لكان أيضا الهواء المنفعل بينه وبين الحدقة شكلا مخروطا يحيط به أضلاع وزوايا بحسب شكل المرئى وينتهى رأسه إلى الحدقة على زاوية أو زوايا ويستقصى علم ذلك من الكتب الموضوعة في علم المناظر من الرياضات وفى هذا القدر كفاية لغرضنا وهذا الذى استقر عند (ارسطاطاليس) في كيفية الادراك وأما من قبله فقالوا لا بد من اتصال بين الحس والمحسوس حتى يحصل الاحساس قالوا وإذا استحال أن ينفصل من المبصر صورة ويمتد إلى العين فلا بد وأن ينفصل من العين جسم لطيف هو الشعاع ويتصل بالمبصر وبواسطته يحصل الابصار وهذا محال إذ متى تتسع العين لأجسام تنبسط على نصف العالم ونصف كرة السماء فاستبشع هذا طائفة من الأطباء فاحتالوا له وقالوا إن الهواء المتصل بالعين يحدث فيه الانفعال بسبب خروج شعاع يسير من العين واشتباكه بشعاع الهواء حتى يصيرا كالشىء الواحد في أقل من طرفة العين ويصير بمجموعهما آلة فى الابصار وهذا أيضا محال من وجوه.
(الأول): أن الهواء إن كان يصير آلة يبصر بها حتى يكون هو المبصر (كالحدقة) مثلا حينئذ إذا اجتمع جماعة من ذوى الأبصار فينبغى أن يقوى إدراك الضعيف البصر الذى معهم فان شعاعه أن ضعف عن إحالة الهواء فهذه الأشعة الكثيرة اشتبكت بالهواء فيجب أن يستعين الضعيف بكثرة أشعة الابصار كما يستعين بقوة ضوء السراج وإن كانت الصورة المبصرة لا تظهر في الهواء بل فى العين ولكن بواسطة الهواء يصل اليها فأى حاجة في خروج الشعاع والهواء متصل بجرم العين والمبصر متصل بالهواء فينبغى أن يوصل الهواء الصورة بغير شعاع.
(الوجه الثانى): وهو مبطل لأصل الشعاع وأن الشعاع لا يخلو إما أن يكون عرضا فيستحيل عليه الانتقال أو جسما فيلزم منه محال لأنه إن كان لا يبقى متصلا بالعين ممتدا مثل الخطوط فلا يؤثر فى العين ما انفصل عنها وإن بقى متصلا به فينبغى أن يتفرق ويدرك الشىء متفرقا وينبغى أن يكون مثل خيط ممدود فاذا هبت ريح أمالته إلى موضع آخر وأخرجته عن استقامته فيجب أن يرى ما ليس على مقابلته بامالة الريح إياه أو يقطع اتصاله فيمنع الرؤية.
(والثالث): أنه لو كان ينفصل من العين مائلا فى المبصر لكان يدرك المبصر قريبا وبعيدا على وجه واحد من غير تفاوت فى القدر لأن الملاقى مطابق للملاقى فى الحالين مهما لم يقدر مقابلة فى مثل مخروط كما سبق ولا يمكن أن يقال أن الشعاع يقع على بعضه إذا بعد لأنه يبصر جميع المرئى بعيدا أو قريبا وقد يرى في بعض الأحوال أكثر فهذه هى الادراكات فالمدركات الخاصة بها هى الألوان والروايح والطعوم والأصوات وما ذكر فى اللمس ويدرك بواسطة هذه الأشياء خمسة أمور أخر وهى الصغر والكبر والبعد والقرب وعدد الأشياء وشكلها مثل الاستدارة والتربيع والحركة والسكون وتطرق الغلط إلى هذه التوابع أكثر من تطرقه إلى تلك الأصول.
