Bölüm 3
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
فإن قيل : فلا بد لنا من قذر من الدنيا ليكون قوامآ لنا ، فكيف نزهذ فيها ؟!
فاعلم : أن الزهد في الفضول مما لا يحتاج إليه في قوام البنية، فالمقصود : القوام والقوة حتى تعبد ألله سبحانه لا الأكل والشرب والتلذذ ، والله تعالى إن شاء.. أقامها بشيء وسبب ، وإن شاء. أقامها بغير سبب كالملائكة ثم إن كان بشيء؛ إن شاء.. فبشيء حاصل عندك، أو بطلبك وكسبك ، وإن شاء.. فبشيء غيره يسببه لك من حيث لا تحتسب، من غير طلب منك وكسب ، كما قال اللهآ تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له يخربا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) فإذن لا تحتاج بحال إلى طلب وإرادة، فإن لم تقو على ذلك، وطلبت وأردت.. فانو بذلك العدة والقؤة على عبادة الله تعالى ، دون الشهوة واللذة؛ فإنك إذا نويت ذلك. . كان الطلب والإرادة منك خيرا وطلبا للآخرة بالحقيقة لا للدنيا، ولا يقدح في زهدك وتجودك، فاعلم هلذه الجملة راشدا إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق العائق الثاني : الخلق، ثم عليك - وفقك الله وإيانا لطاعته - بالتفرؤد عن الخلق، وذلك لأمرين : أحذهما : أنهم يشغلونك عن عبادة الله عز وجل، على ما خكي عن بعضهم أنه قال : مررث بجماعة يترامؤن وواحد جالس بعيدا منهم ، فأردث أن أكلمه فقال لي : ذكر الله أشهى إلي من كلامك، فقلت : أنت وحدك؟ فقال : معي رئي وملكاي، فقلت : من سبق من هؤلاء؟ فقال : من غفر الله له، فقلت : اين الطريق؟ فأشار بيده إلى السماء ، وقام وتركني ، وقال : أكثر خلقك عنك شاغل.
فالخلق إذن يشغلونك عن العبادة، بل يمنعونك منها، بل يوقعونك في الشر والهلاك ، على ما قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى : طلبت من هلذا الخلق ============================================================ خمسة أشياء فلم أجذها : طلبت منهم الطاعة والزهادة فلم يفعلوا، فقلت : أعينوني عليهما إن لم تفعلوا ، فلم يفعلوا، فقلت : ارضوا عني إن فعلت، فلم يفعلوا، فقلث : لا تمنعوني عنهما إذن، فمنعوني، فقلت : لا تذعوني إلى ما لا يرضي الله العظيم ولا تعادوني عليها إن لم أتابغكم ، ففعلو(1)، فتركثهم واشتغلت بخاصة نفسي واعلم أيها الأخ في الدين : أن نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم وصف زمان العزلة، وبين نعته ونعت أهله، وأمر فيه بالتفرد، وكان صلى الله عليه وسلم لا محالة أعلم بالمصالح ، وأنصح لنا منا لأنفسنا: فان وجدت زمانك على ما وصف وبين.. فامتثل أمره صلى الله عليه وسلم ، واقبل نصيحته ، ولا تشك في أنه صلى الله عليه وسلم كان أعرف بما يصلع لك في زمانك، ولا تتعلل بالعلل الكاذبة، ولا تخادغ نفسك، وإلا.. فأنت هالك ولا عذرلك .
والوصف الذي ذكرناه منها هو في الخبر المشهور عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أنه قال : بينما نحي حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة فقال : " إذا رأيتم الناس مرجتث عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، قلث: ما أصنع عند ذلك جعلني الله فداءك؟ قال: " الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودغ عنك أمر العامة "(2).
وذكر في خبر آخر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ذلك أيام الهزج " قيل : وما أيام الهزج ؟ قال : " حين لا يأمن الرجل جليسه "(3) .
وذكر أبن مسعود رضي الله عنه في خبر آخر للحارث بن عميرة أنه قال : ============================================================ "إن يدفع عن عمرك.. فسيأتي عليك زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد العلم " قال : ومتى ذلك ؟ قال : 9 إذا أميتت الصلاة، وقبلت الرآشا، ويباع الدين بعرض يسير من الذنيا ، فالنجاء ويحك ثم النجاء"(1).
قلث : وجميع ما ذكر في هلذه الأخبار تراه بعينك في زمانك وأهله ، فانظز لنفسك.
