Bölüm 11
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وإذا ثبت أن هذا معنى التقرب إلى الله وأنه يرجع إلى طلب القرب منه في الصفات وذلك للآدمي بأن يعلم حقائق الأشياء وبأن يبقى بقاء مؤبدا على أكمل أحواله الممكن له، فإن البقاء على الكمال الأقصى هو الله. والملائكة المقربون كل ما يمكن لهم من الكمال فهو حاضر معهم في الوجود إذ ليس فيهم شيء بالقوة حتى يخرج إلى الفعل، فإذن كمالهم في الغاية القصوى بالإضافة إلى ما سوى الله.
والملائكة السماوية هي عبارة عن النفوس المحركة للسموات وفيها ما بالقوة، وكمالاتها منقسمة إلى ما هو بالفعل كالشكل الكري والهيئة وذلك حاضر وإلى ما هو بالقوة وهو الهيئة في الوضع والأين. وما من وضع معين إلا وهو ممكن له ولكن ليست له سائر الأوضاع بالفعل فإن الجمع بين جميعها غير ممكن، فلما لم يمكنها استيفاء آحاد الأوضاع على الدوام قصد استيفاءها بالنوع فلا يزال يطلب وضعا بعد وضع وأينا بعد أين ولا ينقطع قط هذا الإمكان فلا تنقطع هذه الحركات وإنما قصده التشبه بالمبدأ الأول في نيل الكمال الأقصى على حسب الإمكان في حقه وهو معنى طاعة الملائكة السماوية لله.
وقد حصل لها التشبه من وجهين: أحدهما استيفاء كل وضع ممكن له بالنوع وهو المقصود بالقصد الأول. والثاني ما يترتب على حركته من اختلاف النسب في التثليث والتربيع والمقارنة والمقابلة واختلاف الطوالع بالنسبة إلى الأرض فيفيض منه الخير على ما تحت فلك القمر ويحصل منه هذه الحوادث كلها، فهذا وجه استكمال النفس السماوية. وكل نفس عاقلة فمتشوقة إلى الاستكمال بذاتها.
والاعتراض على هذا هو أن في مقدمات هذا الكلام ما يمكن النزاع فيه، ولكنا لا نطول به ونعود إلى الغرض الذي عنيتموه آخرا ونبطله من وجهين.
أحدهما أن طلب الاستكمال بالكون في كل أين يمكن أن يكون له حماقة لا طاعة، وما هذا إلا كإنسان لم يكن له شغل وقد كفي المؤونة في شهواته وحاجاته فقام وهو يدور في بلد أو بيت ويزعم أنه يتقرب
إلى الله فإنه يستكمل بأن يحصل لنفسه الكون في كل مكان أمكن، وزعم أن الكون في الأماكن ممكن لي ولست أقدر على الجمع بينها بالعدد فأستوفيه بالنوع فإن فيه استكمالا وتقربا، فيسفه عقله فيه ويحمل على الحماقة ويقال: الانتقال من حيز إلى حيز ومن مكان إلى مكان ليس كمالا يعتد به أو يتشوف إليه، ولا فرق بين ما ذكروه وبين هذا.
والثاني هو أنا نقول: ما ذكرتموه من الغرض حاصل بالحركة المغربية فلم كانت الحركة الأولى مشرقية وهلا كانت حركات الكل إلى جهة واحدة؟ فإن كان في اختلافها غرض فهلا اختلفت بالعكس فكانت التي هي مشرقية مغربية والتي هي مغربية مشرقية؟ فإن كل ما ذكروه من حصول الحوادث باختلاف الحركات من التثليثات والتسديسات وغيرها يحصل بعكسه. وكذى ما ذكروه من استيفاء الأوضاع والأيون كيف ومن الممكن لها الحركة إلى الجهة الأخرى فما بالها لا تتحرك مرة من جانب ومرة من جانب استيفاء لما يمكن لها إن كان في استيفاء كل ممكن كمال؟
لا على سبيل الاستدلال
فدل أن هذه خيالات لا حاصل لها وأن أسرار ملكوت السموات لا يطلع عليه بأمثال هذه الخيالات وإنما يطلع الله عليه أنبياءه وأولياءه على سبيل الإلهام لا على سبيل الاستدلال ولذلك عجز الفلاسفة من عند آخرهم عن بيان السبب في جهة الحركة واختيارها.
