Bölüm 5
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
قولنا إنها ترهات! والاعتراضات لا تنحصر، وإليكم بعضها قلنا: ما ذكرتموه تحكمات وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات، لو حكاه الإنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه، أو أورد جنسه في الفقهيات التي قصارى المطلب فيها تخمينات لقيل أنها ترهات لا تفيد غلبات الظنون.
ومداخل الاعتراض على مثله لا تنحصر ولكنا نورد وجوها معدودة.
إن جاز صدور الكثرة عن إمكان الوجود، جاز صدورها عن وجوب الوجود الأول هو أنا نقول: ادعيتم أن أحد معاني الكثرة في المعلول الأول أنه ممكن الوجود، فنقول: كونه ممكن الوجود عين وجوده أو غيره، فإن كان عينه فلا ينشأ منه كثرة، وإن كان غيره فهلا قلتم: في المبدأ الأول
كثرة، لأنه موجود وهو مع ذلك واجب الوجود، فوجوب الوجود غير نفس الوجود، فليجز صدور المختلفات منه لهذه الكثرة. وإن قيل: لا معنى لوجوب الوجود إلا الوجود، فلا معنى لإمكان الوجود إلا الوجود. فإن قلتم: يمكن أن يعرف كونه موجودا ولا يعرف كونه ممكنا فهو غيره، فكذا واجب الوجود يمكن أن يعرف وجوده ولا يعرف وجوبه إلا بعد دليل آخر فليكن غيره. وبالجملة الوجود أمر عام ينقسم إلى واجب وإلى ممكن، فإن كان فصل أحد القسمين زائدا على العام فكذى الفصل الثاني ولا فرق.
قولهم إمكان الوجود غير الوجود فإن قيل: إمكان الوجود له من ذاته ووجوده من غيره، فكيف يكون ما له من ذاته وما له من غيره واحدا؟
قلنا: وكيف يكون وجوب الوجود عين الوجود ويمكن أن ينفى وجوب الوجود ويثبت الوجود؟ والواحد الحق من كل وجه هو الذي لا يتسع للنفي والإثبات إذ لا يمكن أن يقال: موجود وليس بموجود أو واجب الوجود وليس بواجب الوجود، ويمكن أن يقال: موجود وليس بواجب الوجود كما يمكن أن يقال: موجود وليس بممكن الوجود. وإنما يعرف الوحدة بهذا فلا يستقيم تقدير ذلك في الأول إن صح ما ذكروه من أن إمكان الوجود غير الوجود الممكن.
الاعتراض الثاني هو أن نقول: عقله مبدأه عين وجوده وعين عقله نفسه أم غيره؟ فإن كان عينه فلا كثرة في ذاته إلا في العبارة عن ذاته، وإن كان غيره فهذه الكثرة موجودة في الأول فإنه يعقل ذاته ويعقل غيره. فإن زعموا أن عقله ذاته عين ذاته ولا يعقل ذاته ما لم يعقل أنه مبدأ لغيره، فإن العقل يطابق المعقول فيكون راجعا إلى ذاته. فنقول: والمعلول عقله ذاته عين ذاته فإنه عقل بجوهره فيعقل نفسه، والعقل والعاقل والمعقول منه أيضا واحد. ثم إذا كان عقله ذاته عين ذاته فليعقل ذاته معلولا لعلة فإنه كذلك، والعقل يطابق المعقول فيرجع الكل إلى ذاته فلا كثرة إذن. وإن
كانت هذه كثرة فهي موجودة في الأول، فليصدر منه المختلفات. ولنترك دعوى وحدانيته من كل وجه إن كانت الوحدانية تزول بهذا النوع من الكثرة.
قولهم الأول لا يعقل إلا ذاته فإن قيل: الأول لا يعقل إلا ذاته وعقله ذاته هو عين ذاته، فالعقل والعاقل والمعقول واحد ولا يعقل غيره.