(القول فى الحواس الباطنة) اعلم أن الحواس الباطنة أيضا خمسة* الحس المشترك والقوة المتصورة والقوة المتخيلة والقوة الوهمية والقوة الذاكرة* أما الحس المشترك فهو حاسة منها ينتشر تلك الحواس واليها يرجع أثرها وفيها يجتمع وكأنها جامع لها إذ لو لم يكن لنا ما يجتمع فيه البياض والصوت لما كنا نعلم أن ذلك الأبيض هو ذاك المغنى الذى سمعنا صوته فان الجمع بين اللون والصوت ليس للعين ولا للأذن* وأما القوة المتصورة فعبارة عن الحافظة لما ينطبع في الحس المشترك فان الحفظ غير الانطباع والقبول ولذلك كان الماء يقبل الصورة والشكل وينطبع فيها ولا يحفظها والشمع يقبل الشكل بقوة اللين ويحفظ بقوة اليبوسة ومهما حلت آفة بمقدم الدماغ بطل حفظ المتخيلات وحصل النسيان للصوره وأما الوهمية فهى التى تدرك من المحسوس ما ليس بمحسوس كما تدرك الشاة عداوة الذئب وليس ذلك بالعين بل بقوة أخرى وهى للبهائم مثل العقل للانسان* وأما الذاكرة فعبارة عما يحفظ هذه المعانى التى أدركتها الوهمية فهى خزانة المعاني كما أن المتصورة الحافظة للصور المنطبعة فى حس المشترك خزانة للصور وهاتان أعنى الوهمية والذاكرة في مؤخر الدماغ والمشترك والمصورة في مقدمه* وأما المتخيلة فهى قوة فى وسط الدماغ شأنها التحريك لا الادراك أعنى أنها تفتش عما فى خزانة الصور وعما في خزانة المعانى فانها مركوزة بينهما وتعمل فيها بالتركيب والتفصيل فقط فتصور إنسانا يطير وشخصا واحدا نصفه إنسان ونصفه فرس وأمثال ذلك وليس لها اختراع صورة من غير مثال سابق بل تركب ما ثبت فى الخيال متفرقا أو تفرق مجموعا وهذه تسمى مفكرة فى الانسان والمفكرة بالحقيقة هى العقل وإنما هذه آلته فى الفكر لا أنها المفكرة فانه كما أن ماهيات الأسباب هى التى بها تتحرك العين فى الجحر من جميع الجوانب حتى يتيسر بها الأبصار والتفتيش عن الغوامض فكذلك ماهيات الأسباب هى التى بها يتأتى التفتيش عن المعانى المودعة فى الخزانتين فطبع هذه القوة الحركة فلا تفتر ولا فى حالة النوم فمن طبعها سرعة الانتقال من الشىء إلى ما يناسبه إما بالمشابهة وإما بالمضادة أو بأن كان مقترنا به فى الوقوع الاتفاقى عند حصوله فى الخيال ومن طبعها المحاكاة والتمثيل حتى إذا قسم عقلك الشىء إلى أقسام حاكاه بشجرة ذات أغصان وإن رتب شيئا عل درجات حاكاه بالمراقى والسلالم وبها يتذكر ما نسى فانها لا تزال تفتش عن الصور التى فى الخيال وينتقل من صورة إلى صورة قربت منها حتى تعثر على الصورة التى منها أدرك المعنى المنسى فيتذكر بواسطتها ما نسيه وتكون نسبة تلك الصورة إلى حضور ما يقارنها ويتعلق بها نسبة الحد الأوسط إلى النتيجة إذ بحضوره يستعد لقبول النتيجة فهذه هى القوى الظاهرة والباطنة وهى بجملتها آلات إذ المحركة ليست إلا لجلب المافع أو دفع المضار والمدركة ليست إلا كالجواسيس التى تقتنص بها الأخبار فالمصورة والذاكرة لحفظها والمتخيلة لاحضارها بعد الغيبة فلا بد من أصل يكون هذه كلها آلة له وتجتمع اليه وتكون مسخرة له وسببه يعبر عن ذلك الأصل بالنفس وليس هو الجسم إذ كل عضو من الجسم هو أيضا آلة وإنما أعد لغرض يرجع إلى النفس فلا بد إذا من نفس تكون هذه القوة والأعضاء آلات لها.
(القول في النفس الانسانى) إذا كان مزاج العناصر أحسن واتم اعتدالا بلغ إلى الغاية التى لا يمكن أن يكون اتم وألطف وأحسن منها مثل نطفة الانسان التى حصل نضجها في بدن الانسان من أغذية هى ألطف من أغذية الحيوان ومن أغذية النبات وبقوى ومعادن أحسن من قواهما ومعادنهما فيستعد لقبول صورة من واهب الصور هى أحسن الصور وتلك الصورة هى نفس الانسان وللنفس الانسانى قوتان.
(إحداهما): عالمة.
(والأخرى): عاملة والقوة العالمة تنقسم إلى القوة النظرية كالعلم بأن الله تعالى واحد والعالم حادث وإلى القوة العملية وهى التى تفيد علما يتعلق بأعمالنا مثل العلم بأن الظلم قيح لا ينبغى أن يفعل وهذا العلم قد يكون كليا كما ذكرناه وقد يكون جزئيا مثل قولنا زيد لا ينبغى أن يظلم والقوة العاملة هى التى تنبعث باشارة القوة العلمية التى هى نظرية متعلقة بالعمل وتسمى العاملة عقلا عمليا ولكن تسميتها عقلا بالاشتراك فانها لا إدراك لها وإنما لها الحركة فقط ولكن بحسب مقتضى العقل وكما أن القوة المحركة الحيوانية ليست إلا لطلب أو هرب فكذا القوة العاملة فى الانسان إلا أن مطلبها عقلى وهو الخير والثواب متصل بما بعده والنفع فى العاقبة وإن كان مؤلما فى الحال بحيث تنفر منه الشهوة الحيوانية وللنفس الانسانى وجهان وجه إلى الجنبة العالية وهى الملأ الأعلى إذ منها يستفيد العلوم وإنما القوة النظرية للنفس الانسانى باعتبار هذه الجهة وحقه أن يكون دائم القبول ووجه إلى الجنبة السافلة وهى جهة تدبير بدنه وإنما يكون له القوة العملية باعتبار هذه الجهة ولأجل البدن ولا يمكن شرح القوة العقلية الانسانية إلا بذكر حقيقة الادراكات وأقسامها ليتبين أن هذه القوة خارجة عنها وزائدة عليها فنقول قد ذكرنا أن معنى الادراك هو أخذ صورة المدرك إلا أن هذا الأخذ على مراتب.
