☪ Anlam Arayışı

← Makâsıdü'l-Felâsife

Bölüm 6

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

(أحدهما): أن يكول السبب معه كالضوء الذى يكون مع الشمس تدور معه ثم يحدث فى كل جزء من الأرض شيئأ فشيئا فيحدث النهار فى كل قطر شيئا فشيئا ويحدث بسببه الابصار وزوال الظلام ويحدث بسبب الابصار انتشار الناس فى أغراضهم بأصناف الحركات ويحدث من تلك الحركات حوادث فى العالم لا تخفى.

(والآخر): أن تكون الحركة الدورية سببا لوصول الاستعداد إلى الأسباب ولكن تتأخر المسببات من حيث لا تتم الشروط كما أن الشمس توجب حرارة في الأرض تستعد بسببها للتأثير فى البذر إن بذر فيها ولكن يتأخر لعدم البذر والبذر يتأخر لعدم إرادة المتحرك للبذر وإرادته تبتنى على سبب آخر فاذا تيسر بث البذر عملت الحرارة الآن وقبل هذا كان لا تؤثر لفقد المحل وكان تأخرالحادث لمثل ذلك فهكذا يتصور حدوث الأشياء وقد ظهر أن التركيب بين الماء والطين مثلا دل على الحركة والحركة دلت على اختلاف الجهتين بالضرورة ولم يمكن اختلاف الجهتين إلا بجسم محيط وهو السماء وأنه لا بد وأن يكون متحركا على الدوام حتى يتصور حدوث الحوادث فاذا هذه الأدلة وافقت المحسوس وصار بحيث إذا تأمله الأعمى الذى لا يشاهد السماء وحركتها وإحاطتها إذا نظر بعقله في أدنى حركة يعلم أنه لا بد من وجود سماء تدور على الدوام حتى يتصور الحركة وإلا فخلق الحركة دون ذلك محال والمحال لا يكون مقدورا عليه فلا يكون له وجود البتة والآن فاذ قد بينا حركة السماء برهان الآن وهو الدلالة عليه بالنتيجة فنذكر سبب حركته وأنه لم يتحرك ولنذكر أحكامه.

(القول فى الأجسام السماوية): الدعاوى فيها أنها متحركة عن نفس بالارادة وأن لها تصورا للجزئيات متجددا وأن لها فى الحركة غرضا وأنه ليس غرضها الاهتمام بالسفليات وأن غرضها الشوق والتشبه بجوهر شريف أشرف منها لا علاقة بينه وبين الأجسام يسمى ذلك عقلا مجردا وبلسان الشرع ملكا مقربا وأن العقول كثيرة وأن أجسام السموات مختلفة الطباع وأن بعضها ليس بسببا لوجود البعض.

(الدعوى الأولى): أنها متحركة بالارادة أما أنها متحركة فمشاهد وقد دللنا أيضا عليه ونزيد فنقول إن هذا الجسم المحيط إذا فرض ساكنا كان له وضع مخصوص حتى يكون نصف معين منه مثلا فوقنا الآن ولو قدر هذا تحتنا لم يكن محال لأن سائر أجزاء الحول بالاضافة إلى سائر أجزائه واحد فيستحيل أن يتعين جزء من الحول لجزء من أجزائه إذ لو تعين لبعضه جهة الفوق لكان ذلك الجزء مخالفا للذى تعين له تحت ولكان مركبا والمركب إنما يجتمع من حركة البسائط على الاستقامة وقد بان استحالة قبولها للحركة المستقيمة والبسيط لا يتميز فيه بعض أجزاء الحول عن بعض فاذا هى قابلة للحركة وكل قابل للحركة فقد ذكرنا أنة لا بد وأن يكون فى طبعه ميل ولا يجوز أن يكون ذلك ميلا إلى الحركة المستقيمة فانه لا يقبل الحركة المستقيمة إذ يحتاج إلى جسم آخر يحدد له الجهات فيكون ميله إلى تبدل أجزاء الحول عليه وذلك بالدور حول الوسط فواجب إذا أن يكون فى طبعه ميل إلى الحركة حول الوسط إذ ليس بعض الحول أولى ببعض الأجزاء من بعض ويستحيل أن يكون مثل هذه الحركة بطبع محض خال عن الارادة لأن الحركة الطبيعية هرب من وضع لطلب وضع آخر فاذا وصل إلى ذلك الوضع الطبيعى استقر فيه واستحال أن يعود بالطبع إلى ما فارقه لأنه إن كان ملائما له فلم فارقه وإن كان منافيا فلم رجع اليه وما من وضع للسماء يفارقه بالحركة إلا ويعود اليه وهو زائل عائد على الدوام فلا يكون ذلك بالطبع بل بالارادة والاختيار ولا تكون الارادة إلا مع تصور وكل ما له تصور وإرادة فانما نسميه نفسا إذ ليس للجسم إرادة وتصور بمجرد كونه جسما بل بطبيعة خاصة وصورة مخصوصة والعبارة عنها النفس فاذا حركة السماء بالارادة حركة نفسانية.

(الدعوى الثانية): أنه لا يجوز أن يكون محرك السماء شيئا عقليا محضا لا يقبل التغير كما لم يجز أن يكون طبعا محضا والعقلى عبارة عن الجوهر الثابت الذى لا يقبل التغير والنفسى عبارة عما يقبل التغير فنقول الثابت على حالة واحدة لا يصدر منه إلا ثابت على حالة واحدة فيجوز أن يكون سكون الأرض مثلا عن علة ثابتة لأنه دائم على حالة واحدة أما أوضاع السماء فانها دائما فى التبدل فيستحيل أن يكون موجبه ما هو ثابت غير متغير فان الموجب للحركة من.

(ا) الى (ب) لا يوجب الحركة من (ب) الى (ج) إن بقى على تلك الحالة لأن هذه الحركة غير الأولى فان بقيت العلة على حالها فلا يلزم منها غير ما لزم أولا فاذا لا بد وأن يكون اقتضاؤها للحركة من حد ثانى الى ثالث بسبب طرأ عليها كالشيء الذى يختلف تحريكه لاختلاف كيفيته فانه اذا برد حرك على وجه آخر يخالف تحريكه فى حالة الحرارة فاذا لا بد من تغير الموجب عند تغير الموجب فان كان الموجب هو الارادة فلا بد من تغير الارادات وتجددها فاذا لا بد من تجديد الارادات الجزئية لأن الارادة الكلية لا توجب حركة جزئية فارادتك للحج لا توجب حركة رجلك بالتخطى الى جهة معينة ما لم يتجدد لك إرادة جزئية للتخطى إلى الموضع الذى تخطيت اليه ثم يحدث لك بتلك الخطوة تصور لما وراء تلك الخطوة وينبعث منه إرادة جزئية للخطوة الثانية وإنما ينبعث من الارادة الكلية الارادات الجزئية التى تقتضى دوام الحركة الى الوصول إلى الكعبة فيكون الحادث حركة وتصورا وإرادة فالحركة حدثت بالارادة والارادة حدثت بالتصور الجزئى مع الارادة الكلية والتصور الجزئى مع الارادة الكلية حدثت بالحركة ويكون مثاله من يمشى بسراج فى ظلمة لا يظهر له السراج مثلا إلا مقدار خطوة بين يديه فيتصور خطوة واحدة ومعه السراج فينبعث له من التصور والارادة الكلية للحركة إرادة جزئية لتلك الخطوة بعينها فتحصل الخطوة بعينها وهى موجب الارادة التى هى موجب التصور ثم تكون تلك الخطوة سببا لتصور الخطوة الأخرى فيتصور وتحصل الخطوة فيحدث من الخطوة تصور آخر ومن التصور إرادة خطوة أخرى ومن الارادة الخطوة الأخرى وهكذا على الدوام ولا يمكن أن تكون حركة جزئية إلا كذلك فهكذا يمكن أن تكون حركة السماء وكل ما هو متغير بتغير الارادات والتصورات يسمى نفسا لا عقلا.

