Bölüm 14
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
وهذا التحقيق وهو أن الإدراك الحال في محل إنما يدرك المحل لنسبة له إلى المحل، ولا يتصور أن يكون له نسبة إليه سوى الحلول فيه فليدركه أبدا، وإن كان هذه النسبة لا تكفي فينبغي أن لا يدرك أبدا إذ لا يمكن أن يكون له نسبة أخرى إليه كما أنه لما أن كان يعقل نفسه عقل نفسه أبدا ولم يغفل عنه بحال.
قلنا: الإنسان ما دام يشعر بنفسه ولا يغفل عنه فإنه يشعر بجسده وجسمه. نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته وشكله ولكنه يثبت نفسه جسما حتى يثبت نفسه في ثيابه وفي بيته، والنفس الذي ذكروه لا يناسب البيت والثوب.
فإثباته لأصل الجسم ملازم له وغفلته عن شكله واسمه كغفلته عن محل الشم وإنهما زائدتان في مقدم الدماغ شبيهتين بحلمتي الثدي، فإن كل إنسان يعلم أنه يدرك الرائحة بجسمه ولكن محل الإدراك لا يتشكل له ولا يتعين وإن كان يدرك أنه إلى الرأس أقرب منه إلى العقب ومن جملة الرأس إلى داخل الأنف أقرب منه إلى داخل الأذن. فكذلك يشعر الإنسان بنفسه ويعلم أن هويته التي بها قوامه إلى قلبه وصدره أقرب منه إلى رجله فإنه يقدر نفسه باقيا مع عدم الرجل ولا يقدر على تقدير نفسه باقيا مع عدم القلب، فما ذكروه من أنه يغفل عن الجسم تارة وتارة لا يغفل عنه ليس كذلك.
دليلهم السابع أن القوى الآلية يعرض لها من المواظبة على العمل كلال
قالوا القوى الدراكة بالآلات الجسمانية يعرض لها من المواظبة على العمل بإدامة الإدراك كلال لأن إدامة الحركة تفسد مزاج الأجسام فتكلها، وكذلك الأمور القوية الجلية الإدراك توهنها وربما تفسدها حتى لا تدرك عقيبها الأخفى الأضعف كالصوت العظيم للسمع والنور العظيم
للبصر فإنه ربما يفسد أو يمنع عقيبه من إدراك الصوت الخفي والمرئيات الدقيقة، بل من ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعده بحلاوة دونه.
والأمر القوة العقلية بالعكس فإن إدامتها للنظر إلى المعقولات لا يتعبها ودرك الضروريات الجلية يقويها على درك النظريات الخفية ولا يضعفها، وإن عرض لها في بعض الأوقات كلال فذلك لاستعمالها القوة الخيالية واستعانتها بها فتضعف آلة القوة الخيالية فلا تخدم العقل.
وهذا من الطراز السابق فإنا نقول: لا يبعد أن تختلف الحواس الجسمانية في هذه الأمور فليس ما يثبت منها للبعض يجب أن يثبت للآخر، بل لا يبعد أن تتفاوت الأجسام فيكون منها ما يضعفها نوع من الحركة ومنها ما يقويها نوع من الحركة ولا يوهنها وإن كان يؤثر فيها فيكون ثم سبب يجدد قوتها بحيث لا تحس بالأثر فيها. فكل هذا ممكن إذا الحكم الثابت لبعض الأشياء ليس يلزم أن يثبت لكله.
دليلهم الثامن العقل لا تعتريه الشيخوخة
قالوا: أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشو والوقوف عند الأربعين سنة فما بعدها فيضعف البصر والسمع وسائر القوى والقوة العقلية في أكثر الأمر إنما تقوى بعد ذلك.
ولا يلزم على هذا تعذر النظر في المعقولات عند حلول المرض في البدن وعند الخرف بسبب الشيخوخة، فإنه مهما بان أنه يتقوى مع ضعف البدن في بعض الأحوال فقد بان قوامه بنفسه، فتعطله عند تعطل البدن لا يوجب
كونه قائما بالبدن فإن استثناء عين التالي لا ينتج فإنا نقول: إن كانت القوة العقلية قائمة بالبدن فيضعفها ضعف البدن بكل حال والتالي محال فالمقدم محال. وإذا قلنا: التالي موجود في بعض الأحوال، فلا يلزم أن يكون المقدم موجودا.
