☪ Anlam Arayışı

← Kitâbü't-Tevhîd

مسألة إثبات الرسالة وبيان الحاجة إليها

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

قال الفقيه رحمه الله تكلم الناس في الرسالة فأثبتها أئمة الهدى وقادة الخير وحكماء البشر وأنكرها من جهل صانعه ومن أقر ممن جهل أمره ونهيه ومن أقر بذلك ممن زعم أن في العقل الغنى عن الرسالة مع ما أمكن مقابلة آيات من ادعى الرسالة بصنيع الكهنة والسحرة والمشعبذة

وبعد فإنه يحتمل ظهور عجز من حضرهم بما لم يكن في ذلك النوع تكلف وإجتهاد ولم يكونوا امتحنوا قوى الجميع

قال الشيخ فنناظر من أنكر الصانع في إثباته إذ التنازع في إرساله لا يتمكن إلا بعد لزوم القول بهستيته وثباته مع ما أمكن الأمران جميعا بآيات الرسل إذ هم قوم نشأوا بين قوم عرفوا أحوالهم وقد كانوا أدركوا منتهى وسعهم فلما جاءوا بالآيات التي قهرت عقولهم مع علمهم بأن وسعهم لا يحتمل إنشاء مثلها لزم العلم بصدقة فيما أخبر من مرسله وأن تلك الآيات مما أنشأها من يكون رسالته من عليم حكيم قادر على إنشاء الأدلة على إثباته ليعلموه بها وإن لم يشهدوه ولا قوة إلا بالله

ثم من أنكر الأمر والنهى والوعد والوعيد لم يحصل لإنشاء حكمة وإنما حصل منه على الإنشاء ثم الإفناء ثم معلوم أن كل من ذلك عاقبة فعله ليس بحكيم فدلت حكمة صانع العالم بما جعل فيه من الأدلة على وحدانيته وعظيم سلطانه على أنه حكيم والله الموفق

مع ما كان الله سبحانه إذ هو غنى بذاته حكيم في فعله خلق الخلق للبقاء إلى قدرة جعلها لهم ثم لم يجعل البقاء إلا بالأغذية وقد حبب إليهم البقاء ودوام الحياة فلو لم يجعل عليهم الأمر والنهى لبادر كل إلى ما يطمع فيه من البقاء ودوام الحياة مع ما له فيه من اللذة والشهوة ثم يفعل أقرانه بذلك الشيء نحو فعله فيحدث بينهم التنازع والتجاذب ويحملهم ذلك على التدافع وفي ذلك خوف الفناء بما به جعل البقاء فلزم جعل الحرمات والحل والأمر والنهى بما فيه من الوعد والوعيد ليعلم كل ما له مما ليس له فيسلم من كل عداوة وتبقى له روحه ومن أنكر الأمر والنهى والمحنة ذهب إلى معنى المحنة في الشاهد إنما هو لظهور ما خفى وتجلى ما استتر والأمر والنهى لمنفعه ينالها الآمر والناهي أو مكروه يدفعه فإذا كان الله غنيا بذاته عليما بالسرائر والخفيات ذهب معنى المحنة والأمر والنهى

قال الفقيه رحمه الله نقول وبالله التوفيق إن كان أمره ونهيه ومحنته على ما يذكر فإن فعله لذلك لمكروه يدفع أو محبوب يجلب أو عيب عنه يتخلى والله سبحانه أنشأ العالم لا للذي يذكر فمثله الأمر والنهى والمحنة مع ما كان ذلك التقدير إنما هو فعل المحتاجين مما يعلو درجاتهم وتجل أقدارهم ولو فعلوا غير ذلك كان عليهم في فعل ذلك ضرر عاجل وشر آجل فأما من هو حكيم بذاته غنى فهو لا يفعل لنفع ولا لدفع الضرر فمثله الأمر والنهى مع ما

بينا من إختلاف الممتحنين في الغنا والحكمة لم يجز تقدير أحدهما بالآخر ولا يحتمل حكيم يفعل الشر لحكمه الربوبية فتكلفه الذي ذكر خطأ

وبعد فإنه إذ جعل الخلق قسمين ضارا ونافعا وجعل كل جوهر محتملا للألم واللذة لم يحتمل أن يجعلهم كذلك إلا لعواقب يحذرهم بها ويرغبهم فيها من الوعيد بالشدائد والوعد بالملاذ وبذلك تتم الرغبة والرهبة والله الموفق