(الدعوى الثالثة): أنها ليست تتحرك اهتماما بالعالم السفلى وإن أمر السفلى ليس يهمها بل غرضها أمر أجل وأشرف منها وبرهانه أن كل حركة إرادية فانما تكون جسمانية حسية أو عقلية والحسية هى الحركة بالشهوة والغضب ويستحيل أن تكون حركة السماء لشهوة فان الشهوة عبارة عن طلب ما هو سبب لدوام البقاء وما لا يخاف على نفسه النقصان والهلاك يستحيل أن يكون له شهوة ويستحيل أن يكون له غضب فانه عبارة عن قوة تدفع المنافى المضاد الموجب للهلاك أو النقصان فالشهوة طلب الملايم والغضب لدفع المنافى والفلك يستحيل عليه الهلاك والنقصان فلا يمكن أن يكون غرضه من هذا القبيل فلا بد أن يكون عقليا وبرهان استحالة الهلاك والنقصان عليه إن ذلك لو كان لكان لا يخلو إما أن يكون بزوال عرض منه وهو الاتصال بالانكسار والانخراق أو زوال صورته وطبيعته أو عدمه من أصله بصورته ومادته وباطل أن يكون له انخراق وانكسار فان معناه زوال الأجزاء طولا وعرضا فى جهات مستقيمة فهو معنى التفرق أعنى أن ذلك من ضرورته وقد بان أنها لا تقبل الحركة المستقيمة وباطل أن يعرض بطلان صورته عن مادته لأن المادة لا تخلو إما أن تبقى خالية عن الصورة وهو محال أو تلبس صورة أخرى فيكون ذلك كونا وفسادا وهو محال لأن الكون والفساد من ضرورته قبول الحركة المستقيمة فانه إنما يقبل صورة تخالف الصورة الأولى بالطبع فيستدعى مكانا غير مكانه فيتحرك إلى ذلك المكان حركة مستقيمة كهيولى الهواء فانه إذا خلع الصورة الهوائية ولبس صورة المائية لم يتصور ذلك إلا بأن يتحرك إلى حيز الماء حركة مستقيمة وأما عدمه من أصله أى عدم مادته فهو محال لأن كل ما ليس له مادة فيستحيل عدمه بعد الوجود كما يستحيل وجوده بعد العدم إذ قد ثبت من قبل أن كل حادث فله مادة إذ إمكان حدوثه قبل حدوثه وهو وصف ثابت فلا بد له من محل فلذلك لا يعدم الشىء إلا من مادة حتى يبقى إمكان وجوده بعد عدمه فى مادته وإلا ينعدم انعداما يستحيل بعد وجوده ومحال أن ينقلب الموجود محالا وإذا بقى ممكنا استدعى الامكان الذى هو وصف إضافى إلى جوهر يقوم به فاذا ثبت بهذا استحالة التغير عليها لم تكن حركتها لشهوة ولا غضب فلا يبقى إلا غرض عقلى ويستحيل أن يكون غرضها الاهتمام بهذه الكائنات الفاسدات حتى يكون الغرض من وجودها وحركتها هذه السفليات لأن ما يراد للشىء فهو أخس من ذلك الشىء لا محالة فيؤدى إلى أن يكون العلويات أخس من السفليات مع إن العلويات أزلية غير قابلة للهلاك وهذه السفليات ناقصة ومتغيرة وهى بالقوة وجملة الأرض بما فيها جزء يسير من جرم الشمس فانها مثل الأرض مائة ونيف وستين مرة فلا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها فكيف الفلك الأقصى فكيف يكون الغرض من مثل هذا الجسم هذه الأمور الخسيسة وكيف يكون الغرض من تلك الحركة الأزليه الدائمة هذه الأمور الخسيسة وكيف لا يكون هذه خسيسة بالاضافة اليها وأشرف السفليات الحيوان وأشرفه الانسان وأكثره ناقص والكامل منه قط لا ينال تمام الكمال فانه لا ينفك عن اختلاف الأحوال فيكون أبدا ناقصا أى يكون فاقد الأمر الذى هو ممكن له ولو حصل له لكان أكمل له والأجرام العلوية كاملة وهى بالفعل ما فيها شىء بالقوة إلا ما يرجع إلى أخس أغراضها وهو الوضع كما سيأتى ولا يقصد إلا شرف الأخس لأجل الأخس في نفسه البتة* فان قيل فان كان ما يراد لغيره فهو أخس من ذلك الغير فليكن الراعى أخس من الغنم والمعلم أخس من المتعلم والنبى من الأمة إذ لا يراد الراعى إلا للغنم ولا المعلم إلا للمتعلم ولا النبى إلا لارشاد الأمة* قيل أما الراعى فهو أخس من الغنم من حيث أنه راع وإنما هو أشرف من حيث أنه إنسان وإنسانيته غير مطلوبة لأجل الرعاية فقط فان لم يعتبر منه إلا وصف كونه راعيا فهو بهذا الاعتبار أخس من الغنم كالكلب الحارس للغنم فانه أخس من الغنم بالضرورة إن لم يكن له وصف سوى كونه راعيا فان كان يتأتى منه الصيد فهو بذلك الوجه يجوز أن يكون أشرف فأما هو من حيث أنه حارس للغنم فقط بالضرورة يكون أخس منه لأن ما يراد لغيره فهو تبع لذلك الغير فكيف لا يكون أخس منه وهو الجواب عن المعلم والنبى فان شرف النبى من حيث أنه كامل فى نفسه بصفات يكون بها شريفا وإن لم يشتغل باصلاح الخلق فان لم يعتبر منه إلا وصف الاصلاح لزم أن يكون المطلوب صلاحه أشرف من المستعمل فى الاصلاح* فان قيل وأى بعد فى أن يكون غرضه إفادة الخير ليكون خيرا فاضلا وليكون ما يصدر منه حسنا فان فعل الخير حسن ولا تكون السفليات من حيث ذواتها مقصودة له* قيل قول القائل أن فعل الخير حسن كلام مشهور والمصلحة أن تعتقده العوام لينزجروا عن القبائح فأما إذا رد إلى التحقيق ففى محموله وموضوعه بحث وتفصيل أما الموضوع وهو فعل الخير فهو ينقسم إلى ما يكون بالذات وإلى ما يكون بقصد فالذى بالذات لا يدل على النقص ومعناه أن يكون ذاته بحيث يلزم من ذاته أمر هو خير ولا يقصد منه أمر آخر البتة وهذا الفعل لا يكون بارادة وغرض وقد ذكرنا أن الحركة الدورية إرادية والآخر أن يكون بقصد وهو دليل نقصان القاصد إذ لا بد وأن يكون فعله أولى به من لا فعله ليحصل له بالفعل ما لم يكن له ولو كان كاملا لما افتقر إلى اكتساب أمر آخر فان لم يكن هذا لم يكن قصد وإرادة البتة وأما المحمول وهو أنه حسن فينقسم إلى ما هو حسن فى ذاته وإلى ما هو حسن فى حق القابل وإلى ما هو حسن فى حق الفاعل أما الحسن فى ذاته فكما نقول أن وجود الكل إذا قوبل بعدمه كان الوجود خيرا من العدم وذات الأول ذات يلزم منه ما هو خير ولا يكون خيرا للأول إذ لا يستفيد منه شيئا ولا هو خير لقابل إذ ليس ثم غير الكل حتى يقال الكل خير له* وأما الحسن للقابل فهو حسن ودليل على نقصان القابل وافتقاره إلى أمر وجوده أكمل له من عدمه* والحسن للفاعل يدل على نقصان الفاعل إذ لو كان كاملا لاستغنى عن استفادة الخير والكمال بالفعل وإنما اشتهر أن الفعل الخير فى حق الانسان فضيلة وكمال لا نقصان لأنه يتوقع منه الشر فهو بالاضافة إلى مقتضى طبعه خير وإلا فهو فى الحقيقة وبالاضافة إلى الكمال المطلق نقصان فاذا ثبت هذا فنقول إن لم يكن إفادة الخير خيرا للفاعل لم يكن غرضا ولا يتصور أن يتوجه اليه إرادة فلا بد وأن نبين وجه كونه خيرا له حتى يتصور أن يكون غرضا.

(الدعوى الرابعة): إثبات العقول المجردة وهى أن الحركة تدل على إثبات جوهر شريف غير متغير ليس بجسم ولا منطبع فيه ومثل هذا يسمى عقلا مجردا وإنما يدل عليه بواسطة عدم التناهى فانه قد سبق أن هذه الحركة دائمة لا نهاية لها أزلا وأبدا فلا بد وأن يكون لها استمداد من قوة محركة إذ يستحيل أن يكون فى الجسم قوة على ما لا نهاية له لأن كل جسم منقسم وينقسم بتقدير انقسامه انقسام القوة فلو توهمنا الانقسام لكان بعض القوة لا يخلو إما أن يحرك إلى غير نهاية فيكون الجزء مثل الكل من غير تفاوت وهو محال وإما أن يحرك إلى غاية والبعض الآخر أيضا يحرك إلى غاية فيكون المجموع متناهيا فثبت أنه لا يتصور أن يكون قوة على أمر غير متناهى وتكون تلك القوة في جسم فاذا لا بد لهذه الحركة من محرك مجرد عن المواد والمحرك قسمان.

(أحدهما): يحرك كما يحرك المعشوق العاشق والمراد المريد والمحبوب المحب.

(والثانى): كما تحرك الروح البدن والثقل الجسم إلى أسفل والأول هو ما لأجله الحركة والثانى هو ما منه الحركة والحركة الدورية تفتقر إلى مباشر فاعل يكون منه الحركة وذلك لا يكون إلا نفسا متغيرا لأن المجرد الذى لا يتغير لا يصدر منه الحركة التغيرة كما سبق ذلك فتكون النفس الفاعل للحركة متناهى القوة لكونه جسمانيا ولكن يمده موجود ليس بجسم بقوته التى لا تناهى ويكون بريئا عن المادة لا محالة حتى تخرج قوته عن النهاية ولا يكون فاعلا للحركة بل تكون لأجله الحركة من حيث كونه معشوقا ومقصودا لا من حيث كونه مباشرا للحركة ولا يتصور محرك لا يتحرك فى نفسه إلا بطريق العشق كتحريك المعشوق للعاشق* فان قيل كيف يتصور أن يكون هذا العقل محركا بطريق العشق* قيل المحرك بهذا الطريق إما أن يكون بحيث يطلب ذاته كالعلم فانه يحرك طالب العلم بطريق عشقه له والمطلوب حصول ذاته وإما أن يكون بحيث يطلب التشبه به والاقتداء كالأستاذ فانه معشوق التلميذ ومحركه على معنى إنه يحب التشبه به وكذا كل مرغوب فيه متصف بوصف عظيم يراد التشبه به ولا يجوز أن تكون هذه الحركة من القسم الأول فان المعنى العقلى لا يتصور أن ينال الجسم ذاته فانه بان أنه لا يحل في جسم فلا يبقى إلا أنه يحب التشبه والاقتداء به باكتساب وصف يشبه وصفه ليقرب منه فى الوصف كتشبه الصبى بأبيه والتلميذ بأستاذه ولا يمكن أن يكون بطريق الأمر والائتمار فان الآمر ينبغى أن يكون له غرض في الأمر وذلك يدل على نقصان وقبول تغير والموتر أيضا ينبغى أن يكون له غرض فى الائتمار وذلك الغرض هو المقصود فاما امتثال الأمر لأجل أنه أمر فقط لا فائدة فلا يمكن وإذا ثبت أنه لا يمكن إلا بطريق التشبه بالمعشوق فيكون له ثلاثة شروط.