ثم إن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعوا على التحذير من زمانهم وأهله، وآثروا العزلة، وأمروا بذلك، وتواصوا به، ولا شك أنهم كانوا أبصر وأنصح، وأن الزمان لم يصر بعدهم خيرا مما كان، بل أشو وأمر، وهو ما ذكر عن يوسف بن أسباط أنه قال : سمعت الثوري يقول : (والله الذي لا إله إلأ هو ؛ لقد حلت العزلة في هلذا الزمان)(2) .
(2) (3) قلث أنا : ولئن حلت في زمانه . . ففي زماننا هلذا وجبت وافترضت(3).
وعن سفيان أيضا أنه كتب إلى عباد الخواص رحمهما الله تعالى : (أما بعد : فإنك في زمان كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم يتعوذون بالله من آن يدركوه - فيما بلغنا- ولهم من العلم ما ليس لنا، فكيف بنا حين أدركناه على قلة علم ، وقلة صبر ، وقلة أعوان على الخير ، وكدر من الدنيا، وفساد من الناس ؟1 فعليك بالأمر الأول، وعليك بالعزلة وترك
============================================================ الجدل وترك مخالطة الناس)(1) ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : (في العزلة راحة من خلطاء الشوء)(2).
امن البسيط وفي مثل هذا قيل: هذا الزمان الذي كتا نحاذره في قول كعب وفي قول آبن مسعود دهر به الحق مردوذ بأجمعه والظلم والبغي فيه غير مردود إن دام هلذا ولم تحدث له غير لم يبك ميث ولم يفرخ بمولود ولقد وجدث عن سفيان بن عيينة أنه قال : (قلت للثوري : أوصني، فقال : أقلل من معرفة الناس ، قلت : يرحمك الله ! أليس قد جاء في الخبر : " أكثروا من معرفة الناس؛ فإن لكل مؤمن شفاعة ؟"(3) قال : لا أحسبك رأيت قط ما تكرهآ إلا ممن تعرف، قلت : أجل، ثم مات ، فرأيته بعد موته في المنام بحجج، فقلت : يا أبا عبد الله؛ أوصني، فقال : أقلل من معرفة الناس ما استطعت، فإن التخلص منهم شديد)(4) [من الطويل] وقد قيل في معنى هذذا الخبر نظما : أفتش عن هلذا الورى وأكشف وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقي فما إن عرفت الناس إلآ ذممثهم جزى ألله خيرا كل من لست أعرف سوى أنني أحببت من ليس ينصف (5) وما لي ذنث أستحق به الجفا وقال الفضيل رحمه الله تعالى : هلذا زمان أحفظ فيه لسانك، وأخف ============================================================ مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر: وقال الثوري رحمه الله تعالى : هذا زمان الشكوت، ولزوم البيوت، والرضا بالقوت إلى أن تموت.
وعن داوود الطائي رحمه الله تعالى : (صم عن الدنيا، واجعل فطرك الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد)(1) .
وعن أبي عبيد أنه قال : ما رأيث حكيما قط إلأ قال لي في عقب كلامه : إن أحببت ألا تعرف. . فأنت من الله تعالى على بال.
والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى؛ فلا يحتمله هذا الكتاب ، وقد صنفنا فيه كتابا مفردا، وسميناه : "كتاب أخلاق الأبرار والتجاة من الأشرار"، فقف عليه تر العجب العجاب، والعاقل تكفيه إشارة، والله ولي التوفيق والهداية بفضله.
وأما الخصلة الثانية التي تقتضي التفرد عن الثاس في هلذا الشأن : أن الناس يفسدون عليك ما يحصل لك من العبادة إن لم يعصم اللهآ سبحانه، بسبب ما يعرض من قبلهم من دواعي الرياء والتزئن ، ولقد صدق يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله حيث قال : رؤية الناس بساط الرياء: وهؤلاء الزهاد قد خافوا على أنفسهم من هلذا المعنى حتى تركوا الملاقاة والتزاور.
ولقد ذكر أن هرم بن حيان قال لأويس القرني رحمهما الله : يا أويس؛ صلنا بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلئك بما هو أنفع لك منهما ، وهو الدعاء على ظهر الغيب ؛ لأن الزيارة واللقاء يعرض فيهما التزين والرياء .
وقيل لسليمان الخواص : قدم إبراهيم بن أدهم، أفلا تأتيه ؟ فقال : لأن القى شيطانا ماردا أحث إلي من لقائه، فاستنكروا ذلك من قوله، فقال : إني ============================================================ أخاف إذا لقيتآه أن أتزين له ، وإذا لقيت شيطانا أمتنع منه.