وقال بعضهم: لما كان استكمالها يحصل بالحركة من أي جهة كانت وكان انتظام الحوادث الأرضية يستدعي اختلاف حركات وتعين جهات، كان الداعي لها إلى أصل الحركة التقرب إلى الله والداعي إلى جهة الحركة إفاضة الخير على العالم السفلي.
وهذا باطل من وجهين. أحدهما أن ذلك إن أمكن أن يتخيل فليقض بأن مقتضى طبعه السكون احترازا عن الحركة والتغير وهو التشبه بالله على التحقيق فإنه مقدس عن التغير والحركة تغير، ولكنه اختار الحركة لإفاضة الخير فإنه كان ينتفع به غيره وليس يثقل عليه الحركة وليس تتعبه، فما المانع من هذا الخيال؟
والثاني أن الحوادث تنبنى على اختلاف النسب المتولدة من اختلاف جهات الحركات، فلتكن الحركة الأولى مغربية وما عداها مشرقية وقد حصل به الاختلاف ويحصل به تفاوت النسب. فلم تعينت جهة واحدة، وهذه الاختلافات لا تستدعي إلا أصل الاختلاف، فأما جهة بعينها فليس بأولى من نقيضها في هذا الغرض.
على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم
وإن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وإن انتقاش جزئيات العالم فيها يضاهي انتقاش المحفوظات في القوة الحافظة المودعة في دماغ الإنسان، لا أنه جسم صلب عريض مكتوب عليه الأشياء كما يكتبه الصبيان على اللوح لأن تلك الكتابة يستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه.
وإذا لم يكن للمكتوب نهاية لم يكن للمكتوب عليه نهاية، ولا يتصور جسم لا نهاية له ولا يمكن خطوط لا نهاية لها على جسم ولا يمكن تعريف أشياء لا نهاية لها بخطوط معدودة.
وقد زعموا أن الملائكة السماوية هي نفوس السموات وأن الملائكة الكرويين المقربين هي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام وأن هذه الصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها وهي أشرف من الملائكة السماوية لأنها مفيدة وهي مستفيدة والمفيد أشرف من المستفيد، ولذلك عبر عن الأشرف بالقلم فقال تعالى: علم بالقلم، لأنه كالنقاش المفيد مثل المعلم وشبه المستفيد باللوح. هذا مذهبهم.
والنزاع في هذه المسألة يخالف النزاع فيما قبلها فإن ما ذكروه من قبل ليس محالا إذ منتهاه كون السماء حيوانا متحركا لغرض وهو ممكن. أما هذه فترجع إلى إثبات علم لمخلوق بالجزئيات التي لا نهاية لها وهذا ربما يعتقد
استحالته فنطالبهم بالدليل عليه فإنه تحكم في نفسه.
استدلوا فيه بأن قالوا: ثبت أن الحركة الدورية إرادية والإرادة تتبع المراد والمراد الكلي لا يتوجه إليه إلا إرادة كلية والإرادة الكلية لا يصدر منها شيء فإن كل موجود بالفعل معين جزئي والإرادة الكلية نسبتها إلى آحاد الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة.
فللفلك بكل حركة جزئية معينة من نقطة إلى نقطة معينة إرادة جزئية لتلك الحركة فله لا محالة تصور لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذ الجزئيات لا تدرك إلا بالقوى الجسمانية، فإن كل إرادة فمن ضرورتها تصور لذلك المراد أي علم به سواء كان جزئيا أو كليا.
