☪ Anlam Arayışı

← Tehâfütü'l-Felâsife

Bölüm 2

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

الإلزام الثاني تعين جهة حركة الأفلاك بعضها من المشرق إلى المغرب وبعضها بالعكس، مع تساوي الجهات، ما سببها وتساوي الجهات كتساوي الأوقات من غير فرق؟

فإن قيل: لو كان الكل يدور من جهة واحدة لما تباينت أوضاعها ولم تحدث مناسبات الكواكب بالتثليث والتسديس والمقارنة وغيرها ولكان الكل على وضع واحد لا يختلف قط، وهذه المناسبات مبدأ الحوادث في العالم.

قلنا: لسنا نلزم اختلاف جهة الحركة بل نقول: الفلك الأعلى

يتحرك من المشرق إلى المغرب والذي تحته بالعكس، وكل ما يمكن تحصيله بهذا يمكن تحصيله بعكسه وهو أن يتحرك الأعلى من المغرب إلى المشرق وما تحته في مقابلته فيحصل التفاوت، وجهات الحركة بعد كونها دورية وبعد كونها متقابلة متساوية فلم تميزت جهة عن جهة تماثلها؟

فإن قالوا: الجهتان متقابلتان متضادتان فكيف يتساويان؟

قلنا: هذا كقول القائل: التقدم والتأخر في وجود العالم يتضادان فكيف يدعي تشابههما؟ ولكن زعموا أنه يعلم تشابه الأوقات بالنسبة إلى إمكان الوجود وإلى كل مصلحة يتصور فرضه في الوجود. فكذلك يعلم تساوي الأحياز والأوضاع والأماكن والجهات بالنسبة إلى قبول الحركة وكل مصلحة تتعلق بها. فإن ساغ لهم دعوى الاختلاف مع هذا التشابه كان لخصومهم دعوى الاختلاف في الأحوال والهيئات أيضا.

الاعتراض الثاني على أصل دليلهم أن يقال: استبعدتم حدوث حادث من قديم، ولا بد لكم من الاعتراف به فإن في العالم حوادث ولها أسباب. فإن استندت الحوادث إلى الحوادث إلى غير نهاية فهو محال، وليس ذلك معتقد عاقل. ولو كان ذلك ممكنا لاستغنيتم عن الاعتراف بالصانع وإثبات واجب وجود هو مستند الممكنات. وإذا كانت الحوادث لها طرف ينتهي إليه تسلسلها فيكون ذلك الطرف هو القديم، فلا بد إذن على أصلهم من تجويز صدور حادث من قديم.

فإن قيل: نحن لا نبعد صدور حادث من قديم أي حادث كان، بل نبعد صدور حادث هو أول الحوادث من القديم، إذ لا يفارق حال الحدوث ما قبله في ترجح جهة الوجود، لا من حيث حضور وقت ولا آلة ولا شرط ولا طبيعة ولا غرض ولا سبب من الأسباب. فأما إذا لم يكن هو الحادث الأول

جاز أن يصدر منه عند حدوث شيء آخر من استعداد المحل القابل وحضور الوقت الموافق أو ما يجري هذا المجرى.

قلنا: فالسؤال في حصول الاستعداد وحضور الوقت وكل ما يتجدد قائم، فإما أن يتسلسل إلى غير نهاية أو ينتهي إلى قديم يكون أول حادث منه.

فإن قيل: المواد القابلة للصور والأعراض والكيفيات ليس شيء منها حادثا والكيفيات الحادثة هي حركة الأفلاك، أعني الحركة الدورية وما يتجدد من الأوصاف الإضافية لها من التثليث والتسديس والتربيع، وهي نسبة بعض أجزاء الفلك والكواكب إلى بعض وبعضها نسبة إلى الأرض، كما يحصل من الطلوع والشروق والزوال عن منتهى الارتفاع والبعد عن الأرض بكون الكوكب في الأوج، والقرب بكونه في الحضيض والميل عن بعض الأقطار بكونه في الشمال والجنوب، وهذه الإضافة لازمة للحركة الدورية بالضرورة فموجبها الحركة الدورية.