(الأول): إدراك البصر فانه يدرك الانسان مثلا مركبا مع لوازمه وتوابعه ولا يدركه مجردا بل يدرك معه لونا مخصوصا ووضعا مخصوصا وقدرا خصوصا وهذه توابع لو لم تكن هى بأعيانها لكان هو إنسانا مع عدمها فانه ليس إنسانا بها بل هى عوارض غريبة التحقت بالانسان وليس للبصر قوة تجريد الانسانية عن اللواحق الغريبة ثم يحصل منه صورة فى الخيال يطابق صورته فى الابصار أعنى أن صورته أيضا فى الخيال مع الوضع والقدر واللون وجميع لواحقه الغريبة كما كانت في الابصار غير مجردة عن اللواحق البتة ولا تخالف إلا فى أمر واحد وهو أن الجسم المبصر لو انعدم أو غاب بطل الابصار ولم تبطل صورته الباقية في الخيال أعنى فى القوة التى تسمى مصورة فكائنها صارت أبعد عن المادة قليلا حيث لم يستدع وجودها المادة وحضورها كما يستدعيها الابصار ولما كانت الصورة بقدرها ووضعها وأطرافها ووسطها وسائر أجزائها تحصل فى الخيال لم يمكن أن يحصل إلا في آلة جسمانية لأن أجزاء المقدر بمقدار وأطراف لا يتميز إلا في جسم كما لا يتميز الصورة إلا فى جسم هو مرآة أو ماء فهاتان القوتان أعنى البصر والخيال جسمانيتان* وأما الوهمية فهى عبارة عن قوة تدرك من المحسوسات معانى غير محسوسة مثل عداوة السنور للفأرة والشاة للذئب وموانقة الشاة لسخلتها وهى أيضا متعلقة بالمادة لأنه لو قدر عدم إدراك صورة الذئب بالحس لم يتصور إدراك هذه فهذه القوة أيضا جسمانية وملتصقة بأمور غريبة عن حقيقة المدرك زائدة على ماهية غيرمجردة عنها ومعلوم أنا ندرك الانسانية بحدها وحقيقتها أو مجردة بحيث لا يقترن بها شىء غريب إذ لو لم يدرك ذلك مجردا لما حكمنا عليه بأن القدر واللون والوضع غريب كلها في حقه وعوارض له ليست داخلة في ماهيته فاذن لها فينا قوة تدرك الماهية غير مقترنة بشىء من هذه الأمور الغريبة بل مجردة عن كل أمر سوى الانسانية وندرك السواد المطلق مجرداعن كل أمر سوى السوادية فكذلك سائر المعانى* وهذه القوة تسمى عقلا وهذه المجردات لا يقدرالخيال على إدراكها فانا لا نقدرعلى أن نتخيل إنسانا إلا على بعد منا أو قرب أو على قدر فى الصغر أو الكبر أو قاعدا أو قائما أو عاريا أو كاسيا وهذه الأمور غريبة عن ماهية الانسان فليس للخيال هذا الادراك ولا أيضا للابصار وهو حاصل فينا فهو إذن بقوة أخرى وتلك القوة هى المطلوب المسمى عقلا وبهذه القوة يقتنص الانسان العلم بالمجهولات بواسطة الحد الأوسط فى التصديقات وبواسطة الحد والرسم فى التصورات وتكون الادراكات الحاصلة فيها كلية لأنها مجردة فتكون نسبتها إلى آحاد جزئيات المعنى نسبة واحدة وليس ذلك الشىء لسائر الحيوانات سوى الانسان ولهذا كانت كلها على نمط واحد فى جهلها بوجه الحيلة للخلاص مما يشق عليها مع اختلاف أنواعها وليس لها إلا مقدار حاجتها فانها تخص بالطبع على سبيل الالهام والتسخير فاذن خاصية الانسان التى لا يشاركه فيها الحيوانات هى التصور والتصديق بالكليات وله استنباط المجهول بالمعلوم فى الصناعات وغيرها وهاتان القوتان مع سائر القوى كلها لنفس واحدة كما سبق* ثم نقول أن للقوة العقلية مراتب ولها بحسبها أسامى فالمرتبة الأولى أن لا يحصرها شىء من المعقولات بالفعل بل ليس لها الاستعداد والقبول كما فى الصبى وتسمى حينئذ عقله عقلا هيولانيا وعقلا بالقوة ثم بعد ذلك يظهر فيه نوعان من الصور المعقولة.
(أحدهما): نوع الأوليات الحقيقية التى تقتضى طبعها أن تنطبع فيه من غير اكتساب بل تقبلها بالسماع من غير نظر كما بيناه.