ومهما كان للفلك تصور لجزئيات الحركات وإحاطة بها أحاط لا محالة بما يلزم منها من اختلاف النسب مع الأرض من كون بعض أجزائه طالعة وبعضها غاربة وبعضها في وسط سماء قوم وتحت قدم قوم، وكذلك يعلم ما يلزم من اختلاف النسب التي تتجدد بالحركة من التثليث والتسديس والمقابلة والمقارنة إلى غير ذلك من الحوادث السماوية إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة. وعلى الجملة فكل حادث فله سبب حادث إلى أن ينقطع التسلسل بالارتقاء إلى الحركة السماوية الأبدية التي بعضها سبب للبعض. فإذن الأسباب والمسببات في سلسلتها تنتهي إلى الحركات الجزئية السماوية فالمتصور للحركات متصور للوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة.
فبهذا يطلع على ما يحدث فإن كل ما سيحدث فحدوثه واجب عن علته مهما تحققت العلة.
ونحن إنما لا نعلم ما يقع في المستقبل لأنا لا نعلم جميع أسبابها ولو علمنا جميع الأسباب لعلمنا المسببات، فإنا مهما علمنا أن النار سيلتقي بالقطن مثلا في وقت معين فنعلم احتراق القطن ومهما علمنا أن شخصا سيأكل فنعلم أنه سيشبع، وإذا علمنا أن شخصا سيتخطى الموضع الفلاني الذي فيه كنز مغطى بشيء خفيف إذا مشى عليه الماشي تعثر رجله بالكنز وعرفه فنعلم أنه سيستغني بوجود الكنز. ولكن هذه الأسباب لا نعلمها وربما نعلم بعضها فيقع لنا حدس بوقوع المسبب فإن عرفنا أغلبها وأكثرها حصل لنا ظن ظاهر بالوقوع. فلو حصل لنا العلم بجميع الأسباب لحصل بجميع المسببات، إلا أن السماويات كثيرة ثم لها اختلاط بالحوادث الأرضية وليس في القوة البشرية الاطلاع عليه، ونفوس السموات مطلعة عليها لاطلاعها على السبب الأول ولوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة.
وذلك باتصاله باللوح المحفوظ، أي بنفس الفلك ولهذا زعموا: يرى النائم في نومه ما يكون في المستقبل وذلك باتصاله باللوح المحفوظ ومطالعته، ومهما اطلع على الشيء ربما بقي ذلك بعينه في حفظه وربما تسارعت القوة المتخيلة إلى محاكاتها فإن من غريزتها محاكاتها الأشياء بأمثلة تناسبها بعض المناسبة أو الانتقال منها إلى أضدادها فينمحى المدرك الحقيقي عن الحفظ ويبقى مثال الخيال في الحفظ فيحتاج إلى تعبير ما يمثل الخيال الرجل بشجر والزوجة بخف والخادم ببعض أواني الدار وحافظ مال البر والصدقات بزيت البذر فإن البذر سبب للسراج الذي هو سبب الضياء، وعلم التعبير يتشعب عن هذا الأصل.
وزعموا أن الاتصال بتلك النفوس مبذول إذ ليس ثم حجاب ولكنا في يقظتنا مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا، فاشتغالنا بهذه الأمور الحسية صرفنا عنه، وإذا سقط عنا في النوم بعض اشتغال الحواس ظهر به استعداد ما للاتصال.
وزعموا أن النبي مطلع على الغيب بهذا الطريق أيضا. إلا أن القوة النفسية النبوية قد تقوى قوة لا تستغرقها الحواس الظاهرة، فلا جرم يرى هو في اليقظة ما يراه غيره في المنام. ثم القوة الخيالية تمثل له ما رآه، وربما يبقى الشيء بعينه في ذكره وربما يبقى مثاله، فيفتقر مثل هذا الوحي إلى التأويل كما يفتقر مثل ذلك المنام إلى التعبير. ولولا أن جميع الكائنات ثابتة في اللوح المحفوظ لما عرف الأنبياء الغيب في يقظة ولا منام، لكن جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ومعناه هذا الذي ذكرناه. فهذا ما أردنا أن نورده لتفهيم مذهبهم.