ثم السبب فيه أن النفس لها فعل بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يشغلها شاغل، فإن للنفس فعلين: فعل بالقياس إلى البدن وهو السياسة له وتدبيره وفعل بالقياس إلى مبادئه وإلى ذاته وهو إدراك المعقولات، وهما متمانعان متعاندان فمهما اشتغل بأحدهما انصرف عن الآخر وتعذر عليه الجمع بين الأمرين. وشواغله من جهة البدن الإحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع، فإذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل هذه الأشياء الأخر. بل مجرد الحس قد يمنع من إدراك العقل ونظره من غير أن يصيب آلة العقل شيء أو يصيب ذاتها آفة، والسبب في كل ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ولذلك يتعطل نظر العقل عند الوجع والمرض والخوف فإنه أيضا مرض في الدماغ. وكيف يستبعد التمانع في اختلاف جهتي فعل النفس؟ وتعدد الجهة الواحدة قد يوجب التمانع فإن الفرق يذهل عن الوجع والشهوة عن الغضب والنظر في معقول عن معقول آخر.
وآية أن المرض الحال في البدن ليس يتعرض لمحل العلوم، أنه إذا عاد صحيحا لم يفتقر إلى تعلم العلوم من رأس بل تعود هيئة نفسه كما كانت وتعود تلك العلوم بعينها من غير استئناف تعلم.
والاعتراض أن نقول: نقصان القوى وزيادتها لها أسباب كثيرة لا تنحصر، فقد يقوى بعض القوى في ابتداء العمر وبعضها في الوسط وبعضها في الآخر وأمر العقل أيضا كذلك. فلا يبقى إلا أن يدعى الغالب.
ولا بعد في أن يختلف الشم والبصر في أن الشم يقوى بعد الأربعين والبصر يضعف وإن تساويا في كونهما حالين في الجسم، كما تتفاوت هذه القوى في الحيوانات فيقوى الشم من بعضها والسمع من بعضها والبصر من بعضها لاختلاف في أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه، فلا يبعد أن يكون مزاج الآلات أيضا يختلف في حق الأشخاص وفي حق الأحوال.
ويكون أحد الأسباب في سبق الضعف إلى البصر دون العقل أن البصر أقدم فإنه مبصر في أول فطرته ولا يتم عقله إلا بعد خمسة عشر سنة أو زيادة على ما يشاهد اختلاف الناس فيه، حتى قيل إن الشيب إلى شعر الرأس أسبق منه إلى شعر اللحية لأن شعر الرأس أقدم. فهذه الأسباب إن خاض الخائض فيها ولم يرد هذه الأمور إلى مجاري العادات فلا يمكن أن ينبنى عليها علم موثوق به لأن جهات الاحتمال فيما تزيد بها القوى أو تضعف لا تنحصر فلا يورث شيء من ذلك يقينا.
دليلهم التاسع مهما تبدل الجسم فالإنسان يبقى بعينه ومعه علوم
قالوا: كيف يكون الإنسان عبارة عن الجسم مع عوارضه؟ وهذه الأجسام لا تزال تنحل والغذاء يسد مسد ما ينحل، حتى إذا رأينا صبيا انفصل من الجنين فيمرض مرارا ويذبل ثم يسمن وينموا فيمكننا أن نقول: لم يبق فيه بعد الأربعين شيء من الأجزاء التي كانت موجودة عند الانفصال بل كان أول وجوده من أجزاء المني فقط ولم يبق فيه شيء من أجزاء المني بل انحل كل ذلك وتبدل بغيره. فيكون هذا الجسم غير ذلك الجسم. ونقول:
هذا الإنسان هو ذلك الإنسان بعينه وحتى أنه يبقى معه علوم من أول صباه ويكون قد تبدل جميع أجسامه. فدل أن للنفس وجودا سوى البدن وأن البدن آلته.
الاعتراض أن هذا ينتقض بالبهيمة والشجرة إذا قيست حالة كبرهما بحالة الصغر فإنه يقال إن هذا ذاك بعينه، كما يقال في الإنسان، وليس يدل ذلك على أن له وجودا غير الجسم.
وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة فإنه يبقى في الصبي إلى الكبر وإن تبدل سائر أجزاء الدماغ فإن زعموا أنه لم يتبدل سائر أجزاء الدماغ فكذى سائر أجزاء القلب وهما من البدن فكيف يتصور أن يتبدل الجميع؟
بل نقول: الإنسان وإن عاش مائة سنة مثلا فلا بد وأن يكون قد بقي فيه أجزاء من النطفة فأما أن تنمحى عنه فلا فهو ذلك الإنسان باعتبار ما بقي، كم أنه يقال: هذا ذاك الشجر وهذا ذاك الفرس، ويكون بقاء المني مع كثرة التحلل والتبدل.
مثاله ما إذا صب في موضع رطل من الماء ثم صب عليه رطل آخر حتى اختلط به ثم أخذ منه رطل ثم صب عليه رطل آخر ثم أخذ منه رطل
ثم لا يزال يفعل كذلك ألف مرة فنحن في المرة الأخيرة نحكم بأن شيئا من الماء الأول باق وأنه ما من رطل يؤخذ منه إلا وفيه شيء من ذلك الماء لأنه كان موجودا في الكرة الثانية، والثالثة قريبة من الثانية والرابعة من الثالثة وهكذى إلى الآخر. وهذا على أصلهم ألزم حيث جوزوا انقسام الأجسام إلى غير نهاية، فانصباب الغذاء في البدن وانحلال أجزاء البدن يضاهي صب الماء في هذا الإناء واغترافه عنه.
قالوا: القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون أحوالا فتدرك الإنسان المطلق عند مشاهدة الحس لشخص إنسان معين وهو غير الشخص المشاهد فإن المشاهد في مكان مخصوص ولون مخصوص ومقدار مخصوص ووضع مخصوص، والإنسان المعقول المطلق مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه كل ما ينطلق عليه اسم الإنسان وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ومكانه، بل الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه، بل لو عدم الإنسان يبقى حقيقة الإنسان في العقل مجردا عن هذه الخواص، وهكذى كل شيء شاهده الحس مشخصا فيحصل منه للعقل حقيقة ذلك الشخص كليا مجردا عن المواد والأوضاع حتى تنقسم أوصافه إلى ما هو ذاتي كالجسمية للشجر والحيوان والحيوانية للإنسان وإلى ما هو عرضي له كالبياض والطول للإنسان والشجر، ويحكم بكونه ذاتيا وعرضيا على جنس الإنسان والشجر وكل ما يدرك لا على الشخص المشاهد،
فدل أن الكلي المجرد عن القرائن المحسوسة معقولة عنده وثابتة في عقله.
وذلك الكلي المعقول لا إشارة إليه ولا وضع له ولا مقدار، فإما أن يكون تجرده عن الوضع والمادة بالإضافة إلى المأخوذ منه وهو محال فإن المأخوذ منه ذو وضع وأين ومقدار، وإما أن يكون بالإضافة إلى الآخذ وهو النفس العاقلة فينبغي أن لا يكون للنفس وضع ولا إليه إشارة ولا له مقدار، وإلا لو ثبت ذلك لثبت للذي حل فيه.
والاعتراض أن المعنى الكلي الذي وضعتموه حالا في العقل غير مسلم بل لا يحل في العقل إلا ما يحل في الحس ولكن يحل في الحس مجموعا ولا يقدر الحس على تفصيله والعقل يقدر على تفصيله.
ثم إذا فصل كان المفصل المفرد عن القرائن في العقل في كونه جزئيا كالمقرون بقرائنه، إلا أن الثابت في العقل يناسب المعقول وأمثاله مناسبة واحدة فيقال إنه كلي على هذا المعنى وهو أن في العقل صورة المعقول المفرد الذي أدركه الحس أولا، ونسبة تلك الصورة إلى سائر آحاد ذلك الجنس نسبة واحدة فإنه لو رأى إنسانا آخر لم يحدث له هيئة أخرى كما إذا رأى فرسا بعد إنسان فإنه يحدث فيه صورتان مختلفتان.
