Bölüm 3
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
الثالث
تمسكوا بأن قالوا: وجود العالم ممكن قبل وجوده، إذ يستحيل أن يكون ممتنعا ثم يصير ممكنا، وهذا الإمكان لا أول له، أي لم يزل ثابتا ولم يزل العالم ممكنا وجوده، إذ لا حال من الأحوال يمكن أن يوصف العالم فيه بأنه ممتنع الوجود. فإذا كان الإمكان لم يزل فالممكن على وفق الإمكان أيضا لم يزل، فإن معنى قولنا أنه ممكن وجوده أنه ليس محالا وجوده. فإذا كان ممكنا وجوده أبدا لم يكن محالا وجوده أبدا، وإلا فإن كان محالا وجوده أبدا بطل قولنا إنه ممكن وجوده أبدا، وإن بطل قولنا إنه ممكن وجوده أبدا بطل قولنا إن الإمكان لم يزل، وإن بطل قولنا إن الإمكان لم يزل صح قولنا إن الإمكان له أول، وإذا صح أن له أولا كان قبل ذلك غير ممكن، فيؤدي إلى إثبات حال لم يكن العالم ممكنا ولا كان الله عليه قادرا.
الاعتراض أن يقال: العالم لم يزل ممكن الحدوث، فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور أحداثه فيه، وإذا قدر موجودا أبدا لم يكن حادثا فلم يكن الواقع على وفق الإمكان بل خلافه. وهذا كقولهم في المكان وهو أن تقدير العالم أكبر مما هو، أو خلق جسم فوق العالم ممكن، وكذى آخر فوق ذلك الآخر، وهكذا إلى غير نهاية. فلا نهاية لإمكان الزيادة ومع ذلك فوجود ملاء مطلق لا نهاية له غير ممكن. فكذلك وجود لا ينتهي طرفه غير ممكن، بل كما يقال الممكن جسم متناهي السطح ولكن لا تتعين مقاديره في الكبر والصغر، فكذلك الممكن الحدوث ومبادئ الوجود لا تتعين في التقدم والتأخر وأصل كونه حادثا متعين فإنه الممكن لا غير.
الرابع
وهو أنهم قالوا: كل حادث فالمادة التي فيه تسبقه، إذ لا يستغني الحادث عن مادة، فلا تكون المادة حادثة وإنما الحادث الصور والأعراض والكيفيات على المواد.
...
وبيانه أن كل حادث فهو قبل حدوثه لا يخلوا إما أن يكون ممكن الوجود أو ممتنع الوجود أو واجب الوجود، ومحال أن يكون ممتنعا لأن الممتنع في ذاته لا يوجد قط، ومحال أن يكون واجب الوجود لذاته فإن الواجب لذاته لا يعدم قط، فدل أنه ممكن الوجود بذاته. فإذن إمكان الوجود حاصل له قبل وجوده، وإمكان الوجود وصف إضافي لا قوام له بنفسه، فلا بد له من محل يضاف إليه، ولا محل إلا المادة فيضاف إليها كما نقول: هذه المادة قابلة للحرارة والبرودة أو السواد والبياض أو الحركة والسكون، أي ممكن لها حدوث هذه الكيفيات وطريان هذه التغيرات، فيكون الإمكان وصفا للمادة. والمادة لا يكون لها مادة، فلا يمكن أن تحدث، إذ لو حدثت لكان إمكان وجودها سابقا على وجودها وكان الإمكان قائما بنفسه غير مضاف إلى شيء، مع أنه وصف إضافي لا يعقل قائما بنفسه.
ولا يمكن أن يقال إن معنى الإمكان يرجع إلى كونه مقدورا وكون القديم قادرا عليه، لأنا لا نعرف كون الشيء مقدورا إلا بكونه ممكنا. فنقول: هو مقدور لأنه ممكن، وليس بمقدور لأنه ليس بممكن. فإن كان قولنا: هو ممكن، يرجع إلى أنه مقدور، فكأنا قلنا: هو مقدور لأنه مقدور وليس بمقدور لأنه ليس بمقدور، وهو تعريف الشيء بنفسه. فدل أن كونه ممكنا قضية أخرى في العقل ظاهرة بها تعرف القضية الثانية وهو كونه مقدورا.
...