(الأول): أن يكون للنفس الطالبة للتشبه تصور لذلك الوصف المطلوب ولذات المعشوق وإلا كان بارادته طالبا لما لا يعرفه وهو محال.

(والثانى): أن يكون ذلك الوصف عنده جليلا عظيما وإلا لم يتصور الرغبة فيه.

(والثالث): أن يكون ممكنا حصوله فى حقه فانه إن كان محالا لم يتصور طلبه بارادة عقلية صادقة إلا بطريق الظن والتخيل الذى هو عارض قريب الزوال ولا يدوم أبدا فاذا لا بد وأن يكون لنفس الفلك إدراك لجمال ذلك المعشوق فينبعث بتصوره للجمال عشقه الذى يقتضى نظره والتفاته إلى جهة العلو لينبعث منه الحركة الموصلة إلى المطلوب من التشبه فيكون تصور الجمال سبب العشق* والعشق سبب الطلب والطلب سبب الحركة ويكون ذلك المعشوق هو الأول الحق أو ما يقرب منه من الملائكة المقربين أعنى العقول المجردة الأزلية المنزهة عن قبول التغير التى لا يعوزها شىء من الكمالات الممكنة لها* فان قيل فلا بد من تفصيل هذا العشق والمعشوق والوصف المطلوب تحصيله بالحركة* قيل كل طلب فانه توجه إلى ما هو خاصية واجب الوجود وهو أنه تام بالفعل ليس فيه شى بالقوة فان كون الشىء بالقوة نقصان إذ معناه فقد كمال هو ممكن حصوله له فكل موجود هو بالقوة من وجه فهو ناقص من ذلك الوجه وطلبه أن يزول عنه ما بالقوة إلى الفعل فمطلوب الكل الكمال ونيله وكل ما يكثر فيه ما بالقوة فهو أخس لا محالة وكل ما هو بالفعل من كل وجه فهو كامل والانسان فى جوهره تارة يكون بالقوة وتارة يكون بالفعل وإذا صار فى جوهره بالفعل فلا يزال فى أعراضه بالقوة لا ينال غاية الكمال ما دام فى البدن ولا تفارقه القوة* وأما الجسم السماوى فلا يكون بالقوة في جوهره البتة فانه ليس بحادث ولا يكون بالقوة فى أعراضه الذاتية أيضا ولا فى شكله بل هو بالفعل أى كل ما هو ممكن له فهو حاصل له إذ له من الأشكال أفضلها وهى الكرة ومن الهيئات أفضلها وهى الاضاءة والشفيف وكذا سائر الصفات وإنما يبقى لها أمر واحد لا يمكن أن يكون بالفعل وهو الأوضاع فان كل وضع فرض له أمكن فرضه على وضع آخر إذ لا يمكن أن يكون على وضعين في حالة واحدة ولو لم يمكن فيه هذا القدر بالقوة لكان قريب الشبه بالعقول المجردة وليس بعض الأوضاع أولى من بعض حتى يلزم ذلك ويترك البقية وإذ لم يمكن الجمع بين جميع الأوضاع بالعدد وأمكن الجمع بينها بالنوع على سبيل التعاقب قصد أن يكون كل وضع له بالفعل وأن يستديم جميعها بطريق التعاقب ليكون نوع الأوضاع دائما بالفعل كما أن الانسان لما لم يكن بقاء شخصه بالفعل دبر لبقائه حفظ نوعه بطريق التعاقب * وللحركة الدورية أيضا خاصية فى كونه بالفعل وبعيدا عن التغير والتفاوت فان الحركة المستقيمة إن كانت طبيعية تغيرت إلى السكون فى آخرها وإن كانت قسرية تغيرت إلى الفتور فى آخرها والدورية تستمرعلى وتيرة واحدة فاذا الجسم السماوى مهما تكلف استبقاء نوع الأوضاع لنفسه بالفعل على الدوام فقد تشبه بالجواهر الشريفة بغاية ما يمكن له فى نفسه ويكون طلبه للتشبه عبادة لرب العالمين لأن معنى العبادات التقرب ومعنى التقرب طلب القرب ومعنى طلب القرب أن يتقرب منه فى الصفات لا فى المكان فان ذلك غير ممكن فهذا هو الغرض المحرك للسموات.

(الدعوى الخامسة): أن السموات قد دلت المشاهدة على كثرتها فلا بد وأن تكون طباعها مختلفة وأن لا تكون من نوع واحد بدليلين.

(أحدهما): أنها لو كانت من نوع واحد لكان نسبة بعض أجزاء واحد منها إلى بعض أجزاء الآخر كنسبة بعض أجزائها إلى جزء آخر منها ولو كان كذلك لكان الكل متواصلة لا متفاصلة فالانفصال لا سبب له إلا تباين الطباع وهذا كما أن الماء لا يختلط بالدهن إذا صب عليه بل يحاوره مباينا والماء يختلط بالماء ويتصل به والدهن بالدهن وكما يعلم بمفارقة نسبة أجزاء الماء بعضه إلى بعض لنسبة بعض أجزائه إلى أجزاء الدهن بالانفصال فكذلك ههنا إذ لا مانع للاتصال مع تشابه الكل.

(والثانى): أن بعضها أسفل وبعضها أعلى وبعضها حاوية وبعضها محوية وذلك يدل على تفاوت الطباع واختلاف الأنواع لأن الأسفل لو كان من نوع الأعلى لجاز له أن يتحرك إلى مكان الأعلى كما يجوز فى بعض أجزاء الماء والهواء أن يتحرك إلى أسفل وأعلى من حيز الماء والهواء ولو جاز لكان قابلا للحركة المستقيمة إذ بها يتحرك الأسفل إلى حيز الأعلى كما فى العناصر وقد بان أنه يستحيل أن يكون فيها قبول الحركة المستقيمة.

(الدعوى السادسة): أن هذه الأجسام السماوية لا يجوز أن يكون بعضها علة للبعض بل لا يجوز أن يكون جسم سببا فى وجود جسم وعلة فيه لأن الجسم إنما يؤثر فى الشىء إذا وصل إلى مماسته أو مجاورته أو موازاته* وبالجملة إذا ناسبه مناسبة كما تؤثر الشمس فى إضاءة الجسم إذا حاذاها ولم يكن بينهما حائل وكما تؤثر النار فى إحراق ما تلاقيه وتماسه فاذا لا بد أن يكون ثم موجود يلاقيه الجسم الفاعل حتى يؤثر فيه فيحصل فيه بتأثيره شىء آخر وإذا لم يكن موجود استحال أن يحصل بالجسم اختراع موجود آخر * فان قيل أليس النار سبب لحدوث الهواء مهما أوقد تحت الماء فيكون جسم الهواء حاصلا بسبب النار* قيل الهواء ليس بجسم أول بل هو كائن من جسم آخر لاقاه النار فأثر فيه وإنما كلامنا فى الأجسام السماوية وهى أجسام أول ليست متكونة عن جسم آخر إذ بينا أنها لو كانت متكونة فاسدة لكانت قابلة للحركة المستقيمة وذلك محال فى حقها فاذا ثبت أن الأجسام الأول لا يكون بعضها سببا لوجود البعض* فان قيل فلم قلتم أن الجسم لا يصدر منه فعل إلا بعد الوصول إلى ما فيه الفعل بمماسة أو غيرها* فيقال برهانه أن الجسم لو فعل فاما أن يفعل بمجرد المادة أو بمجرد الصورة أو بالصورة مع توسط المادة وباطل أن يفعل بمجرد المادة لأن حقيقة المادة كونها قابلة للصورة فان كانت فاعلة لم تكن فاعلة من حيث أنها قابلة بل من وجه آخر فيكون فيها شيئان أحدهما ما به القبول وباعتباره هو مادة والآخر ما به الفعل وباعتباره هو صورة إذ لا نعنى بالصورة غيره فتكون المادة فيها صورة ولا تكون مجردة* وباطل أن يفعل بمجرد الصورة لأن مجرد الصورة لا وجود لها بنفسها بل وجودها فى المادة وإن كان بتوسط المادة فاما أن تكون المادة واسطة حقيقية حتى تكون الصورة علة المادة والمادة علة الشىء فتكون الصورة علة العلة وهذا يرجع إلى أن المادة من حيث أنها مادة قد فعلت وقد أبطلنا ذلك وإما أن يكون بتوسط المادة من حيث أنها بتوسطها يصل الجسم إلى الشىء حتى يؤثر فيه كما أن صورة النار بتوسط المادة تكون مرة ههنا وتؤثر فيما تلاقيه ومرة هناك وهذا يستدعى لا محالة شيئا يكون ههنا وهناك حتى يؤثر الجسم فيه.

(الدعوى السابعة): أن العقول المجردة ينبغى أن لا تكون أقل من عدد الأجسام السماوية وذلك لأنه ثبث أنها مختلفة الطباع وأنها ممكنة فيحتاج وجودها إلى علة والواحد لا يصدر منه إلا واحد فلا بد من عدد حتى يصدر عن كل واحد واحد وينبغى أن تختلف بالنوع حتى يصدر منها أنواع مختلفة كيف وقد سبق أن الكثرة بالعدد لا يتصور فى نوع واحد إلا بكثرة المادة وما ليس فى المادة لو كثر فلا يكثر إلا باختلاف النوع وهو اختصاص كل بفصل يباين به الآخر ولا يكون بعارض إذ يستحيل أن يلزم الشىء عارض لا يصدر من نوعه فاذا لم تكن مادة لم يكن كثرة إلا بالنوع وهذه العقول ينبغى أن يكون هى المعشوق لنفوس السموات فيكون التفات كل واحدة إلى علتها وإلى طلب التشبه بها إذ يستحيل أن يكون معشوق الكل واحدا وإلا لكان الكل فى حركتها واحدا وليس كذلك فانه بان فى الرياضيات أن حركاتها مختلفة ولو كان المطلب واحدا لكان الطلب واحدا فيكون لكل واحد نفس تخصه تحركه بطريق المباشرة والفعل وعقل مجرد يخصه يحركه بطريق العشق وتكون النفوس هى الملائكة السماوية لاختصاصها بأجسامها وتلك العقول هى الملائكة المقربة لبراءتها عن علائق المواد وقربها فى الصفات من رب الأرباب.