ومثل هذا قد يعرض في مجرد الحس فإن من رأى الماء حصل في خياله صورة، فلو رأى الدم بعده حصلت صورة أخرى، فلو رأى ماء آخر لم تحدث صورة أخرى بل الصورة التي انطبعت في خياله من الماء مثال لكل
واحد من آحاد المياه فقد يظن أنه كلي بهذا المعنى. فكذلك إذا رأى اليد مثلا حصل في الخيال وفي العقل وضع أجزائه بعضها مع بعض وهو انبساط الكف وانقسام الأصابع عليه وانتهاء الأصابع على الأظفار، ويحصل مع ذلك صغره وكبره ولونه. فإن رأى يدا أخرى تماثله في كل شيء لم يتجدد له صورة أخرى بل لا تؤثر المشاهدة الثانية في إحداث شيء جديد في الخيال، كما إذا رأى الماء بعد الماء في إناء واحد على قدر واحد وقد يرى يدا أخرى تخالفه في اللون والقدر فيحدث له لون آخر وقدر آخر ولا يحدث له صورة جديدة لليد، فإن اليد الصغير الأسود يشارك اليد الكبير الأبيض في وضع الأجزاء ويخالفه في اللون والقدر، فما يساوي فيه الأول لا تتجدد صورته إذ تلك الصورة هي هذه الصورة بعينها وما يخالفه يتجدد صورته.
فهذا معنى الكلي في العقل والحس جميعا فإن العقل إذا أدرك صورة الجسم من الحيوان فلا يستفيد من الشجر صورة جديدة في الجسمية كما في الخيال بإدراك صورة الماءين في وقتين، وكذى في كل متشابهين وهذا لا يؤذن بثبوت كلي لا وضع له أصلا. على أن العقل قد يحكم بثبوت شيء لا إشارة إليه ولا وضع كحكمه بوجود صانع العالم، ولكن من أين أن ذلك لا يتصور قيامه بجسم؟ وفي هذا القسم يكون المنتزع عن المادة هو المعقول في نفسه دون العقل والعاقل. فأما المأخوذ من المواد فوجهه ما ذكرناه.
بعد وجودها وأنها سرمدية لا يتصور فناؤها
فيطالبون بالدليل عليه. ولهم دليلان:
أحدهما قولهم إن عدمها لا يخلوا إما أن يكون بموت البدن أو بضد يطرى عليها أو بقدرة القادر. وباطل أن تنعدم بموت البدن فإن البدن ليس محلا لها بل هو آلة تستعملها النفس بواسطة القوى التي في البدن، وفساد الآلة لا يوجب فساد مستعمل الآلة إلا أن يكون حالا فيها منطبعا كالنفوس البهيمية والقوى الجسمانية، ولأن النفس فعلا بغير مشاركة الآلة وفعلا بمشاركتها فالفعل الذي لها بمشاركة الآلة التخيل والإحساس والشهوة والغضب فلا جرم يفسد بفساد البدن ويفوت بفواته، وفعلها بذاتها دون مشاركة البدن إدراك المعقولات المجردة عن المواد ولا حاجة في كونه مدركا للمعقولات إلى البدن بل الاشتغال بالبدن يعوقها عن المعقولات، ومهما كان لها فعل دون البدن ووجود دون البدن لم تفتقر في قوامها إلى البدن.
وباطل أن يقال إنها تنعدم بالضد إذ الجواهر لا ضد لها، ولذلك
لا ينعدم في العالم إلا الأعراض والصور المتعاقبة على الأشياء إذ تنعدم صورة المائية بضدها وهو صورة الهوائية، والمادة التي هي المحل لا تنعدم قط وكل جوهر ليس في محل فلا يتصور عدمه بالضد إذ لا ضد لما ليس في محل فإن الأضداد هي المتعاقبة على محل واحد.
وباطل أن يقال: تفنى بالقدرة، إذ العدم ليس شيئا حتى يتصور وقوعه بالقدرة وهذا عين ما ذكروه في مسألة أبدية العالم وقد قررناه وتكلمنا عليه.
والاعتراض عليه من وجوه: الأول أنه بناء على أن النفس لا يموت بموت البدن لأنه ليس حالا في جسم، وهو بناء على المسألة الأولى فقد لا نسلم ذلك:
الثاني هو أنه لا يحل البدن عندهم فله علاقة بالبدن حتى لم يحدث إلا بحدوث البدن. هذا ما اختاره ابن سينا والمحققون وأنكروا على أفلاطن أن النفس قديمة ويعرض لها الاشتغال بالأبدان بمسلك برهاني محقق.
وهو أن النفوس قبل الأبدان، إن كانت واحدة فكيف انقسمت وما لا عظم له ولا مقدار لا يعقل انقسامه. وإن زعم أنه لم ينقسم فهو محال إذ يعلم ضرورة أن نفس زيد غير نفس عمرو ولو كانت واحدة لكانت معلومات زيد معلومة لعمرو فإن العلم من صفات ذات النفس وصفات الذات تدخل مع الذات في كل إضافة، وإن كانت النفوس متكثرة فماذى تكثرت؟ ولم تتكثر بالمواد ولا بالأماكن ولا بالأزمنة ولا بالصفات إذ ليس فيها ما يوجب اختلاف الصفة بخلاف النفوس بعد
موت البدن فإنها تتكثر باختلاف الصفات عند من يرى بقاءها لأنها استفادت من الأبدان هيئات مختلفة لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من الأخلاق والأخلاق قط لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من الأخلاق والأخلاق قط لا تتماثل كما أن الخلق الظاهر قط لا يتماثل، ولو تماثلت لاشتبه علينا زيد بعمرو.
ومهما ثبت بحكم هذا البرهان حدوثه عند حدوث النطفة في الرحم واستعداد مزاجها لقبول النفس المدبرة ثم قبلت النفس لا لأنها نفس فقط، إذ قد تستعد في رحم واحد نطفتان لتوأمين في حالة واحدة للقبول فيتعلق بهما نفسان يحدثان من المبدأ الأول بواسطة أو بغير واسطة ولا يكون نفس هذا مدبرا لجسم ذاك ولا نفس ذاك مدبرا لجسم هذا فليس الإختصاص إلا لعلاقة خاصة بين النفس المخصوص وبين ذلك البدن المخصوص، وإلا فلا يكون بدن أحد التوأمين بقبول هذه النفس أولى من الآخر، وإلا فقد حدثت نفسان معا واستعدت نطفتان لقبول التدبير معا.
فما المخصص؟ فإن كان ذلك المخصص هو الانطباع فيه فيبطل ببطلان البدن، وإن كان ثم وجه آخر به العلاقة بين هذه النفس على الخصوص وبين هذا البدن على الخصوص حتى كانت تلك العلاقة شرطا في حدوثه فأي بعد في أن تكون شرطا في بقاءه؟ فإذا انقطعت العلاقة انعدمت النفس ثم لا يعود وجودها إلا بإعادة الله سبحانه وتعالى على سبيل البعث والنشور كما ورد به الشرع في المعاد.
فإن قيل: أما العلاقة بين النفس والبدن فليس إلا بطريق نزاع طبيعي وشوق جبلي خلق فيها إلى هذا البدن خاصة يشغلها ذلك الشوق بها عن غيره من الأبدان ولا يخليها في لحظة فتبقى مقيدة بذلك الشوق الجبلي بالبدن المعين مصروفا عن غيره.
وذلك لا يوجب فساده بفساد البدن الذي هو مشتاق بالجبلة إلى تدبيره. نعم قد يبقى ذلك الشوق بعد مفارقة البدن إن استحكم في الحيوة اشتغالها بالبدن وإعراضها عن كسر الشهوات وطلب المعقولات فيتأذى بذلك الشوق مع فوات الآلة التي الشوق إلى مقتضاها.
وأما تعين نفس زيد لشخص زيد في أول الحدوث فلسبب ومناسبة بين البدن والنفس لا محالة حتى يكون هذا البدن مثلا أصلح لهذه النفس من الآخر لمزيد مناسبة بينهما فترجح اختصاصه، وليس في القوة البشرية إدراك خصوص تلك المناسبات، وعدم اطلاعنا على تفصيله لا يشككنا في أصل الحاجة إلى مخصص ولا يضرنا أيضا في قولنا إن النفس لا تفنى بفناء البدن.
قلنا: مهما غابت المناسبة عنا وهي المقتضية للاختصاص فلا يبعد أن تكون تلك المناسبة المجهولة على وجه يحوج النفس في بقائها إلى بقاء البدن
حتى إذا فسد فسدت، فإن المجهول لا يمكن الحكم عليه بأنه يقتضي التلازم أم لا، فلعل تلك النسبة ضرورية في وجود النفس فإن انعدمت انعدمت، فلا ثقة بالدليل الذي ذكروه.
الاعتراض الثالث هو أنه لا يبعد أن يقال: تنعدم بقدرة الله تعالى، كما قررناه في مسألة سرمدية العالم.
الاعتراض الرابع هو أن يقال: ذكرتم أن هذه الطرق الثلث في العدم تنحسم، فهو مسلم. فما الدليل على أن عدم الشيء لا يتصور إلا بطريق من هذه الطرق الثلث؟ فإن التقسيم إذا لم يكن دائرا بين النفي والإثبات فلا يبعد أن يزيد على الثلث والأربع، فلعل للعدم طريقا رابعا وخامسا سوى ما ذكرتموه، فحصر الطرق في هذه الثلث غير معلوم بالبرهان.
دليل ثان وعليه تعويلهم أن قالوا: كل جوهر ليس في محل فيستحيل عليه العدم، بل البسائط لا تنعدم قط. وهذا الدليل يثبت فيه أولا أن موت البدن لا يوجب انعدامه لما سبق.
فبعد ذلك يقال: يستحيل أن ينعدم بسبب آخر بسبب آخر لأن كل ما ينعدم بسبب ما أي سبب كان ففيه قوة الفساد، أي إمكان العدم سابق على الانعدام، كما أن ما يطرى وجوده من الحوادث فيكون إمكان الوجود سابقا على الوجود ويسمى إمكان الوجود قوة الوجود وإمكان العدم قوة الفساد. وكما أن إمكان الوجود وصف إضافي لا يقوم إلا بشيء حتى يكون إمكانا بالإضافة إليه فكذلك إمكان العدم، ولذلك قيل إن كل حادث فيفتقر إلى مادة سابقة يكون فيها إمكان وجود الحادث وقوته، كما سبق في مسألة قدم العالم، فالمادة التي فيها قوة الوجود قابلة للوجود الطاري والقابل غير المقبول فيكون القابل موجودا مع المقبول عند طريانه وهو غيره. فكذلك قابل العدم ينبغي أن يكون موجودا عند طريان العدم حتى يعدم منه شيء كما وجد فيه شيء ويكون ما عدم غير ما بقي ويكون ما بقي هو الذي فيه قوة العدم وقبوله وإمكانه
كما أن ما بقي عند طريان الوجود يكون غير ما طرى وقد كان ما فيه قوة قبول الطاري.
فيلزم أن يكون الشيء الذي طرى عليه العدم مركبا من شيء انعدم ومن قابل للعدم بقي مع طريان العدم وقد كان هو حامل قوة العدم قبل طريان العدم ويكون حامل القوة كالمادة والمنعدم منها كالصورة.
ولكن النفس بسيطة وهي صورة مجردة عن المادة لا تركيب فيها، فإن فرض فيها تركيب من صورة ومادة فنحن ننقل البيان إلى المادة التي هي السنخ والأصل الأول، إذ لا بد وأن ينتهي إلى أصل فنحيل العدم على ذلك الأصل وهو المسمى نفسا، كما نحيل العدم على مادة الأجسام فإنها أزلية أبدية، إنما تحدث عليها الصور وتنعدم منها الصور وفيها قوة طريان الصور عليها وقوة انعدام الصور منها فإنها قابلة للضدين على السواء وقد ظهر من هذا الوجود أن كل موجود أحدى الذات يستحيل عليه العدم.
ويمكن تفهيم هذا بصيغة أخرى وهو أن قوة الوجود للشيء يكون قبل وجود الشيء فيكون لغير ذلك الشيء ولا يكون نفس قوة الوجود. بيانه أن الصحيح البصر يقال أنه بصير بالقوة أي فيه قوة الإبصار، ومعناه أن الصفة التي لا بد منها في العين ليصح الإبصار موجودة، فإن تأخر الإبصار فلتأخر شرط آخر فيكون قوة الإبصار للسواد مثلا موجودا للعين قبل إبصار السواد بالفعل، فإن حصل إبصار السواد بالفعل لم يكن قوة إبصار ذلك السواد موجودا عند وجود ذلك الإبصار إذ لا يمكن أن يقال: مهما حصل الإبصار فهو مع كونه موجودا بالفعل موجود بالقوة، بل قوة الوجود لا يضام حقيقة الوجود الحاصل بالفعل أبدا.
لاجتمع في الشيء الواحد قوة الوجود مع حصول الوجود
وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: لو انعدم الشيء البسيط لكان إمكان