وبعد فإذ خلق الخلق وجعل البعض منافعا لبعض وإن لم يكن له في ذلك نفع لغناه وكذلك المضار فمثله يأمر وينهى بمنافع بعض ببعض وإتقاء المضار مع ما يأمر بما ينفعهم كما خلقهم وجعل لهم ذلك وينهى عما يضرهم والله الموفق

وأيضا إن في الحكمة الأمر والنهى إن الله خلق البشر في أحسن تقويم وسخر لهم جميع ما على وجه الأرض وبركاتها وبركات السماء من غير أن سبق منهم ما خرج ذلك مخرج المكافأة أو مخرج حق قضاه فلا يجوز في العقل إسداء مثل هذه النعم إلى ما لا يعرفها لما فيه تضييع وظلم النعم فلزمهم به معرفة المنعم ليعلموا من يستحق المحبة ويستوجب الشكر وفي ذلك لزوم المحنة ووصل بذلك الوعد والوعيد ليتم الرغبة والرهبة وبالله التوفيق

وبعد فإنه قد حسن في العقول الصدق والعدل وقبح فيها الجور والكذب فجعل الفريق الأول عظيما في القلوب كريما والثاني حقيرا مهينا فيصير العقول آمرة بكسب ما يعلى شرف من رزق منها وناهية عما فيه هو أن صاحبها فيجب الأمر والنهى بضرورة العقل ثم الثواب ليتم الكرامة لمن اختار سبلها والقيام بوفائها والعقاب لمن آثر هواه على إشارة العقل

وفيما ذكرنا لزوم القول بالرسل ليدلوهم على معالم العدل والصدق ومضار ضدهما على الإشارة إلى كل شيء أشكلت مائيته ليكون أمر الأحوال للحمد موافقا والله الموفق

وبعد فإنه لا عاقل في الشاهد يرضى إهمال نفسه عن التعاهد ينهمك في الشهوات بل كل يجتهد على تسويتها على ما لايضرها وعلى ما يحمد عواقبها على ما فيها من الجهل الذي يعطبه بما به يرجو نجاته ويضره فيما به يطمع نفعه فذلك يحوجه إلى من يعلم عواقب الأمور حتى يروض نفسه على إشاراته دون أن يهملها لشهواتها ولا قوة إلا بالله

ثم نرجع إلى مناظرة من أنكر الرسالة للوجوه التي ذكر ها بعد إقراره بالتوحيد وإيمانه بالأمر والنهى مع ما فيما ذكرت من أدلة الأمر والنهى مقرونة بالحاجة إلى الرسالة كفاية لمن تصح نفسه ثم نقول يجب القول بالرسالة بضرورة العقل في إيجاب الحاجة إليها دينا ودنيا ثم في إثبات الأفضال من الله إن كان في العقل منه غنى فأمر الدنيا فيما به أيضا قوام الدين ونحو أن خلق البشر وجعلهم أهل المحنة وأنبت لهم من الأرض بما أنزل من ماء السماء أغذية لهم وأدوية ثم أنبت منها الأدواء والسموم القاتلة ومنح في عقولهم الإمتحان بأنفسهم ليعرفوا المؤذى من المغذى لما لعل فيه عطب الممتحن وليس في العقول سبيل يعرف ذلك لزم القول بمن يطلعه الله على كل جوهر منها ليحيى بما يأكلون أبدانهم ويقيموا به دينهم

ثم في الإبتداء ليس في العقول سبيل يعرف الوجوه التي تنبت من الزراعة وما فيها من التدبير ثم بعد التمام والعلم بجوهر لا بد ممن يعلم كيف يستعمله حتى

يصلح للإغتذاء على اختلاف ما جعل لصلاح ذلك ثم جعل في الطعام أنواع الأذى مما يدفع إليه المنتفع إذا لم يحفظ حده لأنه ممن يعلم حد ذلك ثم دواه إن ضره بالقدر الذي به يدفع ضرره ثم علوم الطب مع تفاوت الطبائع وإستعمال السموم القاتلة ليعرفوا قدر النافع مما يقوم معه البدن ثم في أنواع الحرف التي بها قوام سترهم وكنهم والوقاية لهم من الحر والبرد ثم فيها خلقت لهم من الدواب الصعبة مما ليس يعلم المتأهل فيها أنها لأي منفعة خلقت ولا أنها لمنافعه خلقت أو لا ولا كيف يروضها إذ طبع كل منها النفار عما هي له حتى تنقاد وتخضع ثم في أنواع التجارات التي لا يقوم لهم دين ولا دنيا إلا بها ثم ما فرق حوائجهم في البلدان الذي ليس في طبعهم ولا في عقولهم ما يدلهم أو يبين لهم في كل حاجة أنها أين تطلب ثم في معرفة طرقها إذ ليس في العقل ما يدل على مكانها ولا على طرقها ثم في تعرف الألسن التي بها قام النفس للمعاش وفهم المعاد ثم نتعرف الأسماء التي لولا هي مافهمت حاجة ولا أمكن أحدا معرفة موضعها ثم في وجوه أسباب التناسل وفي معرفة تربية الصغار ثم في العلم بتدبير أغذية ما ليس يتطرق ثم بظهور بعلم الخلق بعضهم من بعض جميع ما ذكرت من الألسن والأسماء والحرف والطب والصناعات كلها وطرق البلدان ورياضة الدواب وكيفية إستعمالها وجميع ما ذكرت هو الدليل البين أن أصولها تعليم وإشارة لا إستخراج العقول والله الموفق