(المقالة الخامسة): فى كيفية وجود الأشياء من المبدأ الأول وكيفية ترتب الأسباب والمسببات وكيفية ارتقاءها إلى واحد هو مسبب الأسباب* وكأن هذه المقالة هى زبدة الالهيات وحاصلها وهى المطلوب الأخير من جملتها بعد معرفة صفات الأول الحق وأول أشكال فيه أنه سبق أن الأول واحد من كل وجه وإن الواحد لا يوجد منه إلا واحد والموجودات كثيرة وليس يمكن أن يقال أنها مرتبة بعضها بعد بعض فان ذلك ليس يطرد فى جميع الأشياء* نعم يمكن أن يقال الأجسام السماوية قبل العناصر بالطبع والعناصر البسيطة قبل المركبات ولكن ليس يطرد هذا فى كل شىء فالطبائع الأربعة لا ترتب فيها ولا ترتب بين الفرس والانسان وبين النخل والكرم وبين السواد والبياض والحرارة والبرودة بل هى متساوية فى الوجود فكيف صدرت عن واحد وإن صدرت عن مركب فيه كثرة من أين حصلت وبالآخرة لا بد وأن تلتقى كثره بواحد وهو محال فالخلص منه أن يقال الأول صدر منه شىء واحد يلزم ذلك الواحد لا من جهة الأول حكم آخر فيحصل بسببه فيه كثرة ويكون ذلك مبدأ حصول كثرة متساوقة ثم مرتبة ثم تجتمع المساوية والمترتبة فى واحد فيوجب ذلك الواحد بما فيه من الكثرة كثرة وبهذا تكثر فى واحد فيوجب ذلك الواحد بما فيه من الكثرة كثرة وبهذا تكثر الأمور ولا يمكن إلا كذلك وأما وجه تلك الكثرة فهو أن الأول هو الواحد الحق إذ وجوده وجود محض وإنيته عين ماهيته وما عداه فهو ممكن وكل ممكن فوجوده غير ماهيته كما سبق لأن كل وجود ليس بواجب فهو عرضى للماهية ولا بد من ماهية حتى يكون الوجود عرضا لها فيكون بحكم الماهية ممكن الوجود وبقياس السبب واجب الوجود إذ بان أن كل ممكن بنفسه فهو واجب بغيره فيكون له حكمان الوجوب من وجه والامكان من وجه وهو من حيث أنه ممكن بالقوة ومن حيث أنه واجب بالفعل والامكان له من ذاته والوجوب له من غيره ففيه تركب من شىء يشبه المادة وآخر يشبه الصورة فالذى يشبه المادة هو الامكان والذى يشبه الصورة هو الوجوب الذى له من غيره فاذا يصدر من الأول عقل مجرد ليس له من الأول الفرد إلا الوجود الفرد الواجب به فاما الامكان فله من ذاته لا من الأول بل يعرف ذاته ويعرف مبدئه وإن كان يعرف ذاته من مبدئه لأن وجوده منه ولكن يختلف حكمه بذلك فيحصل منه باعتبار هذه الكثرة كثرة ثم لا يزال تكثر قليلا قليلا إلى أن تنتهى إلى آخر الموجودات وإذا لم يكن بد من كثرة ولم يمكن إلا على هذا الوجه وهى كثرة قليلة لم تكن الموجودات الأول فى غاية الكثرة بل على التدريج تتداعى إلى الكثرة حتى توجد العقول والنفوس والأجسام والأعراض وهى أقسام الموجودات كلها* فان قيل فكيف يمكن أن يكون تفصيل ترتيبها وتركيبها قيل هو أن يصدر من الأول عقل مجرد فيه إثنينية كما سبق أحدهما له من الأول والآخر له من ذاته فيحصل منه ملك وفلك وأعنى بالملك العقل المجرد وينبغى أن يحصل الأشرف من الوصف الأشرف والعقل أشرف والوصف الذى له من الأول وهو الوجود أشرف فيحصل منه عقل ثان باعتبار كونه واجبا والفلك الأقصى باعتبار الامكان الذى هو له كالمادة ويلزم من العقل الثانى عقل ثالث وفلك البروج ومن العقل الثالث رابع وفلك زحل ومن الرابع خامس وفلك المشترى ومن الخامس سادس وفلك المريخ ومن السادس سابع وفلك الشمس ومن السابع ثامن وفلك الزهرة ومن الثامن تاسع وفلك عطارد ومن التاسع عاشر وفلك القمر وعند ذلك استوفت السماويات وجودها وحصلت الموجودات الشريفة سوى الأول تسعة عشر عشرة عقول وتسعة أفلاك وهذا صحيح إن لم يكن عدد الأفلاك أكثرمن هذا فان كان أكثر فينبغى أن تزاد العقول إلى استيفاء السمائيات كلها ولكن لم يوقف بالرصد الأعلى هذه التسعة ثم بعد ذلك يبتدئ وجود السفليات وهى العناصر الأربعة أولا فلا شك فى أنها مختلفة لأن أماكنها بالطبع مختلفة فيطلب بعضها الوسط وبعضها المحيط فكيف تتحد طباعها وهى قابلة للكون والفساد كما سيأتى فى الطبيعيات فلا بد وأن يكون لها مادة مشتركة ولأنه لا يتصور أن يكون جسم عن جسم فلا يجوز أن يكون سبب وجودها الأجسام السماوية وحدها ولأجل أن مادة الأربعة مشتركة لا يجوز أن تكون علة وجود مادتها كثرة ولأجل أن صورها مختلفة لا يجوز أن تكون علة صورها إلا كثرة مختلفة محصورة فى أربعة أشياء أوفى أربعة أنواع لأنها أربع صور ولا يجوز أن تكون الصورة وحدها سببا لوجود المادة إذ لو كان كذلك للزم عدم المادة بعدم الصورة وليس كذلك بل تبقى المادة لابسة لصورة أخرى ولا يجوز ان لا يكون للصورة حظ ومدخل فى وجود الهيولى إذ لو لم يكن لها مدخل لبقيت الهيولى وحدها ببقاء علتها مع عدم الصورة وهذا محال فاذن يكون وجود المادة بمشاركة أمور.

