Bölüm 2
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
ثم جملة الأمر : أنك إذا نظرت في دلائل صنع الله تعالى ، وأمعنت النظر ، فعلمت أن لك إلها قادرا ، عالما حيا ، مريدا سميعا، بصيرا متكلما ، منزها عن حدوث الكلام والعلم والإرادة، مقدسا عن كل نقصي وآفة، لا يوصف بصفات المحدثين، ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين، ولا يشبهآ شينا من خلقه، ولا يشبهه شيء، ولا تتضمنه الأماكن والجهات، ولا تحله الحوادث والافات.
ونظرت في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعلام نبوته، فعلمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمينه على وحيه.
وما كان السلف الصالح يعتقدونه ؛ من أن الله تعالى يرى في الآخرة؛ لأنه موجود، وليس في جهة محدودة ، وهو غير محدود ، وأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ليس بحروف مقطعة ، ولا أصوات مختلقة؛ إذ لو كان كذلك..
لكان من جملة المخلوقات ، وأنه لا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر(1) ، ولا لفتة ناظر ، إلا بقضاء الله تعالى وقدره ، وإرادته ومشيئته سبحانه، فمنه الخير والشر ، والنفع والضو ، والإيمان والكفر ، وأنه لا واجب على الله تعالى لأحد من خلقه، فمن أثابه. فبفضله، ومن عاقبه.. فبعدله.
وما ورد على لسان صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامآه من أمور الآخرة؛ كالحشر والنشر، وعذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والميزان والضراط:
============================================================ فهلذه أصول درج السلف رضوان الله عليهم على اعتقادها والتمشك بها، ووقع عليها الإجماع قبل تنؤع البدع وظهور الأهواء ، نعوذ بالله من الابتداع في الدين، وأتباع الهوى بغير دليل ثم نظرت في أعمال القلب والمواجب الباطنة، والمناهي التي تأتي في هلذا الكتاب ليحصل لك علمه: ثم تعرف جملة ما تحتاج إلى استعماله؛ كالطهارة والصلاة، والصوم ونحوه فإن فعلت ذلك(1). . فقد أديت فرض الله تعالى عليك الذي تعبدك به في باب العلم ، ولقد صرت من علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الراسخين في العلم، إن عملت بعلمك، وأقبلت على عمارة معادك، وكنت عبدا عالما عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد ولا غافل، ولك الشرف العظيم، ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل، وكنت قد قطعت هلذه العقبة وخلفتها وراءك، وقضيت حقها بإذن الله تعالى ، والله سبحانه المسؤول أن يمدك وإيانا بحسن توفيقه وتيسيره، إنه أرحم الراحمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ============================================================ العقبة الثانية وهي عقبة التوبة ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله- بالتوبة ، وذلك لأمرين : أحذهما: ليحصل لك توفيق الطاعة ؛ فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ، ويعقب الخذلان، وإن قيد الدنوب يمنع من المشي إلى طاعة الله عز وجل والمسارعة إلى خدمته ؛ لأن ثقل الذنوب يمنع من الخفة للخيرات ، والنشاط في الطاعات، وإن الإصرار على الذنوب يسؤد القلوب، فتجدها في ظلمة وقساوة، ولا خلوص فيها ولا صفاوة، ولا لذة ولا حلاوة، وإن لم يرحم الله تعالى.. فستجر صاحبها إلى الكفر والشقاوة.
فيا عجبا كيف يوفق للطاعة من هو في شؤم وقسوة؟! وكيف ئدعى إلى الخدمة من هو مصر على المعصية والجفوة ؟! وكيف يقرب للمناجاة من هو متلطخ بالأقذار والنجاسات ؟! ففي الخبر عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا كذب العبد.. تنخى الملكان عن نتن ما يخرج من فيه "(1)، فكيف يصلح هذذا اللسان لذكر الله عز وجل ؟1 فلا جرم لا يكاد يجذ المصو على العصيان توفيقا، ولا تخفت أركانه لعبادة الله تعالى، وإن أتفق. . فبكد لا حلاوة معه ولا صفوة، وكل ذلك لشؤم الذنوب وترك التوبة ، ولقد صدق من قال : (إذا لم تقو على قيام الليل وصيام
============================================================ النهار.. فاعلم أنك مكبول، وقد كبلتك خطيئئك)(1)، فهلذه هذذه.