ولقد لقي شيخي الإمام بعض العارفين، فتذاكرا مليا، ثم دعوا في آخر حدييهما، فقال شيخي الإمام للعارف : ما أظنني جلست مجلسا أنا له أرجى من مجلسي هلذا، فقال له العارف : للكني ما جلست مجلسا أنا له أخوف من مجلسي هذا، ألست تعمد إلى أحسن حديثك وعلومك فتحدثني بها ، وتظهرها بين يدي، وأنا كذلك؟ فقد وقع الرياء، فبكى شيخي الإمام مليا، ثم غشي [من السريع) عليه، فكان بعد ذلك يتمثل بهذه الأبيات : يا ويلتسا من موقف ما به أخوف من آن يعدل الحاكم اارذ الله بعصيان ه ولي لي من دونه راحم يا رب عفوا منك عن مذنب أسرف إلا أته نادم يقول في الليل إذا ما دجا آهأ لذنب ستر العالة(1) فهذا حال أهل الزآهد والرياضة في ملاقاتهم ، فكيف حال أهل الرغبة والبطالة ، بل حال أهل الشر والجهالة ؟1 وأعلم : أن الزمان قد أصبح في فساد عظيم ، وأصبح الناس في ضر كثير؛ فإتهم يشغلونك عن عبادة الله تعالى حتى لا يكاد يحصل لك منها شيء، ثم يفسدون عليك ما حصل لك حتى لا يكاد يسلم لك منها شيء، فلزمتك العزلة والتفرآد عن الناس ، والاستعاذة بالله تعالى من شرهذا الزمان وأهله، والله تعالى الحافظ بفضله ورحمته فإن قيل : فما حكم العزلة والتفرود عن الناس ؟ فبين لنا - يرحمك الله - حال طبقات الخلق فيها، والحد الذي يجب منها.
فاعلم - رحمك الله وإيانا - : أن الناس في هذا الباب رجلان : رجل لا حاجة بالخلق إليه في علم وبيان حكم ، فالأولى بهذا الرجل التفرد ============================================================ عن الناس، فلا يخالطهم إلا في جمعة أو جماعة، أو عيد أو حج، أو مجلس علم بالشنة، أو حاجة في معيشة لا بد له من ذلك ، وإلا.. فيواري شخصه، ويلزم كنه ، لا يعرف ولا يعرف.
فأما إن أحب هلذا الرجل أن ينقطع عن الناس فلا يخالطهم في أمر من الأمور ألبية، من دين ودنيا، وجماعة وجمعة وغيرها؛ لما يرى له في ذلك من مصلحته وفراغه.. فإنه لا يسعه ذلك إلأ بأحد أمرين : اقا أن يصير إلى موضع لا يلزمه هنالك هلذه الفرائض، كرؤوس الجبال، وبطون الأودية ونحوها ، ولعل هذا أحد الوجوه التي دعت العباد إلى تلك المواضع البعيدة عن الناس .
واما أن يتيقن بالحقيقة أن الضرر الذي يلحقه في مخالطة الناس بسبب هلذه الفروض أعظم من تركها ، فحينئذ يكون له عذر في ذلك .
ولقدرايت أنا بمكة - حرسها الله- بعض المشايخ المتفردين من أهل العلم، وهو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعة، مع قربه منه، وسلامة حاله، فحاورته في ذلك يوما في حال ترددي إليه ، فذكر من عذره ما أشرنا إليه ، وهو أن ما يحصل من الثواب لا يفي بما يلحقه من الآثام والتبعات في الخروج إلى المسجد ولقاء الناس.
قلث أنا : وجملة الأمر : فلا عتب على المعذور، وألله تعالى أولى بالعذر، وهو عليم بذات الضدور، ولكن الطريق العدل فيه هو الأول، بأن يشارك الناس في الجمعة والجماعات، وضروب الخيرات، ويباينهم فيما سوى ذلك: فإن أحب الطريق الثاني ؛ بأن ينقطع عن الناس بمرة. . فسبيله الخروج إلى مواضع لا تتوجهآ عليه هذذه الفروض ثم .
الطريق الثالث : أن يكون مع الناس في مصر واحد ، لا يحضر جمعة ولا جماعة، لعذر يراه في ذلك؛ من وزر أو تبعة عليه، فإنه يحتاج إلى نظر ============================================================ دقيق، وعوارض عظيمة، حتى يسقط ذلك عنه، وفيه خطر من الغلط، فالأولان أسلم وأحفظ له، والله ولي الهداية بفضله.
وأما الرجل الثاني : فرجل يكون قدوة في العلم ، بحيث يحتاج الناس إليه في أمر دينهم لبيان حق، أو رد على مبتدع ، أو دعوة إلى خير بفعل أو بقول، أو نحو ذلك، فلا يسع هذا الرجل الاعتزال عن الناس ، بل ينصب نفسه بينهم ناصحا لخلق الله تعالى ، ذابا عن دين الله تعالى ، مبينا لأحكام الله تعالى، فلقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ظهرت البدع وسكت العالم. . فعليه لعنة الله 8(1).