والجواب أن نقول: بم تنكرون على من يقول إن النبي يعرف الغيب بتعريف الله على سبيل الابتداء؟ وكذى من يرى في المنام فإنما يعرفه بتعريف أو بتعريف ملك من الملائكة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكرتموه، فلا دليل في هذا ولا دليل لكم في ورود الشرع باللوح والقلم فإن أهل الشرع لم يفهموا من اللوح والقلم هذا المعنى قطعا، فلا متمسك في الشرعيات يبقي التمسك بمسالك العقول. وما ذكرتموه وإن اعترف بإمكانه مهما لم يشترط نفي النهاية عن هذه المعلومات فلا يعرف وجوده ولا يتحقق كونه، وإنما السبيل فيه أن يتعرف من الشرع لا من العقل.
وأما ما ذكرتموه من الدليل العقلي أولا فمبني على مقدمات كثيرة لسنا نطول بإبطالها ولكننا ننازع في ثلث مقدمات منها:
المقدمة الأولى قولكم إن حركة السماء إرادية. وقد فرغنا من هذه المسألة وإبطال دعواكم فيها.
الثانية أنه إن سلم ذلك مسامحة به فقولكم إنه يفتقر إلى تصور جزئي للحركات الجزئية فغير مسلم، بل ليس ثم جزء عندكم في الجسم فإنه شيء واحد وإنما يتجزا بالوهم ولا في الحركة فإنها واحدة بالاتصال فيكفي تشوقها إلى استيفاء الأيون الممكنة لها كما ذكروه ويكفيها التصور الكلي والإرادة الكلية.
ولنمثل للإرادة الكلية والجزئية مثالا لتفهيم غرضهم. فإذا كان للإنسان غرض كلي في أن يحج بيت الله مثلا فهذه الإرادة الكلية لا يصدر منها الحركة لا الحركة تقع جزئية في جهة مخصوصة بمقدار مخصوص بل لا يزال يتجدد للإنسان في توجهه إلى البيت تصور بعد تصور للمكان الذي يتخطاه والجهة التي يسلكها، ويتبع كل تصور جزئي إرادة جزئية للحركة عن المحل الموصول إليه بالحركة. فهذا ما أرادوه بالإرادة الجزئية التابعة للتصور الجزئي وهو مسلم لأن الجهات متعددة في التوجه إلى مكة والمسافة غير متعينة، فيفتقر تعين مكان عن مكان وجهة عن جهة إلى إرادة أخرى جزئية.
وأما الحركة السماوية فلها وجه واحد فإن الكرة إنما تتحرك على نفسها وفي حيزها لا تجاوزها، والحركة مرادة وليس ثم إلا وجه واحد وجسم واحد وصوب واحد، فهو كهوى الحجر إلى أسفل فإنه يطلب الأرض في أقرب طريق، وأقرب الطرق الخط المستقيم، فتعين الخط المستقيم فلو يفتقر فيه إلى تجدد سبب حادث سوى الطبيعة الكلية الطالبة للمركز مع تجدد القرب والبعد والوصول إلى حد والصدور عنه، فكذلك يكفي في تلك الحركة الإرادة الكلية للحركة ولا يفتقر إلى مزيد.
فهذه مقدمة تحكموا بوضعها.