ويستحيل أن يرجع ذلك إلى علم القديم بكونه ممكنا، فإن العلم يستدعي معلوما. فالإمكان المعلوم غير العلم
لا محالة، ثم هو وصف إضافي فلا بد من ذات يضاف إليه، وليس إلا المادة. فكل حادث فقد سبقه مادة، فلم تكن المادة الأولى حادثة بحال.
الاعتراض أن يقال: الإمكان الذي ذكروه يرجع إلى قضاء العقل. فكل ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره سميناه ممكنا، وإن امتنع سميناه مستحيلا، وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه واجبا. فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفا له. بدليل ثلاثة أمور:
...
أحدها أن الإمكان لو استدعى شيئا موجودا يضاف إليه ويقال إنه إمكانه لاستدعى الامتناع شيئا موجودا يقال إنه امتناعه، وليس للممتنع وجود في ذاته ولا مادة يطرى عليها المحال حتى يضاف الامتناع إلى المادة.
والثاني أن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين. فإن كان هذا الإمكان مضافا إلى الجسم الذي يطريان عليه، حتى يقال معناه إن هذا الجسم يمكن أن يسود وأن يبيض، فإذن ليس البياض في نفسه ممكنا ولا له نعت الإمكان، وإنما الممكن الجسم والإمكان مضاف إليه. فنقول: ما حكم نفس السواد في ذاته أو هو ممكن أو واجب أو ممتنع، ولا بد من القول بأنه ممكن، فدل أن العقل في القضية بالإمكان لا يفتقر إلى وضع ذات موجود يضيف إليه الإمكان.
والثالث أن نفوس الآدميين عندهم جواهر قائمة بأنفسها ليس بجسم ومادة ولا منطبع في مادة. وهي حادثة على ما اختاره ابن سينا والمحققون منهم، ولها إمكان قبل حدوثها وليس لها ذات ولا مادة. فإمكانها وصف إضافي ولا يرجع إلى قدرة القادر وإلى الفاعل، فإلى ماذا يرجع؟ فينقلب عليهم هذا الإشكال.
فإذا قدر عدم القضاء، لم يزل الإمكان
فإن قيل: رد الإمكان إلى قضاء العقل محال، إذ لا معنى لقضاء العقل
إلا العلم بالإمكان. فالإمكان معلوم وهو غير العلم، بل العلم يحيط به ويتبعه ويتعلق به على ما هو، والعلم لو قدر عدمه لم ينعدم المعلوم. والمعلوم إذا قدر انتفاؤه انتفى العلم. فالعلم والمعلوم أمران اثنان أحدهما تابع والآخر متبوع. ولو قدرنا إعراض العقلاء عن تقدير الإمكان وغفلتهم عنه لكنا نقول: لا يرتفع الإمكان بل الممكنات في أنفسها، ولكن العقول غفلت عنها أو عدمت العقول والعقلاء. فيبقى الإمكان لا محالة.
وأما الأمور الثلاثة فلا حجة فيها، فإن الامتناع أيضا وصف إضافي يستدعي موجودا يضاف إليه. ومعنى الممتنع الجمع بين الضدين، فإذا كان المحل أبيض كان ممتنعا عليه أن يسود مع وجود البياض، فلا بد من موضوع يشار إليه موصوف بصفة. فعند ذلك يقال: ضده ممتنع عليه، فيكون الامتناع وصفا إضافيا قائما بموضوع مضافا إليه. وأما الوجوب فلا يخفى أنه مضاف إلى الوجود الواجب.
وأما الثاني، وهو كون السواد في نفسه ممكنا، فغلط. فإنه إن أخذ مجردا دون محل يحله كان ممتنعا لا ممكنا، وإنما يصير ممكنا إذا قدر هيئة في جسم. فالجسم مهيأ لتبدل هيئة، والتبدل ممكن على الجسم، وإلا فليس للسواد نفس مفردة حتى يوصف بإمكان.
وأما الثالث، وهو النفس، فهي قديمة عند فريق ولكن ممكن لها التعلق بالأبدان، فلا يلزم على هذا. ومن سلم حدوثه فقد اعتقد فريق منهم أنه منطبع في المادة تابع للمزاج، على ما دل عليه كلام جالينوس في بعض المواضع، فتكون في مادة وإمكانها مضاف إلى مادتها. وعلى مذهب من سلم أنها حادثة وليست منطبعة، فمعناه أن المادة ممكن لها أن يدبرها نفس ناطقة، فيكون الإمكان السابق على الحدوث مضافا إلى المادة، فإنها وإن لم تنطبع فيها فلها علاقة معها إذ هي المدبرة والمستعملة لها، فيكون الإمكان راجعا إليها بهذا الطريق.