هلذا إذا كان بينهم ، وإذا خرج من بينهم. . فلا يجوز له أيضا الاعتزال ، ولقد حكي : أن الأستاذ أبا بكر ابن فورك رحمه الله قصد أن ينفرد لعبادة الله تعالى عن الخلق، فبينما هو في بعض الجبال.. إذ سمع صوتا ينادي : يا أبا بكر؛ إذ صرت من حجج الله على خلقه. . تركت عباد الله تعالى ! فرجع، وكان هذا سبب صحبته للخلق وذكر لي مأمون بن أحمد رحمه الله : أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني رحمه الله قال لعباد جبل لبنان : يا أكلة الحشيش؛ تركثم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أيدي المبتدعة واشتغلتم هلهنا بأكل الحشيش! قالوا له: إنا لا نقوى على صحبة الناس، وإنما أعطاك اللهقوة فلزمك ذلك، فصنف بعد ذلك كتابه " الجامع للجلي والخفي".
وكان لهم رضي الله عنهم مع غزارة علمهم العمل الجم، والنظر الدقيق في سلوك طريق الاخرة.
واعلم : أن مثل هذا الرجل المحتاج إليه الناس في طروق باب الدين يحتاج في صحبة الخلق إلى أمرين شديدين :
============================================================ أحذهما: صبرو طويل، وحلم عظيم، ونظرو لطيف ، واستعانة بالله تعالى دائمهآ.
والثاني : أن يكون في هذا المعنى منفردا عنهم وإن كان بالشخص معهم ، فإن كلموه.. كلمهم، وإن زاروه.. عظمهم على قدرهم وشكرهم، وإن سكتوا عنه وأعرضوا عنه.. استغنم ذلك منهم، وإن كانوا في حق وخير.. ساعدهم، وان صاروا إلى لغو وشر.. خالفهم وهجرهم، بل رد عليهم وزجرهم إن رجا قبولهم ثم يقوم بجميع حقوقهم من الزيارات والعيادات، وقضاء الحاجات التي ترفع إليه ما أمكنه، ولا يطالبهم بالمكافآت، ولا يرجو ذلك منهم، ولا يريهم من نفسه استيحاشا لذلك، ويباسطهم بالبذل إذا قدر، وينقبض عنهم في الأخذ إن أعطي، ويتحمل منهم الأذى، ويظهر لهم البشر، ويتجمل بظاهره لهم، ويكتم حاجاته عنهم، فيقاسيها بتفسه، ويعالجها في سره وباطنه.
ثم يحتاج مع ذلك إلى أن ينظر لنفسه خاصة، فيجعل لها حظا من العبادة الخالصة ، كما قال عمؤ بن الخطاب رضي الله عنه : ( إن نمت الليل. . لأضيعن نفسي، وإن نمث النهار.. لأضيعن الرعية، فكيف لي بالنوم بين هاتين ؟1)(1).
(من الطويل] وفي هلذا المعنى غرض لي أبيات من الشعر ، وهي : فوطن على أن ترتكبك الوقائع فإن كنت في هدي الأئمة راغبا وقلب صبور وهو في الصدر مانع بنفس وقسور عند كل كريهة لوسوك مكتوم لدى الرب ذائع لسانك مخزون وطرفك ملجم وثغرك بسام وبطنك جائع وذكرك مغمور وبابآك مغلق وفضلك مدفون وطعنك شائع وقلبك مجروخ وسوقك كاسد من ألدهر والإخوان والقلب طائع وفي كل يوم أنت جارع غصة
============================================================ نهارك شغل الناس من غير منة وليلك شوق غاب عنه الطلاتع فدونك هذا الليل خذه ذريعة ليوم عبوس عز فيه الذرائع نعم؛ يكون بالنفس معهم والقلب ما أبعده عنهم! وذلك لعمري أمر شديد، وعيش نكذ ، وفيه يقول شيخنا رحمه الله في وصيته : يا بني، عش مع أهل زمانك ولا تقتد بهم ، ثم قال : ما أشد هذا العيش مع الأحياء والاقتداء بالأموات وعن أبن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (خالط الناس وزايلهم، ودينك لا تكلمنه)(1)، فهلذه نكتة مقنعة .
ثم أقول : إذا ماج الفتن بعضها في بعض، وتراجع الأمر، وولى الناس عن أمر الدين مدبرين، لا يرقبون في مؤمن إلأ ولا ذمة، ولا يطلبون عالما ، ولا يرمقون مفيدا، ولا يعنيهم أمر دينهم ألبتة، وترى الفتنة تعم العامة ، وتدث بين الخاصة.. فللعالم العذر في العزلة والتفرود ودفن العلم، وأخاف أن ما ذكرناه هو هلذا الزمان النكذ الصعب ، والله المستعان ، وعليه الثكلان: فهاذا حكم العزلة والتفرود عن الناس ، فافهمه؛ فإن الغلط فيه عظيم، وضرره كثير، وبالله التوفيق.
فإن قيل : أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " عليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله تعالى على الجماعة "(2) ، ول" إن الشيطان ذئب الإنسان ، يأخذ الشاذة والناحية والقاصية"(3) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد "(4). ============================================================ فاعلم: أن هلذه وردث، وورد أيضا : " الزم بيتك، وعليك بالخاصة ، ودع أمر العامة"(1)، وأمر بالعزلة والتفرود في الزمان الشوء ، ولا تناقض في قوله صلى الله عليه وسلم ، ولا بد من الجمع بين الحديثين بحول الله وتوفيقه .
فأقول : قوله صلى الله عليه وسلم : "عليكم بالجماعة " يحتمل ثلاثة اوجه: أحذها : أنه يعني به في الدين والحكم؛ إذ لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، فخرق الإجماع، والحكم بخلاف ما عليه جمهور الأمة، والشذوذ عنهم.. باطل وضلا، وأما أن يعتزل عنهم لصلاح في دينه.. فليس هلذا من ذلك في شيء: والثاني : (عليكم بالجماعة)؛ بألا تنقطعوا عنهم في جمعهم وجماعاتهم ونحوها؛ فإن فيها قوة الدين ، وجمال الإسلام ، وغيظ الكفار والملحدين، ولا يخلو ذلك من بركات ونظر من الله عز وجل بالرحمة ، وكذلك نقول : إن حق المنفرد أن يشارك الناس في الجموع العامة في الخير ، وأن يجانبهم في الضحبة والمزاحمة في سائر الأمور ؛ لما فيها من ضروب الأفات:.
والثالث : أن ذلك في غير زمان الفتنة للرجل الضعيف في أمر الدين، وأما الرجل البصير القويي في أمر الله تعالى إذا رأى زمان الفتنة الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة منه ، وأمرهم بالعزلة فيه. . فالعزلة أولى؛ لما في الخلطة من الفساد والآفة ، ولا ينقطع من جموع الإسلام والخيرات العامة ، وإن أراد أن ينفرد عن الناس بمرة. . فليسكن شاهق جبلي ، أو بطن فلاة ، لصلاح يراه في دينه.
ثم قلث : ولا أرى مثل هذذا الرجل أينما كان إلا ويمكنه الله عز وجل من حضور الجماعات والجمعات وسائر جموع الإسلام، فيحضر لئلا يفوته الحظ ============================================================ منها أيضا ؛ فإن جموع الإسلام من الله عز وجل بمكان وإن تغير الناس وفسدوا ، كذا سمعنا من حال الأبدال أنهم يحضرون جموع الإسلام أينما كانت ، ويسيرون من الأرض حيث شاؤوا ، وأن الأرض لهم قدم واحد وفي الأخبار : أن الأرض تطوى لهم ، وينادون بالتحيات ، ويتحفون بأنواع البر والكرامات، فهنيئا لهم بما ظفروا به، وأحسن الله عزاء من غفل عن النظر في خلاص نفسه، وأعان الطالب الذي لم يصل إلى المقصود كأمثالنا، ولقد (من الخفيف] غرض لي في صفة حالي أبيات من الشعر ، وهي : ل وفاز الأحباب بالأحباب ظفر الطالبون وأتصل الوص بين حذ الوصال والإجتناب وبشيا مذبذبين حيارى نفس حال المحال للألباب نرتجي القرب بالبعاد وهلذا م وتهدي إلى طريق الصواب فاسقنا منك شربة تذهب الغم ح ويا منقذي من الأوصاب يا طبيب السقام يا مرهم الجر أو بماذا أفوز يوم الحساب لست آدري بما آداوي سقامي ولنقبض الآن عنان الجنان ، ونرجع إلى المقصود من شأن العزلة؛ فقد خرجناعن شرط الباب: فإن قيل : أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : 1 رهبانية أمتي الجلوس في المساجد" ، وفيه زجر عن التفرود ؟
فاعلم : أن ذلك في غير زمان الفتنة كما ذكزناه ، وأيضا فإنه يجلس في المسجد ولا يخالط الناس ولا يداخلهم، فيكون بالشخص معهم ، وفي المعنى منفردا عنهم ، وهذا هو المعنيي في العزلة والتفرد الذي نحن في شرحه، لا التفرد بالشخص والمكان ، فافهم ذلك رحمك الله، وفيه يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله : كن واحدا جامعيا، ومن ربك ذا أنس ، ومن الناس وحشيا .