(والثانى): نوع المشهورات وهى فى الصناعات والأعمال أبين فاذا ظهر فيه ذلك سمى عقلا بالملكة أى قد ملك كسب المعقولات النظرية قياسا فان حصل بعد ذلك فيه شىء من المعقولات النظرية باكتسابه إياها سمى عقلا بالفعل كالعالم الغافل عن العلوم القادر عليها مهما أراد فان كانت صورة العلوم حاضرة فى ذهنه سميت تلك الصورة عقلا مستفادا أى علما مستفادا من سبب من الأسباب الالهية يسمى ذلك السبب ملكة أوعقلا فعالا ولا يجوز أن تكون هذه الادراكات بآلة جسمانية بل المدرك لهذه المعقولات الكلية جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا هو منطبع فى جسم ولا يفنى بفناء الجسم بل يبق حيا أبد الآبدين إما متلذذا وإما متألما وذلك الجوهر هو النفس ويدل على كون إدراك العقل بغير جسم عشرة أمور سبعة هى علامات قوية مقنعة بعدمها وثلاثة هى براهين قاطعة.
(العلامة الأولى): أن الحواس المدركة بآلة جسمانية إذا أصاب الآلة آفة فاما أن تدرك وأما أن يضعف إدراكها أو يغلط فيه.
(الثانية): أنها لا تدرك آلتها إذ البصر لا يدرك نفسه ولا آلته. (الثالثة): أنها لو كان فيها كيفية ما لم يدركها وإنما يدركها أبدا غيرها حتى أن سوء المزاج إذا صار متمكنا فى البدن جوهر بآلته مثل الدق لم يدرك ذلك قوة اللمس.
(الرابعة): أنها لا تدرك نفسها فان الوهم لو أراد أن يتوهم نفسه وهو الوهم لم يمكنه.
(الخامسة): أنها إذا أدركت شيئا قويا لم يمكنها الادراك للضعيف بعده وعقيبه بل بعد زمان فلا تسمع الصوت الخفى عقيب القوى الهائل ولا ذا اللون الضعيف عقيب الضوء الظاهر ولا طعم الحلاوة الضعيفة عقيب الحلاوة القوية فانها إذا انفعلت بمدركها القوى لم تقبل سرعة الانفعال بمدركها الضعيف لاشتغال المحل بذلك المدرك القوى واشتباكه به.
(السادسة): أنها لو هجم عليها مدرك قوى ضعفت الآلة وفسدت فقد تفسد العين بقوة الشعاع ويفسد السمع بالصوت الهائل.
(السابعة): أن القوى الجسمانية تضعف بعد الأربعين وذلك عند ضعف مزاج البدن وهذا الذى ذكرناه كله ينعكس فى القوة العقلية فانها تدرك نفسها وتدرك إدراكها لنفسها وتدرك ما يقدر أنه آلتها كالقلب والدماغ وتدرك الضعيف بعد القوى والخفى بعد الجلى وربما تقوى بعد الأربعين فى غالب الأمر* فان قيل القوة العقلية أيضا قد تقصر عن الادراك بالمرض الذى يظهر فى مزاج البدن قيل قصورها أو تعطلها عند تعطيل آلاتها لا يدل على أنها لا فعل لها فى نفسها بل يجوز أن تكون فساد الآلة مؤثرا فيها من وجهين.
(أحدهما): أنه إذا فسدت اشتغلت النفس بتدبيرها وانصرف عن جهة المعقولات فان النفس إذا اشتغلت بالخوف لم تدرك اللذة وإذا اشتغلت بالغضب لم تدرك الألم وإذا اشتغلت بفن معقول لم تدرك في حال الشغل غيره فيشغلها شىء عن شىء فلا يبعد أن يشغلها ضعف الآلة والحاجة إلى إصلاحها.
(والوجه الثانى): أن الآلة الجسمانية ربما تحتاج القوة اليها ابتداء ليتم لها الفعل بنفسها بعد حصولها كما يحتاج من يقصد بلدة مثلا إلى دابة فاذا وصل استغنى عنها فاذا فعل واحد بغير آلة يدل على أن له فعلا فى نفسه وتعطل الفعل بتعطيل الآلة يحتمل هذين الوجهين الذين ذكرناهما فلا حجة فيه.