فهذا مع الأمر المعروف الموجود من فزع بعض إلى بعض عند النوائب وما يحزنهم من الأمور المهمة للإستعانة برأيهم والصدور عن مشورتهم بما عندهم فضل في العالم ثم تعليم فنون الآداب ثم قيام كل بما يستفيد أنواع العلم من درس الكتب والإستماع إلى الحكماء فدل ذلك أنهم لم يروا بعقولهم كفاية عن الإستعانة وآداء حاجاتهم جميعا لزم في العقل الفزع إلى ناصح صدوق وذلك

ظن الخلق بأولئك إنه وصل إليهم العلوم على ألسن هؤلاء فعلى ذلك أمر الدين والدنيا وعلى ذلك علم السحر يعتبر جواهر الأشياء بأنواع المعالجات وعلوم محاربة أعداء الدين والأموال كلها مستفادة في الأمر الظاهر من الألسن وما عنها يوجد فأول ذلك تعليم يكون من العليم الحكيم

ثم مما يلزم القول بالرسالة بضرورة العقل هو أنه قد ثبت حسن معرفة المنعم والشكر له في العقل وقبح الجحود له والكفران بنعمته ثم ما من شيء تقع عليه حاسة من حواسه إلا ولله عليه في سلامة حاسته وما أدرك نعم يعجز عن الإحاطة بها

ثم بعد هذا له عبارتان إحداهما تفاوت إستحقاق المنعمين الشكر وتفاضل أقدار النعم مما لا يبلغ علم أحد نهايتها إلا علم من أنشأها فعلى هذا لا يبلغ عقل بما به تمام شكرها إلا هو فيلزم العقل من يخبر عمن منه تلك النعم والأخرى أن تلك النعم إذ هي تفرقت على الحواس وأصابت كل جارحة منها فلزم استعمال كل جارحة في شكر ما له عليها من النعم مع ما إذا أردت أن تعرف قدرها اعتبر بالمبتلى بالآفة بها لعلة يخف عليه بذل الدنيا ثم كان ما بكل جارحة تؤدي من الشكر لا يعرف بالعقل فيلزم القول بمخبر يخبر عن الله

وأيضا إن الله إذ خلق البشر خلقا أمكنه إستعمال كل جارحة منه بما جعل من اللين بالمفاصل يقبض بها ويبسط ويعطى ويأخذ ويتقلب على مختلف الأحوال وينتشر في مفترق الأفعال مما لو لم يكن خلقه لاستعمال جميع ذلك في العادة لجعل فيه وسع العمل والنفع خاصة كالدواب والطيور فثبت أنه خلق للعبادة فلا بد من مبين مائيتها في كل جارحة

ثم الأصل في ذلك مما يوجب ضرورة العقل الحاجة إلى الرسل وجوه أحدها وجود التنازع الظاهر بين الخلق على إدعاء كل منهم أحق بالحق وأولى بالإصابة واتفاق أن ليس فيهم من يفزع إليه ليحكم بينهم ويريهم بما به يتألف قلوبهم وتجتمع كلمتهم ومعلوم أن التنازع هو أصل كل فساد ومقدمة كل فناء وذلك كله قبيح في العقول فقد انتهت عاقبة العقول إلى من يعينها ويردها إلى ما جعلت هي له من الصلاح والمعرفة ومعلوم أن لا أحد أعلم بذلك ممن خلقها وأنشأها وفي ذلك لزوم القول برسول نعلم أنه من عنده جاء وبالله التوفيق

ودليل آخر إنه معلوم أن العلماء يتفاضلون في إدراك ما به مصالحهم في أمر الدين والدنيا يكون عند واحد من ذلك ما ليس عند غيره وإذا ثبت ذلك فلا ندفع أن يكون عند الله مما به صلاح عباده مما ليس عند خلقه فيوصلها إليهم برسله والله المعين