(أحدها): جوهر مفارق به يكون أصل وجودها ولكن لا يكون به وحده بل بمشاركة الصورة كما إن القوة المحركة هى سبب وجود الحركة ولكن بشرط قوة قابلة فى المحل وكما أن الشمس سبب نضج الفواكه ولكن بشرط قوة طبيعية في الفاكهة قابلة للأثر فكذلك وجود المادة يكون بالعقل المفارق ولكن كونه بالعقل يكون بمشاركة الصورة وتخصص صورة دون صورة لا يكون من ذلك المفارق بل لا بد من سبب آخر يجعل بعض المادة أولى بقبول صورة دون صورة وإلا فالمادة مشتركة للعناصر وذلك بأن يجعلها مستعدة لقبول صورة مخصوصة دون أخرى وهذا لا يكون فى أول الأمر إلا من الأجسام السماوية إذ تستفيد المواد بسبب القرب والبعد منها استعدادات مختلفة فاذا استعدت قبلت الصورة من المفارق ولأجل أن هذه الأجسام السماوية متفقة فى طبيعة كلية وهى التى تقتضى الحركة الدورية فى الكل فيفيد المادة الاستعداد المطلق لقبول كل صورة ومن حيث أن لكل واحد منها طبع خاص توجب لبعضها استعدادا خاصا لبعض الصور ثم تكون الصورة لكل مادة من المفارق فاذن أصل المادة الجسمية من الجوهر العقلى المفارق وكونها محدودة الجهات من الأجسام السماوية واستعدادها أيضا يكون منها ويجوز أن يكون لبعضها أيضا من بعض استعداد للجزئيات كما أن النار إذا لاقت الهواء أفادته الاستعداد لقبول صورة النارية فتفيض عليه من المفارق وفرق بين كونه مستعدا وبين كونه بالقوة إذ معنى القوة أنها تقبل الصورة ونقيضها ومعنى الاستعداد أن يترجح صلاحه لقبول إحدى الصورتين على الخصوص فتكون القوة على وجود الشىء وعدمه بالسواء والاستعداد للوجود وحده بأن تصير إحدى القوتين أولى من الأخرى كما ان مادة الهواء قابلة للصورة النارية والمائية بالسواء ولكن غلبة البرد يجعلها لقبول صورة المائية أولى فينقلب ماء بقبول صورة المائية من المفارق عند استفادة الاستعداد من السبب المبرد ولمثل هذا كانت المادة المجاورة للجسم المتحرك على الدوام أولى بصورة النار لمناسبة الحركة للحرارة والمادة التى هى أولى بالسكون كانت هى البعيدة منه فعلى هذا الوجه يكون وجود هذه الأجسام القابلة للكون والفساد أعنى العناصر فقد ظهر من هذا سبب الاستعداد الأول الذى للهيولى بالاضافة إلى الصور كلها ثم سبب استعدادها الخاص بالاضافة إلى الطبائع الأربعة ثم يحدث بامتزاج هذه العناصر أجسام أخر أولها حوادث الجو من البخار والدخان والشهب وغيرها وثانيها المعادن وثالثها النبات ورابعها الحيوان وآخر رتبتها الانسان وكل هذا يحصل بامتزاج العناصر فمن امتزاج صورة المائية والهوائيه يحدث البخار ومن امتزاج النارية والترابية يحدث الدخان فيحصل بالاختلاط الأول حوادث الجو ويكون سبب اختلاطها حركات تحصل فيها من الحرارة والبرودة الصادرة من الأجسام السماوية وتستفيد الاستعداد منها ثم تفيض الصور من واهب الصور فاذا حصل امتزاج أقوى من ذلك وأتم وانضاف اليه شروط حصل استعداد لصور الجواهر المعدنية فتفيض تلك الصور أيضا من واهبها وإن كان الامتزاج أتم من ذلك حصل النبات فان كان أتم حصل الحيوان وأتم الامتزاجات مزاج نطفة الانسان الذى له استعداد لقبول صورة الانسانية وسبب هذه الاستعدادات الحركات السماوية والأرضية واشتباكها وسبب الصور الجوهر المفارق فلا تزال السماويات مفيدة للاستعدادات والمفارق مفيد للصور حتى يتم بهما دوام الوجود وليست هذه الامتزاجات بالاتفاق بل أسبابها متسقة على نظام وهو الحركات السماوية فلذلك يرى بعض الأشياء باقية بأعيانها وهى الكواكب وبعضها لا يمكن بقاء عينها كالنبات والحيوان فدبر لبقائها بقاء نوعها وذلك تارة بالتولد من التراب عند حصول الاستعداد بسبب سماوى مخصوص وتارة يكون بالولادة وهو الأغلب إذ خلق فى كل نوع قوة تنتزع منه جزءا يشبهه بالقوة فيكون سببا لوجود مثله منه فهذا سبب حدوث هذه الحوادث ولا حادث إلا فى مقعر فلك القمر فاما الأجسام السماوية فانها ثابتة على حالة واحدة فى ذواتها وأعراضها إلا فما هو أخس أعراضها وهو الوضع والاضافة إذ بحركاتها المتقابلة يحصل الثليث بين الكوا كب والتسديس والمقارنة والمقابلة والتربيع واختلاف مطارح الشعاع وأنواع من الامتزاجات تذكر فى علم النجوم وليس فى قوة البشر استيفاء جميعها فيكون تلك سببا لاختلاف هذه الامتزاجات والاستعدادات لاستفادة الصور من واهب الصور الذى لا يبخل بالافاضة والافادة وإنما لا تحصل الصور منه فما لا يحصل لقصور فى القابل لا لمنع من جهته فاذا اختلفت تلك المناسبات السماوية بالنوع حصلت استعدادات مختلفة بالنوع وفاضت صور مختلفة كصورة الفرس والانسان والنبات فان المادة القابلة لصورة الفرس لا تقبل صورة الانسان البتة ولذلك لم يلد فرس إنسانا قط وإذا تفاوتت فى القوة مع اتحاد النوع أوجبت تفاوتا فى صفة الاستعداد فتتفاوت صورة النوع الواحد فى الكمال والنقصان فما من حيوان ناقص بعضو أو صفة إلا ونقصانه لسبب فى رحم أمه أو فى وقت التربية أو فى أمر من الأمور المتعلقة به ويكون ذلك السبب بسبب آخر وكذلك سببه ولا يتسلسل إلى غير نهاية فترتقى بالآخرة إلى الحركات السماوية فحصل من هذا أن الخير فائض على الكل من المبدأ الأول بواسطة الملائكة حتى وجد كل ما كان فى الامكان وجوده على أحسن الوجوه وأكملها فكل ما هو موجود فوجوده كما ينبغى ولا يمكن أن يكون أتم منه والمادة التى منها الذباب لو قبلت صورة أكمل من صورة الذباب لفاضت من واهبها إذ لا بخل ثمة ولا منع وإنما هو فياض بالطبع كما يفيض النور من الشمس على الهواء والأرض والمرآة والماء فيختلف أثره حتى لا يظهر فى الهواء ويظهر على الأرض ولا ينعكس منه الشعاع ويظهر فى المرآة والماء وينعكس الاشراق لا لتفاوت جاء من ناحية الشمس بل لاختلاف استعداد المواد وينبغى أن يعلم أن الذباب خير من مادة الذباب لو تركت كذلك ولولا أنه كذلك لما وجد* فان قيل نرى الدنيا طافحة بالشرور والآفات والفواحش كالصواعق والزلازل والطوفانات وكالسباع وغيرها وكذا فى نفوس الآدمين من الشهوة والغضب وغيرهما فكيف صدر الشر من الأول أبقدر أم بغير قدر فان لم يكن بقدر فقد خرج عن قدرة الأول ومشيئته شىء فهو مما ذا وإن كان بقدر فكيف قدر الشر وهو خير محض لا يفيض منه إلا الخير فيقال لا ينكشف سر القدر إلا بذكر معنى الخير والشر* أما الخير فيطلق على وجهين.

(أحدهما): أن يكون خيرا فى نفسه ومعناه أن يكون الشىء موجودا ويوجد معه كماله فاذا كان الخير هذا فالشر فى مقابلته عدم الشىء أو عدم كماله فالشر لا ذات له ولكن الوجود هو خير محض والعدم شر محض وسبب الشر هو الذى يهلك الشىء أو يهلك كمالا من كمالاته فيكون شرا بالاضافة إلى ما أهلكه.

(والآخر): أن الخير قد يراد به من يصدر منه وجود الأشياء وكمالها والأول خير محض بهذا المعنى إلا أن الأشياء بهذا الاعتبار أربعة أقسام.

(الأول): ما هو خير محض لا يتصور أن يصدر منه شر.

(والثانى): ما هو شر محض لا يمكن أن يكون منه خير.

(والثالث): ما يوجد منه الخير والشرولكن الخير ليس بأغلب.

(والرابع): ما يكون منه الخير أغلب.

(أما الأول): فقد فاض من الأول وهى الملائكة فانها أسباب للخيرات لا يكون منها شر.

(وأما الثانى): لم يوجد منه وهو ما لا يتصور أن فيه خير بل هو شر محض.

(وأما الثالث): فهو الذى غلب فيه الشر فحقه أن لا يوجد أيضا إذ احتمال الشر الكثير لأجل الخير القليل شر وليس بخير.

(وأما الرابع): فينبغى أن يوجد وذلك مثل النار مثلا فان فيها قواما عظيما للعالم إذ لو لم تخلق لاختل نظام العالم وعظم الشر فى اختلاله ولو خلق لكان لا محالة يحترق ثوب الفقير لو انتهى اليه بمصادمات الأسباب وكذلك المطر إن لم يخلق بطلت الزراعة وخرب العالم ولو خلق فلا بد أن يخرب سطح بيت العجوز إذا نزل عليه وليس يمكن خلق مطر يميز فى نزوله بين موضع وموضع فلا يقع على السطوح ويقع على الزرع الذى فى جواره فان هذا فعل من مختار وصورة الماء بمجردها من غير امتزاج لا تقبل صورة الحياة ولو مزج بغيره وجعل حيوانا لكان لا يحصل منه فائدة الماء بكمالها كما لم يحصل من هذه الحيوانات فالمفيد للخير بين أن يخلق المطر لخير العالم ولا يعبأ بالشر النادر الذى يتولد منه ويلزمة بالضرورة وبين أن لا يخلق المطر ليصير الشر عاما وإذا قوبل هذا بذلك علم قطعا إن الخير فى أن يخلق ومن هذا خلق.

(زحل والمريخ والنار والماء والشهوة والغضب): فان هذه أمور لو لم تكن لبطل بسبب فقدها خير كثير ولا يمكن خلقها إلا ويلزم منها شر قليل وعلم أن ذلك مما يلزم منه مرضى به فالخير مقضى به بالذات والشر مقضى به بالعرض ومرضى بالعرض وكل بقدر* فان قيل كان ينبغى أن يخلق بحيث يكون خيرا محضا فيقال معنى هذا السؤال أنه كان ينبغى أن لا يخلق هذا القسم لأن القسم الذى هو خير محض فقد وجد وبقى فى الامكان ما لا يتمحض خيره ولكن يكثر خيره ويقل شره وكان الخير فى وجوده لا فى عدمه فلو لم يكن كذلك لم يكن هذا القسم فمعنى السؤال أن النار ينبغى أن يخلق بحيث لا يكون نارا وزحل بحيث لا يكون زحلا وهو محال فان قيل فلم قلتم إن الشر قليل قلنا لأن الشر عبارة عن الهلاك والنقصان ومعناه عدم ذات أو عدم صفة ذات هو كمال بالذات وهذا يستحيل فى حق الملك والفلك كما سبق ولا يوجد هذا إلا من حيث توجد الصور المتضادة وهى العناصر إذ يعدم بعض الصور بعضا لتضادها لا محالة فلا يكون ذلك إلا فى الأرض ولو كان الشر عاما فى كل الأرض لكان قليلا إذ كل الأرض قليلا بالاضافة إلى الوجود فكيف والسلامة غالبة وإنما توجد هذه الشرور فى حق الحيوانات وهى أقل ما فى الأرض ثم لا يوجد إلا فى أقل الحيوانات إذ أكثرها يسلم والذى لا يسلم فانه فى أكثر أحواله يسلم وإنما يتغير فى بعض الأحوال أو فى بعض الصفات لا فى الكل فلا يخفى أنه نادر بالاضافة إلى الخير* وعلى الجملة فكل هذا لا يرجع إلا إلى فساد أحوال الذات والخوف من عدم الذوات حيث يتصور الخوف أشد من الخوف من عدم الصفات فالشر هو عدم وإدراك العدم هو الألم والخير هو الكمال وإدراكه هو اللذة فقد اتضح كيفية صدور هذه الموجودات من الأول وكيفية ترتبها وكيفية دخول الشر فيها وكيفية دخوله تحت القضاء والقدر وإنما منع من ذكر سر القدر لأنه يوهم عند العوام عجزا فان الصواب فى أن يلقى اليهم أن الأول قادر على كل شىء ليوجب ذلك تعظيما فى صدورهم فلو فصل وقيل لا بل هو قادر على كل ممكن وقسمت الأمور إلى ممكنة وغير ممكنة وقيل إن خلق النار بحيث يطبخ به الطبيخ ويذاب به الجوهر ولكنه لا يحرق حطب الفقير إذا وقع فى داره غير ممكن لظنوا أن ذلك عجز بل لو قيل لبعضهم أنه لا يقدر على خلق مثل نفسه ولا على الجمع بين السواد والبياض لظن ذلك عجزا فهذا هو سر القدر على ما قيل والله أعلم بالصواب.