والجواب من وجهين:
أحدهما أن هذا المذهب لشناعته هجره ابن سينا وسائر المحققين وزعموا أن الأول يعلم نفسه مبدأ لفيضان ما يفيض منه ويعقل الموجودات كلها بأنواعها عقلا كليا لا جزئيا، إذ استقبحوا قول القائل: المبدأ الأول لا يصدر منه إلا عقل واحد ثم لا يعقل ما يصدر منه، ومعلوله عقل ويفيض منه عقل ونفس فلك وجرم فلك ويعقل نفسه ومعلولاته الثلاث وعلته ومبدأه، فيكون المعلول أشرف من العلة من حيث أن العلة ما فاض منها إلا واحد. وقد فاض من هذا ثلاثة أمور، والأول ما عقل إلا نفسه، وهذا عقل نفسه ونفس المبدأ ونفس المعلولات. ومن قنع أن يكون قوله في الله راجعا إلى هذه الرتبة فقد جعله أحقر من كل موجود يعقل نفسه ويعقله، فإن ما يعقله ويعقل نفسه أشرف منه إذا كان هو لا يعقل إلا نفسه.
فقد انتهى منهم التعمق في التعظيم إلى أن أبطلوا كل ما يفهم من العظمة وقربوا حاله من حال الميت الذي لا خبر له مما يجري في العالم، إلا أنه فارق الميت في شعوره بنفسه فقط. وهكذى يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين لقوله: "ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم"، "الظانين بالله ظن السوء"، المعتقدين أن الأمور الربوبية يستولي على كنهها القوى البشرية، المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم.
فلا جرم اضطروا إلى الاعتراف بأن لباب معقولا رجعت إلى ما لو حكي في منام لتعجب منه.
الجواب الثاني هو أن من ذهب إلى أن الأول لا يعقل إلا نفسه إنما حاذر من لزوم الكثرة، إذ لو قال به للزم أن يقال: عقله غيره غير عقله نفسه. وهذا لازم في المعلول الأول فينبغي أن لا يعقل إلا نفسه، لأنه لو عقل الأول أو غيره لكان ذلك غير ذاته ولافتقر إلى علة غير علة ذاته، ولا علة إلا علة ذاته وهو المبدأ الأول، فينبغي أن لا يعلم إلا ذاته، وتبطل الكثرة التي نشأت من هذا الوجه.
قولهم يعقل المبدأ فإن قيل: لما وجد وعقل ذاته لزمه أن يعقل المبدأ.
قلنا: لزمه ذلك بعلة أو بغير علة؟ فإن كان بعلة فلا علة إلا المبدأ الأول وهو واحد، ولا يتصور أن يصدر منه إلا واحد وقد صدر وهو ذات المعلول، فالثاني كيف يصدر منه؟ وإن لزم بغير علة فليلزم وجود الأول موجودات بلا علة كثيرة وليلزم منها الكثرة. فإن لم يعقل هذا من حيث أن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا والزائد على الواحد ممكن والممكن يفتقر إلى علة، فهذا اللازم في حق المعلول. إن كان واجب الوجود بذاته فقد بطل قولهم: واجب الوجود واحد، وإن كان ممكنا فلا بد له من علة ولا علة له فلا يعقل وجوده.
وليس هو من ضرورة المعلول الأول لكونه ممكن الوجود فإن إمكان الوجود ضروري في كل معلول. أما كون المعلول عالما بالعلة ليس ضروريا في وجود ذاته كما أن كون العلة عالما بالمعلول ليس ضروريا في وجود ذاته. بل لزوم العلم بالمعلول أظهر من لزوم العلم بالعلة، فبان أن الكثرة الحاصلة من علمه بالمبدأ محال فإنه لا مبدأ له وليس هو من ضرورة وجود ذات المعلول، وهذا أيضا لا مخرج منه.
الاعتراض الثالث هو أن عقل المعلول الأول ذات نفسه عين ذاته أو غيره. فإن كان عينه فهو محال لأن العلم غير المعلوم، وإن كان غيره
فليكن كذلك في المبدأ الأول فيلزم منه كثرة ويلزم فيه تربيع لا تثليث بزعمهم، فإنه ذاته وعقله مبدأه وإنه ممكن الوجود بذاته. ويمكن أن يزاد أنه واجب الوجود بغيره فيظهر تخميس، وبهذا يتعرف تعمق هؤلاء في الهوس.
التثيلث لا يكفي في جرم السماء الأول الاعتراض الرابع أن نقول: التثليث لا يكفي في المعلول الأول فإن جرم السماء الأول لزم عندهم من معنى واحد من ذات المبدأ وفيه تركيب من ثلاثة أوجه: لا بد له من صورة وهيولى أحدها أنه مركب من صورة وهيولى وهكذى كل جسم عندهم. فلا بد لكل واحد من مبدأ إذ الصورة تخالف الهيولى. وليست كل واحدة على مذهبهم علة مستقلة للأخرى حتى يكون أحدهما بواسطة الآخر من غير علة أخرى زائدة عليه.
ومقدار ...
الثاني أن الجرم الأقصى على حد مخصوص في الكبر. فاختصاصه بذلك القدر من بين سائر المقادير زائد على وجود ذاته إذ كان ذاته ممكنا أصغر منه وأكبر فلا بد له من مخصص بذلك المقدار زائد على المعنى البسيط الموجب لوجوده، لا كوجود العقل فإنه وجود محض لا يختص بمقدار مقابل لسائر المقادير. فيجوز أن يقال: لا يحتاج إلا إلى علة بسيطة.
قولهم لا غنى عنه في تحصيل النظام فإن قيل: سببه أنه لو كان أكبر منه لكان مستغنى عنه في تحصيل النظام الكلي، ولو كان أصغر منه لم يصلح للنظام المقصود.
فنقول: وتعين جهة النظام هل هو كاف في وجود ما به النظام أم يفتقر إلى علة موجدة؟ فإن كان كافيا فقد استغنيتم عن وضع العلل، فاحكموا بأن كون النظام في هذه الموجودات اقتضى هذه الموجودات بلا علة زائدة، وإن كان ذلك لا يكفي بل افتقر إلى علة فذلك أيضا لا يكفي للاختصاص بالمقادير بل يحتاج أيضا إلى علة التركيب.
خواص القطب الثالث أن الفلك الأقصى انقسم إلى نقطتين هما القطبان وهما ثابتا الوضع لا يفارقان وضعهما. وأجزاء المنطقة يختلف وضعها فلا يخلوا أما إن كان جميع أجزاء الفلك الأقصى متشابها، فلم لزم تعين نقطتين من بين سائر النقط لكونهما قطبين؟ أو أجزاؤها مختلفة ففي بعضها خواص ليست في البعض، فما مبدأ تلك الاختلافات؟ والجرم الأقصى لم يصدر إلا من معنى واحد بسيط، والبسيط لا يوجب إلا بسيطا في الشكل وهو الكرى ومتشابها في المعنى وهو الخلو عن الخواص المميزة، وهذا أيضا لا مخرج منه.
قولهم لعل في المبدأ أنواعا من الكثرة لازمة لا من جهة المبدأ فإن قيل: لعل في المبدأ أنواعا من الكثرة لازمة لا من جهة المبدأ، وإنما ظهر لنا ثلاثة أو أربعة والباقي لم نطلع عليه، وعدم عثورنا على عينه لا يشككنا في أن مبدأ الكثرة كثرة وأن الواحد لا يصدر منه كثير.
قلنا: فإذا جوزتم هذا فقولوا: إن الموجودات كلها على كثرتها وقد بلغت آلافا صدرت من المعلول الأول، فلا يحتاج أن يقتصر على جرم الفلك الأقصى ونفسه، بل يجوز أن يكون قد صدر منه جميع النفوس الفلكية والإنسانية وجميع الأجسام الأرضية والسماوية، بأنواع كثرة لازمة فيها لم يطلعوا عليها فيقع الاستغناء بالمعلول الأول.
ثم يلزم منه الاستغناء بالعلة الأولى، فإنه إذا جاز تولد كثرة يقال إنها لازمة لا بعلة مع أنها ليست ضرورية في وجود المعلول الأول، جاز أن يقدر ذلك مع العلة الأولى ويكون وجودها لا بعلة ويقال: إنها لزمت ولا يدرى عددها، وكلما تخيل وجودها بلا علة مع الأول تخيل ذلك بلا علة مع الثاني، بل لا معنى لقولنا: مع الأول والثاني، إذ ليس بينهما مفارقة في زمان ولا مكان. فما لا يفارقهما في مكان وزمان ويجوز أن يكون موجودا بلا علة لم يختص أحدهما بالإضافة إليه.
قولهم يبعد أن يبلغ الألف في المعلول الأول فإن قيل: لقد كثرت الأشياء حتى زادت على ألف، ويبعد أن تبلغ الكثرة
في المعلول إلى هذا الحد، فلذلك أكثرنا الوسائط.
قلنا: قول القائل: "يبعد" هذا رجم ظن لا يحكم به في المعقولات إلا أن يقول: إنه يستحيل. فنقول: لم يستحيل؟ وما المرد والفيصل مهما جاوزنا الواحد واعتقدنا أنه يجوز أن يلزم المعلول الأول، لا من جهة العلة، لازم واثنان وثلث؟ فما المحيل لأربع وخمس وهكذى إلى الألف؟ وإلا فمن يتحكم بمقدار دون مقدار؟ فليس بعد مجاوزة مرد، الواحد، وهذا أيضا قاطع.
ثم نقول: هذا باطل بالمعلول الثاني فإنه صدر منه فلك الكواكب وفيه ألف ونيف ومئتا كوكب، وهي مختلفة العظم والشكل والوضع واللون والتأثير والنحوسة والسعادة، فبعضها على صورة الحمل والثور والأسد وبعضها على صورة الإنسان، ويختلف تأثيرها في محل واحد من العالم السفلي في التبريد والتسخين والسعادة والنحوس، وتختلف مقاديرها في ذاتها.
فلا يمكن أن يقال: الكل نوع واحد مع هذا الاختلاف، ولو جاز هذا أن يقال: كل أجسام العالم نوع واحد في الجسمية فيكفيها علة واحدة. فإن كان اختلاف صفاتها وجواهرها وطبائعها دل على اختلافها فكذى الكواكب مختلفة لا محالة، ويفتقر كل واحد إلى علة لصورته وعلة لهيولاه وعلة لاختصاصه بطبيعته المسخنة أو المبردة أو المسعدة أو المنحسة ولاختصاصه بموضعه ثم لاختصاص جملها بأشكال البهائم المختلفة. وهذه الكثرة إن تصور أن تعقل في المعلول الثاني تصور في الأول ووقع الاستغناء.
الاعتراض الخامس هو أنا نقول: سلمنا هذه الأوضاع الباردة والتحكمات الفاسدة ولكن كيف لا تستحيون من قولكم: إن كون المعلول الأول ممكن الوجود اقتضى وجود جرم الفلك الأقصى منه، وعقله نفسه اقتضى وجود نفس الفلك منه، وعقله الأول يقتضي وجود عقل منه؟ وما الفصل بين هذا وبين قائل عرف وجود إنسان غائب وأنه ممكن الوجود وأنه يعقل نفسه وصانعه فقال: يلزم من كونه ممكن الوجود وجود
فلك؟ فيقال: وأي مناسبة بين كونه ممكن الوجود وبين وجود فلك منه؟ وكذلك يلزم من كونه عاقلا لنفسه ولصانعه شيئان آخران. وهذا إذا قيل في إنسان ضحك منه، فكذى في موجود آخر إذ إمكان الوجود قضية لا تختلف باختلاف ذات الممكن إنسانا كان أو ملكا أو فلكا. فلست أدري كيف يقنع المجنون في نفسه بمثل هذه الأوضاع فضلا من العقلاء الذين يشقون الشعر بزعمهم في المعقولات.
فإن قال قائل: فإذا أبطلتم مذهبهم فماذى تقولون أنتم؟ أتزعمون أنه يصدر من الشيء الواحد من كل وجه شيئان مختلفان، فتكابرون المعقول؟ أو تقولون: المبدأ الأول فيه كثرة، فتتركون التوحيد؟ أو تقولون لا كثرة في العالم، فتنكرون الحس؟ أو تقولون: لزمت بالوسائط، فتضطرون إلى الاعتراف بما قالوه؟
وهذا ما ورد به الأنبياء
قلنا: نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض ممهد، وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم وقد حصل. على أنا نقول: ومن زعم أن المصير إلى صدور اثنين من واحد مكابرة المعقول أو اتصاف المبدأ بصفات قديمة أزلية مناقض للتوحيد، فهاتان دعوتان باطلتان لا برهان لهم عليهما، فإنه ليس يعرف استحالة صدور الاثنين من واحد كما يعرف استحالة كون الشخص الواحد في مكانين، وعلى الجملة لا يعرف بالضرورة ولا بالنظر. وما المانع من أن يقال: المبدأ الأول عالم قادر مريد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يخلق المختلفات والمتجانسات كما يريد وعلى ما يريد؟ فاستحالة هذا لا يعرف بضرورة ولا نظر، وقد ورد به الأنبياء المؤيدون بالمعجزات فيجب قبوله.
البحث عن الكيفية من الفضول وأما البحث عن كيفية صدور الفعل من الله بالإرادة ففضول وطمع في غير مطمع. والذين طمعوا في طلب المناسبة ومعرفته رجع حاصل نظرهم
إلى أن المعلول الأول من حيث أنه ممكن الوجود صدر منه فلك، ومن حيث أنه يعقل نفسه صدر منه نفس الفلك، وهذه حماقة لا إظهار مناسبة.
فلتتقبل مبادئ هذه الأمور من الأنبياء! فلتتقبل مبادئ هذه الأمور من الأنبياء وليصدقوا فيها إذ العقل لا يحيلها، وليترك البحث عن الكيفية والكمية والماهية. فليس ذلك يتسع له القوى البشرية، ولذلك قال صاحب الشرع: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله.
فنقول: الناس فرقتان: فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع، فيعقل مذهبهم في القول بالصانع، وفرقة أخرى هم الدهرية وقد رأوا العالم قديما كما هو عليه ولم يثبتوا له صانعا، ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه. وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم ثم أثبتوا له مع ذلك صانعا، وهذا المذهب بوضعه متناقض لا يحتاج فيه إلى إبطال.
فإن قيل: نحن إذا قلنا: للعالم صانع، لم نرد به فاعلا مختارا يفعل بعد أن لم يفعل كما نشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط والنساج والبناء، بل نعني به علة العالم ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة لوجوده وهو علة لوجود غيره، فإن سميناه صانعا فبهذا التأويل.
وثبوت موجود لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب، فإنا نقول: العالم وموجوداته إما أن يكون له علة أو لا علة له. فإن كان له علة فتلك العلة لها علة أم لا علة لها؟ وكذى القول في علة العلة: فإما أن يتسلسل إلى غير نهاية وهو محال، وإما أن ينتهي إلى طرف فالأخير علة أولى لا علة لوجودها، فنسميه المبدأ الأول. وإن كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ظهر المبدأ الأول، فإنا لم نعن به إلا موجودا لا علة له، وهو ثابت بالضرورة.
نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هي السموات لأنها عدد، ودليل
التوحيد يمنعه فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ، ولا يجوز أن يقال إنه سماء واحد أو جسم واحد أو شمس أو غيره لأنه جسم والجسم مركب من الصورة والهيولى، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبا، وذلك يعرف بنظر ثان. والمقصود أن موجودا لا علة لوجوده ثابت بالضرورة والاتفاق. وإنما الخلاف في الصفات وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول.
والجواب من وجهين: أحدهما أنه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون أجسام العالم قديمة، كذلك لا علة لها. وقولكم: إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان فسيبطل ذلك عليكم في مسألة التوحيد وفي نفي الصفات بعد هذه المسألة.
الثاني وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال: ثبت تقديرا أن هذه الموجودات لها علة ولكن لعلتها علة ولعلة العلة علة، كذلك وهكذى إلى غير نهاية.
وقولكم: إنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها، لا يستقيم منكم، فإنا نقول: عرفتم ذلك ضرورة بغير وسط أو عرفتموه بوسط، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة. وكل مسلك ذكرتموه في النظر بطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها. وإذا جاز أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له فلم يبعد أن يكون بعضها علة للبعض، وينتهي من الطرف الأخير إلى معلول لا معلول له، ولا ينتهي من الجانب الآخر إلى علة لا علة لها، كما أن الزمان السابق له آخر وهو الآن الراهن ولا أول له.
فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معا في الحال ولا في بعض الأحوال والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي، فيلزمكم النفوس البشرية المفارقة للأبدان فإنها لا تفنى عندكم، والموجود المفارق للبدن من النفوس لا نهاية لأعدادها، إذ لم تزل نطفة من إنسان وإنسان من
نطفة إلى غير نهاية. ثم كل إنسان مات فقد بقي نفسه وهو بالعدد غير نفس من مات قبله ومعه وبعده، وإن مكان الكل بالنوع واحدا فعندكم في الوجود في كل حال نفوس لا نهاية لأعدادها.
فإن قيل: النفوس ليس لبعضها ارتباط بالبعض ولا ترتيب لها لا بالطبع ولا بالوضع، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها إذا كان لها ترتيب بالوضع كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق البعض، أو كان لها ترتيب بالطبع كالعلل والمعلولات، وأما النفوس فليست كذلك.
قلنا: وهذا الحكم في الوضع ليس طرده بأولى من عكسه، فلم أحلتم أحد القسمين دون الآخر؟ وما البرهان المفرق؟ وبم تنكرون على من يقول: إن هذه النفوس التي لا نهاية لها لا تخلوا عن ترتيب إذ وجود بعضها قبل البعض؟ فإن الأيام والليالي الماضية لا نهاية لها. وإذا قدرنا وجود نفس واحد في كل يوم وليلة كان الحاصل في الوجود الآن خارجا عن النهاية واقعا على ترتيب في الوجود أي بعضها بعد البعض. والعلة غايتها أن يقال: إنها قبل المعلول بالطبع كما يقال إنها فوق المعلول بالذات لا بالمكان. فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبعي. وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق البعض بالمكان إلى غير نهاية وجوزوا موجودات بعضها قبل البعض بالزمان إلى غير نهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له؟
فإن قيل: البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير نهاية أن يقال: كل واحد من آحاد العلل ممكنة في نفسها أو واجبة. فإن كانت واجبة فلم تفتقر إلى علة، وإن كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان، وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة على ذاته، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنها.
قلنا: لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده ويراد بالممكن ما لوجوده علة. وإن كان المراد هذا فلنرجع إلى هذه اللفظة فنقول: كل واحد ممكن على معنى أن له علة
زائدة على ذاته، والكل ليس بممكن على معنى أنه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه. وإن أريد بلفظ الممكن غير ما أردناه فهو ليس بمفهوم.
بممكنات الوجود وهو محال
فإن قيل: فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود وهو محال.
قلنا: إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب. فلا نسلم أنه محال وهو كقول القائل: يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث، والزمان عندهم قديم، وآحاد الدورات حادثة وهي ذوات أوائل، والمجموع لا أول له. فقد تقوم ما لا أول له بذوات أوائل وصدق ذوات الأوائل على الآحاد ولم يصدق على المجموع. فكذلك يقال على كل واحد: إن له علة، ولا يقال: للمجموع علة وليس كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع، إذ يصدق على كل واحد أنه واحد وأنه بعض وأنه جزء ولا يصدق على المجموع. وكل موضوع عيناه من الأرض فإنه قد استضاء بالشمس في النهار وأظلم بالليل. وكل واحد حادث بعد أن لم يكن أي له أول. والمجموع عندهم ما له أول.
فلا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها، وهي صور العناصر الأربعة والمتغيرات، فلا يتمكن من إنكار علل لا نهاية لها. ويخرج من هذا أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول لهذا الإشكال، ويرجع فرقهم إلى التحكم المحض.