وأما الحوادث فيما يحويه مقعر فلك القمر، وهو العناصر بما يعرض فيها من كون وفساد وامتزاج وافتراق واستحالة من صفة إلى صفة، فكل ذلك حوادث مستند بعضها إلى بعض في تفصيل طويل، وبالآخرة تنتهي مبادئ أسبابها إلى الحركة السماوية الدورية ونسب الكواكب بعضها إلى بعض أو نسبتها إلى الأرض.

...

فيخرج من مجموع ذلك أن الحركة الدورية الدائمة الأبدية مستند الحوادث كلها ومحرك السماء حركتها الدورية نفوس السموات، فإنها حية نازلة منزلة نفوسنا بالنسبة إلى أبداننا، ونفوسها قديمة، فلا جرم الحركة الدورية التي هي موجبها أيضا قديمة. ولما تشابه أحوال النفس لكونها قديمة تشابه أحوال الحركات أي كانت دائرة أبدا.

فإذن لا يتصور أن يصدر الحادث من قديم إلا بواسطة حركة دورية أبدية تشبه القديم من وجه فإنه دائم أبدا، وتشبه الحادث من وجه فإن كل جزء يفرض منه كان حادثا بعد أن لم يكن، فهو من حيث أنه

حادث بأجزائه وإضافاته مبدأ الحوادث، ومن حيث أنه أبدي متشابه الأحوال صادر عن نفس أزلية. فإن كان في العالم حوادث فلا بد من حركة دورية، وفي العالم حوادث، فالحركة الدورية الأبدية ثابتة.

قلنا: هذا التطويل لا يغنيكم، فإن الحركة الدورية التي هي المستند حادث أم قديم؟ فإن كان قديما فكيف صار مبدأ لأول الحوادث؟ وإن كان حادثا افتقر إلى حادث آخر وتسلسل. وقولكم: إنه من وجه يشبه القديم ومن وجه يشبه الحادث، فإنه ثابت متجدد أي هو ثابت التجدد متجدد الثبوت. فنقول: أهو مبدأ الحوادث من حيث أنه ثابت أو من حيث أنه متجدد؟ فإن كان من حيث أنه ثابت فكيف صدر من ثابت متشابه الأحوال شيء في بعض الأوقات دون بعض؟ وإن كان من حيث أنه متجدد فما سبب تجدده في نفسه؟ فيحتاج إلى سبب آخر ويتسلسل، فهذا غاية تقرير الإلزام.

سيأتي الكلام عن ذلك ولهم في الخروج عن هذا الإلزام نوع احتيال سنورده في بعض المسائل بعد هذه كيلا يطول كلام هذه المسألة بانشعاب شجون الكلام وفنونه. على أنا سنبين أن الحركة الدورية لا يصلح أن تكون مبدأ الحوادث وأن جميع الحوادث مخترعة لله ابتداء، ونبطل ما قالوه من كون السماء حيوانا متحركا بالاختيار حركة نفسية كحركاتنا.

الثاني

زعموا أن القائل بأن العالم متأخر عن الله والله متقدم عليه ليس يخلو إما أن يريد به أنه متقدم بالذات لا بالزمان كتقدم الواحد على الاثنين، فإنه بالطبع، مع أنه يجوز أن يكون معه في الوجود الزماني، وكتقدم العلة على المعلول مثل تقدم حركة الشخص على حركة الظل التابع له وحركة اليد مع حركة الخاتم وحركة اليد في الماء مع حركة الماء، فإنها متساوية في الزمان وبعضها علة وبعضها معلول، إذ يقال: تحرك الظل لحركة الشخص وتحرك الماء لحركة اليد في الماء، ولا يقال تحرك الشخص لحركة الظل وتحرك اليد لحركة الماء، وإن كانت متساوية. فإن أريد بتقدم الباري على العالم هذا لزم أن يكونا حادثين أو قديمين واستحال أن يكون أحدهما قديما والآخر حادثا.

...

وإن أريد به أن الباري متقدم على العالم والزمان لا بالذات بل بالزمان، فإذن قبل وجود العالم والزمان زمان كان العالم فيه معدوما، إذ كان العدم سابقا على الوجود وكان الله سابقا بمدة مديدة لها طرف من جهة الآخر ولا طرف لها من جهة الأول. فإذن قبل الزمان زمان لا نهاية له وهو متناقض، ولأجله يستحيل القول بحدوث الزمان. وإذا وجب قدم الزمان، وهو عبارة عن قدر الحركة، وجب قدم الحركة ووجب قدم المتحرك الذي يدوم الزمان بدوام حركته.

ليس قبل الخليقة زمان: القول بأن "كان الله ولا عالم" لا يدل إلا على أمرين ...

الاعتراض هو أن يقال: الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلا، ونعني بقولنا إن الله متقدم على العالم والزمان إنه كان ولا عالم ثم كان ومعه عالم. ومفهوم قولنا: كان ولا عالم، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط، ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط. فنعني بالتقدم انفراده بالوجود فقط، والعالم كشخص واحد. ولو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلا ثم كان وعيسى معه لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم ذات ثم

وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث، وإن كان الوهم لا يسكن عن تقدير ثالث فلا التفات إلى أغاليط الأوهام.

...

فإن قيل لقولنا: كان الله ولا عالم، مفهوم ثالث سوى وجود الذات وعدم العالم، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل كان وجود ذات وعدم ذات حاصلا ولم يصح أن نقول: كان الله ولا عالم، بل الصحيح أن نقول: يكون الله ولا عالم. ونقول للماضي: كان الله ولا عالم. فبين قولنا "كان" و "يكون" فرق، إذ ليس ينوب أحدهما مناب الآخر. فلنبحث عن ما يرجع إليه الفرق: ولا شك في أنهما لا يفترقان في وجود الذات ولا في عدم العالم بل في معنى ثالث، فإنا إذا قلنا لعدم العالم في المستقبل: كان الله ولا عالم، قيل لنا: هذا خطأ فإن "كان" إنما يقال على ماض، فدل أن تحت لفظ "كان" مفهوما ثالثا وهو الماضي، والماضي بذاته هو الزمان، والماضي بغيره هو الحركة فإنها تمضي بمضي الزمان. فبالضرورة يلزم أن يكون قبل العالم زمان قد انقضى حتى انتهى إلى وجود العالم.

قلنا: المفهوم الأصلي من اللفظين وجود ذات وعدم ذات. والأمر الثالث الذي فيه افتراق اللفظين نسبة لازمة بالإضافة إلينا، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل ثم قدرنا لنا بعد ذلك وجودا ثانيا لكنا عند ذلك نقول: كان الله ولا عالم. ويصح قولنا، سواء أردنا به العدم الأول أو العدم الثاني الذي هو بعد الوجود، وآية أن هذه نسبة، أن المستقبل بعينه يجوز أن يصير ماضيا فيعبر عنه بلفظ الماضي.

وهذا كله لعجز الوهم عن فهم وجود مبتدأ إلا مع تقدير "قبل" له، وذلك "القبل" الذي لا ينفك الوهم عنه يظن أنه شيء محقق موجود هو الزمان.

...

وهو كعجز الوهم عن أن يقدر تناهي الجسم في جانب الرأس مثلا إلا على سطح له فوق، فيتوهم أن وراء العالم مكانا إما ملاء وإما خلاء. وإذا قيل: ليس فوق سطح العالم فوق ولا بعد أبعد منه، كاع الوهم عن

الإذعان لقبوله، كما إذا قيل: ليس قبل وجود العالم "قبل" هو وجود محقق، نفر عن قبوله، وكما جاز أن يكذب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء هو بعد لا نهاية له، بأن يقال له: الخلاء ليس مفهوما في نفسه، وأما البعد فهو تابع للجسم الذي تتباعد أقطاره، فإذا كان الجسم متناهيا كان البعد الذي هو تابع له متناهيا، وانقطع الملاء والخلاء غير مفهوم فثبت أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء، وإن كان الوهم لا يذعن لقبوله.

فكذلك يقال: كما أن البعد المكاني تابع للجسم فالبعد الزماني تابع للحركة، فإنه امتداد الحركة كما أن ذلك امتداد أقطار الجسم وكما أن قيام الدليل على تناهي أقطار الجسم منع من إثبات بعد مكاني وراءه. فقيام الدليل على تناهي الحركة من طرفيه يمنع من تقدير بعد زماني وراءه، وإن كان الوهم متشبثا بخياله وتقديره ولا يرعوى عنه. ولا فرق بين البعد الزماني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى "قبل" و "بعد" وبين البعد المكاني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى فوق وتحت. فإن جاز إثبات "فوق" لا "فوق" فوقه جاز إثبات "قبل" ليس قبله "قبل" محقق، إلا خيال وهمي كما في الفوق. وهذا لازم فليتأمل، فإنهم اتفقوا على أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء.

فالعالم ليس له "فوق" إلا بالاسم الإضافي المتبدل ...

فإن قيل: هذه الموازنة معوجة لأن العالم ليس له "فوق" ولا "تحت" بل هو كري، وليس للكرة "فوق" و "تحت"، بل إن سميت جهة "فوقا" من حيث أنه يلي رأسك والآخر "تحتا" من حيث أنه يلي رجلك، فهو اسم تجدد له بالإضافة إليك، والجهة التي هي "تحت" بالإضافة إليك "فوق" بالإضافة إلى غيرك، إذا قدرت على الجانب الآخر من كر ة الأرض واقفا يحاذي أخمص قدمه أخمص قدميك، بل الجهة التي تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهارا هو بعينه تحت الأرض ليلا، وما هو تحت الأرض يعود إلى فوق الأرض في الدور. وأما الأول لوجود العالم لا يتصور أن ينقلب آخرا.

...

وهو كما لو قدرنا خشبة أحد طرفيها غليظ والآخر دقيق واصطلحنا على أن نسمي الجهة التي

تلي الدقيق فوقا إلى حيث ينتهي والجانب الآخر تحتا، لم يظهر بهذا اختلاف ذاتي في أجزاء العالم بل هي أسامي مختلفة قيامها بهيئة هذه الخشبة، حتى لو عكس وضعها انعكس الاسم والعالم لم يتبدل. فالفوق والتحت نسبة محضة إليك لا تختلف أجزاء العالم وسطوحه فيه. وأما العدم المتقدم على العالم والنهاية الأولى لوجوده ذاتي لا يتصور أن يتبدل فيصير آخرا، ولا العدم المقدر عند إفناء العالم الذي هو عدم لاحق يتصور أن يصير سابقا. فطرفا نهاية وجود العالم الذي أحدهما أول والثاني آخر طرفان ذاتيان ثابتان لا يتصور التبدل فيه بتبدل الإضافات البتة بخلاف الفوق والتحت.

فإذن أمكننا أن نقول: ليس للعالم فوق ولا تحت ولا يمكنكم أن تقولوا: ليس لوجود العالم "قبل" ولا "بعد". وإذا ثبت القبل والبعد فلا معنى للزمان سوى ما يعبر عنه بالقبل والبعد.

قلنا: لا فرق فإنه لا غرض في تعيين لفظ الفوق والتحت، بل نعدل إلى لفظ الوراء والخارج ونقول: للعالم داخل وخارج، فهل خارج العالم شيء من ملاء أو خلاء؟ فسيقولون: ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء. وإن عنيتم بالخارج سطحه الأعلى فله خارج، وإن عينتم غيره فلا خارج له. فكذلك إذا قيل لنا: هل لوجود العالم "قبل"؟ قلنا: إن عني به: هل لوجود العالم بداية أي طرف منه ابتدأ، فله "قبل" على هذا كما للعالم خارج على تأويل أنه الطرف المكشوف والمنقطع السطحي. وإن عنيتم بقبل شيئا آخر، فلا "قبل" للعالم، كما أنه إذا عني بخارج العالم شيء سوى السطح قيل: لا خارج للعالم. فإن قلتم: لا يعقل مبتدأ وجود لا "قبل" له، فيقال: ولا يعقل متناهى وجود من الجسم لا خارج له. فإن قلت: خارجه سطح الذي هو منقطعه لا غير، قلنا: قبله بداية وجوده الذي هو طرفه لا غير.

بقي أنا نقول: لله وجود ولا عالم معه. وهذا القدر أيضا لا يوجب إثبات شيء آخر، والذي يدل على أن هذا عمل الوهم أنه مخصوص بالزمان والمكان. فإن الخصم، وإن اعتقد قدم الجسم، يذعن وهمه لتقدير حدوثه. ونحن، وإن اعتقدنا

حدوثه، ربما أذعن وهمنا لتقدير قدمه. هذا في الجسم. فإذا رجعنا إلى الزمان، لم يقدر الخصم على تقدير حدوث زمان لا "قبل" له، وخلاف المعتقد يمكن وضعه في الوهم تقديرا وفرضا. وهذا مما لا يمكن وضعه في الوهم كما في المكان، فإن من يعتقد تناهي الجسم ومن لا يعتقد كل واحد يعجز عن تقدير جسم ليس وراءه لا خلاء ولا ملاء، بل لا يذعن وهمه لقبول ذلك.

ولكن قيل: صريح العقل إذا لم يمنع وجود جسم متناه بحكم الدليل لا يلتفت إلى الوهم. فكذلك صريح العقل لا يمنع وجودا مفتتحا ليس قبله شيء. وإن قصر الوهم عنه فلا يلتفت إليه، لأن الوهم، لما لم يألف جسما متناهيا إلا وبجنبه جسم آخر أو هواء تخيله خلاء، لم يتمكن من ذلك في الغائب. فكذلك لم يألف الوهم حادثا إلا بعد شيء آخر، فكاع عن تقدير حادث ليس له "قبل" هو شيء موجود قد انقضى. فهذا هو سبب الغلط، والمقاومة حاصلة بهذه المعارضة.

قولهم كان الله قادرا على أن يخلق العالم

قبل أن خلقه بقدر سنين ...

قالوا: لا شك في أن الله عندكم كان قادرا على أن يخلق العالم قبل أن خلقه بقدر سنة ومائة سنة وألف سنة، وإن هذه التقديرات متفاوتة في المقدار والكمية، فلا بد من إثبات شيء قبل وجود العالم ممتد مقدر بعضه أمد وأطول من البعض.

...

بحيث ينتهي إلى زماننا هذا بقدر عدد أكثر من الدورات وإن قلتم: لا يمكن إطلاق لفظ سنين إلا بعد حدوث الفلك ودوره فلنترك لفظ سنين ولنورد صيغة أخرى فنقول: إذا قدرنا أن العالم من أول وجوده قد دار فلكه إلى الآن بألف دورة مثلا، فهل كان الله قادرا على أن يخلق قبله عالما ثانيا مثله بحيث ينتهي إلى زماننا هذا بألف ومائة دورة؟ فإن قلتم: لا، فكأنه انقلب القديم من العجز إلى القدرة أو العالم من الاستحالة إلى الإمكان. وإن قلتم: نعم، ولا بد منه، فهل كان يقدر على أن يخلق عالما ثالثا بحيث ينتهي إلى زماننا بألف ومائتي دورة؟ ولا بد من نعم.

فنقول: هذا العالم الذي سميناه بحسب ترتيبنا في التقدير ثالثا، وإن كان هو الأسبق، فهل أمكن خلقه مع العالم الذي سميناه ثانيا وكان ينتهي إلينا بألف ومائتي دورة والآخر بألف ومائة دورة وهما متساويان في مسافة الحركة وسرعتها؟ فإن قلتم: نعم، فهو محال إذ يستحيل أن يتساوى حركتان في السرعة والبطء ثم تنتهيان إلى وقت واحد، والأعداد متفاوتة. وإن قلتم: إن العالم الثالث الذي ينتهي إلينا بألف ومائتي دورة لا يمكن أن يخلق مع العالم الثاني الذي ينتهي إلينا بألف ومائة دورة، بل لا بد وأن يخلقه قبله بمقدار يساوي المقدار الذي تقدم العالم الثاني على العالم الأول، وسمينا الأول ما هو أقرب إلى وهمنا، إذ ارتقينا من وقتنا

إليه بالتقدير، فيكون قدر إمكان هو ضعف إمكان آخر، ولا بد من إمكان آخر هو ضعف الكل.

...

فهذا الإمكان المقدر المكمم الذي بعضه أطول من البعض بمقدار معلوم لا حقيقة له إلا الزمان، فليست هذه الكميات المقدرة صفة ذات الباري تعالى عن التقدير ولا صفة عدم العالم، إذ العدم ليس شيئا حتى يتقدر بمقادير مختلفة، والكمية صفة فتستدعى ذا كمية، وليس ذلك إلا الحركة، والكمية إلا الزمان الذي هو قدر الحركة. فإذن قبل العالم عندكم شيء ذو كمية متفاوتة وهو الزمان. فقبل العالم عندكم زمان.

الاعتراض أن كل هذا من عمل الوهم، وأقرب طريق في دفعه المقابلة للزمان بالمكان. فإنا نقول: هل كان في قدرة الله أن يخلق الفلك الأعلى في سمكه أكبر مما خلقه بذراع؟ فإن قالوا: لا، فهو تعجيز. وإن قالوا: نعم، فبذراعين وثلاثة أذرع، وكذلك يرتقي إلى غير نهاية. ونقول: في هذا إثبات "بعد" وراء العالم له مقدار وكمية، إذ الأكبر بذراعين ما كان يشغل ما يشغله الأكبر بذراع، فوراء العالم بحكم هذا كمية فتستدعي ذاكم وهو الجسم أو الخلاء. فوراء العالم خلاء أو ملاء، فما الجواب عنه؟

...

وكذلك هل كان الله قادرا على أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقه بذراع ثم بذراعين؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء والشغل للأحياز؟ إذ الملاء المنتفي عند نقصان ذراعين أكثر مما ينتفي عند نقصان ذراع، فيكون الخلاء مقدرا، والخلاء ليس بشيء، فكيف يكون مقدرا؟ وجوابنا في تخييل الوهم تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم كجوابكم في تخييل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم، ولا فرق.

فإن قيل: نحن لا نقول: إن ما ليس بممكن فهو مقدور، وكون العالم أكبر مما هو عليه ولا أصغر منه ليس بممكن فلا يكون مقدورا.

وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أن هذا مكابرة العقل، فإن العقل في تقدير العالم أكبر أو أصغر مما عليه بذراع ليس هو كتقديره الجمع بين السواد والبياض والوجود والعدم، والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات، وإليه ترجع المحالات كلها فهو تحكم بارد فاسد.

الثاني أنه إذا كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر. فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مستغن عن علة. فقولوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع ونفي سبب هو مسبب الأسباب، وليس هذا مذهبكم.

الثالث هو أن هذا الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله. فنقول: إنه لم يكن وجود العالم قبل وجوده ممكنا بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان. فإن قلتم: فقد انتقل القديم من القدرة إلى العجز، قلنا: لا، لأن الوجود لم يكن ممكنا فلم يكن مقدورا، وامتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. وإن قلتم: إنه كيف كان ممتنعا فصار ممكنا؟ قلنا: ولم يستحيل أن يكون ممتنعا في حال، ممكنا في حال؟ فإن قلتم: الأحوال متساوية، قيل لكم: والمقادير متساوية، فكيف يكون مقدار ممكنا وأكبر منه أو أصغر بمقدار ظفر ممتنعا؟ فإن لم يستحل ذلك لم يستحل هذا. فهذا طريقة المقاومة.

والتحقيق في الجواب أن ما ذكروه من تقدر الإمكانات لا معنى لها، وإنما المسلم أن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبدا لو أراد، وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم بتلبيسه إليه شيئا آخر.

← Önceki 2 / 16 Sonraki →

Anlam Arayışı