~~(الطبيعيات) بسم الله الرحمن الرحيم القسم الثالث (الفن الثالث فى الطبيعيات)

قد ذكرنا أن الموجود ينقسم إلى جوهر وعرض والعرض ينقسم إلى ما يفهم من غير إضافه إلى الغير كالكمية والكيفية وإلى ما لا يفهم إلا بالاضافة وهو متفرع على الجوهر والكيفية والكمية وأن العلم بالجوهر والعرض وأحكام الوجود من الالهيات وأن التقسيم ينزل منه إلى الكمية التى هى موضوع الرياضيات وإلى ما يتعلق بالمواد تعلقا لا يقبل التجريد عنها فى الوهم والوجود وهو موضوع نظر الطبيعيات فانه يرجع إلى النظر فى جسم العالم من حيث وقوعه فى التغير والحركة والسكون فينحصر مقصوده فى أربع مقالات.

(واحدة): فيما يلحق سائر الأجسام وهى أعم أمورها كالصورة والهيولى والحركة والمكان.

(والثانية): فيما هو أخص منه وهو نظر فى حكم البسيط من الأجسام.

(والثالثة): النظر فى المركبات والمتزجات.

(والرابعة): النظر في النفس النباتى والحيوان والانسانى وبها يتم الغرض.

(المقالة الأولى): فيما يعم سائر الأجسام وهى أربعة الصورة والهيولى إذ لا ينفك عنهما جسم وقد ذكرناهما والحركة والمكان فلا بد الآن من ذكرهما.

(القول فى الحركة): ولا بد من بيان حقيقتها وبيان أقسامها* أما الحقيقة فالمشهور أن الحركة تطلق على الانتقال من مكان إلى مكان فقط ولكن صارت باصطلاح القوم عبارة عن معنى أعم منه وهو السلوك من صفة إلى صفة أخرى تصيرا اليه على التدريج* وبيانه أن كل ما هو بالقوة وأمكن أن يصير بالفعل ينقسم إلى ما يصير بالفعل دفعة واحدة كالأبيض يسود دفعة وكالمظلم يستنير دفعة استنارة مستقرة واقفة لا تزيد وإلى ما يصير بالفعل تدريجا فيكون له بين القوة المحضة وبين الفعل المحض سلوك ويتدرج فى الخروج من القوة إلى الفعل ولا يكون هو محض القوة لأنه ابتدأ فى الخروج منها ولا محض الفعل فانه لم ينته بعد إلى الحد الذى هو المقصود واليه التوجه كالمظلم مثلا وقت الصبح يستنير تدريجا فلا يكون نيرا بالقوة المحضة إذا ابتدأ بالوجود ولا يكون بالفعل المحض لأن الحد الذى هو المقصود بالحصول لم يحصل وكذلك إذا ابتدأ الجسم بالاسوداد مفارقا للبياض فما دام سالكا بين البياض والسواد يسمى متحركا أى متغيرا على التدريج والانتقال من حال إلى حال إنما يقع فى المقولات العشر لا محالة.

(قسمة أولى للحركة) ولا تقع الحركة من جملتها إلا فى أربعة.

(الحركة المكانية والانتقال فى الكمية وفى الوضع وفى الكيفية): أما المكان فلا يتصور منه الانتقال دفعة إذ المكان قابل للانقسام والجسم كذلك فانما يفارق مكانه جزءا بعد جزء ويتقدم البعض منه على البعض* لا يتصور إلا كذلك ففى الكون فى المكان حركة وكذا في الوضع وهو الانتقال من الجلوس إلى الاضطجاع وكذا الانتقال من الكمية بأن يكبر الشىء أو يصغر وكأن كل واحدة من حركة الوضع والكمية أيضا لا يخلو عن الحركة المكانية* وأما الكيفية فيجوز فيها الانتقال دفعة كما لو اسود دفعة ويجوز فيه الحركة وذلك بأن يسود تدريجا* وأما الانتقال فى الجوهر فلا يتصور فيه الحركة فالماء يستحيل هواء دفعة والنطفة تستحيل إنسانا دفعة *وبرهانه أنه إذا ابتدأ فى التغير فلا يخلو إما أن يبقى النوع الذى كان أو لم يبق فان بقى فهو بعد غير زائل عما كان عليه إذ هو إنسان مثلا ولا يتصور تفاوت فى الجوهر فلا يكون إنسان اشد إنسانية من آخر بخلاف السواد وإن زال النوع بالكلية فهو زائل بالكلية فاذا الجوهرية تغيرت بها عن النوعية والاستحالة من النوع مزيلة للنوع فان كان النوع باقيا كانت الاستحالة فى العرض لا فى الفصل والجنس أعنى أنه لا فى الحد والحقيقة* والحركة المستديرة حركة فى الوضع لا فى المكان لأنها لا تفارق المكان بل تدور فى مكان نفسها والسماء الأقصى ليس له مكان كما سيأتى وهى متحركة* وأما الكمية فيتصور فيها حركتان.

(إحداهما): بالغذاء وهو النمو والذبول.

(والأخرى): بغير عذاء وهو التخلخل والتكاثف والنمو بالغذاء هو أن يستمد الجسم المغتذى من جسم آخر قريب منه بالقوة فيتشبه به بالفعل وينمو به الجسم إلى تمام النشو* والذبول هو أن ينقص الجسم لا بسبب تخلخل أجزائه بل بسبب فقد غذاء يسد مسد ما يتحلل منه وإنما يحتاج إلى الغذاء جسم يتحلل منه على الدوام شىء بسبب احتفاف الهواء المحيط به لرطوبته وبسبب إذابة الحرارة الغريزية إياه فيكون الغذاء جابرا لما يتحلل منه دائما* وأما التخلخل فهو أن يتحرك الجسم إلى الزيادة من غير مدد من خارج ولكن يكبر فى نفسه من غير أن يقبل شيئا من خارج بأن يقبل مقدارا أكثر من مقداره الأول كالماء يسخن فيكبر فاذا سد رأس الاناء لم يتسع له فينكسر وكالطعام فى البطن ينتفخ ويتبخر فيعظم مقداره فيكبر البطن بسببه منتفخا وإذا بان أن الهيولى ليس لها مقدار بذاتها وأن المقدار عرضى لها لم يكن بعض المقادير أولى بها من بعض حتى يتعين لها قبول مقدار مخصوص بل لا يستحيل أن تقبل أقل وأكثر وإن لم يكن ذلك جزافا وكيف كان ولا إلى حد معلوم* وأما التكاثف فهو حركة إلى النقصان لقبول مقدار أصغر من غير إبانة شىء منه كالماء إذا جمد صار أصغر.

(قسمة ثانية للحركة باعتبار سببها) الحركة تنقسم إلى ما هو بالعرض وبالقسر وبالطبع فالتى بالعرض هو أن يكون الجسم فى جسم آخر فيتحرك الجسم المحيط ويحصل فى الجسم المحاط حركة بمعنى أنه ينتقل من مكانه العام دون الخاص كالكوز الذى فيه ماء إذا نقل فان الماء فى مكانه الخاص وهو الكوز لم ينتقل ولكن لما انتقل الكوز من بيت إلى بيت صار الماء أيضا منتقلا من بيت إلى بيت والمكان الخاص للماء هو الكوز دون البيت فحركة الماء بالحقيقة هو أن يخرج من الكوز* وأما القسرى فهو أن يترك مكانه الخاص ولكن بسبب خارج من ذاته كانتقال السهم بالقوس وانتقال الشىء بما يجذبه أو يدفعه كما ينتقل الحجر إلى فوق إذا رمى إلى فوق* وأما الطبعى فهو أن يكون له من ذاته كحركة الحجر إلى أسفل والنار إلى فوق وكتبرد الماء طبعا إذا سخن قسرا وهذا لأن الجسم إذا تحرك فلا بد له من سبب وسببه إن كان خارجا من ذاته سمى قسرا وإن لم يكن خارجا من ذاته سمى طبعا ولا شك فى أنه لا يتحرك من ذاته لكونه جسما إذ لو كان كذلك لكان متحركا دائما ولكان لكل جسم على وجه واحد بل لمعنى يزيد عليه يسمى ذلك المعنى طبيعة ثم ينقسم إلى ما يكون بغير إرادة كحركة الحجر إلى أسفل فيخص باسم الطبع إن اتحد نوعه وإن تحرك إلى جهات مختلفة يسمى نفسا نباتيا كحركة النبات وإن كان مع إرادة وكان فى جهات مختلفة يسمى نفسا حيوانيا وإن كانت الجهة متحدة كحركة الفلك يسمى نفسا ملكيا أو فلكيا فان قيل فلم قلتم بأن حركة الحجر والنار طبيعى فلعل الحجر يدفعه الهواء إلى أسفل أو تجذبه الأرض إلى نفسها والزق المملوء هواء فى الماء إنما يصعد لأن الهواء يجذبه أو لأن الماء يدفعه فيقال برهان بطلان ذلك إنه لو كان كذلك لكان الصغير أسرع حركة من الكبير فان جذب الصغير ودفعه أيسر والأمر بضد هذا فدل أنه من ذاته والا لما اشتد لكبر ذاته وضعف بصغر ذاته.