(الثامنة): وهى البرهان أن العلم المجرد الكلى لا يجوزأن يحل فى جسم منقسم لأن العلم الكلى لا ينقسم والجسم ينقسم وما لا ينقسم لا يحل فيما ينقسم والعلم لا ينقسم فاذا لا يحل العلم في جسم وهذه المقدمات لا يمكن النزاع فيها إذ الجزء الذى لا يتجزى قد بطل فلا يكون العلم فيه وإذا كان في جسم منقسم انبسط فيه كالحرارة واللون فاذا قسم الجسم انقسم العلم بالمجهول بزعم الزاعم والعلم الواحد بالمعلوم الواحد لا ينقسم إذ ليس له بعض البتة فاستحال أن يحل فى الجسم وإن قيل فلم قلتم أن العلم الواحد لا ينقسم قيل العلم بالمعقول المجرد ينقسم إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه كثرة وقبول قسمة كالعلم المجرد بالوجود وكالعلم بالوحدة فانه لا بعض للمعلوم فلا بعض للعلم الذى هو مثال مطابق له وإلى ما يتوهم فيه كثرة كالعلم بالعشرة والعلم بالانسان الذى هو متقوم من الحيوان والناطق وهما الجنس والفصل وهذا النوع ربما يظن أن له أجزاء إذ يقول القائل العشرة لها جزء والعلم بها مثال لها ومطابق إياها فالعلم بها له جزء وكذلك العلم بالانسان وهو محال فان العشرة من حيث هى عشرة لا جزء لها إذ ما دون العشرة ليس بعشرة فليست كالماء الكثير فان بعضه إذا قسم فهو ماء بل هى كالرأس مثلا فانه واحد لكل إنسان ولا جزء له من حيث هو رأس بل له جزء من حيث هو جلد ولحم وعظم وكونه جلدا ولحما وعظما غير كونه رأسا وكونه رأسا لا يقتضى أن يكون له جزء فان الرأس من حيث هو رأس لا ينقسم وكل معلوم لم يتحد بهذا النوع من الاتحاد فلا يكون معلوما واحدا* وأما الانسان فهو معلوم واحد لأنه من حيث أنه إنسان شىء واحد وله صورة واحدة كلية ولأجل وحدتها تصير معقولا فيكون واحدا لا يقبل القسمة على أنا نقيم برهانا على استحالة القسمة وهو أنه لو انقسم العلم بانقسام الجسم لكان أحد القسمين فى جزء وهذا الجزء المفروض فيه قسم العلم الواحد لا يخلو إما أن يخالف الكل أو لا يخالف فان لم يخالف أحدهما الآخر فى شىء أصلا كان الجزء مثل الكل وذلك محال إذ يخرج عن كونه جزءا وإن كان مخالفا فلا يخلو إما أن يخالفه مخالفة النوع للنوع ومخالفة الشكل للون وهو محال إذ لا يكون الشكل داخلا فى اللون وكل جزء فهو داخل فى الكل وإما أن يخالفه بعد كونه داخلا فيه مخالفة الحيوان للانسان وهى مخالفة الجنس للنوع وإن كان داخلا فيه أو مخالفة الواحد للعشرة وباطل أن يخالفه مخالفة الجنس للنوع لأنه يؤدى إلى أن يكون العلم بالحيوان في جزء والعلم بالناطق في جز آخر فليس فى كل واحد منهما علم للانسان فيؤدى إلى نأ لا يكون العلم بالانسان حاصلا بل ليت شعرى إذا قدرنا الجزئين أحدهما فوق مثلا والآخر أسفل فالعلم بالجنس بأنهما يختص ولم يستحق أحدهما أن يكون محلا للجنس والآخر محلا للفصل ثم أن تركب الانسان من الحيوان والناطق فلا يتركب الحيوان من عدد يتمادى إلى غير نهاية بل ينتهى إلى أول واحد وإلا فيؤدى إلى أن لا يعلم الشىء إلا بعد علوم غير متناهية وذلك محال وإن كان يخالفه فى المقدار مخالفة الواحد للعشرة فلا يخلو إما أن يكون ذلك الجزء علما أو لا يكون علما فان لم يكن علما أدى ذلك إلى أن يحصل من أجزاء ليست علوما وهو كما يقال حصل من جزئين هما شكل وسواد وهو محال وإن كان ذلك الجزء علما فمعلومه إن كان هو معلوم الكل كان الجزء مساويا للكل وان كان معلوم آخر استحال أن يكون الكل علما غير العلم بالأجزاء إذ لا يحصل من العلم بالشكل والعلم بالسواد العلم بالقدرة وإن كان العلم بالجزء معلوم الكل فقد فرضنا ذلك في معلوم واحد لا جزء له فدل على أن القسمة محال.
(والتاسعة): وهى برهان أيضا المعقول المجرد يحصل في النفس للانسان كما سبق ويكون مجردا عن الوضع وعن المقدار فتجريده لا يخلو إما أن يكون باعتبار محله أو باعتبار ما منه حصل وباطل أن يكون باعتبار ما منه حصل فان الانسان إنما يتلقى حد الانسان وحقيقته ويحصل ماهيته فى عقله من انسان شخصى له قدر مخصوص لكن العقل يجرده عن القدر والوضع فبقى انه منزه عن الوضع والقدر لمحله لا لما منه أخذ وحصل وذلك أن محله أعنى نفس الانسان يميزه عن القدر والوضع وإلا فكل حال في ذى وضع وقدر يكون له قدر ووضع بسبب محله لا محالة.
