AUTO في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
...
الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم
وفيه فصول:
الفصل الأول في التعارض :
اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض
فنقول: كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل فأما لا يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ولا يكون متعارضا وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف دليل العقل فذلك محال لأن دليل العقل لا يقبل النسخ والبطلان
مثال ذلك المؤول في العقليات قوله تعالى {خالق كل شيء} ]الأنعام: من الآية102[إذ خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته وقوله {وهو بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[ دل العقل على عمومه ولا يعارضه قوله تعالى { قل أتنبئون الله بما لا يعلم } ]يونس: من الآية18[إذ معناه ما لا يعلم له أصلا أي يعلم أنه لا أصل له ولا يعارضه قوله تعالى {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} ]محمد: من الآية31[إذا معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة وحاصلة وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه بحصول المجاهدة قبل حصولها وكذلك قوله تعالى {وتخلقون إفكا} ]العنكبوت: من الآية17[ لا يعارض قوله {خالق كل شيء } ]الأنعام: من الآية102[ لأن المعنى به الكذب دون الايجاد وكذلك قوله تعالى {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} ]المائدة: من الآية110[لأن معناه تقدر والخلق هو التقدير وكذلك قوله { أحسن الخالقين} ]المؤمنون: من الآية14[ أي المقدرين وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعا دل العقل على عمومه
دفع التعارض في الشرعيات بالجمه إن أمكن ، ثم النسخ ، ثم الترجيح ثم التخيير :
أما الشرعيات: فإذا تعارض فيها دليلان فأما أن يستحيل الجمع أو يمكن فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه لا يصح نكاح بغير ولي يصح نكاح بغير ولي فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا
فإن أشكل التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر ويقدر تدافع النصين
فإن عجزنا عن دليل آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لأن الممكنات أربعة :العمل بهما وهو متناقض أو اطراحهما وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض أو استعمال واحد بغير مرجح وهو تحكم فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبدية ابتداء فإن الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا ولجعل لنا إليه سبيلا إذ لا يجوز تكليف بالمحال
وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد عند تخير المجتهد وتحيره
مراتب الجمع بين الدليلين المتعارضين :
أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب:
المرتبة الأولى: عام وخاص كقوله عليه السلام "فيما سقت السماء العشر" مع قوله "لا صدقة فيما دون خمسة أوسق" فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض واقع لإمكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام
والمختار أن يجعل بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من غير ضرورة .
المرتبة الثانية:وهي قريبة من الأولى أن يكون اللفظ المؤول قويا في الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة فكلام القاضي فيه أوجه.
ومثاله قوله عليه السلام إنما الربا في النسيئة كما رواه ابن عباس فإنه كالصريح في نفي ربا الفضل ورواية عبادة بن الصامت في قوله صلى الله عليه وسلم "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل" صريح في إثبات ربا الفضل فيمكن أن يكون أحدهما ناسخا للآخر ويمكن أن يكون قوله إنما الربا في النسيئة أي في مختلفي الجنس ويكون قد خرج على سؤال خاص عن المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح الاحتمال والجمع بهذا التقدير ممكن
والمختار أنه وإن بعد أولى من تقدير النسخ
وللقاضي أن يقول: قطعكم بأنه أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه قاطع ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي ولا ظني لا وجه له
قلنا:يحملنا عليه ضرورة الاحتراز عن النسخ
فيقول: فما المانع من تقدير النسخ وليس في إثباته اتركاب محال ولا مخالفة دليل قطعي ولا ظني وفيما ذكرتم مخالفة صيغة العموم ودلالة اللفظ وهو دليل ظني فما هو الخوف والحذر من النسخ وإمكانه كإمكان البيان فليس أحدهما بأولى من الآخر ؟
فإن قلنا:البيان أغلب على عادة الرسول عليه السلام من النسخ وهو أكثر وقوعا
فله أن يقول:وما الدليل على جواز الأخذ بالاحتمال الأكثر وإذا اشتبهت رضيعة بعشر نسوة فالأكثر حلال وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان طاهرة فلا ترجيح للأكثر بل لا بد من الاجتهاد والدليل ولا يجوز أن يأخذوا واحدا ويقدر حله أو طهارته لأن جنسه أكثر
لكنا نقول: الظن عبارة عن أغلب الاحتمالين ولكن لا يجوز إتباعه إلا بدليل فخبر الواحد لا يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر وأغلب من كذبه وصيغة العموم تتبع لأن إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب وأكثر من وقوع غيره والفرق بين الفرع والأصل ممكن غير مقطوع ببطلائه في الأقيسة الظنية لكن الجمع أغلب على الظن واتباع الظن في هذه الأصول لا لكونه ظنا لكن لعمل الصحابة به واتفاقاتهم عليه
فكذا نعلم من سيرة الصحابة إنهم ما اعتقدوا كون غير القرآن منسوخا من أوله إلى آخره ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى {وهو بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[وألفاظ نادرة بل قدروا جملة ذلك بيانا وورد العام والخاص في الأخبار ولا يتطرق النسخ إلى الخبر كقوله تعالى {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} ]القلم:30 [ القلم وتخصيصا لقوله تعالى هذا يوم لا ينطقون المرسلات وتخصيص قوله تعالى {وأوتيت من كل شيء} ]النمل: من الآية23[و{تدمر كل شيء بأمر ربها} ]الاحقاف:
من الآية25[و{يجبى إليه ثمرات كل شيء } ]القصص: من الآية57[وكانوا لا ينسخون إلا بنص وضرورة أما بالتوهم فلا
ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما ذا لم يظهر التاريخ وفي جعله بيانا استعمالها وإذا تخيرنا بين الاستعمال والإسقاط فالاستعمال هو الأصل ولا يجوز الإسقاط إلا لضرورة
تنبيه : أعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على إرادة البيان مثاله قوله صلى الله عليه وسلم " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " عام يعارضه خصوص قوله صلى الله عليه وسلم "أيما إهاب دبغ فقد طهر" لكن القاضي يقدره نسخا بشرطين
أحدهما :أن لا ينبت في اللسان اختصاص اسم الإهاب بغير المدبوغ فقد قيل ما لم يدبغ الجلد يسمى إهابا فإذا دبغ فأديم وصرم وغيره فإن صح هذا فلا تعارض بين اللفظين
الثاني: أنه روي عن ابن عباس أنه عليه السلام مر بشاة لميمونة ميتة فقال ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به وكانوا قد تركوها لكونها ميتة ثم كتب لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فساق الحديث سياقا يشعر بأنه جرى متصلا فيكون بيانا ناسخا لأن شرط النسخ التراخي
المرتبة الثالثة : من التعارض أن يتعارض عمومان فيزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه
مثاله قوله عليه السلام:" من بدل دينه فاقتلوه" فإنه يعم النساء مع قوله "نهيت عن قتل النساء " فإنه يعم المرتدات وكذلك قوله "نهيت عن الصلاة بعد العصر " فإنه يعم الفائتة أيضا مع قوله "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإنه يعم المستيقظ بعد العصر
وكذلك قوله {وأن تجمعوا بين الأختين } ]النساء: من الآية23[ فإنه يشمل جمع الأختين في ملك اليمين أيضا مع قوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من الآية3[ فإنه يحل الجمع بين الأختين بعمومه فيمكن أن يخصص قوله {وأن تجمعوا بين الأختين } ]النساء: من الآية23[ بجمع الأختين في النكاح دون ملك اليمين لعموم قوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من الآية3[ فهو على مذهب القاضي تعارض وتدافع بتقدير النسخ ويشهد له قول علي وعثمان رضي الله عنهما لما سئلا عن هذه المسألة أعني جمع أختين في ملك اليمين فقالا حرمتهما آية وحللتهما آية
أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما بأولى من الآخر ما لم يظهر ترجيح
وقد ظهر فنقول حفظ عموم قوله وأن تجمعوا بين الأختين أولى لمعنيين :
أحدهما : إنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه فهو أقوى من عموم تطرق إليه التخصيص بالإتفاق إذ قد استثنى عن تحليل ملك اليمن المشتركة والمستبرأة والمجوسية والأخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات أما الجمع بين الأختين فحرام على العموم
الثاني : أن قوله {وأن تجمعوا بين الأختين } ]النساء: من الآية23[ سيق بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاق لمحرمات تعم الحرائر والإماء وقوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من الآية3[ ما سيق لبيان المحللات قصدا بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين فروجهم عن غير الزوجات والسراري فلا يظهر منه قصد البيان فإن قيل :هل يجوز أن يتعارض عمومان ويخلوا عن دليل الترجيح ؟
قلنا:قال قوم لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى التهمة ووقوع الشبهة لتناقض الكلامين وهو منفر عن الطاعة والإتباع والتصديق
وهذا فاسد بل ذلك جائز ويكون ذلك مبينا لأهل العصر الأول وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة وتكليفا علينا لنطلب الدليل من وجه آخر من ترجيح أو نتخير ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا فليس فيه محال
وأما ما ذكروه من التنفير والتهمة فباطل فإن ذلك قد نفر طائفة من الكفار في ورود النسخ حتى قال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر النحل الآية ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ
الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص
وقد اختلفوا في جوازه فقيل :لا يجوز ذلك لأن فيه الباسا وتجهيلا
ونحن نقول: يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا وإما متراخيا على ما ذكرناه من تأخير البيان
وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص بل يجوز أن يغفل عنه ويكون حكم الله عليه والعمل بالعموم وهذا القدر الذي بلغه لا يكلف ما لم يبلغه
ودليل جوازه وقوعه بالإجماع فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم وغلطوا فيها فالألفاظ المتشابهة في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه لها الجميع ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه وقطع الوهم وذلك سبب للجهل والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة
فإن قيل:العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل فالحوالة عليه ليس بتجهيل
قلنا:وأي شيء ينفع كونه عتيدا ولم يزل به جهل الأكثرين وكان يزول بالتصريح والنص الذي لا يوهم التشبيه أصلا ؟
احتجوا بشبهتين:
الأولى : إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ والمستثنى دون الاستثناء
قلنا:ذلك جائز في النسخ وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن يبلغه الناسخ وليس عليه إلا تجويز النسخ والتصفح عن دليله فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه بما لم يبلغه كما إذا عجز من معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم وأما الاستثناء فيشترط إتصاله فكيف لا يبلغه؟ نعم يجوز أن يسمعه الأول فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون مكلفا بما لم يبلغه
الشبهة الثانية : قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل فإنه يعتقد العموم وهو جهل .
قلنا:جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ولا خاص أو هو عام وخاص معا فكل ذلك جهل فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال قوله {فتحرير رقبة} ]النساء: من الآية92[ يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا وقوله{ وليطوفوا بالبيت العتيق} ]الحج: من الآية29[يجب اعتقاد إجزائه قطعا حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا أو يتوقف عن القطع والجزم نفيا وإثباتا فإنه ليس بقاطع
الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه
فإن قال قائل:إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص فمتى يتبين له ذلك وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا ؟
قلنا :لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة العشرة التي أوردناها في المخصصات لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص والشرط بعد لم يظهر وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل فهو دليل بشرط السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثم يحكم بالقياس وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث .
إلى درجة يجب البحث عن المخصصات :
ولكن المشكل أنه إلى متى يجب البحث فإن المجتهد وإن استقصى أمكن أن يشذ عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم مع إمكانه أو كيف ينحسم سبيل إمكانه وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب:
فقال قوم:يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالإنتفاء عند الاستقصاء في البحث كالذي يبحث عن متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده فيغلب على ظنه عدمه .
وقائل يقول: لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بأنه لا دليل أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره إمكانه فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراما ؟نعم إذا اعتقد جزما وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى إليها
وقال قوم :لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة وإليه ذهب القاضي لأن الاعتقاد الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل بل العالم الكامل يشعر نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه
والمشكل على هذا طريق تحصيل القطع بالنفي وقد ذكر فيه القاضي مسلكين :
أحدهما :إنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله لا يقتل مؤمن بكافر مثلا فقال هذه مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت بطلانها فأقطع بأن لا مخصص.
لها وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما إنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر الخوض فيها ولم يطل البحث عنها ولا شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة المخابرة بدليل عموم إحلال البيع حتى روى رافع بن خديج النهي عنها
الثاني :أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين بل إن سلم إنه لا يشذ المخصص عن جميع العلماء فمن أين لقي جميع العلماء ؟ومن أين عرف أنه بلغه كلام جميعهم ؟فلعل منهم من تنبه لدليله وما كتبه في تصنيفه ولا نقل عنه وإن أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة مع اليقين بانتفاء النهي وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم بل كان الحاصل إما ظنا وإما سكون نفس
المسلك الثاني :قال القاضي لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين وإن لم يدع الإحاطة بجميع المدارك إذ يقول لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه دليلا للمكلفين ولبلغهم ذلك وما خفي عليهم وهذا أيضا من الطراز الأول فإنه لو اجتمعت الأمة على شيء أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه إذ يستحيل إجماعهم على الخطأ أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك ؟
والمختار عندنا :أن تيقن الإنتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها
وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر