بيان جنس العلم والعمل الموصلين إلى جنة المأوى
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
فإن قلت: العلوم أصنافها كثيرة، والأعمال وأنواعها مختلفة، وليس الكل مطلوبا، فما الصنف النافع حتى اشتغل به؟ فأقول: أما العلم فمنقسم إلى العملي والنظري. أما النظري فكثير، ولكن كل علم يتصور أن يختلف بالاعصار والبلدان والأمم، فلا يورث كمالا يبقى في النفس أبد الدهر. ونحن نبتغي من العلم تبليغ النفس كمالها، لتسعد بكمالها، مبتهجة بما لها من البهاء والجمال أبد الدهر، فخرج عن هذا البيان العلم باللغات، وموجبات الألفاظ، كالعلم باللغة والإعراب والنحو والشعر والترسل وشرح الألفاظ وتفصيلها. فإن افتقر إلى شيء منها، فيطلب لا لنفسه، بل ليكون ذريعة للعلم المقصود. لكننا الآن في بيان العلم المقصود، فإنا
إن نعرف ذات الحج، لم يلزمنا ذكر الخف والمطهرة، وإن كان يحتاج إليهما في التوصل إليه. وإنما نميز العلوم التي تبقى معلوماتها أبد الآبدين، لا تزول ولا تحول. ومثل ذلك لا يختلف باختلاف الإعصار والأمم، وذلك يرجع إلى العلم بالله وصفاته، وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت السموات والأرض، وعجائب النفوس الإنسانية والحيوانية، من حيث أنها مرتبطة بقدرة الله عز وجل، لا من حيث ذواتها. فالمقصود الأقصى العلم بالله، وملائكة الله لا بد من معرفتهم، لأنهم واسطة بين الله وبين النبي. وكذا معرفة النبوة والنبي، لأن النبي واسطة بين الخلق والملائكة، كما أن الملك واسطة بين الله والنبي. وهكذا يتسلسل إلى آخر العلوم النظرية، وغايتها وأقصاها العلم بالله عز وجل. ولكن يتشعب القول فيه اشتعابا كثيرا، إذ يدل بعضها على بعض. ولذلك يكثر التفصيل فيه.
القسم الثاني العلم العملي، وهو ثلاثة علوم: علم النفس بصفاتها وأخلاقها، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى، وهو أكبر مقصود هذا الكتاب،
وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضا كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك، من الشهوة والغضب وغيرهما، فلا بد من سياسة هؤلاء، وعلم سياسة أهل البلد والناحية، وضبطهم. ولأجله يراد علم الفقه في الأكثر، إلا ما يتعلق بربع العبادات من جملة العبادات الخاصة بالنفس. ومنه آداب القضاء ولا يتم بمعرفة ربع النكاح والبيع والخراج. وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس، وسياسة البدن، ورعاية العدل من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد، ثم إلى أهل البلد. " فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وما سواه يجري منه مجرى الزكاة من النصاب، والضوء من الشمس، والظل من الشجر. وكيف يتوقع استقامة الظل، مع اعوجاج ذي الظل؟ فإذا لم يقدر الإنسان على سياسة نفسه، وضبطها، فكيف يقدر على سياسة غيره.
فهذه مجامع العلوم العملية. ولنذكر جمل العلم الأخص من هذه العلوم السياسية، فإنه المقصود بالبيان. ومجامع القوى التي لا بد من تهذيبها ثلاث: قوة التفكير،
وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ومهما هذبت قوة الفكر وأصلحت كما ينبغي، حصلت بها الحكمة، التي أخبر الله عنها حيث قال: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) . وثمرتها أن يتيسر له الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الصدق والكذب في المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، ولا يلتبس عليه شيء من ذلك، مع أنه الأمر الملتبس على أكثر الخلق، ويعين على إصلاح هذه القوة وتهذيبها ما أودعناه " معيار العلم ". والقوة الثانية هي الشهوة، وبإصلاحها تحصل العفة، حتى تنزجر النفس عن الفواحش، وتنقاد للمواساة والإيثار المحمود بقدر الطاقة. والثالثة الحمية الغضبية، وبقهرها وإصلاحها يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ، وكف النفس عن التشفي، وتحصل الشجاعة، وهي كف النفس عن الخوف والحرص المذمومين في كتاب الله تعالى.
ومهما أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي وجعلت القوتان منقادتين للثالثة، التي هي الفكرية العقلية، فقد حصلت العدالة. وبمثل هذا العدل قامت السموات والأرض، وهي جماع مكارم الشريعة، وطهارة النفس وحسن الخلق المحمود، بقوله عليه السلام: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله ". وقوله عليه السلام: " أحببكم إلي أحسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون ". وثناء الشرع على الخلق الحسن خارج عن الحصر ومعناه إصلاح هذه القوى الثلاث. وقد جمعه الله سبحانه في قوله: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) ، فدل الإيمان بالله ورسوله، مع نفي الارتياب، وعلى العلم اليقين والحكمة الحقيقة التي لا يتصور حصولها، إلا بإصلاح قوة الفكر، ودل بالمجاهدة بالأموال على العفة والجود، اللذين هما تابعان بالضرورة لإصلاح الشهوة،
ودل بالمجاهدة بأنفسهم على الشجاعة والحلم، اللذين هما تابعان بالضرورة لإصلاح الحمية وإسلالها للدين والعقل حتى تنبعث مهما انبعثت، وتسكن مهما سكن. وعليه دل قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) . وقال عليه السلام في تفسيره: " هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتحسن لمن أساء إليك ". فالعفو عمن ظلمك هو نهاية الحلم والشجاعة، وإعطاء من حرمك هو نهاية الجود، ووصل من قطعك هو نهاية الإحسان.