(قسمة ثالثة للحركة) الحركة تنقسم إلى مستديرة كحركة الأفلاك وإلى مستقيمة كحركة العناصر والمستقيمة تنقسم إلى ما هو إلى المحيط عن الوسط ويسمى خفة وإلى ما هو إلى الوسط ويسمى ثقلا وكل واحد ينقسم إلى ما هو إلى الغاية كحركة النار إلى المحيط والأرض إلى المركز وإلى ما هو دونه كحركة الهواء من الماء إلى ما فوقه وكحركة الماء من الهواء إلى ما فوق الأرض فالحركة باعتبار الوسط ثلاث حركات حركة على الوسط وهى الدورية* وحركة عن الوسط* وحركة إلى الوسط.

(القول فى المكان): القول في المكان طويل ووجيزه أن له بالاتفاق أربع خواص.

(أحدها): أن الجسم ينتقل منه إلى مكان آخر ويستقر الساكن فى أحدهما.

(والثانى): أن الواحد منه لا يجتمع فيه اثنان فلا يدخل الخل فى الكوز ما لم يخرج الماء ولا يدخل الماء ما لم يخرج الهواء.

(والثالث): أن فوق وتحت إنما يكونان فى المكان لا غير.

(والرابع): أن الجسم يقال أنه فيه فبهذا غلط من ظن أن المكان هو الهيولى لكون الهيولى قابلا لشىء بعد شىء كما أن المكان كذلك وهو خطأ لأن الهيولى هو قابل للصورة والمكان عبارة عما يقبل الجسم لا الصورة وظن فريق أنه الصورة لأن الجسم يكون فى صورة غير مفارقة له وهو غلط لأن الصورة لا تفارق عند الحركة وكذا الهيولى والمكان يفارق بالحركة وقال فريق مكان الجسم هو مقدار البعد الذى بين طرفى الجسم فمكان الماء هو الذى بين طرفى مقعر الكوز وهو الذى يشغله الماء ثم اختلف هؤلاء* فقال فريق يستحيل تقدير هذا البعد خاليا بل لا يكون الاملاء* وقال أصحاب الخلاء يجوز أن يفرغ هذا البعد عن جسم يملؤه فأثبتوا خلاء وراء سطح العالم لا نهاية له وأنبتوا فى داخل العالم خلاء أيضا ولا بد من إبطال تقدير إمكان الخلاء.

(أما المذهب الأول): وهو أن المكان هو البعد فانما يستقيم لو فهم أن بين طرفي الكوز بعدا يستوى بعد الماء الذى فيه أو الهواء فعند ذلك يكون مكانا للماء أو الهواء وذلك ليس بمعلوم فان المشاهدة ليست تدل إلا على بعد الجسم الذى فى الكوز فاما بعد آخر مداخل له فلا* فان قيل لو قدرنا خروج الماء من غير دخول الهواء لبقى البعد بين الطرفين فهذا ليس بحجة وإن كان صادقا لأنه بناء على محال إذ يستحيل أن يخرج الماء من غير دخول الهواء والصادق إذا ابتنى على محال لم يكن صادقا دون ذلك المحال فانك لو قلت الخمسة لو انقسمت بمتساويين لكان زوجا فهو صادق ولكن لا يجوز أن يتوصل به إلى أنه زوج فكذلك لو خلا الكوز لكان فيه بعد ولكن المقدم محال فالتالى لا يلزم منه فهذا من حيث المطابقة ليفهم ما قالوه* وأما البرهان على استحالته فهو أن بعد الجسم بين طرفى الكوز معلوم فان فرض بعد آخر فقد دخل فى بعد الجسم والابعاد يستحيل تداخلها بدليل أن الأجسام لا تتداخل وليس ذلك لكونها جوهرا لأن البعد عند هؤلاء قائم بنفسه فهو جوهر ومع هذا دخل في الجسم ولا لكونه باردا أو حارا أو غيره من الأعراض إذ لو كان كذلك لجاز التداخل عند عدم تلك الصفة فلا سبب له إلا أنه ذو بعد والأبعاد لا تتداخل ومعناه أن ما بين طرفى الصندوق مثلا ذراع من الهواء وهذا الجسم أيضا ذراع فلو دخل فيه دون خروج الهواء لكان قد صار الذراعان ذراعا واحدا مع وجود الجسمين المذروعين ويستحيل أن يصير ذراعان ذراعا واحدا وكما يستحيل هذا فى ذراع هو هواء يستحيل فى غيره فاذن لا يتداخل بعد ان فانه إن أريد بالتداخل أن أحدهما انعدم وبقى الآخر فهذا انعدام وإن أريد بقاؤهما جميعا رجع إلى أن ذراعين ذراع واحد وهو محال ولأنه إذا قدر البعدان جميعا موجودين فبم يعرف الاثنينية* والدليل الذى أبطل دعوى سوادين فى محل واحد يبطل هذا فان الاثنينية لا تفهم إلا بعد مفارقة الواحد الآخر بعرض من الأعراض كما سبق برهانه فاذا تداخل البعدان جميعا وأحدهما لا يفارق الآخر فأى فرق بين قول القائل أن ههنا بعدين وبين قوله ثلاثة أبعاد وأربعة أبعاد وهذا محال ولا بجوز الفرق بوصف كان موجودا وعدم حالة التداخل لأن المعدوم لا يوقع التفرقة بين الشيئين* أما بطلان الثانى وهو إبطال الخلاء فما ذكرنا أيضا كفاية لأن فيه قولا بتداخل الأبعاد ولكنا نزيد أدلة (الأول): أن الخلاء إنما يقع في الأوهام من الهوا لأن الحس لا يدركه فيظن الانسان أن الكوز الذى لا ماء فيه فارغ خال فينغرس فى الأوهام تصور الخلاء فان ما توهمه أرباب الخلاء هو شىء مثل الهواء لأن له مقدارا مخصوصا وهو قائم بنفسه وهو منقسم* ونحن لا نريد بالجسم إلا ما وجد فيه هذه الصفات وبهذا الاعتبار كان الهواء جسما فالخلاء ليس عدما محضا فانه يوصف بأنه صغير وكبير ومسدس ومربع ومستدير وأن هذا الخلاء يتسع لذراعين من الملاء لا أكثر منه ولو كان أقل منه فلا يطابقه والنفى المحض لا يوصف بمثل هذه الأوصاف فهو موجود قائم بنفسة ليس بعرض وله مقدار ويقبل القسمة ونحن لا نعنى بالجسم إلا هذا بدليل الهواء (الثانى): أنه لو كان الخلاء موجودا لكان الجسم فيه غير ساكن ولا متحرك والتالى محال فالمقدم محال* وإنما قلنا أن السكون فى الخلاء محال لأن السكون إما أن يكون بالطبع أو بالقسر فان فرض سكون الجسم فى جزء من الخلا بالطبع فهو محال لأن أجزاء الخلاء متشابهة لا اختلاف فيها وإن فرض بالقسر فانما يكون بالقسر إذا كان له موضع آخر ملائم على خلاف ما هو فيه وإذا انتفى الاختلاف انتفى الافتراق فى حق الطبع والقسر بعد الطبع* وأما الحركة فى الخلاء فهو أيضا محال بدليلين.

(أحدهما): ما ذكرنا فانه إن كان بالطبع فكأنه يطلب موضعا مخالفا لما كان فيه ولا اختلاف فيه وكذا القسر.

(والثانى): أنه لو كان فى الخلاء حركة لكان فى غير زمان وهو محال فالمقدم محال ووجه استحالته ما قد سبق أن كل حركة ففى زمان لأن كونه في الجزء الأول قبل كونه في الثانى لا محالة وإنما لزم هذا المحال لأن الحجر يتحرك إلى أسفل فى الهواء أسرع من أن يتحرك في الماء لأن الهواء أرق وممانعته ودفعه أقل ولو صار الماء ثخينا بدقيق أو غيره لصارت حركة الحجر فيه أبطأ أيضا لما يحصل فيه من الممانعة والدفع فنسبة الحركة إلى الحركة في السرعة والبطؤ كنسبة الرقة إلى الثخانة فى الممانعة والدفع فاذا فرضنا حركة فى خلاء مائة ذراع مثلا فى ساعة ثم فرضنا حركة ذلك الجسم مع تقدير وجود الهواء أو الماء فى تلك المسافة فلا بد أن يكون أبطأ فليقدر أنه في عشر ساعات فلو قدرنا الملاء بشىء بدل الماء أرق منه إلى حد يكون نسبته فى الممانعة اليه العشر فتكون الحركة فى ساعة فيؤدى إلى مساواة الحركة مع وجود أصل المنع للحركة في الخلاء مع عدم المنع وإذا كان التفاوت فى قدر المنع يوجب التفاوت فى الحركة فالتفاوت فى وجود المنع وعدمه كيف لا يوجب وهذا برهان قاطع يثبت ما ذكرنا من لزوم اشتمال كل جسم على ميل فيه.