المقدمة الثالثة وهي التحكم البعيد جدا قولهم إنه إذا تصور الحركات الجزئية تصور أيضا توابعها ولوازمها، وهذا هوس محض كقول القائل إن الإنسان إذا تحرك وعرف حركته ينبغي أن يعرف ما يلزم من حركته من موازاة ومجاوزة، وهو نسبته إلى الأجسام التي فوقه وتحته ومن جوانبه، وأنه إذا مشى في شمس ينبغي أن يعلم المواضع التي عليها ظله والمواضع التي لا يقع وما يحصل من ظله من البرودة بقطع الشعاع في تلك المواضع وما يحصل من الإنضغاط لأجزاء الأرض تحت قدمه وما يحصل من التفرق فيها وما يحصل في أخلاطه في الباطن من الاستحالة بسبب الحركة إلى الحرارة وما يستحيل من أجزائه إلى العرق وهلم جرا إلى جميع الحوادث في بدنه وفي غيره من بدنه مما الحركة علة فيه أو شرط أو مهيء ومعد، وهو هوس لا يتخيله عاقل ولا يغتر به إلا جاهل، وإلى هذا يرجع هذا التحكم.
على أنا نقول: هذه الجزئيات المفصلة المعلومة لنفس الفلك هي الموجودة في الحال أو ينضاف إليها ما يتوقع كونها في الاستقبال. فإن قصرتموه على الموجود في الحال بطل إطلاعه على الغيب وإطلاع الأنبياء في اليقظة وسائر الخلق في النوم على ما سيكون في الاستقبال بواسطة، ثم بطل مقتضى الدليل فإنه تحكم بأن من عرف الشيء عرف لوازمه وتوابعه، حتى لو عرفنا جميع أسباب الأشياء لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة، وأسباب جميع الحوادث حاضرة في الحال فإنها هي الحركة السماوية ولكن تقتضي المسبب إما بواسطة أو بوسائط كثيرة.
وإذا تعدى إلى المستقبل لم يكن له آخر فكيف يعرف تفصيل
الجزئيات في الاستقبال إلى غير نهاية وكيف يجتمع في نفس مخلوق في حالة واحدة من غير تعاقب علوم جزئية مفصلة لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها؟ ومن لا يشهد له عقله باستحالة ذلك فلييأس من عقله.
فإن قلبوا هذا علينا في علم الله فليس تعلق علم الله بالاتفاق بمعلوماته على نحو تعلق العلوم التي هي للمخلوقات، بل مهما دار نفس الفلك دورة نفس الإنسان كان من قبيل نفس الإنسان فإنه شاركه في كونه مدركا للجزئيات بواسطة، فإن لم يلتحق به قطعا كان الغالب على الظن أنه من قبيله، فإن لم يكن غالبا على الظن فهو ممكن، والإمكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به.
فإن قيل: حق النفس الإنسانية في جوهرها أن تدرك أيضا جميع الأشياء ولكن اشتغالها بنتائج الشهوة والغضب والحرص والحقد والحسد والجوع والألم وبالجملة عوارض البدن وما يورده الحواس عليه، حتى إذا أقبلت النفس الإنسانية على شيء واحد شغلها عن غيره. وأما النفوس الفلكية فبرية عن هذه الصفات لا يعتريها شاغل ولا يستغرقها هم وألم وإحساس فعرفت جميع الأشياء.
قلنا: وبم عرفتم أنه لا شاغل لها؟ وهلا كانت عبادتها واشتياقها إلى الأول مستغرقا لها وشاغلا لها عن تصور الجزئيات المفصلة؟ أو ما الذي يحيل تقدير مانع آخر سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة؟ ومن أين عرف انحصار المانع في القدر الذي شاهدناه من أنفسنا، وفي العقلاء شواغل من علو الهمة وطلب الرئاسة ما يستحيل تصوره عند الأطفال ولا يعتقدونها شاغلا ومانعا، فمن أين يعرف استحالة
ما يقوم مقامها في النفوس الفلكية؟
هذا ما أردنا أن نذكره في العلوم الملقبة عندهم بالإلهية.
وصفها
نذكر أقسامها ليعرف أن الشرع ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها إلا في مواضع ذكرناها. وهي منقسمة إلى أصول وفروع.
و
أقسام:
أصولها ثمانية
الأول يذكر فيه ما يلحق الجسم من حيث أنه جسم من الانقسام والحركة والتغير، وما يلحق الحركة ويتبعه من الزمان والمكان والخلاء، ويشتمل عليه كتاب سمع الكيان. الثاني يعرف أحوال أقسام أركان العالم التي هي السموات وما في مقعر فلك القمر من العناصر الأربعة وطبائعها وعلة استحقاق كل واحد منها موضعا متعينا، ويشتمل عليه كتاب السماء والعالم. الثالث يعرف فيه أحوال الكون والفساد والتولد والتوالد والنشوء والبلى والاستحالات وكيفية استبقاء الأنواع على فساد الأشخاص بالحركتين السماويتين الشرقية والغربية، ويشتمل عليه كتاب الكون والفساد. الرابع في الأحوال التي تعرض للعناصر الأربعة من الإمتزاجات التي منها تحدث الآثار العلوية من الغيوم والأمطار والرعد والبرق والهالة وقوس قزح والصواعق والرياح والزلازل. الخامس في الجواهر المعدنية. السادس في أحكام النبات.
السابع في الحيوانات وفيه كتاب طبائع الحيوانات. الثامن في النفس الحيوانية والقوى الدراكة وأن نفس الإنسان لا يموت بموت البدن وأنه جوهر روحاني يستحيل عليه الفناء.
أما فروعها فسبعة:
الأول الطب ومقصوده معرفة مبادئ بدن الإنسان وأحواله من الصحة والمرض وأسبابها ودلائلها ليدفع المرض ويحفظ الصحة. الثاني في أحكام النجوم وهو تخمين في الاستدلال من أشكال الكواكب وامتزاجاتها على ما يكون من أحوال العالم والملك والمواليد والسنين. الثالث علم الفراسة وهو استدلال من الخلق على الأخلاق. الرابع التعبير وهو استدلال من المتخيلات الحلمية على ما شاهدته النفس من عالم الغيب فخيلته القوة المتخيلة بمثال غيره. الخامس علم الطلسمات وهو تأليف للقوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليأتلف من ذلك قوة تفعل فعلا غريبا في العالم الأرضي. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية ليحدث منه أمور غريبة. السابع علم الكيمياء ومقصوده تبديل خواص الجواهر المعدنية ليتوصل إلى تحصيل الذهب والفضة بنوع من الحيل.
وليس يلزم مخالفتهم شرعا في شيء من هذه العلوم وإنما نخالفهم من جملة هذه العلوم في أربعة مسائل:
الأولى حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب
والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب.
الثانية قولهم إن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في الجسم وإن معنى الموت انقطاع علاقتها عن البدن بانقطاع التدبير وإلا فهو قائم بنفسه في كل حال. وزعموا أن ذلك عرف بالبرهان العقلي.
الثالثة قولهم إن هذه النفوس يستحيل عليها العدم بل هي إذا وجدت فهي أبدية سرمدية لا يتصور فناؤها.
والرابعة قولهم: يستحيل رد هذه النفوس إلى الأجساد.
المسألة الأولى: لإثبات المعجزات فقط وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث أنه ينبنى عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى وشق القمر. ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع ذلك. وأولوا ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا: أراد به إزالة موت الجهل بحياة العلم. وأولوا تلقف العصا سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية الظاهرة على يد موسى شبهات المنكرين، وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده وزعموا أنه لو يتواتر.
ولم يثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات إلا في ثلثة أمور: أحدها في القوة المتخيلة، فإنهم زعموا أنها إذا استولت وقويت ولم يستغرقها الحواس والاشتغال اطلعت على اللوح المحفوظ وانطبع فيها صور الجزئيات الكائنة في المستقبل وذلك في اليقظة للأنبياء ولسائر الناس في النوم، فهذه خاصية النبوة للقوة المتخيلة.
الثانية خاصية في القوة العقلية النظرية وهو راجع إلى قوة الحدس وهو سرعة الانتقال من معلوم إلى معلوم. فرب ذكي إذا ذكر له المدلول تنبه للدليل