============================================================ فإن قيل : فما تقول في مدارس علماء الآخرة، ورباطات الصوفية سالكي طريق الاخرة، والكون فيها ؟(1) فاعلم : أن تلك الطريقة المثلى في هلذا الشأن لعامة أهل العلم والاجتهاد ، وذلك أنها جمعت المعنيين والفائدتين اللتين إحداهما : العزلة عن الناس، والتفرود عنهم بالضحبة والمخالطة والمزاحمة في أمورهم ، والثانية : المشاركة معهم في جمعهم وجماعاتهم، وتكثير شعائر الإسلام، فتحصل السلامة التي هي للمنفردين ، والخير الكثير الذي هو لعامة المسلمين ، مع ما للناس فيهم من العدة والبركة والتصيحة ، فصار الكون فيها أعدل طريق، وأحسن حال، وأسلم سبيل ، ولهلذا الشأن أقام أكثر العارفين بين الناس ؛ لنفعهم لعباد الله تعالى في باب الدين، وقلة أذاهم، ومشاهدة الخلق لادابهم وحسن رسومهم ليقتدوا بهم ؛ فإن لسان الحال أفصح من لسان المقال ، فصار ذلك أحسن تدبير في أمر الدين للعلم والعبادة، وأحكم رأي: فإن قيل : فما حال المريد مع المجتهدين والمرتاضين، أيصحبهم أم يعتزلهم؟
فاعلم: أنهم إذا كانوا ثابتين على رسومهم الأولى، وسيرتهم الموروثة عن سلفهم.. فهم أجل إخوان في الله عز وجل، وأصحاب وأعوان على عبادة ألله تعالى؛ فلا تسعك عنهم عزلة وتفرد، وإنما مثلهم مثل ما تسمع من زهاد لبنان وغيرهم أن منهم جماعات يتعاونون على البر والتقوى ، ويتواصون بالحق والصبر: وأما إذا تغيروا وتركوا رسومهم، وأخلوا بطريقتهم الموروثة عن أسلافهم الصالحين. فحكم هذا المجتهد المرتاض معهم كحكمه مع سائر الناس ، يلزم زاويته ويكفك لسانه، ويشاركهم في خيراتهم، ويجانيهم في سائر أحوالهم وآفاتهم، فيكون هو في عزلة من أهل العزلة، منفردأ عن المنفردين فإن قلت : فإن أختار هاذا المجتهد المرتاض أن يخرج من بينهم إلى مكان آخر؛ لصلاح يراه في نفسه ، وتجنب آفة تدخل عليه في صحبتهم؟ ============================================================ فاعلم : أن هذه المدارس والرباطات بمنزلة حصن حصين يتحصن بها المجتهدون عن القطاع والشراق، وأن الخارج بمنزلة الصحراء، تدور فيه فرسان الشياطين عسكرا عسكرا، فتسلبه أو تستأسره، فكيف حاله إذا خرج إلى الصحراء، وتمكن العدؤ منه من كل جانب ، يعمل فيه ما يشاء ؟! فإذن ليس لهاذا الضعيف إلا لزوم الحصن وأما الرجل القوي البصير الذي لا تغلبه الأعداء ، وأستوى عنده الحصن والصحراء.. فلا خوف عليه إذا خرج غير أن الكون في الحصن أحوط على كل حال؛ إذ لا يؤمن من الفلتات والاتفاقات مع قرناء الشوء ، وإذا كان الأمر بهذه الجملة.. فالكون مع رجال الله ، والصبر على مشقة الصحبة أولى للمرتاض وطالب الخير بكل حال، وأن لا مانع للقوي البالغ مبلغ الاستقامة عن التفرؤد منهم، فاعلم هذه الجملة وتأملها تغنم وتسلم إن شاء الله تعالى: فإن قيل : فما تقول في زيارة الإخوان في الله عز وجل، ومواصلة الأحباب بالثلاقي والتذاكر؟
فاعلم : أن زيارة الإخوان في الله تعالى من جواهر عبادة الله تعالى ، وفيها الزلفة الكريمة إلى الله عز وجل، مع ما فيها من ضروب الفوائد وصلاح القلب ، وللكن بشرطين : أحدهما : ألا يخرج في ذلك إلى الإكثار والإفراط ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه : " زر غبا تزدد حبا "(1).