ودليل آخر إنه لا يخلو الأمر من أن يرجع إلى ما يدعوه إليه غفلة أو يلزم على بعض الصدور عما أراه غيره ممن هو أرجح منه عقلا فإن كان الحق هو الأول ليجب الجمع بين العقول والقول لكل بالإصابة إذا قال بما أراه عقله وفي ذلك شهادة بإصابة كل ذي دين اعتمد على عقله وذلك محال لتناقض الآراء والقول وإن كان الوجه الثاني فيصير عقله كرسول يأتيهم من عند الله فيحتاج ذلك إلى دليل يعلمنا شخصه ثم لا فصل بين دليل يقوم بصدقه فيما يخبر عن الله أو بإصابة الحق في كل ما ينطق به عن عقله والله الموفق

فهذا مع ما يعلم أن الأشغال وازدحامها على العقول يلبسها فكذلك الهموم وأنواع ما جبل عليه البشر وكذلك أنواع الألم وأسباب لا تحصى مما يشغل العقول

ويمنعها عن الإحاطة بالحق في كل لطيف وجليل وكذلك غلبة الشهوات وكثرة الأماني واللذات فلذلك لا بد من رسول الله ليبينهم ويدلهم عند الإشتباه على الحق ولا قوة إلا بالله

وقد بينا بحمد الله حاجة العقول للرسل والقول بهم وعجز العقول عن الإحاطة بالكل والأصل في ذلك وجهان أحدهما أن الله تعالى جعل لكل مدرك آلة بها يدرك ثم هؤلاء تحيط ذاته دون أسباب تتصل به ثم مع ذلك تعترضه آفات يلزمه تفاديها بالمؤاذرة له من الأعوان والحفظ له من الأضداد التي هي أعداء تمنع ليشهد بحق الإدراك على العلم بمنع البعد ذلك واللطافة عن العمل حق العمل فعلى ذلك العقل إذ هو سبب مخلوق له حد كغيره من أسباب الإدراك يعترضه ما يعترض غيره مع غموض الأشياء وإستغلاقها ومن مادته النظر في الأسباب أعلى ذلك مما يسمع من كلام الحكماء وأحقهم من له على حكمته برهان ولا قوة إلا بالله

وجه آخر إن الله جل ثناؤه جعل السبب الذي به درك كل خارج عن الحسن وجهين أحدهما الإستدلال بالذي عاين إذا اتصل الغائب بالذي عاين كاتصال دخان بالنار وضياء الشمس بها وكاتصال أثر الفعل بالفاعل نحو الكتابة والبنيان ونحو ذلك والثاني الخبر ينبئ عن حال ذلك نحو البلدان النائية والأحوال المتغيرة والأمور النازلة معروف ذلك عند جميع العقلاء وبذلك معرفة الإنسان الأجناس والفصول والأنواع وأنواع الطب واللسان وعلوم الصناعات والحروب وغير ذلك ثم نعرف الأمر والنهى والوعد والوعيد فيما ليس بمحسوس دليله لا وجه لإدراكه إلا بالخبر وذلك نحو المباح والمحظور وما فيه كل

شيء من مختلف الأحوال فيلزم في نحو هذا القول بالخبر وفيه إيجاب القول بالرسالة

ثم الأصول ثلاثة ممتنع وواجب وواسط وهو الممكن وعلى ذلك جميع أمر العالم فالواجب في العقل على جهة لا يجوز مجئ الخبر بغيره وكذلك الممتنع ويجئ في الممكن إذ هو المنقلب من حال إلى حال ويد إلى يد وملك إلى ملك وفي ذلك ليس في العقل إيجاب جهة ولا امتناع من جهة فتجيء الرسل ببيان الأولى من ذلك في كل حال والله الموفق

وما ذكر في الآيات فإن لكل من ذلك علامة تعلم وآية تظهر مع ما كانت المعارضة فاسدة لأنه لا يخلو من أن يكون يصدق أحد في الخبر فيكون ذلك السؤال عليه أو لا يقر بشيء البتة وفي ذلك سقوط خبره هذا عن نفسه مع ما كانت المقابلات بالخروج على غير الحقائق من طريق العيان أظهر مما قال ثم لم يجب به نفى علم العيان كيف وجب ما ذكر وما ذكر من غير عصر الرسل فذلك كلام في قبول الأخبار يلزمه من وجه يضطر إليه فيبطل سعيه

