☪ Anlam Arayışı

← Tehâfütü'l-Felâsife

Bölüm 10

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

وقد اتفقوا على ذلك فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه فلا يخفى هذا عن مذهبه، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي. ولا بد أولا من فهم مذهبهم ثم الاشتغال بالاعتراض.

ونبين هذا بمثال وهو أن الشمس مثلا ينكسف بعد أن لم يكن منكسفا ثم يتجلى فيحصل له ثلثة أحوال أعني الكسوف حالة هو فيها معدوم منتظر الوجود أي سيكون وحال هو فيها موجود أي هو كائن وحالة ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من قبل. ولنا بإزاء الأحوال الثلثة ثلثة علوم مختلفة فإنا نعلم أولا أن الكسوف معدوم وسيكون وثانيا أنه كائن وثالثا أنه كان وليس كائنا الآن، وهذه العلوم الثلثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كان جهلا لا علما ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جهلا فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.

إن الله لا يعلم لأنه لا يتغير ... فزعموا أن الله لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلثة فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلثة فإن العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.

... إلا بعلم لا يختلف

ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ولكن علما هو يتصف به في الأزل ولا يختلف مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجود وأن القمر موجود فإنهما حصلا منه بواسطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولا مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية، ويعلم أن بين فلكيهما تقاطع على نقطتين هما الرأس والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فينكسف الشمس أي يحول جرم القمر بينهما وبين أعين الناظرين فيستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلا بمقدار كذى وهو سنة مثلا فإنه ينكسف مرة أخرى وأن ذلك الإنكساف يكون في جميعه أو ثلثه أو نصفه وأنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذى إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء ولكن علمه بهذا قبل الكسوف وحالة الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا يختلف ولا يوجب تغيرا في ذاته.

فجميع الحوادث مكشوفة له انكشافا واحدا لا يؤثر فيه الزمان وكذى علمه بجميع الحوادث فإنها إنما تحدث بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخر إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية وسبب الحركة نفس السموات وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين. فالكل معلوم له أي هو منكشف له انكشافا واحدا متناسبا لا يؤثر فيه الزمان، ومع هذا فحالة الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف

موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن وكل ما يجب في تعريفه الإضافة إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه لأنه يوجب التغير هذا فيما ينقسم بالزمان.

فهو يعلم الخواص ولا يعلم عوارضها ... وكذى مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان كأشخاص الناس والحيوانات فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركبا من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي وبعضها للإدراك وبعضها زوج وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرا إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ويعلمه كليا.

... وأما العوارض فلا يميزها إلا الحس فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التمييز إليه الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي، فأما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة وذلك يستحيل في حقه.

وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ مضمونها

أن زيد مثلا لو أطاع الله أو عصاه لم يكن الله عالما بما يتجدد من أحواله لأنه لا يعرف زيدا بعينه فإنه شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا لا مخصوصا بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وهو لم يعرف في تلك الحالة أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة وأن صفة أولئك كذى وكذى فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه فإن ذلك يعرف بالحس والأحوال الصادرة

منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرا.

فهذا ما أردنا أن نذكره من نقل مذهبهم أولا ثم تفهيمه ثانيا ثم من القبايح اللازمة عليه ثالثا. فلنذكر الآن خبالهم ووجه بطلانه.

وخبالهم أن هذه أحوال ثلثة مختلفة والمختلفات إذا تعاقبت على محل واحد أوجبت فيه تغيرا لا محالة. فإن كان حالة الكسوف عالما بأنه سيكون كما كان قبله

فهو جاهل لا عالم، وإن كان عالما بأنه كائن وقبل ذلك كان عالما بأنه ليس بكائن وأنه سيكون فقد اختلف علمه واختلف حاله فلزم التغير إذ لا معنى للتغير إلا اختلاف العالم فإن من لم يعلم شيئا ثم علمه فقد تغير ولم يكن له علم بأنه كائن ثم حصل حالة الوجود فقد تغير.

في الإضافة

وحققوا هذا بأن الأحوال ثلثة حالة هي إضافة محضة، ككونك يمينا وشمالا فإن هذا لا يرجع إلى وصف ذاتي بل هو إضافة محضة، فإن تحول الشيء الذي كان على يمينك إلى شمالك تغيرت إضافتك ولم تتغير ذاتك بحال، وهذا تبدل إضافة على الذات وليس بتبدل الذات. ومن هذا القبيل إذا كنت قادرا على تحريك أجسام حاضرة بين يديك فانعدمت الأجسام أو انعدم بعضها لم تتغير قوتك الغريزية ولا قدرتك لأن القدرة قدرة على تحريك الجسم المطلق أولا ثم على المعين ثانيا من حيث أنه جسم، فلم تكن إضافة القدرة إلى الجسم المعين وصفا ذاتيا بل إضافة محضة، فعدمها يوجب زوال إضافة لا تغيرا في حال القادر. والثالث تغير في الذات وهو أن لا يكون عالما فيعلم أو لا يكون قادرا فيقدر فهذا تغير.

تغير المعلوم يوجب تغير علم العالم وهي الإضافة وتغير المعلوم يوجب تغير العلم فإن حقيقة ذات العلم تدخل فيه الإضافة إلى المعلوم الخاص إذ حقيقة العلم المعين تعلقه بذلك المعلوم المعين على ما هو عليه، فتعلقه به على وجه آخر علم آخر بالضرورة فتعاقبه يوجب اختلاف حال العالم. ولا يمكن أن يقال: إن للذات علم واحد فيصير علما بالكون بعد كونه علما بأنه سيكون ثم هو يصير علما بأنه كان بعد أن كان علما بأنه كائن، فالعلم واحد متشابه الأحوال وقد تبدلت عليه الإضافة لأن الإضافة في العلم حقيقة ذات العلم فتبدلها يوجب تبدل ذات العلم فيلزم منه التغير وهو محال على الله.

مع تغير ما ينزل منزلة الإضافة المحضة؟

والاعتراض من وجهين: أحدهما أن يقال: بم تنكرون على من يقول: إن الله تعالى له علم واحد بوجود الكسوف مثلا في وقت معين وذلك العلم قبل وجوده علم بأنه سيكون وهو بعينه عند الوجود علم بالكون وهو بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء وإن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلا في ذات العلم فلا توجب تغيرا في ذات العالم وأن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة فإن الشخص الواحد يكون على يمينك ثم يرجع إلى قدامك ثم إلى شمالك فتتعاقب عليك الإضافات والمتغير ذلك الشخص المنتقل دونك؟ وهكذى ينبغي أن بفهم الحال في علم الله فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد والحال لا يتغير وغرضهم نفي التغير وهو متفق عليه.

في إمكان الله أن يخلق لنا مثل هذا العلم وقولهم: من ضرورة إثبات العلم بالكون الآن والانقضاء بعده تغير، فليس بمسلم فمن أين عرفوا ذلك؟ بل لو خلق الله لنا علما بقدوم زيد غدا عند طلوع الشمس وأدام هذا العلم ولم يخلق لنا علما آخر ولا غفلة عن هذا العلم لكنا عند طلوع الشمس عالمين بمجرد العلم السابق بقدومه الآن وبعده بأنه قدم من قبل وكان ذلك العلم الواحد الباقي كافيا في الإحاطة بهذه الأحوال الثلثة.

اعتراضهم فيبقى قولهم: إن الإضافة إلى المعلوم المعين داخلة في حقيقته ومهما اختلفت الإضافة اختلف الشيء الذي الإضافة ذاتية له ومهما حصل الاختلاف والتعاقب فقد حصل التغير.

تقولون بأن الله لا يعلم "الإنسان المطلق" الخ فنقول: إن صح هذا فاسلكوا مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا: إنه لا يعلم إلا نفسه وإن علمه بذاته عين ذاته لأنه لو علم الإنسان المطلق والحيوان المطلق والجماد المطلق وهذه مختلفات لا محالة فالإضافات إليها تختلف لا محالة، فلا يصلح العلم الواحد لأن يكون علما بالمختلفات لأن المضاف مختلف والإضافة مختلفة والإضافة إلى المعلوم ذاتية للعلم فيوجب ذلك تعددا واختلافا لا تعددا فقط مع التماثل، إذ المتماثلات ما يسد بعضها مسد البعض والعلم بالحيوان لا يسد مسد العلم بالجماد ولا العلم بالبياض يسد مسد العلم بالسواد فهما مختلفان.

... فكم بالأحرى بهذا الأمر؟

ثم هذه الأنواع والأجناس والعوارض الكلية لا نهاية لها وهي مختلفة. فالعلوم المختلفة كيف تنطوي تحت علم واحد ثم ذلك العلم هو ذات العالم من غير مزيد عليه؟ وليت شعري كيف يستجير العاقل من نفسه أن يحيل الاتحاد في العلم بالشيء الواحد المنقسم أحواله إلى الماضي والمستقبل والآن وهو لا يحيل الاتحاد في العلم المتعلق بجميع الأجناس والأنواع المختلفة، والاختلاف والتباعد بين الأجناس والأنواع المتباعدة أشد من الاختلاف الواقع بين

أحوال الشيء الواحد المنقسم بانقسام الزمان؟ وإذا لم يوجب ذلك تعددا واختلافا كيف يوجب هذا تعددا واختلافا؟ ومهما ثبت بالبرهان أن اختلاف الأزمان دون اختلاف الأجناس والأنواع وأن ذلك لم يوجب التعدد والاختلاف فهذا أيضا لا يوجب الاختلاف، وإذا لم يوجب الاختلاف جاز الإحاطة بالكل بعلم واحد دائم في الأزل والأبد ولا يوجب ذلك تغيرا في ذات العالم.

هلا تعقلون قديما متغيرا؟ الإعتراض الثاني هو أن يقال: وما المانع على أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية وإن كان يتغير؟ وهلا اعتقدتم أن هذا النوع من التغير لا يستحيل عليه؟ كما ذهب جهم من المعتزلة إلى أن علومه بالحوادث حادثة وكما اعتقد الكرامية من عند آخرهم أنه محل الحوادث ولم ينكر جماهير أهل الحق عليهم إلا من حيث أن المتغير لا يخلوا عن التغير، وما لا يخلوا عن التغير والحوادث فهو حادث وليس بقديم. وأما أنتم فمذهبكم أن العالم قديم وأنه لا يخلوا عن التغير. فإذا عقلتم قديما متغيرا فلا مانع لكم من هذا الإعتقاد.

والحال أنه محال في الحالين

فإن قيل: إنما أحلنا ذلك لأن العلم الحادث في ذاته لا يخلوا إما أن يحدث من جهته أو من جهة غيره، وباطل أن يحدث منه فإنا بينا أن القديم لا يصدر منه حادث ولا يصير فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فإنه يوجب تغيرا وقد قررناه في مسألة حدث العالم، وإن حصل ذلك في ذاته من جهة غيره فكيف يكون غيره مؤثرا فيه ومغيرا له حتى تتغير أحواله على سبيل التسخر والاضطرار من جهة غيره؟

قلنا: كل واحد من القسمين غير محال على أصلكم.

أما قولكم: إنه يستحيل أن يصدر من القديم حادث، قفد أبطلناه في تلك المسألة. كيف وعندكم يستحيل أن يصدر من القديم حادث هو أول الحوادث؟ فشرط استحالته كونه أولا، وإلا فهذه الحوادث ليست لها أسباب حادثة إلى غير نهاية بل تنتهي بواسطة الحركة الدورية إلى شيء قديم هو نفس الفلك وحياته. فالنفس الفلكية قديمة والحركة الدورية تحدث منها وكل جزء من أجزاء الحركة يحدث وينقضي وما بعده متجدد لا محالة. فإذن الحوادث صادرة من القديم عندكم ولكن إذ تشابه أحوال القديم تشابه فيضان الحوادث منه على الدوام كما يتشابه أحوال الحركة لما أن كانت تصدر من قديم متشابه الأحوال. فاستبان أن كل فريق منهم معترف بأنه يجوز صدور حادث من قديم إذا كانت تصدر على التناسب والدوام، فلتكن العلوم الحادثة من هذا القبيل.

... ولا الحال الثاني وذلك لا للزوم التغير ... وأما القسم الثاني وهو صدور هذا العلم فيه من غيره فنقول: ولم يستحيل ذلك عندكم؟ وليس فيه إلا ثلثة أمور: أحدها التغير وقد بينا لزومه على أصلكم.

... ولا لحدوث التغير من جهة غيره ...

والثاني كون الغير سببا لتغير الغير وهو غير محال عندكم فليكن حدوث الشيء سببا لحدوث العلم به كما أنكم تقولون: تمثل الشخص المتلون بإزاء الحدقة الباصرة سبب لانطباع مثال الشخص في الطبقة الجليدية من الحدقة عند توسط الهواء المشف بين الحدقة والمبصر. فإذا جاز أن يكون جماد سببا لانطباع الصورة في الحدقة وهو معنى الإبصار فلم يستحيل أن يكون حدوث الحوادث سببا لحصول علم الأول بها؟ فإن القوة الباصرة كما أنها مستعدة للإدراك ويكون حصول الشخص

المتلون مع ارتفاع الحواجز سببا لحصول الإدراك فليكن ذات المبدأ الأول عندكم مستعدا لقبول العلم ويخرج من القوة إلى الفعل بوجود ذلك الحادث. فإن كان فيه تغير القديم فالقديم المتغير عندكم غير مستحيل، وإن زعمتم أن ذلك يستحيل في واجب الوجود فليس لكم على إثبات واجب الوجود دليل إلا قطع سلسلة العلل والمعلولات كما سبق. وقد بينا أن قطع التسلسل ممكن بقديم متغير.

... ولا "لتسخر" القديم والأمر الثالث الذي يتضمنه هذا هو كون القديم متغيرا بغيره وإن ذلك يشبه التسخر واستيلاء الغير عليه فيقال: ولم يستحيل عندكم هذا وهو أن يكون هو سببا لحدوث الحوادث بوسائط ثم يكون حدوث الحوادث سببا لحصول العلم له بها فكأنه هو السبب في تحصيل العلم لنفسه ولكن بالوسائط؟.

تقولون إن ما يصدر من الله يصور على سبيل اللزوم والطبع وقولكم إن ذلك يشبه التسخر، فليكن كذلك فإنه لائق بأصلكم إذ زعمتم أن ما يصدر من الله يصدر على سبيل اللزوم والطبع ولا قدرة له على أن لا يفعل. وهذا أيضا يشبه نوعا من التسخر ويشير إلى أنه كالمضطر في ما يصدر منه.

فإن قيل: إن ذلك ليس باضطرار لأن كماله في أن يكون مصدرا لجميع الأشياء.

قولنا ... وفي أن يعلم الكل

فهذا ليس بتسخر فإن كماله في أن يعلم جميع الأشياء ولو حصل لنا علم مقارن لكل حادث لكان ذلك كمالا لنا لا نقصانا وتسخرا. فليكن كذلك في حقه.

مطيع لله تعالى بحركته الدورية

وإن له نفسا نسبته إلى بدن السماء كنسبة نفوسنا إلى أبداننا، وكما أن أبداننا تتحرك بالإرادة نحو أغراضها بتحريك النفس فكذى السموات، وإن غرض السموات بحركتها الذاتية عبادة رب العالمين على وجه سنذكره.

ومذهبهم في هذه المسألة مما لا ينكر إمكانه ولا يدعى استحالته فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم فلا كبر الجسم يمنع من كونه حيا ولا كونه مستديرا فإن الشكل المخصوص ليس شرطا للحياة إذ الحيوانات مع اختلاف أشكالها مشتركة في قبول الحياة.

ولكنا ندعى عجزهم عن معرفة ذلك بدليل العقل وإن هذا إن كان صحيحا فلا يطلع عليه إلا الأنبياء بإلهام من الله أو وحي وقياس العقل ليس يدل عليه. نعم لا يبعد أن يتعرف مثل ذلك بدليل إن وجد الدليل وساعد، ولكنا نقول ما أوردوه دليلا لا يصلح إلا لإفادة ظن، فأما أن يفيد قطعا فلا.

وخبالهم فيه أن قالوا: السماء متحرك وهذه مقدمة حسية. وكل جسم متحرك فله محرك وهذه مقدمة عقلية إذ لو كان الجسم يتحرك لكونه جسما لكان كل جسم متحركا.

وكل محرك فإما أن يكون منبعثا عن ذات المتحرك كالطبيعة في

حركة الحجر إلى أسفل والإرادة في حركة الحيوان مع القدرة، وإما أن يكون المحرك خارجا ولكن يحرك على طريق القسر كدفع الحجر إلى فوق. وكل ما يتحرك بمعنى في ذاته فإما أن لا يشعر ذلك الشيء بالحركة ونحن نسميه طبيعة كحركة الحجر إلى أسفل، وإما أن يشعر به ونحن نسميه إراديا ونفسانيا فصارت الحركة بهذه التقسيمات الحاصرة الدائرة بين النفي والإثبات إما قسرية طبيعية وإما طبيعية وإما إرادية، وإذا بطل قسمان تعين الثالث.

ولا يمكن أن يكون قسريا لأن المحرك القاسر إما جسم آخر يتحرك بالإرادة أو بالقسر وينتهي لا محالة إلى إرادة، ومهما أثبت في أجسام السموات متحرك بالإرادة فقد حصل الغرض، فأي فائدة في وضع حركات قسرية وبالآخرة لا بد من الرجوع إلى الإرادة، وإما أن يقال: إنه يتحرك بالقسر والله هو المحرك بغير واسطة وهو محال، لأنه لو تحرك به من حيث أنه جسم وأنه خالقه للزم أن يتحرك كل جسم فلا بد وأن تختص الحركة بصفة به يتميز عن غيره من الأجسام وتلك الصفة هي المحرك القريب إما بالإرادة أو الطبع. ولا يمكن أن يقال إن الله يحركه بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة، فلم استعد هذا الجسم على الخصوص لأن يراد تحريكه دون غيره؟ ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا فإن ذلك محال كما سبق في مسألة حدث العالم وإذا ثبت أن هذا الجسم ينبغي أن يكون فيه صفة هو مبدأ الحركة بطل القسم الأول وهو تقدير الحركة القسرية.

فيبقى أن يقال: هي طبيعية وهو غير ممكن لأن الطبيعة بمجردها قط لا تكون سببا للحركة لأن معنى الحركة هرب من مكان وطلب لمكان آخر، فالمكان الذي فيه الجسم إن كان ملائما له فلا يتحرك عنه ولهذا لا يتحرك زق مملوء من الهواء على وجه الماء، وإذا غمس في الماء تحرك إلى وجه الماء فإنه وجد المكان الملائم فسكن والطبيعة

قائمة، ولكن إن نقل إلى مكان لا يلائمه هرب منه إلى الملائم كما هرب من وسط الماء إلى حيز الهواء. والحركة الدورية لا يتصور أن تكون طبيعية لأن كل وضع وأين يفرض الهرب منه فهو عائد إليه، والمهروب عنه بالطبع لا يكون مطلوبا بالطبع ولذلك لا ينصرف زق الهواء إلى باطن الماء ولا الحجر ينصرف بعد الاستقرار على الأرض فيعود إلى الهوى. فلم يبق إلا القسم الثالث وهي الحركة الإرادية.

أن تكون حركة السماء بجسم غير سماوي الاعتراض هو أنا نقول: نحن نقرر ثلث احتمالات سوى مذهبكم لا برهان على بطلانها.

الأول أن يقدر حركة السماء قهرا لجسم آخر مريد لحركتها يديرها على الدوام وذلك الجسم المحرك لا يكون كرة ولا يكون محيطا فلا يكون سماء، فيبطل قولهم إن حركة السماء إرادية وإن السماء حيوان. وهذا الذي ذكرناه ممكن وليس في دفعه إلا مجرد استبعاد.

أو تكون بإرادة الله الثاني هو أن يقال الحركة قسرية ومبدؤها إرادة الله، فإنا نقول: حركة الحجر إلى أسفل أيضا قسري يحدث بخلق الله الحركة فيه، وكذى القول في سائر حركات الأجسام التي ليست حيوانية.

فيبقى استبعادهم أن الإرادة لم اختصت به وسائر الأجسام تشاركها في الجسمية فقد بينا أن الإرادة القديمة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله وأنهم مضطرون إلى إثبات صفة هذا شأنها في تعيين جهة الحركة الدورية وفي تعيين موضع القطب والنقطة فلا نعيده والقول الوجيز إن ما استبعدوه في اختصاص الجسم بتعلق الإرادة به من غير تميز بصفة ينقلب عليهم في تميزه بتلك الصفة، فإنا نقول: ولم

تميز جسم السماء بتلك الصفة التي بها فارق غيره من الأجسام، وسائر الأجسام أيضا أجسام؟ فلم حصل فيه ما لم يحصل في غيره؟ فإن علل ذلك بصفة أخرى توجه السؤال في الصفة الأخرى، وهكذى يتسلسل إلى غير نهاية فيضطرون بالآخرة إلى التحكم في الإرادة وأن في المبادئ ما يميز الشيء عن مثله ويخصصه بصفة عن أمثاله.

أو تكون بالطبع وبدون أن تشعر لا لطلب المكان ولا للهرب منه الثالث هو أن يسلم أن السماء اختص بصفة تلك الصفة مبدأ الحركة كما اعتقدوه في هوى الحجر إلى أسفل إلا أنه لا يشعر به كالحجر. وقولهم: إن المطلوب بالطبع لا يكون مهروبا عنه بالطبع، فتلبيس لأنه ليس ثم أماكن متفاصلة بالعدد عندهم بل الجسم واحد والحركة الدورية واحدة فلا للجسم جزء بالفعل ولا للحركة جزء بالفعل وإنما يتجزى بالوهم، فليست تلك الحركة لطلب المكان ولا للهرب من المكان. فيمكن أن يخلق جسم وفي ذاته معنى يقتضي حركة دورية وتكون الحركة نفسها مقتضى ذلك المعنى لا أن مقتضى المعنى طلب المكان، ثم تكون حركة للوصول إليه.

وقولكم: إن كل حركة فهو لطلب مكان أو هرب منه إذا كان ضروريا، فكأنكم جعلتم طلب المكان مقتضى الطبع وجعلتم الحركة غير مقصودة في نفسها بل وسيلة إليه ونحن نقول: لا يبعد أن تكون الحركة نفس المقتضى لا لطلب مكان، فما الذي يحيل ذلك؟

فاستبان أن ما ذكروه إن ظن أنه أغلب من احتمال آخر فلا يتيقن قطعا انتفاء غيره. فالحكم على السماء بأنه حيوان تحكم محض لا مستند له.

وقد قالوا: إن السماء مطيع لله بحركته ومتقرب إليه لأن كل حركة بالإرادة فهو لغرض إذ لا يتصور أن يصدر الفعل والحركة من حيوان إلا إذا كان الفعل أولى به من الترك وإلا فلو استوى الفعل والترك لما تصور الفعل.

ثم التقرب إلى الله ليس معناه طلب الرضا والحذر من السخط فإن الله يتقدس عن السخط والرضا وإن أطلق هذه الألفاظ فعلى سبيل المجاز يكني بها عن إرادة العقاب وإرادة الثواب، ولا يجوز أن يكون التقرب بطلب القرب منه في المكان فإنه محال فلا يبقى إلا طلب القرب في الصفات، فإن الوجود الأكمل وجوده وكل وجود فبالإضافة إلى وجوده ناقص وللنقصان درجات وتفاوت فالملك أقرب إليه صفة لا مكانا، وهو المراد بالملائكة المقربين أي الجواهر العقلية التي لا تتغير ولا تفنى ولا تستحيل وتعلم الأشياء على ما هي عليه، والإنسان كلما ازداد قربا من الملك في الصفات ازداد قربا من الله، ومنتهى طبقة الآدميين التشبه بالملائكة.

← Önceki 10 / 16 Sonraki →

Anlam Arayışı