والثاني من الأمرين : إنما تلزمك الثوبة لتقبل منك عبادتك ؛ فإن رب الدين لا يقبل الهدية ، وذلك أن التوبة عن المعاصي وارضاء الخصوم فرض لازم ، وعامة العبادة التي تقصدها نفل، فكيف يقبل منك تبرعك والدين عليك حاك لم تقضه؟1 وكيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مصر على فعل المحظور والحرام ؟1 وكيف تناجيه وتدعوه وتثني عليه وهو - والعياذ بالله- عليك غضبان؟1 فهذا ظاهر حال العصاة المصرين على المعصية، والله المستعان فإن قلت : فما معنى التوبة النصوح وحدها ؟ وما ينبغي للعبد أن يفعله حتى يخرج من الذنوب كلها؟
فأقول : أما التوبة : فإنها سعي من مساعي القلب ، وهي عند التحصيل في قول العلماء رضي الله عنهم : تنزيه القلب عن الذنب : قال شيخنا رحمه الله في حد التوبة : إنه ترك آختيار ذنب سبق مثله عنه ، منزلة لا صورة، تعظيما لله تعالى، وحذرا من سخطه.
فلها إذن أربع شرائط : إحداها: ترك أختيار الدنب ، وهو أن يوطن قلبه، ويجرد عزمه على أنه لا يعود إلى الذنب ألبئة ، فأما إن ترك الدنب وفي نفسه أنه ربما يعود إليه ، أو لا يعزم على ذلك ، بل يتردد ، فإنه ربما يقع له العود. . فإنه ممتنع عن الذنب غير تائب عنه.
والثانية : أن يتوب من ذنب قد سبق عنه مثله؛ إذ لو لم يسبق عنه مثله..
لكان متقيا غير تائب ، ألا ترى أنه يصغ القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مثقيا عن الكفر ، ولا يصخ القول بأنه كان تائبا عن الكفر؟ إذ لم يسبق عنه كفر ============================================================ بحال، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان تائبا عن الكفر؛ لما سبق عنه ذلك.
والثالثة : أن الذي سبق يكون مثل ما يترك اختياره في المنزلة والدرجة لا في الضورة ، ألا ترى أن الشيخ الهرم الفاني الذي قد سبق منه الزنا وقطع الطريق إذا أراد أن يتوب عن ذلك.. تمكنه الثوبة لا محالة؟ إذ لم يغلق عنه بابآها، ولا يمكنه ترك اختيار الزنا وقطع الطريق ؛ إذ هو لا يقدر الساعة على فعل ذلك ، فلا يقدر على تركه ، فلا يصخ وصفه بأنه تارك له ممتنع عنه وهو عاجز عنه غير متمكن منه ، للكنه يقدر على ما هو مثل الزنا وقطع الطريق في المنزلة والدرجة؛ كالقذف والغيبة والنميمة ؛ إذ جميع ذلك معاصي وإن كان الإثم يتفاوث في كل واحدة بقدرها: للكن جميع هذذه المعاصي الفرعية كلها بمنزلة واحدة ، وهي دون منزلة البدعة ، ومنزلة البدعة دون منزلة الكفر ، فلذلك صح منه التوبة عن الزنا وقطع الطريق وسائر ما مضى من الدنوب التي هو عاجز عن أمثالها اليوم في الصورة.
والرابعة : أن يكون ترك اختياره لذلك تعظيما لله سبحانه وتعالى ، وحذرا من سخطه وأليم عقابه، مجردا لا لرغبة دنيوية، أو رهبة من الناس، أو طلب ثناء وصيت ، أو ضعف في النفس، أو فقر، أو غير ذلك: فهلذه شرائط التوبة وأركانها، فإذا حصلت واستكملت.. فهي توبة حقيقة صادقةآ.
وأما مقدمات الثوبة فثلاث : احداها : ذكر غاية قبح الدنوب.
والثانية : ذكر شدة عقوبة الله تعالى، وأليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة لكبه والثالثة : ذكرضعفك وقلة حيلتك في ذلك ؛ فإن من لا يحتمل حر شمس، ولطمة شرطي، وقرص نملة. كيف يحتمل حر نار جهنم، وضرب مقامع ============================================================ الزبانية، ولسع حيات كأعناق البخت، وعقارب كالبغال، خلقت من التار في دار الغضب والبوار ؟! نعوذ بالله من سخطه وعذابه.
فإذا واظبت على هذه الأذكار، وعاودتها آناء الليل وأطراف النهار.. فإنها ستحملك على التوبة النصوح من الدنوب ، والله الموفق بفضله.
فإن قيل : أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الندم توبة "(1) ، ولم يذكز مما ذكرتم من شرائطها وشددتم شيئا؟
يقال له : اعلم أولا : أن الندم غير مقدور للعبد ، الا ترى أنه تقع الندامة عن أمور في قلبه وهو يريد الا يكون ذلك ، والتوبة مقدورة للعبد مأمور بها ؟
ثم إنا قد علمنا أنه لو ندم على الدنوب لما ذهب بذلك جاهه بين الناس، أو ماله في النفقة فيها (2) .. فإن ذلك لا يكون توية بلا ريب ، فعلمت بذلك أن في الخبر معنى لم تفهئه من ظاهرة ، وهو أن الندم لتعظيم الله سبحانه وتعالى وخوف عقابه مما يبعث على التوبة النصوح، فإن ذلك من صفات التائبين وحالهم ، فإنه إذا ذكر الأذكار الثلاثة التي هي مقدمات التوبة .. يندم ، وحملته الندامةآ على ترك اختيار الدنب، وتبقى ندامته في قلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضروع، فلما كان ذلك من أسباب التوبة وصفات التائب. . سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم التوبة ، فافهم ذلك موفقا إن شاء الله تعالى: فإن قلت : كيف يمكن الإنسان أن يصير بحيث لا يقع منه ذنت ألبتة من صغير أو كبير؟ كيف وأنبياء الله صلوات الله عليهم الذين هم أشرف خلق الله سبحانه وتعالى قد اختلف فيهم أهل العلم : هل نالوا هذذه الدرجة أم لا؟
فاعلم : أن هلذا أمر ممكن غير مستحيل ، ثم هو هين ، وألله تعالى يختص برحمته من يشاء ============================================================ ثم من شرط التوبة : ألا يتعمد ذنبا ، فأما إن وقع منه بسهو أو خطأ.. فهو معفؤ عنه بفضل الله تعالى ، وهاذا هين على من وفقه الله تعالى: فإن قلت : إنما يمنعني من التوبة أني أعلم من نفسي أني أعود إلى الذنب ولا أثبت على التوبة ؛ فلا فائدة في ذلك .
فاعلم : أن هذا من غرور الشيطان، ومن أين لك هلذا العلم؟ فعسى أن تموت تائبا قبل أن تعود إلى الدنب .
وأما الخوف من العود : فعليك العزم والصدق في ذلك وعليه الإتمام، فإن أتم.. فذاك من فضله، وإن لم يتم.. فقد غفرت ذنوبك الشالفة كلها، وتخلصت منها وتطهرت ، وليس عليك إلآ هلذا الذنب الذي أحدثته الآن ، وهذا هو الربح العظيم ، والفائدة العظيمة الكبيرة، ولا يمنعك خوف العود عن التوبة؛ فإنك من التوبة أبدا بين إحدى الحسنيين (1) ، والله تعالى ولي التوفيق والهداية، فهذه هذه وأما الخروج عن الذنوب والتخلص منها : فاعلم أن الذنوب في الجملة ثلاثة أقسام: أحدها: ترك واجبات الله سبحانه وتعالى عليك؛ من صلاة، أو صوم ، أو زكاة، أو كفارة، أو غيرها، فتقضي ما أمكنك منها .