(والعاشرة): اعلم أن كل ما يقدر آلة للعقل من قلب أو دماغ فالعقل قادر على إدراكه فاذا أدركه فادراكه لا يكون إلا بحصول صورة فيه إذ هذا معنى كل إدراك فالصورة الحاصلة لا تخلو إما أن تكون عين صورة الآلة أو غيرها بالعدد ولكن تماثلها وباطل أن يكون هى عين صورة الآلة فانها حاضرة أبدا فيها فينبغى أن يكون أبدا مدركا لها وليس كذلك فانه تاره يعقلها وتارة يعرض عن إدراكها والأعراض عن الحاضر محال وإن كان غيرها بالعدد فاما أن يحل فى نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل ذلك على أنها قائمة بذاتها وليست فى الجسم وإما أن يكون بمشاركة الجسم حتى يكون هذه الصورة المغايرة فى التعين فى القوة فى الجسم الذى هو الآلة وهى مثل الجسم فيؤدى إلى اجتماع صورتين متماثلتين فى جسم واحد وذلك محال كما يستحيل اجتماع سوادين في محل واحد فانا بينا ان الاثنينية لا تكون إلا بنوع مفارقة وههنا لا مفارقة فان كل عارض يذكر لاحدى الصورتين فهى للصورة الأخرى موجود وبذلك يصيران متطابقين وقد ظهر استحالته.
(دليل حادى عشر): هو انا قد ذكرنا فيما تقدم أن كل قوة جسمانية فلا تكون الا قوة على متناه والقوة على ما لا يتناهى لا تكون فى الجسم البتة والقوة العقلية قوة على صور عقلية وجسمانية وغيرها لا نهاية لها إذ ما يمكن أن يدركه العقل من الحسيات والمعقولات ليس محصور فيستحيل أن تكون القوة العقلية جسمانية أما برهان أنها لا تفنى بفناء الجسم فيتقدم عليه أنها حادثة مع الجسم لأنها لو كانت موجودة قبل الجسم لكانت النفوس اما واحدة وأما كثيرة وباطل أن تكون كثيرة فان الكثرة لا تكون إلا باختلاف وتغاير بالعوارض وإذا لم تكن مواد وعوارض يقع بها الاختلاف فلا يتصور الاختلاف وإن كانت واحدة فهو محال أيضا لأنها فى الأبدان كثيرة والواحد لا يصير كثيرا كما لا يصير الكثير واحدا إلا إذا كان له حجم ومقدار فيتصل مرة وينفصل أخرى ودليل كثرته في الأبدان أن معلوم زيد ليس معلوم عمرو ولو كان نفسا واحدا لما كان الشىء معلوما لنفس ومجهولا بعينه لنفس أخرى إذ يكون الشىء معلوما لنفس الواحدة ومجهولا لها وذلك محال ولكنا نقول مع أنها حدثت مع الأجسام فليست حادثة بالأجساد إذ قد سبق أن الجسم لا يكون سببا لاختراع شىء البتة لا سيما ما ليس بجسم بل سببها واهب الصور وهو جوهر عقلى أزلى ويبقى المعلول ببقاء العلة وذلك الجوهر باق* فان قيل كما يفتقر حدوثها إلى البدن فكذلك بقاؤها* قيل البدن شرط لحدوث النفس لا علته وكأنه شبكة بها يقتنص من العلة هذا المعلول أو يستخرج من هذه العلة فبعد الوقوع في الوجود بواسطة الشبكة لا يحتاج إلى بقاء الشبكة ووجه كونه شرطا لا علة أن العلة لو صدرت منها نفس لكانت اما واحدة أو اثنتين او عددا غير متناه فى كل لحظة وكل ذلك محال إذ ليس عدد أولى من عدد فلا ترجيح لواحد من الأعداد ولو اقتصر على واحد لم يكن له مخصص أيضا فان امكان الثانى منه كامكان الأول فلما لم يترجح إمكان الوجود على إمكان العدم بقى العدم مستمرا إلى أن تستعد النطفة لأن تكون آلة لنفس يشتغل بها فصار وجود النفس حينئذ أولى من عدمها واختص عددها بعدد النطف المستعدة فى الأرحام وهذا شرط الابتداء ليترجح الوجود على العدم فبعد الوجود يكون بقاؤه بعلته لا بالمرجح* وأما برهان بطلان التناسخ فان النفس إذا تركت تدبير البدن بفساد المزاج وخروجه عن قبول التدبير فلا يخلو إما أن يكون مشتغلة بتدبير حجر أو خشب وما لا يستعد لقبول التدبير فيصير نفسا له وهو محال أو يشتغل بتدبير نطفة استعدت لقبول التدبير لأية نطفة سواء كانت نطفة انسان أو حيوان أو غيره وهو الذى ظنه قوم وذلك محال لأن كل نطفة استعدت لقبول النفس استحقت حدوث نفس من الجوهر العقلى الذى هو مبدأ النفوس استحقاق بالطبع لا بالانحراف والاختيار فيؤدى الى اجتماع نفسين لبدن واحد وهو محال فان استعداد النطفة لقبول نور النفس من واهب النفوس بازاء منزلة استعداد الجسم لقبول نور الشمس إذا رفع الحجاب من وجهه فان كان عند ارتفاع الحجاب ثم سراج حاضر أشرق نور السراج ونور الشمس جميعا ولا يمتنع نور الشمس بنور السراج فكذلك لا يمتنع تأثير النطفة لقبول النفس من مبدئها بوجود النفس فى العالم غير مشغولة ببدن فيؤدى ذلك إلى اجتماع نفسين فى بدن واحد وما من شخص إلا وهو يشعر بنفس واحدة فالتناسخ محال.
(المقالة الخامسة) (فيما يفيض على النفوس من العقل الفعال): لا شك أن النظر فى العقل الفعال يليق بالالهيات وقد سبق اثباته وصفته وليس النظر فيه من حيث ذاته الآن بل من حيث تأثيره في النفوس بل ليس النظر في تأثيره وإنما هو فى النفس من حيث تأثرها به ولنذكر فى هذه المقالة دلالة النفس على العقل الفعال ثم كيفية فيضان العلوم عليها منه ثم وجه سعادة النفس به بعد الموت ثم وجه شقاوة النفس المحجوبة عنه بالأخلاق المذمومة ثم سبب الرؤيا الصادقة ثم الرؤيا الكاذبة ثم سبب إدراك النفس علم الغيب ثم اتصالها بعالم العلوم ثم سبب مشاهدتها ورؤيتها في اليقظة صورا لا وجود لها من خارج ثم معنى النبوة والمعجزات وطبقاتها ثم وجود الأنبياء ووجه الحاجة اليهم فهذه عشرة أمور.
(الأول): دلالة النفس على العقل الفعال ووجه أن النفس الانسانية تكون عالمة بالمعقولات المجردة والمعاني الكلية في الصبى بالقوة ثم تصير عالمة بالفعل وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل فاذا لا بد للنفس فى خروجها فى حال الصبى من القوة إلى الفعل من سبب وهذا أيضا لا بد له من سبب ويستحيل أن يكون ذلك السبب جسما لأن الجسم لا يكون سببا لما ليس بجسم كما سبق والعلوم العقلية تقوم بالنفس التى ليست بجسم ولا هى منطبعة فى جسم فلا تدخل فى المكان والحيز حتى يحاورها جسم آخر أو يحاذيها فيؤثر فيها فاذن يكون السبب جوهرا مجردا عن المادة وهو المعنى بالعقل الفعال لأن معنى العقل كونه مجردا ومعنى الفعال كونه فاعلا فى النفوس على الدوام ولا شك فى أن هذا من الجواهر العقلية التى سبق إثباتها فى الالهيات وأولاها بأن تنسب اليه العقل الأخير من العقول العشرة التى ذ كرناها والشرع أيضا مصرح بأن هذه المعارف في الناس وفى الأنبياء بواسطة الملائكة.
(الثانى): كيفية حصول العلوم فى النفس فذلك أن المتخيلات المحسوسة ما لم تحصل فى الخيال لا يحصل منها المعانى الكلية المجردة ولكنها في ابتداء الصبى تكون في حكم صورة مظلمة فاذا كمل استعداد النفس أشرق نور العقل الفعال على الصور الحاضرة في الخيال فوقع منها فى النفوس المجردات الكلية حتى يأخذ من صورة زيد صورة الانسان الكلى ومن صورة هذا الشجر صورة الشجر الكلى وغير ذلك كما تقع من صور المتلونات عند إشراق الشمس عليها مثلها في الأبصار السليمة والشمس مثال العقل الفعال وبصيرة النفس مثال قوة الأبصار والمتخيلات مثل المحسوسات فانها محسوسة مرئية بالقوة فى الظلام فى العين مبصرة بالقوة فلا يخرج إلى الفعل إلا بسبب آخر وهو إشراق الشمس فكذلك هذا ومهما أشرق هذا النورميزت القوة العقلية من الصور المنتقشة فى الخيال العرضى عن الذاتي وميزت الحقائق عن الأمور الغريبة التى ليست ذاتية فيكون مجردة ويكون كلية أيضا إذ أبطل وجود العقل الجزئية بحذف المخصصات التى هى عرضية خارجة عن الذات فبقى أمر واحد مجرد نسبته إلى جميع الجزئيات نسبة واحدة.
(الثالث): السعادة وهى أن النفس إذا استعدت بالاستعداد لقبول فيض العقل الفعال وأنست بالاتصال به على الدوام انقطعت حاجتها عن النظر إلى البدن ومقتضى الحواس ولكن لا يزال البدن يجاذبها ويشغلها ويمنعها عن تمام الاتصال فاذا انحط عنها شغل البدن بالموت ارتفع الحجاب وزال المانع ودام الاتصال لأن النفس باقية والعقل الفعال باق أبدا والفيض من جهته مبذول فانه لذاته والنفس مستعدة للقبول بجوهرها إذا لم يكن مانع وقد زال المانع فدام الوصال لأن البدن وإن كان تحتاج اليه النفس لما فيه من الحواس والقوى فى الابتداء لتحصل بواسطة التخيلات حتى تلتقط من الخيالات المجردات الكلية وتقتنصها بواسطتها إذ ليس يمكنها فى الابتداء كسب المعقولات إلا بواسطة الحواس فالحاسة نافعة فى الابتداء كالشبكة وكالمركوب الموصل إلى المقصد ثم بعد الوصول إلى المقصد يصير عين ما كان شرطا وبالا عليها بحيث تكون الفائدة فى الخلاص منه لكونه مانعا للنفس من التمتع بالمقصود بعد الوصول وشاغلا لها وكذلك هذا وإنما كانت هذه سعادة لأنها لذة عظيمة لا تدخل تحت الوصف وإنما كانت لذة لما بينا من قبل أن معنى اللذة إدراك كل قوة لما هو مقتضى طبعها بغير آفة وخاصية طبع النفس المعارف والعلم بحقائق الأشياء على ما هى عليه فان هذه العقليات ليست للحس أصلا وقد ظهر أنه لا قياس للذة القوة العقلية إلى لذة القوة الحسية وظهر أن سبب خلونا عن إدراك لذة العلوم ونحن فى شغل البدن ماذا وقد سبق هذا فى الالهيات فاذا كانت المعارف التى هى مقتضى طباع القوة العقلية وخاصيتها المعرفة بالله وملائكته وكتبه ورسله وكيفية صدور الوجود منه إلى غير ذلك من المعارف حاضرة حتى اشتغلت النفس بها وهى فى البدن عن أن تصير مستغرقة بالبدن وعوارضه مستوعبة لهمتها ما دام اتصالها وكمل حالها بعد فراق البدن والتذت بها لذة لا يدرك الوصف كنهها وإنما ليس يشتد الشوق والرغبة فى هذا الآن لعدم ذوقه كما لو وصفت لذة الجماع للصبى وليست له شهوة لم يرغب فيه بل ربما يعاف صورة الجماع وهذه اللذة العقلية إنما تكون لنفس كملت في هذا العالم فان كانت منزهة عن الرذائل ولكنها منفكة عن العلوم وهمها مصروف إلى المتخيلات فلا يبعد أن يتخيل الصورة الملذة كما فى النوم فيتمثل لها وصف فى الجنة من المحسوسات فيكون بعض الأجرام السماوية موضوعا لتخيلها إذ لا يمكن التخيل إلا بجسم.
(الرابع القول فى الشقاوة): وهى أن تكون النفس محجوبة عن عن هذه السعادة التى هى مقتضى طبعها فاذا حيل بينها وبين ما تشتهيه فقد تشقى وإنما تصير محجوبة بأن تتبع الشهوات وتقصر الهمة على مقتضى الطبع البدنى وتؤثر هذا العالم الخسيس الفانى فترسخ بالعادة تلك الهيئة فيها ويتأكيد شوقه اليها فيفوته بالموت آلة درك المشوق واقتناص العلوم ويبقى الشوق والنزوع وهى الألم العظيم الذى لا حد له وذلك يمنع من الوصال والاتصال بالعقل الفعال لأن النفس في هذا العالم لا يمنع دوام اتصالها لكونها منطبعة فى البدن وإن كانت ليست في البدن كما بينا ولكن لاشتغالها بعوارضه وشهواته ونزوعه اليه وعشقه الطبيعى الذى يحول بين النفس ومقتضى طبعها ولكن لا يحس فى هذا العالم بالم ذلك لشغل البدن إياها كالمشغول بالقتال أو الخوف فانه قد لا يشعر بالألم وقد شرحنا أسباب ذلك فاذا فارقت البدن بالموت ارتفع ذلك الشاغل وبقى الشوق وفاتت الآلة أعنى الحواس والقوى البدنية التى يفيض بها المعقولات وعدم المركب الذى يوصل إلى المقصد وصار الشوق إلى ما تعوده وألفه من الحس صارفا له إلى ما فاته ومانعا إياه عن الاتصال بمقتضى طبعه وهو البلاء العظيم المخلد وهذه النفس ناقصة بفقد العلم ملطخة باتباع الشهوة وأما الذى استكمل القوة العقلية فحصل المعارف ولكنه اتبع الشهوات فذلك يبقى هيئة الشهوات والنزوع اليها فى نفسه فيجاذبها إلى جهة الطبيعة السفلى وما حصله من المعارف فى جوهره يجذب نفسه إلى الملأ الأعلى ويحصل من تصاد المتجاذبين ألم عظيم هائل ولكنه ينقطع ولا يخلد لأن الجوهر قد كمل وهذه الهيئة عارضة وقد انقطع أسبابها بالموت فلم يبق ما يؤكدها ويجددها فتمحى بعد زمان ولا يتعذب أبدا ويكون قرب الزوال وبعده بحسب قوة تلك الصفة وضعفها وعن هذا أخبرتك الشريعة بأن المؤمن الفاسق لا يخلد فى النار وأما من اكتسب شوق الاستكمال بالعلم بممارسة مباديه ثم تركه يتضاعف عقابه لأنه ينضاف إلى آلامه تحسره على ما فاته مع كونه مشتاقا اليه وان ما لا يعرف قدره لا يشتاق اليه فلا يشعر بفواته ولا يتحسر عليه كما لو قتل ملك وأخذ الملك من أولاده وله ولدان.
(أحدهما): صبى لا يعرف ما الملك.
(والآخر): أكبر قد عرف الملك ومارسه ولم يصل بعد إلى استكماله واستدامته فانه لا شك يكون أعظم حسرة وأشد من أخيه الذاهل عن قدر ما فاته ألما وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا. (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه): وقال النبى صلى الله عليه وسلم.
(من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا).