☪ Anlam Arayışı

← Tehâfütü'l-Felâsife

Bölüm 4

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

قلنا: وهو ليس بشيء فكيف وقع؟ وليس معنى صدوره منه إلا أن ما وقع مضاف إلى قدرته، فإذا عقل وقوعه لم لا تعقل إضافته إلى القدرة؟ وما الفرق بينهم وبين من ينكر طريان العدم أصلا على الأعراض والصور ويقول: العدم ليس بشيء فكيف يطرى وكيف يوصف بالطريان والتجدد؟ ولا نشك في أن العدم يتصور طريانه على الأعراض، فالموصوف بالطريان معقول وقوعه سمى شيئا أو لم يسم، فإضافة ذلك الواقع المعقول إلى قدرة القادر أيضا معقول.

فإن قيل: هذا إنما يلزم على مذهب من يجوز عدم الشيء بعد وجوده، فيقال له: ما الذي طرى؟ وعندنا لا ينعدم الشيء الموجود، وإنما معنى انعدام

الأعراض طريان أضدادها التي هي موجودات لا طريان العدم المجرد الذي ليس بشيء، فإن ما ليس بشيء كيف يوصف بالطريان؟ فإذا ابيض الشعر فالطاري هو البياض فقط وهو موجود، ولا نقول الطاري هو عدم السواد.

وهذا فاسد من وجهين: أحدهما أن طريان البياض هل تضمن عدم السواد أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد كابروا المعقول. وإن قالوا: نعم، فالمتضمن غير المتضمن أم عينه؟ فإن قالوا: هو عينه، كان متناقضا إذ الشيء لا يتضمن نفسه. وإن قالوا غيره، فذلك الغير معقول أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فبم عرفتم أنه متضمن؟ والحكم عليه بكونه متضمنا اعتراف بكونه معقولا. وإن قالوا: نعم، فذلك المتضمن المعقول وهو عدم السواد قديم أو حادث. فإن قالوا: قديم، فهو محال. وإن قالوا: حادث، فالموصوف بالحدوث كيف لا يكون معقولا؟ وإن قالوا: لا قديم ولا حادث، فهو محال لأنه قبل طريان البياض لو قيل: السواد معدوم، كان كذبا، وبعده إذا قيل: إنه معدوم، كان صدقا فهو طار لا محالة. فهذا الطاري معقول فيجوز أن يكون منسوبا إلى قدرة قادر.

الوجه الثاني أن من الأعراض ما ينعدم عندهم، لا بضده فإن الحركة لا ضد لها، وإنما التقابل بينهما وبين السكون عندهم تقابل الملكة والعدم، أي تقابل الوجود والعدم، ومعنى السكون عدم الحركة. فإذا عدمت الحركة لم يطر سكون هو ضده بل هو عدم محض، وكذلك الصفات التي هي من قبيل الاستكمال كانطباع أشباح المحسوسات في الرطوبة الجليدية من العين، بل انطباع صور المعقولات في النفس فإنها ترجع إلى استفتاح وجود من غير زوال

ضده، وإذا عدم كان معناها زوال الوجود من غير استعقاب ضده. فزوالها عبارة عن عدم محض قد طرى، فعقل وقوع العدم الطاري وما عقل وقوعه بنفسه، وإن لم يكن شيئا عقل أن ينسب إلى قدرة القادر.

فتبين بهذا أنه مهما تصور وقوع حادث بإرادة قديمة لم يفترق الحال بين أن يكون الواقع عدما أو وجودا.

وأن العالم صنعه وفعله وبيان أن ذلك مجاز عندهم وليس بحقيقته

وقد اتفقت الفلاسفة سوى الدهرية على أن للعالم صانعا وأن الله هو صانع العالم وفاعله وأن العالم فعله وصنعه، وهذا تلبيس على أصلهم. بل لا يتصور على مساق أصلهم أن يكون العالم من صنع الله، من ثلاثة أوجه: وجه في الفاعل ووجه في الفعل ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل.

أما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد وأن يكون مريدا مختارا عالما بما يريده، حتى يكون فاعلا لما يريده. والله تعالى عندهم ليس مريدا بل لا صفة له أصلا، وما يصدر عنه فيلزم منه لزوما ضروريا. والثاني أن العالم قديم والفعل هو الحادث. والثالث أن الله واحد عندهم من كل وجه، والواحد لا يصدر منه عندهم إلا واحد من كل وجه، والعالم مركب من مختلفات، فكيف يصدر عنه؟ في الفاعل: تقولون أن العالم من الله باللزوم ...

ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع خبالهم في دفعه.

الأول فنقول: الفاعل عبارة عمن يصدر منه الفعل، مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد. وعندكم أن العالم من الله كالمعلول من العلة يلزم لزوما ضروريا، لا يتصور من الله دفعه، لزوم الظل من الشخص والنور من الشمس، وليس هذا من الفعل في شيء.

بل من قال إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد جازف وتوسع في التجوز توسعا خارجا من الحد واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة بين المستعار له والمستعار عنه في وصف واحد، وهو أن الفاعل سبب على الجملة والسراج سبب الضوء والشمس سبب النور. ولكن الفاعل لم يسم فاعلا صانعا بمجرد كونه سببا بل بكونه سببا على وجه مخصوص، وهو على وجه الإرادة والاختيار، حتى لو قال القائل: الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل والجماد ليس بفاعل وإنما الفعل للحيوان، لم ينكر ذلك ولم يكن قوله كاذبا. وللحجر فعل عندهم وهو الهوى والثقل والميل إلى المركز، كما أن للنار فعلا وهو التسخين، وللحائط فعل وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل، فإن كل ذلك صادر منه، وهذا محال.

فإن قيل: كل موجود ليس واجب الوجود بذاته بل هو موجود بغيره، فإنا نسمي ذلك الشيء مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان السبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة، كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو بغير آلة. بل الفعل جنس وينقسم إلى ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة، فكذلك هو جنس وينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار.

بدليل أنا إذا قلنا "فعل" بالطبع لم يكن قولنا "بالطبع" ضدا لقولنا "فعل"، ولا دفعا ونقضا له بل كان بيانا لنوع الفعل كما إذا قلنا "فعل" مباشرة بغير آلة لم يكن نقضا بل كان تنويعا وبيانا. وإذا قلنا "فعل" بالاختيار لم يكن

تكرارا مثل قولنا: حيوان إنسان، بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا "فعل" بآلة. ولو كان قولنا "فعل" يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث أنه فعل لكان قولنا "فعل" بالطبع متناقضا كقولنا فعل وما فعل.

قلنا: هذه التسمية فاسدة ولا يجوز أن يسمى كل سبب بأي وجه كان فاعلا ولا كل مسبب مفعولا. ولو كان كذلك لما صح أن يقال الجماد لا فعل له وإنما الفعل للحيوان، وهذه من الكلمات المشهورة الصادقة.

فإن سمى الجماد فاعلا فبالاستعارة كما قد يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز، إذ يقال الحجر يهوى لأنه يريد المركز ويطلبه، والطلب والإرادة حقيقية لا يتصور إلا مع العلم بالمراد المطلوب، ولا يتصور إلا من الحيوان.

وأما قولكم: إن قولنا "فعل" عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو بالإرادة، غير مسلم وهو كقول القائل: قولنا "أراد" عام وينقسم إلى من يريد مع العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد، وهو فاسد، إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة، فكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة.

وأما قولكم: إن قولنا "فعل" بالطبع ليس بنقض للأول، فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة، ولكن لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه لأنه يبقى مجازا، فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل أيضا سبب سمي فعلا مجازا.

وإذا قال "فعل" بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله "أراد" وهو عالم بما أراده. إلا أنه لما تصور أن يقال "فعل" وهو مجاز ويقال "فعل" وهو حقيقة لم تنفر النفس عن قوله "فعل" بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازيا كقول القائل: تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا والكلام في تحريك الرأس واليد حتى يقال قال برأسه أي نعم، لم يستقبح أن يقال: قال بلسانه

ونظر بعينه، ويكون معناه نفي احتمال المجاز. فهذا مزلة القدم، فليتنبه لمحل انخداع هؤلاء الأغبياء.

فإن قيل: تسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة، وإلا فقد ظهر في العقل أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى ما لا يكون. ووقع النزاع في أن اسم الفعل على كلى القسمين حقيقة أم لا؟ ولا سبيل إلى إنكاره، إذ العرب تقول: النار تحرق والسيف يقطع والثلج يبرد والسقمونيا تسهل والخبز يشبع والماء يروي. وقولنا "يضرب" معناه يفعل الضرب، وقولنا "تحرق" معناه تفعل الاحتراق، وقولنا "يقطع" معناه يفعل القطع. فإن قلتم: إن كل ذلك مجاز كنتم متحكمين فيه من غير مستند.

والجواب أن كل ذلك بطريق المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة. والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف في حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي، أضاف العقل الفعل إلى الإرادي. وكذى اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات يقال: هو القاتل دون النار، حتى إذا قيل: ما قتله إلا فلان، صدق قائله.

فإن كان اسم الفاعل على المريد وغير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا وكون الآخر مستعارا منه، فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا؟ مع أن النار هي العلة القريبة في القتل، وكأن الملقى لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار. ولكن لما أن كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلا إلا بنوع من الاستعارة. فدل أن الفاعل من صدر الفعل عن إرادته، وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا.

فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود سواه وأن العالم قوامه به، ولولا وجود البارئ لما تصور وجود العالم، ولو قدر عدم البارئ لانعدم العالم، كما لو قدر عدم الشمس لانعدم

الضوء. فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا، فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعنى.

قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا، وإنما المعنى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقية. وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلاميين، ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن المعاني. فصرحوا بأن الله لا فعل له، حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لدين المسلمين. ولا تلبسوا بأن الله صانع العالم وأن العالم صنعه فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها، ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط.

الثاني

في إبطال كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط في الفعل، وهو أن الفعل عبارة عن الأحداث، والعالم عندهم قديم وليس بحادث، ومعنى الفعل إخراج الشيء من العدم إلى الوجود بإحداثه. وذلك لا يتصور في القديم إذ الموجود لا يمكن إيجاده. فإذن شرط الفعل أن يكون حادثا، والعالم قديم عندهم، فكيف يكون فعلا لله؟

فإن قيل: معنى الحادث موجود بعد عدم، فلنبحث أن الفاعل إذا أحدث كان الصادر منه المتعلق به الوجود المجرد أو العدم المجرد أو كلاهما. وباطل أن يقال: إن المتعلق به العدم السابق إذ لا تأثير للفاعل في العدم، وباطل أن يقال: كلاهما إذ بان أن العدم لا يتعلق به أصلا، وأن العدم في كونه عدما لا يحتاج إلى فاعل البتة، فبقي أنه متعلق به من حيث أنه موجود، وأن الصادر منه مجرد الوجود، وأنه لا نسبة إليه إلا الوجود. فإن فرض الوجود دائما فرضت النسبة دائمة، وإذا دامت هذه النسبة كان المنسوب إليه أفعل وأدوم تأثيرا لأنه لم يتعلق العدم بالفاعل بحال.

فبقي أن يقال: إنه متعلق به من حيث أنه حادث، ولا معنى لكونه حادثا إلا أنه وجود بعد عدم، والعدم لم يتعلق به، فإن جعل سبق العدم وصف الوجود وقيل: المتعلق به وجود مخصوص لا كل وجود وهو وجود مسبوق بالعدم، فيقال: كونه مسبوقا بالعدم ليس من فعل فاعل وصنع صانع، فإن هذا الوجود لا يتصور صدوره من فاعله إلا والعدم سابق عليه، وسبق العدم ليس

بفعل الفاعل. فكونه مسبوق العدم ليس بفعل الفاعل فلا تعلق له به. فاشتراطه في كونه فعلا اشتراط ما لا تأثير للفاعل فيه بحال. وأما قولكم: إن الموجود لا يمكن إيجاده، إن عنيتم به أنه لا يستأنف له وجود بعد عدم فصحيح.

وإن عنيتم به أنه في حال كونه موجودا لا يكون موجدا، فقد بينا أنه يكون موجدا في حال كونه موجودا لا في حال كونه معدوما. فإنه إنما يكون الشيء موجدا إذا كان الفاعل موجدا، ولا يكون الفاعل موجدا في حال العدم بل في حال وجود الشيء منه. والإيجاد مقارن لكون الفاعل موجدا وكون المفعول موجدا لأته عبارة عن نسبة الموجد إلى الموجد، وكل ذلك مع الوجود لا قبله. فإذن لا إيجاد إلا لموجود إن كان المراد بالإيجاد النسبة التي بها يكون الفاعل موجدا والمفعول موجدا.

قالوا: ولهذا قضينا بأن العالم فعل الله أزلا وأبدا، وما من حال إلا وهو فاعل له لأن المرتبط بالفاعل الوجود، فإن دام الارتباط دام الوجود، وإن انقطع انقطع لا كما تخيلتموه من أن البارئ لو قدر عدمه لبقى العالم، إذ ظننتم أنه كالبناء مع البناء، فإنه ينعدم ويبقى البناء، فإن بقاء البناء ليس بالباني بل هو باليبوسة الممسكة لتركيبه، إذ لو لم يكن فيه قوة ماسكة كالماء مثلا لم يتصور بقاء الشكل الحادث بفعل الفاعل فيه.

والجواب: إن الفعل يتعلق بالفاعل من حيث حدوثه لا من حيث عدمه السابق ولا من حيث كونه موجودا فقط، فإنه لا يتعلق به في ثاني حال الحدوث عندنا وهو موجود، بل يتعلق به في حال حدوثه من حيث أنه حدوث وخروج من العدم إلى الوجود، فإن نفى منه معنى الحدوث لم يعقل كونه فعلا ولا تعلقه بالفاعل.

وقولكم: إن كونه حادثا يرجع إلى كونه مسبوقا بالعدم وكونه مسبوقا بالعدم، ليس من فعل الفاعل وجعل الجاعل فهو كذلك، لكنه شرط في كون الوجود فعل الفاعل، أعني كونه مسبوقا

بالعدم. فالوجود الذي ليس مسبوقا بعدم بل هو دائم لا يصلح لأن يكون فعل الفاعل، وليس كل ما يشترط في كون الفعل فعلا ينبغي أن يكون بفعل الفاعل، فإن ذات الفاعل وقدرته وإرادته وعلمه شرط في كونه وليس ذلك من أثر الفعل ولكن لا يعقل فعل إلا من موجود، فكان وجود الفاعل شرطا وإرادته وقدرته وعلمه ليكون فاعلا وإن لم يكن من أثر الفاعل.

فإن قيل: إن اعترفتم بجواز كون الفعل مع الفاعل غير متأخر عنه، فيلزم أن يكون الفعل حادثا إن كان الفاعل حادثا، وقديما إن كان قديما. وإن شرطتم أن يتأخر الفعل عن الفاعل بالزمان، فهذا محال إذ من حرك اليد في قدح ماء تحرك الماء مع حركة اليد لا قبله ولا بعده، إذ لو تحرك بعده لكان اليد مع الماء قبل تنحيه في حيز واحد، ولو، تحرك قبله لانفصل الماء عن اليد، وهو مع كونه معه معلوله وفعل من جهته. فإن فرضنا اليد قديمة في الماء متحركة كانت حركة الماء أيضا دائمة وهي مع دوامها معلولة ومفعولة. ولا يمتنع ذلك بفرض الدوام، فكذلك نسبة العالم إلى الله.

قلنا: لا نحيل أن يكون الفعل مع الفاعل بعد كون الفعل حادثا، كحركة الماء فإنها حادثة عن عدم، فجاز أن يكون فعلا ثم سواء كان متأخرا عن ذات الفاعل أو مقارنا له. وإنما نحيل الفعل القديم فإن ما ليس حادثا عن عدم فتسميته فعلا مجاز مجرد لا حقيقة له. وأما المعلول مع العلة فيجوز أن يكونا حادثين وأن يكونا قديمين، كما يقال: إن العلم القديم علة لكون القديم عالما، ولا كلام فيه وإنما الكلام فيما يسمى فعلا، ومعلول العلة لا يسمى فعل العلة إلا مجازا، بل ما يسمى فعلا فشرطه أن يكون حادثا عن عدم، فإن تجوز متجوز بتسمية القديم الدائم الوجود فعلا لغيره كان متجوزا في الاستعارة.

وقولكم: لو قدرنا حركة الإصبع مع الإصبع قديما دائما لم يخرج حركة الماء عن كونه فعلا، تلبيس، لأن الإصبع لا فعل له وإنما الفاعل ذو الإصبع وهو المريد، ولو قدر قديما لكانت حركة الإصبع فعلا له من حيث أن كل جزء من الحركة فحادث عن عدم، فبهذا

الاعتبار كان فعلا وأما حركة الماء فقد لا نقول أنه من فعله بل هو من فعل الله. وعلى أي وجه كان فكونه فعلا من حيث أنه حادث، إلا أنه دائم الحدوث وهو فعل من حيث أنه حادث.

فإن قيل: فإذا اعترفتم بأن نسبة الفعل إلى الفاعل من حيث أنه موجود كنسبة المعلول إلى العلة ثم سلمتم تصور الدوام في نسبة العلة، فنحن لا نعني بكون العالم فعلا إلا كونه معلولا دائم النسبة إلى الله تعالى فإن لم تسموا هذا فعلا فلا مضايقة في التسميات بعد ظهور المعاني.

قلنا: ولا غرض من هذه المسألة إلا بيان أنكم تتجملون بهذه الأسماء من غير تحقيق وأن الله عندكم ليس فاعلا تحقيقا ولا العالم فعله تحقيقا وأن إطلاق هذا الاسم مجاز منكم لا تحقيق له، وقد ظهر هذا.

الثالث لا يكون العالم فعل الله إذا لا يصور من الواحد إلا شيء واحد في استحالة كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط مشترك بين الفاعل والفعل، وهو أنهم قالوا: لا يصدر من الواحد إلا شيء واحد، والمبدأ واحد من كل وجه والعالم مركب من مختلفات، فلا يتصور أن يكون فعلا لله بموجب أصلهم.

فإن قيل: العالم بجملته ليس صادرا من الله بغير واسطة، بل الصادر منه موجود واحد هو أول المخلوقات وهو عقل مجرد، أي هو جوهر قائم بنفسه غير متحيز يعرف نفسه ويعرف مبدأه ويعبر عنه في لسان الشرع بالملك، ثم يصدر منه الثالث ومن الثالث رابع وتكثر الموجودات بالتوسط.

فإن اختلاف الفعل وكثرته إما أن يكون لاختلاف القوى الفاعلة كما أنا نفعل بقوة الشهوة خلاف ما نفعل بقوة الغضب، وإما أن يكون لاختلاف المواد كما أن الشمس تبيض الثوب المغسول وتسود وجه الإنسان وتذيب بعض الجواهر وتصلب بعضها، وإما لاختلاف الآلات كالنجار الواحد ينشر بالمنشار وينحت بالقدوم ويثقب بالمثقب، وإما أن تكون كثرة الفعل بالتوسط بأن يفعل فعلا واحدا ثم ذلك الفعل يفعل غيره فيكثر الفعل.

والتوسط وحده ممكن وهذه الأقسام كلها محال في المبدأ الأول إذ ليس في ذاته اختلاف واثنينية وكثرة، كما سيأتي في أدلة التوحيد، ولا ثم اختلاف مواد فإن الكلام في المعلول الأول والذي هي المادة الأولى مثلا، ولا ثم اختلاف

آلة إذ لا موجود مع الله في رتبته. فالكلام في حدوث الآلة الأولى، فلم يبق إلا أن تكون الكثرة في العالم صادرة من الله بطريق التوسط كما سبق.

قلنا: فيلزم من هذا أن لا يكون في العالم شيء واحد مركب من أفراد، بل تكون الموجودات كلها آحادا وكل واحد معلول لواحد آخر فوقه وعلة لآخر تحته إلى أن ينتهي إلى معلول لا معلول له كما انتهى في جهة التصاعد إلى علة لا علة له. وليس كذلك فإن الجسم عندهم مركب من صورة وهيولى وقد صار باجتماعهما شيئا واحدا. والإنسان مركب من جسم ونفس ليس وجود أحدهما من الآخر بل وجودهما جميعا بعلة أخرى. والفلك عندهم كذلك فإنه جرم ذو نفس، لم تحدث النفس بالجرم ولا الجرم بالنفس بل كلاهما صدرا من علة سواهما.

حيث يقع التقاء الواحد والمركب يبطل القول بأن الواحد لا يصدر منه إلا واحد فكيف وجدت هذه المركبات؟ أمن علة واحدة؟ فيبطل قولهم: لا يصدر من الواحد إلا واحد، أو من علة مركبة؟ فيتوجه السؤال في تركيب العلة إلى أن يلتقي بالضرورة مركب ببسيط. فإن المبدأ بسيط وفي الأواخر تركيب ولا يتصور ذلك إلا بالتقاء، وحيث يقع التقاء يبطل قولهم إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد.

فإن قيل: إذا عرف مذهبنا اندفع الإشكال، فإن الموجودات تنقسم إلى ما هي في محال كالأعراض والصور وإلى ما ليست في محال، وهذا ينقسم إلى ما هي محال لغيرها كالأجسام وإلى ما ليست بمحال كالموجودات التي هي جواهر قائمة بأنفسها، وهي تنقسم إلى ما يؤثر في الأجسام ونسميها نفوسا وإلى ما لا يؤثر في الأجسام بل في النفوس ونسميها عقولا مجردة. أما الموجودات التي تحل في المحال كالأعراض فهي حادثة ولها علل حادثة وتنتهي إلى مبدأ هو حادث من وجه دائم من وجه، وهي الحركة الدورية وليس الكلام فيها.

وإنما الكلام في الأصول القائمة بأنفسها لا في محال وهي ثلاثة: أجسام وهي أخسها، وعقول مجردة وهي التي لا تتعلق بالأجسام

لا بالعلاقة الفعلية ولا بالانطباع فيها وهي أشرفها، ونفوس وهي أوسطها فإنها تتعلق بالأجسام نوعا من التعلق وهو التأثير والفعل فيها، فهي متوسطة في الشرف فإنها تتأثر من العقول وتؤثر في الأجسام. ثم الأجسام عشرة تسع سموات والعاشر المادة التي هي حشو مقعر فلك القمر، والسموات التسع حيوانات لها أجرام ونفوس ولها ترتيب في الوجود كما نذكره.

وهو أن المبدأ الأول فاض من وجوده العقل الأول، وهو موجود قائم بنفسه ليس بجسم ولا منطبع في جسم، يعرف نفسه ويعرف مبدأه، وقد سميناه العقل الأول ولا مشاحة في الأسامي سمي ملكا أو عقلا أو ما أريد. ويلزم عن وجوده ثلاثة أمور: عقل ونفس الفلك الأقصى وهي السماء التاسعة وجرم الفلك الأقصى. ثم لزم من العقل الثاني عقل ثالث ونفس فلك الكواكب وجرمه، ثم لزم من العقل الثالث عقل رابع ونفس فلك زحل وجرمه، ولزم من العقل الرابع عقل خامس ونفس فلك المشتري وجرمه، وهكذى حتى انتهى إلى العقل الذي لزم منه عقل ونفس فلك القمر وجرمه.

والعقل الأخير هو الذي يسمى العقل الفعال، ولزم حشو فلك القمر وهي المادة القابلة للكون والفساد من العقل الفعال وطبائع الأفلاك.

ثم إن المواد تمتزج بسبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة يحصل منها المعادن والنبات والحيوان، ولا يلزم أن يلزم من كل عقل عقل إلى غير نهاية، لأن هذه العقول مختلفة الأنواع، فما ثبت لواحد لا يلزم للآخر.

فخرج منه أن العقول بعد المبدأ الأول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع هذه المبادئ الشريفة بعد الأول تسعة عشر، وحصل منه أن تحت كل عقل من العقول الأول ثلاثة أشياء: عقل ونفس فلك وجرمه، فلا بد وأن يكون في مبدئه تثليث لا محالة، ولا يتصور كثرة في المعلول الأول إلا

من وجه واحد وهو أنه يعقل مبدأه ويعقل نفسه، وهو باعتبار ذاته ممكن الوجود لأن وجوب وجوده بغيره لا بنفسه، وهذه معان ثلاثة مختلفة. والأشرف من المعلولات الثلاثة ينبغي أن ينسب إلى الأشرف من هذه المعاني فيصدر منه العقل من حيث أنه يعقل مبدأه، ويصدر نفس الفلك من حيث أنه يعقل نفسه، ويصدر جرم الفلك من حيث أنه ممكن الوجود بذاته.

فيبقى أن يقال: هذا التثليث من أين حصل في المعلول الأول ومبدؤه واحد؟ فنقول: لم يصدر من المبدأ الأول إلا واحد وهو ذات هذا العقل الذي به يعقل نفسه، ولزمه ضرورة لا من جهة المبدأ إن عقل المبدأ، وهو في ذاته ممكن الوجود وليس له الإمكان من المبدأ الأول بل هو لذاته. ونحن لا نبعد أن يوجد من الواحد واحد يلزم ذلك المعلول، لا من جهة المبدأ، أمور ضرورية إضافية أو غير إضافية، فيحصل بسبه كثرة ويصير بذلك مبدأ لوجود الكثرة. فعلى هذا الوجه يمكن أن يلتقي المركب بالبسيط إذ لا بد من الالتقاء، ولا يمكن إلا كذلك فهو الذي يجب الحكم به. فهذا هو القول في تفهيم مذهبهم.

← Önceki 4 / 16 Sonraki →

Anlam Arayışı