والثاني : ذنوب بينك وبين الله سبحانه وتعالى؛ كشرب الخمر، وضرب المزامير، واكل الربا، ونحو ذلك، فتندم على ذلك ، وتوطن قلبك على ترك العود إلى مثلها أبدا والثالث : ذنوث بينك وبين العباد ، وهذا أشكل وأصعب ، وهي أقسام : قد تكون في المال ، وفي النفس ، وفي العرض ، وفي الخرمة، وفي الدين: فما كان في المال : فيجب أن ترده عليه إن أمكنك، فإن عجزت عن ذلك ============================================================ لعدم أو فقر.. فتستحل منه، وإن عجزت عن ذلك لغيبة الرجل أو موته وأمكن التصدق عنه.. فافعل، وإن لم يمكن.. فعليك بتكثير حسناتك(1)، والوجوع إلى الله سبحانه وتعالى بالتضوع والابتهال إليه أن يرضيه عنك يوم القيامة.
وأما ما كان في النفس : فتمكنه من القصاص أو أولياءه حتى يقتص منك .
أو يجعلك في حل، فإن عجزت. . فالوجوع إلى اللهو سبحانه والابتهال إليه أن يرضيه عنك يوم القيامة وأما العرض : فإن اغتبته أو بهته أو شتمته .. فحقك أن تكذب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وأن تستحل من صاحبه إن أمكنك، هذذا إن لم تخش زيادة غيظ أو هيج فتنة في إظهار ذلك أو تجديده ، فإن خشيت ذلك.. فالوجوع إلى الله سبحانه وتعالى ليرضيه عنك، ويجعل له خيرا كثيرا في مقابلته، والاستغفار الكثير لصاحبه وأما الحرمة؛ بأن خنته في أهله وولده أو نحوه : فلا وجه للاستحلال والإظهار؛ لأنه يولد فتنة وغيظا، بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك، ويجعل له خيرا كثيرا في مقابلته، فإن أمنت الفتنة والهيج - وهو نادر - فتستحل وأما في الدين ؛ بأن كفرته أو بدعته أو ضللته : فهو أصعب الأمور، فتحتاج إلى تكذيب نفسك بين يدي من قلت له ذلك، وأن تستحل من صاحبك إن أمكنك، وإلا.. فالابتهال إلى الله سبحانه وتعالى جدا ، والتندم على ذلك ليرضيه عنك وجملة الأمر: فما أمكنك من إرضاء الخصوم. عملت، وما لم يمكنك.. رجعت إلى الله سبحانه وتعالى بالتضوع والصدق ليرضيه عنك، فيكون ذلك في مشيئة الله سبحانه يوم القيامة، والرجاء منه بفضله العظيم،
============================================================ واحسانه العميم : أنه إذا علم الصدق من قلب العبد.. فإنه يرضي خصماءه عنه من خزانة فضله، ولا حكم(1)، فاعلم هذذه حقها راشدا، فهذه هذه .
فإذا أنت عملت ما وصفناه، وبرأت القلب عن اختيار مثلها في المستقبل.: فقد خرجت من الدنوب كلها، وإن حصلت منك تبرئة القلب، ولم يحصل منك قضاء الفوائت، وإرضاء الخصوم. . فالتبعات لازمة(2)، وسائر الذنوب مغفورة.
ولهذا الباب شرخ يطول؛ فلا يحتمله هلذا المختصر، وانظر (كتاب التوبة) من كتب " إحياء علوم الدين" أولا ، وكتاب " القربة إلى الله تعالى" ثانيا، وكتاب " الغاية القصوى" ثالثا. . تجذ فوائد كثيرة، وشرحا جما ، والذي ذكرناه ههنا هو الأصل الذي لا بد منه ، وبالله التوفيق.