(الثالث): وهو من العلامات الطبيعية على إبطال الخلاء أن الطاس من الحديد إذا ألقى على الماء لم يغص فيه ولا سبب له إلا أن الهواء متشبث بمقعره فانه لو غاص الطاس فالهواء لا يساعده حتى يحصل فى حيز الماء لأنه يطلب الصعود من حيزه ولو انفصل عنه واستمسك فى حيزه وغاص الطاس حصل خلاء بين سطح الطاس وسطح الهواء المنفصل وهو محال وعلى هذا بنيت السفينة ولذلك لو خرج الهواء من الطاس أو السفينة وملىء بماء لرسب وكذلك كوبة الحجام تخرج الهواء بالمص فينجذب معه بشرة المحجوم لأنه لو لم ينجذب لحصل خلاء وهو محال وكذلك سراقة الماء يتماسك الماء فيها مع التنكيس لذلك فلو خرج الماء لم يجد فى أسفل السراقة ما يستخلفه فيخلو ويستحيل وجود الخلاء وانفصال سطوح الأجسام بعضها من بعض من غير خلف وكذلك القارورة قد توضع على الهاون وضعا مهندما ثم يرتفع الهاون برفعها إلى غير ذلك من جملة الحيل التى بنيت على استحالة الخلاء فان قيل ما حقيقة المكان قيل ما استقر عليه رأى أرسطاطاليس هو الذى أجمع عليه الكل وهو أنه عبارة عن سطح الجسم الحاوى أعنى السطح الباطن المماس للمحوى لأن العلامات الأربعة المذكورة موجودة فيه وكل ما وجدت فيه تلك العلامات فهو مكان فقد وجدت فى السطح الباطن من الجسم الحاوى فهو مكان ولم يوجد فى صورة ولا فى هيولى ولا غيره فلا يكون مكانا فاذا جملة العالم ليس فى مكان أصلا ولذلك لا يجوز أن يقال لم اختص بهذا الحيز فلم يكن أرفع منه أو أسفل لأن الخلاء محال فليس ثمة أرفع وأسفل وأما النار فمكانها محيط فلك القمر من الباطن ومكان الهواء السطح الباطن من النار ومكان الماء السطح الباطن من الهواء وعلى هذا الترتيب ينبغى أن نعتمد.

(المقالة الثانية): فى الأجسام البسيطة والمكان خاصة لا يخفى انقسام الجسم إلى البسيط والمركب* والبسيط ينقسم إلى ما لا يقبل الكون والفساد كالسماويات وإلى ما يقبل كالعناصر الأربعة وقد سبق أن السماويات لا تقبل الانخراق ولا الفساد ولا الحركة المستقيمة ولا تخلو عن الحركة المستديرة وأنها كثيرة وطباعها مختلفة ولها نفوس تتصور وتتحرك بالارادة وكل ذلك سبق فى الالهيات ونزيد ههنا أن موادها أعنى هيولياتها مختلفة بالطبع ليست مشتركة كما أن صورها مختلفة لا كالعناصر فان موادها مشتركة إذ لو كانت مادتها مشتركة لكانت مادة الواحد منها تصلح من حيث ذاتها أن تتصور بصورة أخرى ولو كان يتصور ذلك لكان تخصيصها بصورتها بالاتفاق وبسبب اتفق ملاقاته لها ولا يستحيل أن يفرض ملاقاة سبب آخر فتقبل صورة أخرى فتفسد الأولى وتتكون الثانية ويلزم منه أن يتحرك الحركة المستقيمة إلى حيز الطبيعة الأخرى وهو محال والممكن لا يفضى إلى المحال فدل أنه لا يمكن أن تكون مادتها مشتركة ولا مماثلة لمادة العناصر هذا حكم بسائط السماوات* وأما العناصر فندعى فيها أنها لا بد وأن تنقسم إلى حار يابس كالنار وحار رطب كالهواء وبارد رطب كالماء وبارد يابس كالأرض ثم ندعى أن الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة أعراض فيها لا صور ثم ندعى أنه يتصور أن تستحيل وتتغير فى تلك الأعراض كما يسخن الماء وأنه ينقلب بعض هذه العناصر إلى بعض وأنه يقبل كل واحد مقدارا أكبر وأصغر مما هو عليه وأنها تقبل الآثار من الأجسام السماوية وأنها لا بد وأن تكون فى وسط الأجسام السماوية فهذه سبع دعاوى.

(الأولى): أن هذه الأجسام القابلة للتغير والكون والفساد والتركيب لا تخلو عن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة لأنها إما تكون سهلة القبول للشكل سهلة الترك له وهو المراد بالرطوبة وإما أن تكون عسرة القبول للشكل أو الاتصال حتى يجوز أن يتماس منه أجزاء وتبقى غير متصلة فان كانت سريعة الاتصال عبر عنه بالرطب مثل الماء والهواء وإن كانت لا تتصل عند التماس يسمى ذلك يابسا كالتراب والنار ثم أنها لا تخلو عن الحرارة والبرودة لأنها قابلة للمزاج كما سيأتى فلا بد أن تتفاعل وأن يؤثر بعضها فى بعض والا كان مجاورة ولم يكن مزاجا وفعلها إما أن يكون بالتفريق ويسمى حرارة ~~أو بالتعقيد ويسمى برودة ولذلك يلحقها الانكسار وذلك عند شدة امتزاج الرطوبة باليبوسة واللين إنما يكون من الرطوبة والصلابة من اليبوسة والملاسة الطبيعية من الرطوبة والخشونة الطبيعية من اليبوسة فاذن أصول هذه الطبايع هذه الأربعة وتلحقها البقية بعدها ولا تخلو هذه الأجسام عن هذه الأربعة أما الرائحة والطعم واللون فيجوز أن تخلو عنها فلا لون للهواء ولا طعم للمياه ولا للهواء ولا رائحة للهواء ولا أيضا فى الحجر فاذن الكيفيات الملموسة تكون فى الأجسام أولا وسابقة على المرئية والمشمومة والمذوقة والمسموعة فاذن يكون الاختلاط الأول لهذه الطبائع الأربعة وأما الخفة فانها مع الحرارة والثقل مع البرودة وكلما زادت اليبوسة مع واحدة من الحرارة والبرودة زادت الخفة والثقل فالحار اليابس أشد خفة والبارد اليابس أشد ثقلا وإذا لم يكن بد من اجتماع كيفيتين لكل جسم كان التركيب أربعة حار يابس ولا شىء أبلغ فيهما من النار وهو البسيط الحار اليابس وحار رطب وهو الهواء وبارد رطب وهو الماء وبارد يابس وهو الأرض فاذا المركبات بعدها دونها فى هذه المعاني ويقاربها من المركبات ما يغلب فيه هذه الطبايع ودليل أن الهواء حار بالطبع أنه يطلب جهة فوق إذا حبس فى الماء وإذا أوقد النار تحت الماء وحمى تبخر وصار هواء متصاعدا نعم الهواء الذى يجاور أبداننا يحس منه البرودة لأنه يمتزج بأبخرة اختلطت به من الماء المجاور له ولولا أن الأرض تحمى بالشمس ويحمى بسببها الهواء المجاور لها لكان الهواء أبرد من هذا ولكنه يحمى الهواء المجاور للأرض إلى حد ما فتقل البرودة ويكون ما فوقه أبرد إلى حد ما ثم يترقي إلى ما هو حار وإن لم يكن مثل النار فى الحرارة وأما الأرض فهو يابس بارد وبرودته من حيث أنه لو ترك بنفسه لكان باردا ولولا البرودة لما كان ثقيلا كثيفا طالبا جهة تناقض جهة النار فى البعد فاذن الأجسام البسيطة هذه الأربعة وهى أمهات الأجسام وسائر الأجسام يحصل من امتزاجها.

(الدعوة الثانية): أن هذه الصفات الأربع أعراض وليست بصور كما ظنه قوم لأن الصورة جوهر وهو لا يقبل الزيادة والنقصان والأشد والأضعف وهذه الأجسام تتفاوت فى الحرارة والبرودة فرب ماء أبرد من ماء ولأن صورة الماء لو كانت البرودة لكانت تبطل صورته بالحرارة وكان يجب أن يفارق مكانه إلى مكان الحار ولما كان تبقى حقيقة المائية بل كان يفسد بفساد البرودة ولو كانت صورة الهواء الخفة والحركة إلى فوق لكان إذا حبس فى وسط الماء فى زق لم يكن هواء لزوال صورته فهذه أعراض وإنما صورة العنصر طبيعة أخرى أعنى أنها حقيقة حالة فى الهيولى لا تدرك فى نفسها بالحواس وإنما المدرك بالحواس من اللون والبرودة والرطوبة أعراض تصدر من تلك الطبيعة وإنما عرفت بفعلها فانها تفعل فى جسمها السكون فى محله الطبيعى والرد اليه عند المفارقة ويوجب الميل الذى يعبر عنه بالخفة والثقل ويوجب فى كل جسم كيفية خاصة وكمية خاصة فطبيعة الماء تظهر فيه البرودة وإذا أزيلت البرودة عنه بالقسر ردتها اليه عند انقطاع القاسر كما أنه يوجب حركة إلى أسفل مهما رمى إلى فوق قهرا وذلك إذا زالت القوة القاهرة وكذلك ربما يتغير مقدار الماء بالقهر إلى أصغر وأكبر فان زال القهر عاد إلى مقداره الطبيعى فاذن لكل واحد من هذه الأربع صورة هى حقيقته ووجوده وهذه الكيفيات المحسوسة أعراض.

(الدعوى الثالثة): إن هذه العناصر تقبل الاستحالة والتغير فيجوز أن يصير الماء حارا أى تحدث صفة الحرارة فى نفس الماء وكذا سائر العناصر وتحدث الحرارة بثلاثة أسباب.

(أحدها): أن يجاوره جسم حار مثل النار فانها تسخن الماء.

(والثانى): الحركة كما أن اللبن يحمى فى الممخض بالحركة والماء الجارى أحر من الماء الراكد وإذا حك حجر بحجر حمى وظهر منه النار.

← Önceki 6 / 8 Sonraki →

Anlam Arayışı