الإمكان هو قضاء العقل، كما يصرح بأن الكليات موجودة
والجواب أن رد الإمكان والوجوب والامتناع إلى قضايا عقلية صحيح، وما ذكر بأن معنى قضاء العقل علم والعلم يستدعي معلوما. فنقول له:
معلوم كما أن اللونية والحيوانية وسائر قضايا الكلية ثابتة في العقل عندهم، وهي علوم لا يقال لا معلوم لها، ولكن لا وجود لمعلوماتها في الأعيان، حتى صرح الفلاسفة بأن الكليات موجودة في الأذهان لا في الأعيان. وإنما الموجود في الأعيان جزئيات شخصية وهي محسوسة غير معقولة، ولكنها سبب لأن ينتزع العقل منها قضية مجردة عن المادة عقلية. فإذن اللونية قضية مفردة في العقل سوى السوادية والبياضية، ولا يتصور في الوجود لون ليس بسواد ولا بياض ولا غيره من الألوان، ويثبت في العقل صورة اللونية من غير تفصيل، ويقال: هي صورة وجودها في الأذهان لا في الأعيان. فإن لم يمتنع هذا لم يمتنع ما ذكرناه.
وأما قولهم: لو قدر عدم العقلاء أو غفلتهم ما كان الإمكان ينعدم، فنقول: ولو قدر عدمهم هل كانت القضايا الكلية وهي الأجناس والأنواع تنعدم؟ فإذا قالوا: نعم، إذ لا معنى لها إلا قضية في العقول، فكذلك قولنا في الإمكان، ولا فرق بين البابين. وإن زعموا أنها تكون باقية في علم الله فكذى القول في الإمكان. فالإلزام واقع والمقصود إظهار تناقض كلامهم.
وأما العذر عن الامتناع بأنه مضاف إلى المادة الموصوفة بالشيء إذ يمتنع عليه ضده، فليس كل محال كذلك فإن وجود شريك لله محال، وليس ثم مادة يضاف إليها الامتناع. فإن زعموا أن معنى استحالة الشريك أن انفراد الله تعالى بذاته وتوحده واجب والانفراد مضاف إليه، فنقول: ليس واجب، فإن العالم موجود معه فليس منفردا. فإن زعموا أن انفراده عن النظير واجب ونقيض الواجب ممتنع، وهو إضافة إليه، قلنا: نعني أن انفراد الله عنها ليس كانفراده عن النظير، فإن انفراده عن النظير واجب وانفراده عن المخلوقات الممكنة غير واجب، فنتكلف إضافة الإمكان إليه بهذه الحيلة كما تكلفوه في رد الامتناع إلى ذاته بقلب عبارة الامتناع إلى الوجوب ثم بإضافة الانفراد إليه بنعت الوجوب.
وأما العذر عن السواد والبياض بأنه لا نفس له ولا ذات منفردا، إن عني
بذلك في الوجود فنعم، وإن عني بذلك في العقل فلا، فإن العقل يعقل السواد الكلي ويحكم عليه بالإمكان في ذاته.
ثم العذر باطل بالنفوس الحادثة فإن لها ذواتا مفردة وإمكانا سابقا على الحدوث، وليس ثم ما يضاف إليه. وقولهم: إن المادة ممكن لها أن يدبرها النفس، فهذه إضافة بعيدة. فإن اكتفيتم بهذا فلا يبعد أن يقال: معنى إمكان الحادث أن القادر عليها يمكن في حقه أن يحدثها، فيكون إضافة إلى الفاعل، مع أنه ليس منطبعا فيه، كما أنه إضافة إلى البدن المنفعل، مع أنه لا ينطبع فيه. ولا فرق بين النسبة إلى الفاعل والنسبة إلى المنفعل إذا لم يكن انطباع في الموضعين.
فإن قيل: فقد عولتم في جميع الاعتراضات على مقابلة الإشكالات بالإشكالات ولم تحلوا ما أوردوه من الإشكال،
قلنا: المعارضة تبين فساد الكلام لا محالة، وينحل وجه الإشكال في تقدير المعارضة والمطالبة. ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكدير مذهبهم والتغبير في وجوه أدلتهم بما نبين تهافتهم. ولم نتطرق الذب عن مذهب معين فلم نخرج لذلك عن مقصود الكتاب، ولا نستقصي القول في الأدلة الدالة على الحدث إذ غرضنا إبطال دعواهم معرفة القدم.
وأما إثبات المذهب الحق فسنصنف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا إن ساعد التوفيق إن شاء الله ونسميه قواعد العقائد، ونعتني فيه بالإثبات كما اعتنينا في هذا الكتاب بالهدم، والله أعلم.
ليعلم أن هذه المسألة فرع الأولى، فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده وفناؤه بل لم يزل كذلك ولا يزال أيضا كذلك.
وأدلتهم الأربعة التي ذكرناها في الأزلية جارية في الأبدية، والاعتراض كالاعتراض من غير فرق. فإنهم يقولون: إن العالم معلول علته أزلية أبدية، فكان المعلول مع العلة. ويقولون: إذا لم تتغير العلة لم يتغير المعلول. وعليه بنوا منع الحدوث، وهو بعينه جار في الانقطاع. وهذا مسلكهم الأول.
ومسلكهم الثاني أن العالم إذا عدم فيكون عدمه بعد وجوده، فيكون له بعد ففيه إثبات الزمان.
وهو فاسد لأنه لا يستحيل بقاء العالم أبدا: ويعرف الواقع من الشرع
ومسلكهم الثالث إن إمكان الوجود لا ينقطع. فكذلك الوجود الممكن يجوز أن يكون على وفق الإمكان. إلا أن هذا الدليل لا يقوى، فإنا نحيل أن يكون أزليا ولا نحيل أن يكون أبديا لو أبقاه الله تعالى أبد، إذا ليس من ضرورة الحادث أن يكون له آخر، ومن ضرورة الفعل أن يكون حادثا وأن يكون له أول. ولم يوجب أن يكون للعالم لا محالة آخر إلا أبو الهذيل العلاف، فإنه قال: كما يستحيل في الماضي دورات لا نهاية لها فكذلك في المستقبل، وهو فاسد لأن كل المستقبل قط لا يدخل في الوجود لا متلاحقا ولا متساوقا، والماضي قد دخل كله في الوجود متلاحقا وإن لم يكن متساوقا. وإذا تبين أنا لا نبعد بقاء العالم أبدا من حيث العقل بل نجوز بقاءه وإفناءه، فإنما يعرف الواقع من قسمي الممكن بالشرع فلا يتعلق النظر فيه بالمعقول.
وأما مسلكهم الرابع فهو جار، لأنهم يقولون: إذا عدم العالم بقي إمكان وجوده، إذ الممكن لا ينقلب مستحيلا، وهو وصف إضافي. فيفتقر كل حادث بزعمهم إلى مادة سابقة، وكل منعدم فيفتقر إلى مادة ينعدم عنها. فالمواد والأصول لا تنعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض الحالة فيها.
والجواب عن الكل ما سبق.
وإنما أفردنا هذه المسألة لأن لهم فيها دليلين آخرين:
ما تمسك به جالينوس إذ قال: لو كان الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في مدة مديدة، والأرصاد الدالة على مقدارها منذ آلاف سنين لا تدل إلا على هذا المقدار، فلما لم تذبل في هذه الآماد الطويلة دل أنها لا تفسد.
الاعتراض من الوجه الأول لعلها تفسد بغير طريق الذبول كما في حال البغتة الاعتراض عليه من وجوه: الأول إن شكل هذا الدليل أن يقال: إن كان الشمس تفسد فلا بد وأن يلحقها ذبول، لكن التالي محال فالمقدم محال، وهو قياس يسمى عندهم الشرطي المتصل، وهذه النتيجة غير لازمة لأن المقدم غير صحيح ما لم يضف إليه شرط آخر وهو قوله: إن كان تفسد فلا بد وأن تذبل، فهذا التالي لا يلزم هذا المقدم إلا بزيادة شرط وهو أن نقول: إن كان تفسد فسادا ذبوليا فلا بد وأن تذبل في طول المدة. أو يبين أنه لا فساد بطريق الذبول حتى يلزم التالي للمقدم. ولا نسلم أنه لا يفسد الشيء إلا بالذبول، بل الذبول أحد وجوه الفساد. ولا يبعد أن يفسد الشيء بغتة وهو على حال كماله.
الاعتراض من الوجه الثاني الفساد لا يظهر للحس الثاني أنه لو سلم له هذا وأنه لا فساد إلا بالذبول، فمن أين عرف أنه ليس يعتريها الذبول؟ وأما التفاته إلى الأرصاد فمحال لأنها لا تعرف مقاديرها إلا بالتقريب. والشمس التي يقال إنها كالأرض مائة وسبعين مرة أو ما يقرب منه لو نقص منها مقدار جبال مثلا لكان لا يبين للحس، فلعلها
في الذبول، وإلى الآن قد نقص مقدار جبال وأكثر. والحس لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم المناظر لم يعرف إلا بالتقريب وهذا كما أن الياقوت والذهب مركبان من العناصر عندهم وهي قابلة للفساد، ثم لو وضع ياقوته مائة سنة لم يكن نقصانه محسوسا، فلعل نسبة ما ينقص من الشمس في مدة تاريخ الأرصاد كنسبة ما ينقص من الياقوت في مائة سنة. وذلك لا يظهر للحس فدل أن دليله في غاية الفساد.
وقد أعرضنا عن إيراد أدلة كثيرة من هذا الجنس يستركها العقلاء وأوردنا هذا الواحد ليكون عبرة ومثالا لما تركناه واقتصرنا على الأدلة الأربعة التي يحتاج إلى تكلف في حل شبهها كما سبق.
الثاني الدليل الثاني لا يعقل سبب معدم ... لهم في استحالة عدم العالم أن قالوا: العالم لا تنعدم جواهره لأنه لا يعقل سبب معدم له، وما لم يكن منعدما ثم انعدم فلا بد وأن يكون بسبب، وذلك السبب لا يخلوا إما من أن يكون إرادة القديم، وهو محال لأنه إذا لم يكن مريدا لعدمه ثم صار مريدا فقد تغير، أو يؤدي إلى أن يكون القديم وإرادته على نعت واحد في جميع الأحوال، والمراد يتغير من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم. وما ذكرناه من استحالة وجود حادث بإرادة قديمة يدل على استحالة العدم.
ويزيد هاهنا إشكال آخر أقوى من ذلك، وهو أن المراد فعل المريد لا محالة، وكل من لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا فإن لم يتغير هو في نفسه فلا بد وأن يصير فعله موجودا بعد أن لم يكن موجودا. فإنه لو بقي كما كان إذ لم يكن له فعل، والآن أيضا لا فعل له، فإذن لم يفعل شيئا. والعدم ليس بشيء فكيف يكون فعلا؟ وإذا أعدم العالم وتجدد له فعل لم يكن، فما ذلك الفعل؟ أهو وجود العالم؟ وهو محال إذا انقطع الوجود، أو فعله عدم العالم؟ وعدم العالم ليس بشيء حتى يكون فعلا، فإن أقل درجات الفعل أن يكون موجودا وعدم العالم ليس شيئا موجودا حتى يقال: هو الذي فعله
الفاعل وأوجده الموجد.
ولإشكال هذا زعموا: افترق المتكلمون في التقصي عن هذا أربع فرق وكل فرقة اقتحمت محالا.
أما المعتزلة فإنهم قالوا: فعله الصادر منه موجود وهو الفناء، يخلقه لا في محل فينعدم كل العالم دفعة واحدة، وينعدم الفناء المخلوق بنفسه حتى لا يحتاج إلى فناء آخر، فيتسلسل إلى غير نهاية. وهو فاسد من وجوده أحدها أن الفناء ليس موجودا معقولا حتى يقدر خلقه، ثم إن كان موجودا فلم ينعدم بنفسه من غير معدم، ثم لم يعدم العالم فإنه إن خلق في ذات العالم وحل فيه فهو محال لأن الحال يلاقي المحلول، فيجتمعان ولو في لحظة، فإذا جاز اجتماعهما لم يكن ضدا فلم يفنه. وإن خلقه لا في العالم ولا في محل فمن أين يضاد وجوده وجود العالم؟ ثم في هذا المذهب شناعة أخرى وهو أن الله لا يقدر على إعدام بعض جواهر العالم دون بعض، بل لا يقدر إلا على إحداث فناء يعدم العالم كله، لأنها إذا لم تكن في محل كان نسبتها إلى الكل على وتيرة.
الفرقة الثانية الكرامية حيث قالوا: إن فعله الإعدام، والإعدام عبارة عن موجود يحدثه في ذاته تعالى عن قولهم فيصير العالم به معدوما. وكذلك الوجود عندهم بإيجاد يحدثه في ذاته فيصير الموجود به موجودا. وهذا أيضا فاسد إذ فيه كون القديم محل الحوادث، ثم خروج عن المعقول إذ لا يعقل من الإيجاد إلا وجود منسوب إلى إرادة وقدرة. فإثبات شيء آخر سوى الإرادة والقدرة ووجود المقدور وهو العالم لا يعقل، وكذى الإعدام.
الفرقة الثالثة الأشعرية إذ قالوا: أما الأعراض فإنها تفنى بأنفسها ولا يتصور بقاءها، لأنه لو تصور بقاءها لما تصور فناؤها لهذا المعنى. وأما الجواهر فليست باقية بأنفسها ولكنها باقية ببقاء زائد على وجودها، فإذا لم يخلق الله البقاء انعدم لعدم المبقى. وهو أيضا فاسد لما فيه من مناكرة المحسوس في أن السواد لا يبقى والبياض كذلك وأنه متجدد الوجود، والعقل ينبوا عن هذا كما ينبوا عن قول القائل: إن الجسم متجدد الوجود في كل حالة، والعقل القاضي بأن الشعر الذي على رأس الإنسان في يوم هو الشعر الذي كان بالأمس لا مثله يقضي أيضا به في سواد الشعر. ثم فيه إشكال آخر وهو أن الباقي إذا بقي ببقاء فيلزم أن تبقى صفات الله ببقاء. وذلك البقاء يكون باقيا فيحتاج إلى بقاء آخر، ويتسلسل إلى غير نهاية.
والفرقة الرابعة طائفة أخرى من الأشعرية إذ قالوا: إن الأعراض تفنى بأنفسها، وأما الجواهر فإنها تفنى بأن لا يخلق الله فيها حركة ولا سكونا ولا اجتماعا ولا افتراقا، فيستحيل أن يبقى جسم ليس بساكن ولا متحرك فينعدم. وكأن فرقتي الأشعرية مالوا إلى أن الإعدام ليس بفعل، إنما هو كف عن الفعل، لما لم يعقلوا كون العدم فعلا.
وإذا بطلت هذه الطرق لم يبق وجه للقول بجواز إعدام العالم.
هذا لو قيل بأن العالم حادث، فإنهم مع تسليمهم حدوث النفس الإنسانية يدعون استحالة انعدامها بطريق يقرب مما ذكرناه.
وبالجملة عندهم كل قائم بنفسه لا في محل لا يتصور انعدامه بعد
وجوده، سواء كان قديما أو حادثا. وإذا قيل لهم: مهما أغلي النار تحت الماء انعدم الماء، قالوا لم ينعدم ولكن انقلب بخارا ثم ماء. فالمادة وهي الهيولى باقية في الهواء وهي المادة التي كانت لصورة الماء، وإنما خلعت، الهيولى صورة المائية ولبست صورة الهوائية. وإذا أصاب الهواء برد كثف وانقلب ماء، لا من مادة تجددت بل المواد مشتركة بين العناصر، وإنما يتبدل عليها صورها.
والجواب: أن ما ذكرتموه من الأقسام وإن أمكن أن نذب عن كل واحد ونبين أن إبطاله على أصلكم لا يستقيم لاشتمال أصولكم على ما هو من جنسه، ولكنا لا نطول به ونقتصر على قسم واحد ونقول: بم تنكرون على من يقول: الإيجاد والإعدام بإرادة القادر؟ فإذا أراد الله أوجد وإذا أراد أعدم، وهذا معنى كونه قادرا على الكمال، وهو في جملة ذلك لا يتغير في نفسه وإنما يتغير الفعل. وأما قولكم: إن الفاعل لا بد وأن يصدر منه فعل، فما الصادر منه؟ قلنا: الصادر منه ما تجدد وهو العدم، إذ لم يكن عدم ثم تجدد العدم، فهو الصادر عنه.
فإن قلتم: إنه ليس بشيء فكيف صدر منه؟