فتاى (في بيان حقيقة التوبة وما جاء في ذلك من أقوال السلف] ثم اعلم يقينا أن هلذه العقبة عقبة صعبة، أمزآها مهم ، وضررها عظيم ، فلقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله تعالى - وكان من الراسخين في العلم ، العاملين به - : أنه قال : دعوث الله سبحانه ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحا، ثم تعجبت في نفسي وقلت : سبحان الله! حاجة دعوت الله سبحانه فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن ، فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلا يقول لي : أتتعجب من ذلك ؟ أتدري ماذا تسأل الله سبحانه ؟
إنما تسأل الله سبحانه أن يحبك ، أما سمغت قوله تعالى : { إن الله يحب التوابين ويحث المتطهرير} ؟ أهلذه حاجة هينة؟
فانظر إلى هؤلاء الأئمة واهتمامهم، ومواظبتهم على صلاح قلوبهم، والترؤد لمعادهم: ============================================================ وأما الضرر المخوف في تأخير التوبة : فإن أول الذنب قسوة، وآخره -والعياذ بالله - شؤم وشقوة، فإياك أن تنسى أمر ابليس وبلعم بن باعوراء(1) ، كان مبتدأ أمرهما ذنبا، وآخروه كفرا ، فهلكا مع الهالكين أبد الابدين: فعليك - رحمك الله- بالتيقظ والجهد، عسى أن تقلع من قلبك عرق هلذا الإصرار، وتخلص رقبتك من هلذه الأوزار، ولا تأمن قساوة القلب من الذنوب، وتأمل حالك، فلقد قال بعض الصالحين : إن سواد القلب من الذنوب.
وعلامة سواد القلب : ألا تجد للقلوب من الذنوب مفزعا، ولا للطاعة موقعا، ولا للموعظة منجعل(2)، ولا تستحقرن الذنوب ، فتحسب نفسك تائبا وأنت مصر على الكبائر ، كما قال الشاعر : ([من الكامل) لا تحقرن من الدنوب أقلها إن القليل مع الدوام كثير لقد بلغنا عن كهمسي بن الحسن أنه قال : (أذنبث ذنبا فأنا أبكي عليه منذ أريعين سنة ، قيل : ما هو يا أبا عبد الله؟ قال : زارني أخ لي في الله ، فاشتريت له سمكا، فأكل، ثم قمت إلى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين ، فغسل بهايده)(3).
فناقش نفسك وحاسبها، وسارغ إلى التوبة وبادر؛ فإن الأجل مكتوم، والدنيا غروة، والنفس والشيطان عدؤان، وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى وابتهل، واذكز حال أبينا آدم عليه السلام الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بيده، ونفخ فيه من روحه، وحمله إلى جنته على أعناق الملائكة، لم يذنب إلا ذنبا واحدا ، فنزل به ما نزل ، حتى روي : ( أن الله تعالى قال له : يا آدم؛ أي جار كنث لك؟ قال : نعم الجار يا رب، قال : يا آدم؛ اخرج من جواري، وضع
============================================================ عن رأسك تاج كرامتي ؛ فإنه لا يجاورني من عصاني)(1) .
حتى إنه فيما روي: بكى على ذنبه مثتي سنة حتى قبل توبته، وغفر ذنبه الواحد.
هلذا حاله مع نبيه وصفئه في ذنب واحد، فكيف حال الغير في ذنوب لا تحصى ؟1 وهذا تضروع التائب وابتهاله ، فكيف بالمصر المتعسف ؟!
ولقد أحسن من قال : (من المتقارب] يخاف على نفسه من يتوت فكيف ترى حال من لا يتوب؟!(2 فإن تبت ، ثم نقضت التوبة ، وعدت إلى الذنب ثانيا. . فعذ إلى التوبة مبادرا ، وقل لنفسك : لعلي أموث قبل أن أعود إلى الذنب هلذه المرة، وكذلك ثالثا ورابعا، وكما اتخذت الدنب والعود إليه حرفة.. فاتخذ التوبة والعود إليها حرفة، ولا تكن في الثوبة أعجز منك في الذنب ، ولا تيأس، ولا يمنغك الشيطان من التوبة بسبب ذلك ، فإنه دلالة الخير ، أما تسمع قوله صلى الله عليه وسلم : "خياركم كل مفئن تواب "(3) أي : كثير الابتلاء بالذنب ، كثير التوبة منه والوجوع إلى الله جل جلاله بالندامة والاستغفار ، وتذكر قوله سبحانه : {ومن يعمل سوءا آو يظلم نفسه ثر يستغفر الله يجد الله عفورا تحيما} ، فهلذه هلذه، وبالله التوفيق.
تاق (في بيان حقيقة التوبة الصادقة) وجملة الأمر : أنك إذا ابتدأت ، فبرأت قلبك عن الذنوب كلها؛ بأن توطنه على الأ تعود إلى الدنب أبدا ألبتة. . ليكن ما كان منك على وجه علم الله سبحانه وتعالى صدق عزمك فيه من قلب صادقي تقي، وترضي الخصوم بما أمكنك، ============================================================ وتقضي الفوائت بما تقدر عليه، وترجع في الباقي إلى الله سبحانه وتعالى بالابتهال والتضروع ليكفيك ذلك .
ثم تذهب فتغتسل، وتغسل ثيابك، وتصلي آربع ركعات كما يجب، وتضع وجهك على الأرض في مكان خال لا يراك إلأ الله سبحانه ، ثم تجعل الثراب على رأسك، وتمرغ وجهك الذي هو أعز أعضائك في الثراب بدمع جار، وقلب حزين، وصوت عال، وتذكر ذنوبك واحدا واحدا ما أمكنك، وتلوم نفسك العاصية عليها ، وتوبخها وتقول : أما تستحي يا نفس؟ أما آن لك أن تتوبي؟ ألك طاقة بعذاب الله سبحانه ؟ ألك حاجة بسخط الله سبحانه ؟ وتذكر من هلذا كثيرا وتبكي.
ثم ترفع يديك إلى الرب الرحيم سبحانه وتقول : إلهي ؛ عبذك الابق رجع الى بابك ، عبذك العاصي رجع إلى الصلح، عبدك المذنب أتاك بالعذر، فاعف عني بجودك، وتقبلني بفضلك، وانظر إلي برحمتك، اللهم؛ أغفر لي ما سلف من الذنوب ، واعصمني فيما بقي من الأجل ، فإن الخير كله بيدك ، وأنت بنا رؤوف رحيم.
ثم تدعو دعاء الشدة، وهو : يا مجلي عظائم الأمور، يا منتهى همة المهمومين ، يا من إذا أراد أمرا.. فإنما يقول له كن فيكون، أحاطت بي ذنوت أنت المذخور لها(1)، يا مذخورا لكل شدة؛ كنث أدخرك لهذه الساعة، فتث علي ، إنك أنت التواب الرحيم.
ثم اكثز من البكاء والتذلل ، وقل : يا من لا يشغله شأن عن شأن ، ولا سمع عن سمع ، يا من لا تغلطه المسائل ، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين(2) ؛ أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك ، برحمتك يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيءآ قدير. ============================================================ ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتستغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ، وترجع إلى طاعة الله جل جلاله، فتكون قد تبت توبة نصوحا، وقد خرجت من الذنوب طاهرا كيوم ولدتك أمك ، وأحبك الله تعالى ولك من الأجر والثواب، وعليك من البركة والرحمة ما لا يحيط به وصف واصف ، وحصل لك الأمن والخلاص، ونجوت من غصة المعاصي وبليتها في الدنيا والاخرة، وكنت قد قطعت هذذه العقبة بإذن الله سبحانه، والله تعالى ولي الهداية والتوفيق بمنه وفضله.
============================================================ العقبة الثاثة وهي عقبة العوائق ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله تعالى - بدفع العوائق حتى تستقيم عبادتك، وقد ذكرنا أن العوائق أريعة : أحدها : الدنيا ، ودفعها إنما هو بالتجرد عنها ، والزهد فيها، وإنما لزمك هلذا التجرود والزهد لأمرين : أحدهما : لتستقيم لك العبادة وتكثر؛ فإن الرغبة في الدنيا تشغلك (1) ؛ أما ظاهرك : فبالطلب ، وأما باطنك : فبالإرادة وحديث النفس ، وكلاهما يمنع عن العبادة؛ فإن النفس واحدة، والقلب واحد ؛ فإذا اشتغل بشيء.. انقطع عن ضده: وان مثل الدنيا والآخرة كمثل الضرتين؛ إن أرضيت إحداهما.. أسخطت الأخرى، وإنهما كالمشرق والمغرب، بقدر ما تميل إلى أحدهما.. أعرضت عن الآخر: أما شغلها في الظاهر : فقد روينا عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : (زاولت أن أجمع بين العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فاقبلت على العبادة، وتركث الثجارة)(2).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : (لو كانتا مجتمعتين لأحد غيري.: لاجتمعتالي؛ لما أعطاني الله تعالى من القوة واللين) . ============================================================ فإذا كان الأمر كذلك . . فأضر بالفانية ، والسلام.
وأما شغلها بالقلب - وهو الباطن لمكان الإرادة - : فما روي عن التبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحب دنياه.. أضر بآخرته ، ومن أحب ============================================================ وأما الزهذ الذي هو غير مقدور للعبد: فهو برودة الشيء على قلب الزاهد(1).
ثم الزهذ الذي هو مقدور مقدمات للزهد الذي هو غير مقدور ، فإذا أتى به العبد؛ بألا يطلب ما ليس عنده من الذنيا ، ولأن] يفرق ما عنده منها، ويترك بالقلب إرادتها وأختيارها لأجل الله وعظيم ثوابه بتذكره لافاتها.. أورثته تلك برودة الأنيا على قلبه، وهلذا عندي هو الزهذ الحقيقي.
ثم أعلم : أن أصعب الأمور الثلاثة إنما هو ترك الإرادة بالقلب ؛ إذ كم من تارك لها بظاهره، محث مريد لها بباطنه، فهو في مكافحة ومقاساة من نفسه شديدة، والشان كله في هلذا ، ألم تسمع إلى قوله سبحانه وتعالى : { تلك الدار الخرة نحصلها للذين لا يرييون علوا فى الأرض ولا فسادا) ؟ علق الحكم بنفي الإرادة ، دون الطلب والفعل للمراد.
وقوله تعالى : { من كاب يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثد ومن كاب يريد حرث الذنيا نؤتهه منها وما له فى الأخرة من تصيب) .
وقوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عبلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) الآية وقوله : { ومن أراد اللخرة وسعن لها سعيها وهو مؤمن} الآية أما ترى الإشارة كلها إلى الإرادة ؟! فأمرها هو المهم إذن ، للكن العبد إذا واظب واستقام على الأمرين الأؤلين - أعني : الترك والتفريق - فمأمول من فضل الله سبحانه أن يوفقه لدفع هلذه الإرادة والاختيار عن قلبه؛ فإنه المتفضل الكريم عز وجل.
ثم الذي يبعث على الترك والتفريق ، ويهون عليك ذلك : ذكر آفات الذنيا وعيوبها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، فمنه قول بعضهم : تركث الذنيا لقلة غنائها، وكثرة عنائها، وسرعةآ فنائها، وخسة شركائها. ============================================================ قال شيخي الإمام رحمه الله : للكن يجيء من هلذا رائحة الرغبة ؛ لأن من شكا فراق أحد.. أحب وصاله، ومن ترك شيئا لمكان الشركاء فيه.. أخذه لو انفرد به.
فالقول البالغ فيه : ما قاله شيخنا رحمه الله : إن الذنيا عدوة الله عز وجل ، وأنت محثه، ومن أحب أحدا.. أبغض عدوه . قال : ولأنها في أصلها وسخة جيفة ، الا ترى أن آخرها إلى القذر والفساد ، والتلاشي والاضمحلال والنفاد ؟
للكنها جيفة ضمخت بطيب(1)، وطرزت بزينة، فاغتر بظاهرها الغافلون، وزهد فيها العاقلون : فإن قيل : فما حكم الزهد في الذنيا ؛ أهو فرض أم نفل ؟
فاعلم : أن الزهد يقع عندنا في الحلال والحرام ، فهو في الحرام فرض، وفي الحلال نفل.
ثم منزلة هذذا الحرام لمستقيمي الطاعة بمنزلة الميتة المستقذرة ، لا يقدم عليها إلا عند الضرورة بمقدار دفع الضرر: وأما الزهذ في الحلال : فإنما يكون في منزلة الأبدال ، يكون عندهم الحلال بمنزلة الميتة ، لا يتناولون منها إلا قدرا لا بد منه، والحرام عندهم بمنزلة الثار، لا يخطر ببالهم قصد تناولها بحالي، وهلذا معنى البرودة على القلب؛ بأن تنقطع هيئه عنها، ويستقذرها ويستنكرها جدا، فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة.
فإن قلت : كيف يمكن أن تصير الثنيا في شهواتها ولداتها العجيبة المطلوبة عند الإنسان بمنزلة النار، أو بمنزلة الجيفة المستحيلة ، والبنية بنيثنا، والطبع طبعنا 4(2) فاعلم : أن من وفق التوفيق الخاصر ، وعلم آفاتها وقذرها في أصلها.. ============================================================ فتصير عنده كذلك ، وإنما يتعجب من هلذا الراغبون العميان عن عيب الدنيا وآفاتها، المغترؤون بظاهرها وزينتها، وسأضرب لك مثلا لذلك : فاعلم : أن هذا يمثل بإنسان صنع خبيصا بشرائطه من الشكر وغيره(1)، ثم طرح فيه قطعة سم قاتل، فأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر، ووضع الخبيص بين أيديهما مزينا مزخرفا ؛ فالرجل الذي أبصر ما جعل فيه من الشم يكون زاهدا في ذلك الخبيص، لا يخطرو بباله أن يتناول منه بحال ألبتة، ويكون ذلك عنده بمنزلة النار، بل أصعب؛ لمكان ما يعلم من آفته، ولا يغتر بظاهره وزينته، وأما الرجل الآخر الذي لم يبصر ما جعل فيه. . أغتر بظاهره المزخرف ، وحرص عليه، ولم يصبو عنه، وأخذ يتعجب من صاحبه الزاهد فيه، ورئما يسفهه في ذلك.
فهلذا مثل حرام الدنيا مع البصراء المستقيمين، والجهال الراغبين.
فإن لم يطرح فيه الشم، للكن بزق فيه أو أمتخط، ثم ضمخه وزينه؛ فالرجل الذي شاهد منه ذلك الفعل يكون مستقذرا لذلك الخبيص ، نافرا عنه، لا يكاد يقدم عليه إلا عند الضرورة وشدة الحاجة إليه ، والذي لم يشاهذ ذلك فهو جاهل بآفته، مغتر بظاهره، حريصن عليه، مكث معجبت محق فهذا مثل حلال الدنيا مع الفريقين ؛ أهل البصيرة والاستقامة، وأهل الرغبة والغفلة وإنما آختلف حال الرجلين مع تساويهما في الطبع والبنية لبصيرة وعلم كان لأحدهما، وجهل وغفلة وجفاء كان للآخر، فلو علم الراغب، وأبصر ما علمه الزاهذ.. لكان زاهدا مثله، ولو جهل الزاهذ، وعمي عما عمي عنه الراغب..
لكان راغبا مثله: فعلمت بذلك أن هذا التمييز لمكان البصائر دون الطبائع ، وهلذا أصل ============================================================ مفيد، وكلام بين سديد، أعترف به من عقل وأنصف، والله تعالى وليي الهداية والتوفيق بفضله.