والثاني : أن تحفظ حق ذلك ؛ بالتجنب عن الرياء والترين، وقول اللغو والغيبة، ونحو ذلك، فيعوذ عليك وعلى أخيك الوبال، فلقد حكي : أن الفضيل وسفيان رحمهما الله تعالى تذاكرا شيئا فبكيا ، فقال سفيان : يا أبا علي؛ أرجو أنا ما جلسنا مجلسا أرجى لنا من هلذا المجلس ، فقال الفضيل: ============================================================ ما جلست مجلسا أخوف علي من هلذا ، قال : وكيف يا أبا علي؟ قال : ألست تعمد إلى أحسن حديثك فتحدثني به، وأنا عمدث إلى أحسن ما عندي فحدثتك به، فتزينت لي ، وتزئنت لك؟ فبكى سفيان(1).
فيجب أن تكون مجالستك للإخوان وملاقاتهم على مقدار قصد في أحتياط ونظر لطيف ، فلا يقدح ذلك حييذ في عزلتك وتفردك عن الناس، ولا يعود عليك وعلى أخيك بضرر وآفة ، بل بخير كثير، ونفع عظيم، والله الموفق فإن قلت : فما يبعثني على العزلة عن الناس والتفرد، ويهون علي ذلك ؟
فاعلم : أن الذي يهون عليك ذلك ثلاثة أمور : أحذها : أستغراق أوقاتك في العبادة؛ فإن في العبادة شغلا، وإن الاستثناس بالناس من علامات الإفلاس: فإذا رأيت نفسك تتطلع إلى ملاقاة الناس وكلامهم من غير حاجة وضرورة..
فاعلم أن ذلك فضول ساقه إليك الفراغ والبطو، ولقد أحسن من قال في هذا [من الكامل] المعنى: ان الفراغ إلى سلامك قادني ولربما عمل الفضول الفارغ فإذن إذا أعطيت العبادة حقها.. وجدت حلاوة المناجاة، واستأنست بكتاب الله سبحانه، واشتغلت عن الخلق، واستوحشت من صحبتهم وكلامهم، وفي الخبر : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان إذا رجع من المناجاة.. يستوحش من الناس، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه؛ لئلا يسمع كلامهم، وكان كلامآهم عنده في النفور والوحشة في ذلك الوقت كأصوات الحمير، فعليك بما قاله شيخنا رحمه الله: امن مجزوء الخفيف] ااض بالله صاحيا وذر الناس جاني ادق الوذ شاهدا كنت فيهم وغائا ق ب التاس كيف شيء ت تجدهم عقاربا
============================================================ والثاني : قطع الطمع عنهم بمرة، فيهون عليك أمرهم ؛ لأن من لا ترجو نفعه، ولا تخاف ضره.. فوجوده وعدمه سواء والثالث: تبصر آفاتهم، وتتذكر ذلك، وتكرره على قلبك؛ فإن هلذه الأذكار الثلاثة إذا لزمتها. . طردتك عن صحبة الخلق إلى باب الله تعالى ، والتفرود لعبادته، وحببته إليك، والزمتك بابه، وبالله التوفيق والعصمة العائق الثالث: الشيطان، ثم عليك - يا أخي - بمحاربة الشيطان وقهره، وذلك لخصلتين: احداهما: أنه عدؤ مضل مبينآ، ولا مطمع فيه بمصالحة وإبقاء عليك، بل لا يقنعه إلأ هلائك أصلا، فلا وجه إذن للأمن من مثل هلذا العدو والغفلة عنه ، و تأمل آيتين من كتاب الله سبحانه : إحداهما : قوله تعالى : ألم أفهد إليكم ينبنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطلن إنه لكزعدوثبين.
والثانية : قوله تعالى : إن الشيطان لكرعدو فاتخذوه عدوا} ، وهلذا أقصى التحذير وغايئه: والخصلة الثانية : أنه مجبول على عداوتك، ومنتصت أبدا لمحاربتك، فهو آناء الليل وأطراف النهار يرميك بسهامه وأنت غافل عنه، فكيف يكون الحال؟!
ثم وقعث معك نكتهآ أخرى، وهي أنك في عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق إلى باب الله سبحانه بفعلك وقولك، وهذا ضد صنيع الشيطان وهمته، ومراده وحرفته، فصرت كأنك قمت وشددت وسطك لتغايظ الشيطان وتكايده وتناقضه، فهو أيضا يشد وسطه ليعاديك ويقاتلك ويماكرك حتى يفسد عليك شأنك ، بل حتى يهلكك رأسا ؛ إذ لا يأمن من جانبك بعد ؛ فإنه الذي يسيء ويقصد بالهلاك إلى من لا يغايظه ولا يناقضه، بل يصادقه ويوافقه، كالكفار وأهل الضلالة ، وأهل الرغبة في بعض الأحوال، فكيف قصده لمن قام لمغايظته، وتجرد لمناقضته ؟!
============================================================ فله إذن مع سائر الناس عداوة عامة، ومعك أيها المجتهذ في العبادة والعلم عداوة خاصة، وإن أمرك له لمهم، ومعه عليك أعوان، أشدها عليك نفسك وهواك، وله اسبات ومداخل وأبوات أنت عنها غافل، ولقد صدق يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله حيث قال : الشيطان فارغ وأنت مشغول، والشيطان يراك وأنت لا تراه، وأنت تنساه وهو لا ينساك، ومن نفسك للشيطان عليك عون: فإذن لا بد من محاربته وقهره ، وإلا.. فلا تأمن الفساد والهلاك.
فإن قلت : فبأي شيء أحارب الشيطان ؟ وبأي شيء أقهره وأدفعه ؟
فاعلم : أن لأهل هلذه الصناعة (1) في هلذه المسألة طريقين : أحذهما : ما قاله بعضهم : إن التدبير في دفع الشيطان الاستعاذة بالله سبحانه لا غير؛ فإن الشيطان كلث سلطه الله تعالى عليك؛ فإن اشتغلت بمحاربته ومعالجته.. تعبت، وضاع عليك وقتآك، وريما يظفر بك فيعقرك ويجرحك؛ فإن الؤجوع إلى رب الكلب ليصرفه عنك أولى: والثاني : ما قال آخرون : إن الطريق المجاهدة، والقيام عليه بالدفع والرد والمخالفة قلث : والذي عندي أن الطريق العدل الجامع في أمره أن تجمع بين الطريقين ؛ فتستعيذ بالله تعالى أولا من شره كما أمرنا، وهو الكافي شره، ثم إن رأيناه يتغلب علينا.. علمنا أنه أبتلاءآ من الله تعالى ليرى صدق مجاهدتنا وقوتنا في أمره سبحانه وتعالى ويرى صبرنا ، كما أنه يسلط علينا الكفار مع قدرته على كفاية أمرهم وشرهم ليكون لنا حظ من الجهاد والصبر والتمحيص والشهادة ، كما قال تعالى : وليعلم الله الذي ء امثوا ويتخذ منكم شهداء) ، وقال تعالى : {أمر حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلو الله الذين جلهدوا منكم ويعلم العدبرين} ، فكذلك هو
============================================================ ثم إن محاربته وقهره - فيما قاله علماؤنا رضي الله عنهم - في ثلاثة أشياء: أحدها: أن تتعرف وتتعلم مكايده وحيله، فلا يتجاسر حينئذ عليك، كاللص إذا علم أن صاحب الدار قد أحس به.. فر.
والثاني : أن تستخف بدعوته، فلا تعلق قلبك بذلك وتتبعه؛ فإنه بمنزلة الكلب النابح؛ إن أقبلت عليه. . أولع بك ولج، وإن أعرضت عنه. . سكت .
والثالث : أن تديم ذكر الله تعالى بلسانك وقلبك، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ذكر الله تعالى في جنب الشيطان كالأكلة في جنب أبن آدم"(1).
فإن قلت : كيف تعلم مكايده ؟ وكيف الطريق إلى معرفة ذلك ؟
فاعلم (أولا] : أن له وساوس هي بمنزلة السهام التي يرميها، وذلك إنما يتبين لك بمعرفة الخواطر وأقسامها والثاني : أن له حيلا بمنزلة الشبكات التي تنصبها ، وذلك يتبين لك بمعرفة المكايد وأوصافها ومجاريها ولقد ذكر علماؤنا رضي الله عنهم أبوابا في الخواطر، وقد صنفنا كتابا سميناه : "تلبيس إبليس" ، وكتابنا هاذا لا يحتمل الإكثار، للكنا نذكر لك إن شاء الله تعالى من كل واحد منها أصلا كافيا إذا أعتصمت به.
فأما أصل الخواطر : فاعلم أن الله تعالى وكل بقلب أبن آدم ملكا يدعوه إلى الخير، يقال له : (الملهم)، ولدعوته : (إلهام)، وسلط في مقابلته شيطانا يدعو العبد إلى الشر يقال له : (وسواس)، ولدعوته : (وسوسة)، فالملهم ============================================================ لا يدعو إلا إلى الخير ، والوسواس لا يدعو إلا إلى الشر في قول أكثر علمائنا .
وقد حكي عن شيخنا رحمه الله : أن الشيطان ربما يدعو إلى الخير وقصده في ذلك الشرو؛ بأن يدعوه إلى المفضول ليمنعه عن الفاضل ، أو يدعوه إلى خير ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره .