☪ Anlam Arayışı

← Tehâfütü'l-Felâsife

Bölüm 13

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

والحلاوة حتى قضى عند وجود أحدهما بوجود الآخر.

والثانية القوة الوهمية وهي التي تدرك المعاني، وكان القوة الأولى تدرك الصور. والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة أي جسم، والمراد بالمعاني ما لا يستدعي وجوده جسما ولكن قد يعرض له أن يكون جسم كالعداوة والموافقة، فإن الشاة تدرك من الذب لونه وشكله وهيئته، وذلك لا يكون إلا في جسم، وتدرك أيضا كونه مخالفا لها. وتدرك السخلة شكل الأم ولونه ثم تدرك موافقته وملايمته ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الأم. والمخالفة والموافقة ليس من ضرورتها أن تكون في الأجسام لا كاللون والشكل ولكن قد يعرض لها أن تكون في الأجسام أيضا فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية وهذا محله التجويف الأخير من الدماغ.

أما الثالثة فهي القوة التي تسمى في الحيوانات متخيلة وفي الإنسان مفكرة وشأنها أن تركب الصور المحسوسة بعضها مع بعض وتركب المعاني على الصور، وهي في التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني. ولذلك يقدر الإنسان على أن يتخيل فرسا يطير وشخصا رأسه رأس إنسان وبدنه بدن فرس إلى غير ذلك من التركيبات وإن لم يشاهد مثل ذلك، والأولى أن تلحق هذه القوة بالقوى المحركة كما سيأتي لا بالقوى المدركة، وإنما عرفت مواضع هذه القوى بصناعة الطب فإن الآفة إذا نزلت بهذه التجويفات اختلت هذه الأمور.

ثم زعموا أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات بالحواس الخمس تحفظ تلك الصور حتى تبقى بعد القبول، والشيء يحفظ الشيء لا بالقوة التي بها يقبل، فإن الماء يقبل ولا يحفظ والشمع يقبل برطوبته ويحفظ بيبوسته

بخلاف الماء، فكانت الحافظة بهذا الاعتبار غير القابلة فتسمى هذه قوة حافظة. وكذى المعاني تنطبع في الوهمية وتحفظها قوة تسمى ذاكرة فتصير الإدراكات الباطنة بهذا الاعتبار إذا ضم إليها المتخيلة خمسة كما كانت الظاهرة خمسة.

وأما القوى المحركة فتنقسم إلى محركة على معنى أنها باعثة على الحركة وإلى محركة على معنى أنها مباشرة للحركة فاعلة.

والمحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية الشوقية وهي التي إذا ارتسم في القوة الخيالية التي ذكرناها صورة مطلوب أو مهروب عنه بعثت القوة المحركة الفاعلة على التحريك. ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية أو نافعة طلبا للذة، وشعبة تسمى قوة غضبية وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا أو مفسدا طلبا للغلبة. وبهذه القوة يتم الإجماع التام على الفعل المسمى إرادة.

وأما القوة المحركة على أنها فاعلة هي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة بالأعضاء

إلى جهة الموضع الذي فيه القوة أو ترخيها وتمددها طولا فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف الجهة. فهذه قوى النفس الحيوانية على طريق الإجمال وترك التفصيل.

فأما النفس العاقلة الإنسانية المسماة الناطقة عندهم، والمراد بالناطقة العاقلة لأن النطق أخص ثمرات العقل في الظاهر، فنسبت إليه فلها قوتان: قوة عالمة وقوة عاملة، وقد يسمى كل واحدة عقلا ولكن باشتراك الاسم. فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات المرتبة الإنسانية المستنبط ترتيبها بالروية الخاصة بالإنسان. وأما العالمة فهي التي تسمى النظرية وهي قوة من شأنها أن تدرك حقائق المعقولات المجردة عن المادة والمكان والجهات، وهي القضايا الكلية التي يسميها المتكلمون أحوالا مرة ووجودها أخرى وتسميها الفلاسفة الكليات المجردة.

</span>ى تنقاد للبدن، والثانية مأخوذة من الملائكة

فإذن للنفس قوتان بالقياس إلى جنبتين: القوة النظرية بالقياس إلى جنبة الملائكة إذ بها تأخذ من الملائكة العلوم الحقيقية، وينبغي أن تكون هذه القوة دائمة القبول من جهة فوق. والقوة العملية لها بالنسبة إلى أسفل وهي جهة البدن وتدبيره وإصلاح الأخلاق، وهذه القوة ينبغي أن تتسلط على سائر القوى البدنية وأن تكون سائر القوى متأدبة بتأديبها مقهورة دونها حتى لا تنفعل ولا تتأثر هي عنها بل تنفعل تلك القوى عنها لئلا يحدث في النفس من الصفات البدنية

هيآت انقيادية تسمى رذائل بل تكون هي الغالبة ليحصل للنفس بسببها هيآت تسمى فضائل.

فهذا إيجاز ما فصلوه من القوى الحيوانية والإنسانية وطولوا بذكرها مع الإعراض عن ذكر القوى النباتية إذ لا حاجة إلى ذكرها في غرضنا. وليس شيء مما ذكروه مما يجب إنكاره في الشرع فإنها أمور مشاهدة أجرى الله العادة بها.

وإنما نريد أن نعترض الآن على دعواهم معرفة كون النفس جوهرا قائما بنفسه ببراهين العقل. ولسنا نعترض اعتراض من يبعد ذلك من قدرة الله أو يرى أن الشرع جاء بنقيضه بل ربما نبين في تفصيل الحشر والنشر أن الشرع مصدق له، ولكنا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه.

فلنطالبهم بالأدلة ولهم فيه براهين كثيرة بزعمهم.

الأول

قولهم إن العلوم العقلية تحل محل النفس الإنساني وهي محصورة وفيها آحاد لا تنقسم فلا بد وأن يكون محله أيضا لا ينقسم، وكل جسم فمنقسم فدل أن محله شيء لا ينقسم. ويمكن إيراد هذا على شرط المنطق بأشكاله ولكن أقربه أن يقال إن كان محل العلم جسما منقسما فالعلم الحال أيضا منقسم لكن العلم الحال غير منقسم فالمحل ليس جسما. وهذا هو قياس شرطي استثنى فيه نقيض التالي

فينتج نقيض المقدم بالاتفاق فلا نظر في صحة شكل القياس ولا أيضا في المقدمتين فإن الأول قولنا إن كل حال في منقسم ينقسم لا محالة بفرض القسمة في محله وهو أولي لا يمكن التشكك فيه، والثاني قولنا إن العلم الواحد يحل في الآدمي وهو لا ينقسم لأنه لو انقسم إلى غير نهاية كان محالا وإن كان له نهاية فيشتمل على آحاد لا محالة لا تنقسم. وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ولا نقدر أن نفرض زوال بعضها وبقاء بعض من حيث أنه لا بعض لها.

والاعتراض على مقامين: المقام الأول أن يقال: بم تنكرون على من يقول. محل العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم، وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين. ولا يبقى بعده إلا استبعاد وهو أنه كيف تحل العلوم كلها في جوهر فرد وتكون جميع الجواهر المطيفة بها معطلة مجاورة. والاستبعاد لا خير فيه إذ يتوجه على مذهبهم أيضا أنه كيف تكون النفس شيئا واحدا لا يتحيز ولا يشار إليه ولا يكون داخل البدن ولا خارجه ولا متصلا بالجسم ولا منفصلا عنه.

إلا أنا لا نؤثر هذا المقام فإن القول في مسألة الجزء الذي لا يتجزى طويل ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ومن جملتها قولهم: جوهر فرد بين جوهرين، هل يلاقي أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر أو غيره؟ فإن كان عينه فهو محال إذ يلزم منه تلاقي الطرفين فإن ملاقي الملاقي ملاق، وإن كان ما يلاقيه غيره ففيه إثبات التعدد والانقسام، وهذه شبهة يطول حلها وبنا غنية عن الخوض فيها، فلنعدل إلى مقام آخر.

المقام الثاني أن نقول: ما ذكرتموه من أن كل حال في جسم فينبغي أن ينقسم باطل عليكم بما تدركه القوة من الشاة من عداوة الذئب فإنها في حكم شيء وحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه، وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت. وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة.

فإن قيل: الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة بل تدرك عداوة الذئب المعين المشخص مقرونا بشخصه وهيكله. والقوة العاقلة تدرك الحقائق مجردة عن المواد والأشخاص.

قلنا: الشاة قد أدركت لون الذئب وشكله ثم عداوته، فإن كان اللون ينطبع في القوة الباصرة وكذى الشكل وينقسم بانقسام محل البصر فالعداوة بماذى تدركها؟ فإن أدرك بجسم فلينقسم وليت شعري ما حال ذلك الإدراك إذا قسم، وكيف يكون بعضه؟ أهو إدراك لبعض العداوة فكيف يكون لها بعض؟ أو كل قسم إدراك لكل العداوة فتكون العداوة معلومة مرارا بثبوت إدراكها في كل قسم من أقسام المحل. فإذن هذه شبهة مشكلة لهم في برهانهم فلا بد من الحل.

فإن قيل: هذه مناقضة في المعقولات والمعقولات لا تنقض فإنكم مهما لم تقدروا على الشك في المقدمتين، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم، لم يمكنكم الشك في النتيجة.

والجواب أن هذا الكتاب ما صنفناه إلا لبيان التهافت والتناقض في كلام الفلاسفة، وقد حصل إذ انتقض به أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة أو ما ذكروه في القوة الوهمية.

ثم نقول: هذه المناقضة تبين أنهم غفلوا عن موضع تلبيس في القياس ولعل موضع الالتباس قولهم إن العلم منطبع في الجسم انطباع اللون في المتلون، وينقسم اللون بانقسام المتلون فينقسم العلم بانقسام محله. والخلل في لفظ الانطباع إذ يمكن أن لا تكون نسبة العلم إلى محله كنسبة اللون إلى المتلون حتى يقال إنه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر في جوانبه فينقسم بانقسامه. فلعل نسبة العلم إلى محله على وجه آخر وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام عند انقسام المحل بل نسبته إليه كنسبة إدراك العداوة إلى الجسم. ووجوه نسبة الأوصاف إلى محلها ليست محصورة في فن واحد ولا هي معلومة التفاصيل لنا علما نثق به، فالحكم عليه دون الإحاطة بتفصيل النسبة حكم غير موثوق به.

وعلى الجملة لا ينكر أن ما ذكروه مما يقوي الظن ويغلبه وإنما ينكر كونه معلوما يقينا علما لا يجوز الغلط فيه ولا يتطرق إليه الشك وهذا القدر مشكك فيه.

دليلهم الثاني للعلم نسبة إلى العالم

قالوا: إن كان العلم بالمعلوم الواحد العقلي وهو المعلوم المجرد عن المواد منطبعا في المادة انطباع الأعراض في الجوهر الجسمانية لزم انقسامه بالضرورة بانقسام الجسم كما سبق، وإن لم يكن منطبعا فيه ولا منبسطا عليه واستكره لفظ الانطباع فنعدل إلى عبارة أخرى ونقول: هل للعلم نسبة إلى العالم أم لا؟ ومحال قطع النسبة فإنه إن قطعت النسبة عنه فكونه عالما به لم صار أولى من كون غيره عالما؟

إما إلى الكل أو إلى البعض أو لا تكون، وثلاثتها باطلة

وإن كان له نسبة فلا يخلوا من ثلثة أقسام: إما أن تكون النسبة لكل جزء من أجزاء المحل

أو تكون لبعض أجزاء المحل دون البعض أو لا يكون لواحد من الأجزاء نسبة إليه. وباطل أن يقال: لا نسبة لواحد من الأجزاء، فإنه إذا لم يكن للآحاد نسبة لم يكن للمجموع نسبة فإن المجتمع من المباينات مباين. وباطل أن يقال: النسبة للبعض، فإن الذي لا نسبة له ليس هو من معناه في شيء وليس كلامنا عنه. وباطل أن يقال: لكل جزء مفروض نسبة إلى الذات، لأنه إن كانت النسبة إلى ذات العلم بأسره فمعلوم كل واحد من الأجزاء ليس هو جزءا من المعلوم كما هو فيكون معقولا مرات لا نهاية لها بالفعل، وإن كان كل جزء له نسبة أخرى غير النسبة التي للجزء الآخر إلى ذات العلم فذات العلم إذن منقسمة في المعنى، وقد بينا أن العلم بالمعلوم الواحد من كل وجه لا ينقسم في المعنى، وإن كان نسبة كل واحد إلى شيء من ذات العلم غير ما إليه نسبة الآخر فانقسام ذات العلم بهذا أظهر وهو محال.

ومن هذا يتبين أن المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس لا تكون إلا أمثلة لصور جزئية منقسمة، فإن الإدراك معناه حصول مثال المدرك في نفس المدرك، ويكون لكل جزء من مثال المحسوس نسبة إلى جزء من الآلة الجسمانية.

والاعتراض على هذا ما سبق فإن تبديل لفظ الانطباع بلفظ النسبة لا يدرأ الشبهة فيما ينطبع في القوة الوهمية للشاة من عداوة الذئب كما ذكروه فإنه إدراك لا محالة وله نسبة إليه، ويلزم في تلك النسبة ما ذكرتموه

فإن العداوة ليس أمرا مقدرا له كمية مقدارية حتى ينطبع مثالها في جسم مقدر وتنتسب أجزاؤها إلى أجزائه، وكون شكل الذئب مقدرا لا يكفي فإن الشاة أدركت شيئا سوى شكله وهو المخالفة والمضادة والعداوة، والزيادة على الشكل من العداوة ليس لها مقدار وقد أدركته بجسم مقدر. فهذه الصور مشككة في هذا البرهان كما في الأول.

فإن قال قائل: هلا دفعتم هذه البراهين بأن العلم يحل من الجسم في جوهر متحيز لا يتجزى وهو الجزء الفرد.

قلنا: لأن الكلام في الجوهر الفرد يتعلق بأمور هندسية يطول القول في حلها. ثم ليس فيه ما يدفع الإشكال فإنه يلزم أن تكون القدرة والإرادة أيضا في ذلك الجزء فإن للإنسان فعلا ولا يتصور ذلك إلا بقدرة وإرادة ولا يتصور الإرادة إلا بعلم وقدرة الكتابة في اليد والأصابع، والعلم بها ليس في اليد إذ لا يزول بقطع اليد ولا إرادتها في اليد فإنه قد يريدها بعد شلل اليد وتتعذر لا لعدم الإرادة بل لعدم القدرة.

دليلهم الثالث الإنسان دون الجزء هو العالم

قولهم: العلم لو كان في جزء من الجسم لكان العالم ذلك الجزء دون سائر أجزاء الإنسان، والإنسان يقال له عالم والعالمية صفة له على الجملة من غير نسبة إلى محل مخصوص

وهذا هوس فإنه يسمى مبصرا وسامعا وذائقا، وكذى البهيمة توصف به وذلك لا يدل على أن إدراك المحسوسات ليس بالجسم بل هو نوع من التجوز كما يقال فلان في بغداذ وإن كان هو في جزء من جملة بغداذ لا في جملتها ولكن يضاف إلى الجملة.

إن كان العلم يحل جزءا من القلب أو الدماغ مثلا فالجهل ضده فينبغي أن يجوز قيامه بجزء آخر من القلب أو الدماغ ويكون الإنسان في حالة واحدة عالما وجاهلا بشيء واحد، فلما استحال ذلك تبين أن محل الجهل هو محل العلم وأن ذلك المحل واحد يستحيل اجتماع الضدين فيه فإنه لو كان منقسما لما استحال قيام الجهل ببعضه والعلم ببعضه لأن الشيء في محل لا يضاده ضده في محل آخر، كما تجتمع البلقة في الفرس الواحد والسواد والبياض في العين الواحدة ولكن في محلين.

ولا يلزم هذا في الحواس فإنه لا ضد لإدراكاتها ولكنه قد يدرك وقد لا يدرك فليس بينهما إلا تقابل الوجود والعدم. فلا جرم نقول: يدرك ببعض أجزائه كالعين والأذن ولا يدرك بسائر بدنه، وليس فيه تناقض.

ولا يغني عن هذا قولكم إن العالمية مضادة للجاهلية، والحكم عام لجميع البدن إذ يستحيل أن يكون الحكم في غير محل العلة فالعالم هو المحل الذي قام العلم به، فإن أطلق الاسم على الجملة فبالمجاز، كما يقال: هو في بغداذ وإن كان هو في بعضها، وكما يقال: مبصر، وإن كنا بالضرورة نعلم أن حكم الإبصار لا يثبت للرجل واليد بل يختص بالعين، وتضاد الأحكام كتضاد العلل فإن الأحكام تقتصر على محل العلل.

ولا يخلص من هذا قول القائل إن المحل المهيأ لقبول العلم والجهل من الإنسان واحد فيتضادان عليه، فإن عندكم أن كل جسم فيه حيوة فهو قابل للعلم والجهل ولم تشترطوا سوى الحيوة شريطة أخرى، وسائر أجزاء البدن

عندكم في قبول العلم على وتيرة واحدة.

الاعتراض أن هذا ينقلب عليكم في الشهوة والشوق والإرادة فإن هذه الأمور تثبت للبهائم والإنسان، وهي معان تنطبع في الجسم، ثم يستحيل أن ينفر عما يشتاق إليه فيجتمع فيه النفرة والميل إلى شيء واحد بوجود الشوق في محل والنفرة في محل آخر، وذلك لا يدل على أنها لا تحل الأجسام وذلك لأن هذه القوى وإن كانت كثيرة ومتوزعة على آلات مختلفة فلها رابطة واحدة وهي النفس، وذلك للبهيمة والإنسان جميعا، وإذا اتحدت الرابطة استحالت الإضافات المتناقضة بالنسبة إليه، وهذا لا يدل على كون النفس غير منطبع في الجسم كما في البهائم.

دليلهم الخامس لولا ذلك لما عقل العقل نفسه

قولهم: إن كان العقل يدرك المعقول بآلة جسمانية فهو لا يعقل نفسه والتالي محال فإنه يعقل نفسه فالمقدم محال.

قلنا: مسلم أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم ولكن إذا ثبت اللزوم بين التالي والمقدم،، بل نقول: ما يسلم لزوم التالي وما الدليل عليه؟

فإن قيل: الدليل عليه أن الإبصار لما كان بجسم فالإبصار لا يتعلق بالأبصار فالرؤية لا ترى والسمع لا يسمع وكذى سائر الحواس. فإن كان العقل أيضا لا يدرك إلا بجسم فلم يدرك نفسه، والعقل كما يعقل غيره يعقل نفسه فإن الواحد منا كما يعقل غيره يعقل نفسه ويعقل أنه عقل غيره وأنه عقل نفسه.

قلنا: ما ذكرتموه فاسد من وجهين:

أحدهما أن الإبصار عندنا يجوز أن يتعلق بنفسه فيكون إبصارا لغيره ولنفسه كما يكون العلم الواحد علما بغيره وعلما بنفسه. ولكن العادة جارية بخلاف ذلك وخرق العادات عندنا جائز.

والثاني وهو أقوى أنا سلمنا هذا في الحواس ولكن لم إذا امتنع ذلك في بعض الحواس يمتنع في بعض؟ وأي بعد في أن يفترق حكم الحواس في وجه الإدراك مع اشتراكها في أنها جسمانية،؟ كما اختلف البصر واللمس في أن اللمس لا يفيد الإدراك إلا باتصال الملموس بالآلة اللامسة، وكذى الذوق ويخالفه البصر فإنه يشترط فيه الانفصال حتى لو أطبق أجفانه لم ير لون الجفن لأنه لم يبعد عنه، وهذا الاختلاف لا يوجب الاختلاف في الحاجة إلى الجسم فلا يبعد أن يكون في الحواس الجسمانية ما يسمى عقلا ويخالف سائرها في أنها تدرك نفسها.

دليلهم السادس لولا ذلك لما أدرك العقل القلب

قالوا: لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية كالأبصار لما أدرك آلته كسائر الحواس ولكنه يدرك الدماغ والقلب وما يدعى آلته، فدل أنه ليس آلة له ولا محلا وإلا لما أدركه.

والاعتراض على هذا كالاعتراض على الذي قبله. فإنا نقول: لا يبعد أن يدرك الإبصار محله ولكنه حوالة على العادة. أو نقول: لم يستحيل أن تفترق الحواس في هذا المعنى وإن اشتركت في الانطباع في الأجسام كما سبق؟ ولم قلتم أن ما هو قائم في جسم

يستحيل أن يدرك الجسم الذي هو محله ولم يلزم أن يحكم من جزئي معين على كلي مرسل؟

ومما عرف بالاتفاق بطلانه وذكر في المنطق أن يحكم بسبب جزئي أو جزئيات كثيرة على كلي حتى مثلوه بما إذا قال الإنسان إن كل حيوان فإنه يحرك عند المضغ فكه الأسفل لأنا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك، فيكون ذلك لغفلته عن التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى وهؤلاء لم يستقرئوا إلا الحواس الخمس، فوجدوها على وجه معلوم فحكموا على الكل به. فلعل العقل حاسة أخرى تجري من سائر الحواس مجرى التمساح من سائر الحيوانات، فتكون إذن الحواس مع كونها جسمانية منقسمة إلى ما يدرك محلها وإلى ما لا يدرك كما انقسمت إلى ما يدرك مدركه من غير مماسة كالبصر وإلى ما لا يدرك إلا باتصال كالذوق واللمس. فما ذكروه أيضا إن أورث ظنا فلا يورث يقينا موثوقا به.

فإن قيل: لسنا نعول على مجرد الاستقراء للحواس بل نعول على البرهان ونقول: لو كان القلب أو الدماغ هو نفس الإنسان لكان لا يعزب عنه إدراكهما حتى لا يخلوا عن أن يعقلهما جميعا كما أنه لا يخلوا عن إدراك نفسه، فإن أحدا لا يعزب ذاته عن ذاته بل يكون مثبتا لنفسه في نفسه أبدا، والإنسان ما لم يسمع حديث القلب والدماغ أو لم يشاهد بالتشريح من إنسان آخر لا يدركهما ولا يعتقد وجودهما. فإن كان العقل حالا في جسم فينبغي أن يعقل ذلك الجسم أبدا أو لا يدركه أبدا وليس واحد من الأمرين بصحيح بل يعقل حالة ولا يعقل حالة.

← Önceki 13 / 16 Sonraki →

Anlam Arayışı