ويناظر فيما قال إنه مما يحرمه العقل من المديح حق لمن ذلك علمه مما يوجب العقل أو الطبيعة أن يجعل الكل ما حوته نفسه وما نفرت عنه طبيعته بصده فيقلب الأحكام عن حقائقها ويبين أنه عن جهل بالعقل خرجت قضاياه فحق مثله أن يعلم حقيقة العقل فيبطل بحكمه ويمقت نفسه بجهله العقل من الهوى والله الموفق

ثم لو كان في العقل الغنى عنه لجائز إرسال الرسل من طريق الأفضال إذ الله موصوف معروف الإحسان فيه تتقلب عباده وما من نعمة لله تعالى إلا ولله تعالى على عباده فضل زينهم وجمالهم نحو الأذنين والعينين وكل ذي

عدد في الجسد ثم في كثرة النعم في كثرة ما أنشأ من دلائل التوحيد والرسالة وإن كان بدون ذلك كفاية ثم بكثرة الفواكه والملاذ وإن كان القليل من ذلك كافيا

وبعد لو كان بالعقل كفاية فهو يسده الحد في ذلك والتعاون بأنواع واستشارة أهل النظر فيما خص الله لهم وأزاح عنهم الإشكال ثم الإجتهاد الوافر له يبذل فيه كل مجهود فكان في إرسال الرسل تيسير عليهم وتخفيف وذلك من عظيم المنن فكفران مثله يدل على حمق الرجل وجهله بالمنن حتى عدها بلاء مع ما للعقول أشغال وللأنفس أهواء يستر العقول فإرسال الرسل معونه لهم وإرشاد وذلك هو الذي جبلت العقول على حبه مع ما فيه تذكير وتنبيه وتحذير لوجه التقصير فيكون ذلك مما يحث على النظر ويدعو إلى الفكر وإستعمال العقول وذلك معروف في جميع أمور الدنيا وسياسات الملك مع ما جعل الهوى منازعا له وقد جعل للهوى أعوان من الأماني والشهوات وشياطين مزينة لها فكيف ينكر جعل أعوان للعقول أحقهم بذلك الرسل

وبعد فإن جميع نوازع الهوى مشاهدة حسية وجميع أسباب عمل الحق غائبة إذ المذكر هو ذكر الثواب والعقاب والأمر بترك الشهوات والملاذ وذلك أمر عسير على الطبع والهوى فيحتاج في ذلك إلى الإستعانة برؤية من تذكر رؤيتهم المعاد ويخبرون عن المنقلب بما فيه من اليسر والعسر ليصير ذلك بحق العيان فيسهل على الطبع سهولة ما يوافق الطبع والله الموفق

ونوع آخر من الأصل في ذلك وجود الرسل بما معهم من الأدلة والبرهان مما

يعلم جميع منكري الرسل أن ليس مع أحد منهم دليل يحقق تكذيبه أو يزيل عن نفسه صفة المتعنتين مع كثرة حيلهم في مقابلات أدلتهم وطعنها مرة بالسحر وبوجوه أخرى ثم مع بذلهم مجهودهم من دنياهم في إطفاء نورهم فلم يروا غير الظهور والغلبة حتى أحوج الله جميع الأنام إلى الذين يؤمنون بالرسل على تعرفهم بما علموا في الجملة أن لهم في أمورهم غنى رجاء أن يصلح أمرهم فيتفق كلمتهم وعلى ذلك سياسات ملوك الدنيا

ثم لا يقوم رعية لا تجعل فيهم شريعة يلزمون القيام بها وأساسا يبنون عليه ولا بد لأمثال ذلك من تدبير ممن يعلم أنه إذا خلقهم جعل لهم وجها يصلحون عليه ولا قوة إلا بالله

ثم نذكر طرفا مما ذكره الوراق فقال فيما جاء به الرسل من الآيات المعجزات التي بمثلها يثبت القول بالتوحيد إنهم لم يمتحنوا قوى الخلق ولا وقفوا على طبائع العالم التي يستعان بها في الأفعال بل لم تبلغ علم أكثرهم فكيف يعرفون بذلك مبالغ الحيل وهل الذي رأوا إلا كلعب أتى العجب وهل حدث السحر إلا لجذب حجر المغناطيس الحديد

فيقال له أبلغت أنت الذي ذكرت لتعلم أنت الذي قلت طعن أو تمويه فمهما قالوا من شيء فهو له جواب في الأول وجواب آخر إنه لو كان في جوهر العالم الذي ذكر لم يحتمل ظهور ما ذكر من الحجر لأن الخاص إنما يحفظ بإسمه لما يخرج من الإحتمال لبعد في الآيات وتخصيص ذلك من جوهره في الأعجوبة فأوجب ذلك أمرا ما جاء به الرسل خصوصا لهم ليكون لهم إنه في الخروج عن جوهره بالذي يدعى مع ما بينا فيما تقدم أنه نشأ بين قوم

على طبع علموا أن مثله لا يحتمل ذلك بجوهر بشر بالذي جاء به

وبعد فقد كثر عنهم الآيات من أنواع ما لا يحتمل ذلك بالإطلاع على جوهر الأرض إلا أن يطلعه من علم جواهرها وفي ذلك الذي ذكر على أنه ما من نبي صحت نبوته إلا وقد شهد قومه منه من إعلام الصدق ما يجب قبول قوله لولا الآيات

ثم يقال أنت ممن تقبل خبرا في الدنيا فإن قال نعم كلف دليلا على صدقه أوضح من أدلة الرسل وفي ذلك وجوب القول بالذي ذكرت وإن قال لا يشهد عليه العقل وكل شيء جعله حجة بالكذب

وعارضه ابن الروندي إن أحدا لو ادعى طبيعة يحدث بها الكواكب أو لو نصبه مقابل الشمس يذهب ضوؤها أو إنه إذا مس البحر لفظ البحر جميع ما فيه وإذا مسح به قدمه لصار في الهواء وارتفع إلى السماء ويصير سحابا يمطر فإذ لزم تكذيب بما ادعى الخروج عن طبائع معروفة فمثله الأول مع ما كان المكذب ليس معه شيء ومع الآخر شيء بالظنون يرد وبالإحتمال وما به قد يمكن عيب والحجة ظاهرة فلزم القول به واحتج على الوراق بما أجمع على موت البشر كلهم وإن لم يشهدوا الكل بالرسل فقال فيه الإجماع

قال أبو منصور رحمه الله وقد علم أنه لم يشهد بل لم يبلغ علمه شيء والثاني أنه علق دليله في ذلك بالمحنة وقد زال والثالث إذ لا يبلغ التدبير ثبت أنه قيل بالرسل

وقال في قول الفلسفة إن تركيب الحيوان تركيب يموت تأملوا حماقته بعد قول قوم لو أدركوه لأدركوه بالرسل ثم ينكر قول الرسل مع البرهان والثاني أنه لم يمتحن عقول جميع الفلاسفة ولا هم امتحنوا طبائع الجميع والثالث أنه لو كان بالتركيب لما اختلف قدر الحياة وقال بالطباع إن النفس لا تطمع

في دفعه ولا ترجو الظفر به فجوابه إنه لم يمتحن طبائع الكل والثاني أنها سكنت إلى هذا بالتوارث من قول الرسل والثالث كذلك آيات الرسل لم يطمع إلا بعسر إتيان مثلها وهي بحيث تحتمل الطمع مع ما كانت فيها ما لا يطمع مع التقريع والتحذير وفيها ما لا يحتمل الطمع البتة نحو انشقاق القمر

ثم يقال له تعتقد شيئا البتة فإن قال لا أقر أنه لم يعتقد تكذيب من ذكر ولا أنه هو ولا هو حي أو ميت فتكلفه الأجوبة والمعارضات خطأ وإن قال نعم قيل لعلك تعتقده بما لم يبلغ قوة دركك وعلمك بالأشياء مبلغ الإحالة إذ قد رأيت كثيرا من المعتقدين بطل اعتقادهم فلعل طبيعتك أرتك ذلك الفساد ويجوز أن يكون في الطبائع طبيعة نقية يدرك لذلك فيما اعتقدت ويظهر جهلك فمهما قال من شيء فهو له في جميع ما أنكر جواب وأصله أن كل من استخار الخروج من المعارف والتفوه بغير الموجود في الطبائع بلا شيء سوى أنه لم يكن أو لعله يكون أبطل سبيل تثبيت شيء البتة أو نفيه ويكون في حد الشاكين في البيان كله ولا قوة إلا بالله

ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان أحدهما ظهور أحوالهم على جهة يدفع العقول عنهم الريبة وتأبى فيهم توهم الظنة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم ظاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم بينهم على ذلك ولا تربيتهم تبلغ ذلك على ظهور أحوالهم لهم وكونهم بينهم في القرار والإنتشار فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما

شريفا ويجعلهم أمناء على العيوب والأسرار وهذا مما يميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له إما لإلف وعادة على خلاف ذلك أو لشرف ونباهة في العاجل أو لمطامع ومنال وإلا فما من قلب إلا ويميل إلى من دون هذا رتبته ومحله ولا قوة إلا بالله

والثاني مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والإجتهاد فإن الرسل بما نشأوا لا في ذلك وربوا لا به يظهر أنهم استفادوه بالله أكرمهم بذلك لما يجعلهم أمناء على وحيه ولهم أيضا معاني فاقوا بها السحرة على أن علم السحر أصله من السماء لكن الناس نسوا أصله وتوارثوه بالتعلم وكذلك المكاسب والحرف والصناعات كلها فمن أكرم لا بالوجه الذي هو طريقه في المعارف علم أن ذلك تخصيص لأمر عظيم مع ما كان معهم معان يعلم بها أنهم مبعوثون أحدها أنها تخرج حقيقة تبقى ببقاء الخلقة والسحر هو شيء يأخذ البصر ثم يضمحل والثاني أن آية الرسل تمنع أن يدعيها من ليس برسول فيتبقى معه إن كانت في جهة سحرا وما كان والثالث أن أولئك الذين تكلفوا استخراج العجائب بالتعلم فهم قد مالوا إلى لو كان حقا لكان به غنى عن عرض الدنيا فكان معهم دليل الكذب والرابع إن الرسل حملوا ما في الأنفس إنكاره ذلك من كفها عن الملاذ والشهوات وحفظها عن الذين بهم عز الدنيا وشرفها ودعاء أمثالها إلى ترك ذلك لله والخامس مخاطرتهم بالأنفس وبذلها في وقت ضعفهم وقلة أنصارهم من الخلق والتعرض للجبارين

بتنغيص ما هم فيه عليهم وإظهار القوة لهم من عند العزيز على ما علموا من سوء صنيعهم بالمخالفين لهم وبخاصة من يخافون منهم تفريق جمعهم وتشتيت أمورهم وأيضا إنهم إلى ما في العقول بيانه وفي سياسات الملك حسنه وبما في توقيف الخلق عليه صلاحهم دينا ودنيا ولا قوة إلا بالله وأيضا أنهم لم يقصروا في شيء دعوا إليه إجتهادا ولا روى في شيء من أمورهم هوادة ولا عرف في شيء من أخلاقهم نكير ولا في شيء من الأسباب التي بكل واحد مما فيها بعد الناس بذلك ما يوصف بالتمام من السخاء والشجاعة ومكارم الأخلاق والرحمة بالخلق والإشفاق عليهم وفي الزهادة في الدنيا وتحمل مؤن الخلق وغير ذلك مما يحق الميل إلى كل من فيه خصلة منها والتعظيم له لمكان ذلك فكيف لمن جمع الخصال المعروفة في المكارم مع حسن الأداء عن الله جل ثناؤه والصبر له فيما يصيبهم من المكروه مما لا يحتمل أن يكون شيء من ذلك يحتمل على تمكين الخلاص ببعض المداهنة وفيهم أيضا وعد العواقب ورجوع الأمر إليهم فخرج الأمر على ذلك وفيهم أنه لم يذكر عن أحد نظر إليه بعين التبجيل واستمع إليهم بالنصح لأنفسهم إلا أبصروا الحق في مقالتهم ولا اتبعهم أحد فخالفهم إلا بعد العلم منه بإيثاره الدنيا على الآخرة والباطل على الحق وكل الذي ذكرت كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مع غير ذلك من الآيات التي دامت له مما فيه إظهار نبوته وأنه خاتم الأنبياء منها هذا القرآن الذي تحدى به جميع الكفرة أن يأتوا بمثله وإن يعينهم على ذلك الجن والإنس فما طمع في ذلك إلا سفيه أخرق هجره قومه لسخفه وفيه أيضا بيان الحكم لجميع النوازل التي تحدث إلى يوم القيامة ليعلم أنه جاء من عند من يعلم الغيب وما يكون أبدا وبما جاء له من البشارات في فتح البلدان

وإظهاره دينه بين أهل الأديان وما فيه من الإنباء عما كان مما يعلم الخلق أنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن يعلم ذلك ولا نظر في كتاب قط لتبقى له تلك الآيات مع ما ذكر شأنه في الكتب السماوية حاج أهل الكتاب فلم يمكنهم إنكاره إشفافا على أنفسهم بل قد باهلهم مباهلته اليهود بقوله {فتمنوا الموت} والنصارا بقوله {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} والجميع بقوله {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} وإظهاره اشفاقا وإظهاره الأمر عنهم والثقة بالله بقوله {والله يعصمك من الناس} مع ما له آيات في الخلق وهو النور الذي انتقل من ظهر إلى ظهر حتى خرج هو وما كان من الخاتم بين كتفيه وما وصف بالربعة ثم كان لا يزاحم طولين إلا فاقهما ثم كان من السحاب الذي يظله قبل أن يوحى إليه ثم كان من شق بطنه وغسل ما فيه معلوم ذلك ورده إلى موضعه ثم كان من هجر عبادة الأوثان في صغره مع حرص قومه على ذلك وما استقى به العباس فسقوا ثم ما وصف من معاملته الكفرة أنه لم يكن يداري ولا يماري ولم يكن فحاشا ولا صخابا ثم ما لم يأخذوا عليه كذبا قط وبذلك وصفه أعداؤه ثم ما جاء من الآيات التي لما اختلفوا فيه فعرفوه بالسحر والكهانة والشعر ونحو ذلك فما كان إلا لكثرة آياته ولا قوة إلا بالله

ثم طعن الوراق المحتج بالقرآن بأوجه أحدها تفاوتهم في البلاغة ولعله تآليف أبلغهم والثاني أن الحروب معه شغلتهم عن مثله والثالث أنه لم يكونوا أهل نظر ومعرفة ألا ترى أنهم صدوا عن الإقرار مع توفر أسبابه عند أصحاب الضرورة وعن النظر والمعرفة مع أسباب ذلك عند أصحاب الإكتساب والرابع

خصوص واحد بقوة من بين الجميع من غير أن يوجب ذلك له شيئا فمثله النبوة أو أن يكون قدرتهم كانت بالفكر والتخيير فلم يتكلفوا ذلك

فأما الأول فإنه لو كان ما قال يمتنعون عن ذلك بعد الجهد فدل تركهم دونه أنهم تركوه طباعا وأيضا أنه لو كان كذلك لم يحتمل مثله ممن يقول {لئن اجتمعت الإنس والجن} أن يكون أحد من البشر يبلغ علمه باللسان ذلك والثالث أنه إذ نشأ بينهم ومن عندهم عرف اللسان فلولا أن له في ذلك من الله خصوصا لم يكن لغيره لا يحتمل أن يصير بهذا المحل والرابع قد تكلفوا المجاوبات لأقوام معروفين في فن حتى اجتهدوا في قصيدة حولا فلو كان يحتمل وسعهم أو يرجون البلوغ بطرق ما احتمل تركهم وفي ذلك تشبيه على القوم وقد بذلوا مهجهم ودنياهم في إطفاء هذا النور

والفصل الثاني لا يحتمل الذي ذكر لما بذلك غنى لهم عن بذل المهج ولما أمهلوا قريبا من عشرين سنة قبل الحروب ولما فيه تقريع الجن والإنس وإنما حارب قوم

وبعد فإن المحاربة لم تمنعهم من محاربات سمعوا من رسول الله كذلك القرآن لو احتمل وسعهم

والثالث لو كان كذلك لاستقبلوا بالإنكار والدفع كفعل العرف لا بالخضوع والإمتناع على أن العرب أذكى الناس عقلا وأشدهم حمية وقد قاتلوا الشعراء بالأشعار أيضا

وبعد فإن التقريع كان به جميع البشر والجن وقد انتشر أمره وظهر في الآفاق وأيضا فإن الذي حمله على ذلك وما جاء به نشأ بينهم وإن كان له معرفة ونظر مع نشوئه بينهم فذلك أيضا أنه له ولا قوة إلا بالله

وجواب الرابع أن الله تعالى إذا خص أحدا بقوة لا يشاركه فيها أحد يمنعه عن دعوى النبوة باللفظ كما منع من يظفر بحجر المغناطيس ولو علم أنه يدعى لا يعطيه والثاني أن لا أحد في شيء له فضل قوة إلا طمع غيره استتمام ذلك أو عمل ذلك النوع بقدر قوته والدليل ما يخرج من الطباع

وبعد فإنه لو كان له في ذلك فضل قوة بها عمل لكان لا يتمكن نيلها بهم وليست لهم إذ لا يوجد مثل ذا في شيء من الأمور دل أن الله جعل فيه ليكون آية لقوله

وسنذكر جمل هذه التأويلات بعد الفراغ من فصوله وقوله على البديهة فقد أمهلوا مع ما لم يحتمل أن يكون من البشر يعلم بفضل القوة ما تسأل عنه وقد تكلفوا الأشعار ثم نصب الحروب وجمع الأعوان وبذل الأعيان ثم اقتتال الأقران والمبادرات الفظيعة فلو كان وهمهم يحتمل القيام بذلك أيسر عليهم ثم قد دعوا إلى إتيان السورة نحو ثلاث آيات لو احتملها وسع البشر لكان ساعة من النهار كافية لذلك

← Önceki 41 / 70 Sonraki →

Anlam Arayışı