اختلاف المسلمين في مرتكبي الكبائر (2/3)
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
والثاني أنه صرف استغفار الأنبياء والأولياء إلى ما هو مغفور وذلك كتمان نعمة الغفران وإعراض عن الشكر فيما ذلك حقه وذلك بعيد ممتنع والله الموفق
ثم احتج بآية القذف إن الله أخبر أنه ملعونون بلا ذكر استحلال وغيره ولا يكون الملعون مؤمنا بقول وبالله التوفيق إنما في الآية لعنة الله عليه إن كان كذلك وليس فيها أن الله سماه ملعونا فأول ما في اعتلالك أن كذبت على القرآن ثم كيف ألزمته اللعنة بقوله {أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} ولم يلزمه اسم الإيمان وهو يقول به ويحقق أيضا أنه رد أحد اللعنتين إلى الحد
فكذلك الآخر على أن الآية نزلت في المنافقين بقوله {فأولئك عند الله هم الكاذبون} ولا كل قاذف كذلك وجملة ذلك أن من اجترى على ذلك القول واستخف بمقت الله ولعنه حلت به والأصل أن الكفر هو الطرد ولا كل مطرود بارتكاب مأثم ولا يقبل لو عذب قدر ما استوجب ولا كل من يقول عليه لعنة الله يستحقها ولو كان أحد يستحقها كان أحقها بها صاحب هذا القول إذ هو معلوم أنه كان يتعاطى الفسق ويختلف إلى الأئمة الحائرة وكل ذلك على مذهبه يوجب اللعن حقيقة وما في الآية قول اللعن لا حقيقة الوقوع ولا قوة إلا بالله
ثم احتج بقوله {ومن يعص الله ورسوله} في تعطل الحدود وقد ذكر في مثله الخلود في النار من غير ذكر كبيرة ولا صغيرة فإن كان ذا على التأويل فمثله الأول مع ما قال الله في مثله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فذلك أيضا في تعطيل الحدود وهو يأتي القول به ويصرف الآية إلى الإستحلال فمثله الذي ذكر ومثله في احتجاجه بقوله {أضاعوا الصلاة} مع ما قال الله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} وما ذكر من الأخوة والتحلية واجب بالقبول دون الفعل فكذلك الإضاعة تكون بالرد دون التأخير ولا قوة إلا بالله
وقد قال الله تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء} وقال {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} ثبت أن الذي يقوله لا يزيل الإيمان ولا إسمه والله أعلم
وقد احتج بقوله {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} لكنا بينا أن ذلك في حق القبول إذ لو ينتظر الفعل به لكان لا يجب الأخوة أبدا ولا يخلى سبيلهم وفي الأعياء إلى حول وذلك مما لا معنى له وقد بينا أمر الهجرة وأنها كانت من الفرائض التي جاء في التخلف عنها الوعيد الشديد ثم قد أثبت إسم الإيمان مع عدم ذلك والله أعلم
واحتج بقوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} وقوله {أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وما ذكر في أكل مال اليتيم فأما القتل العمد فله أوجه ثلاثة أحدها أن يكون فيمن تعمد القتل لدينه وهذا أحد وجوه الخطأ في القتل والله أعلم والثاني أن يكون ذلك جزاؤه ولله التفضل عليه بالعفو والمقابلة بالحسنات ولا قوة إلا بالله والثالث أن تكون الآية في الكفرة وفي القصة دليل ذلك
ثم دليل ما بينا قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} وإنما يكتب عليهم إذا قتلوا قتل العمد وأبقى لهم بعد القتل الإيمان ثم قال {فمن عفي له من أخيه شيء} فأبقى له اسم الإخوة ثم قال {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} أطمعه في رحمته جل وعلا وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار
ثم رأى المعتزلة في ذلك إلزام القصاص بعد التوبة وإزالة عقوبة الآخرة
وصرف الآية وإن كان فيها ذكر الإيمان إلى الخروج منه وذلك تخصيص ما ذكر من أكل المال بالباطل فكل يجمع على التخصيص إذ ذلك اسم يأخذ القليل وذلك غير مراد فيه وكذلك أموال اليتامى والثاني أنه ذكر فيه عدوانا وظلما وذلك على العذاب على حد الله والظلم على صاحبه مع احتمال ذلك ما ذكرنا في القتل ثم يقال لهم الآية التي فيها ذكر الإيمان أتزيله أو تبقيه فإن أزاله فقد أقر بالتخصيص وإن أبقاه رجع إلى رأى من نسبهم إلى الإرجاء والله الموفق
ثم قال إن الذي قال امتحن رسول الله لأعرف أنه رسول الله فأرد عليه بعد المعرفة فعرف صدقه إنه لا يكون بتلك المعرفة مؤمنا دل أن إطلاق الإسم ليس على ما كان في اللغة
قال الفقيه رحمه الله فنقول وبالله التوفيق ما أعظم جهله إذا أثبت ألإسم في اللغة كأنه قال أطلقته اللغة وأنا أمنعه فهو إذا يكذب نفسه عند جميع ذلك إسمه مع ما فيه إيجاب أن الله قد منعهم عن العمل بما عرفهم والزمهم العمل بما جهلهم ذلك جل الله عن هذا الوصف
ثم المعرفة ليست بإيمان وإن سميت مجازا كما يسمى فضل الله ورحمته بما هي تدعو إلى التصديق وما ذكر كله خيال لا معنى له ولا قوة إلا بالله
ثم استدل على منع اسم الإيمان بما جعل الله لما أطلق له اسم الإيمان أحكاما منعت منه واسم الكفر أحكاما لمن يقرن به فيقال له ما الدليل على أن الذي أوصيت إليه من الأحكام لإطلاق دون معان تتصل به في الوجهين جميعا ثم قال منها التعظيم والتزكية والموالاة وقبول الشهادة فيقال ما الدلالة على أن كل هذا لإطلاق الإسم خاصة دون تحقيقه بالشرائط المضمومة إليه والعادات التي دعا إليها الإيمان
وبعد فإن ولاية الإيمان لازمة وجميع ما منع منه منع بحق الإيمان الذي
فيه إذ حقيقته فيه منعنا عما ذكر مع ما كان الثابت مما فيه الحدود والقصاص يثبت له الولاية ويجب له الشهادة وجميع ما ذكر وتقبل ويحد على ذلك ولم يكن لأحد نفى الإسم بما عفى عن عذاب الله بل ذلك كله كما قال صلى الله عليه وسلم فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولا قوة إلا بالله
وأيد ذلك قوله {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} إنه لو كان الإيمان زائلا عنه لكانت الرأفة لا تأخذه بل رأفة الإيمان هي التي تأخذه حتى لعلها تبلغ إلى تعطيل الحد فحدد ذلك وأيد ذلك ما لو تاب ولا قوة إلا بالله
وإقامة الحد من الرحمة لأنه يكفره ويزيل عنه والأصل أن عقوبات الكفر لا تطهر صاحبها بل تسلمه إلى عذاب الأبد كقوله {أغرقوا فأدخلوا نارا} والحدود والقصاص جعلت كفارات فثبت أنها جعلت كذلك لم يزل الإيمان عنه والله أعلم
ثم نقول إذ الله يقسم الأحكام أقساما ثلاثة من حيث الإنقسام من اسم الكفر والإيمان وما ليس بكفر ولا إيمان حتى إذا زال حكم ذلك عنه لزم الواسط فما الدليل على أن ثمة واسط في الأسماء بل الله قسم في الجملة البشر المحتمل للعلم قسمين في أمر الدنيا والآخرة جميعا فمن زاد عليه فهو المبدع في دين الله مالم يؤذن له وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آوى محدثا فعليه لعنة فكيف بمن هو الذي أحدث الحدث فنسأل الله العصمة
واحتج بما ليسوا بكفرة بآيات قتال الكفرة وأخذ الجزية ونحو ذلك بما ليسوا بمؤمنين بأيات البشارة والولاية ونحو ذلك فبهذا خرج عن جملة قول المؤمنين
كأنه أغفل عن جملة أخرى لهم وهو أن البشارة عند من يرى صاحب الكبيرة مؤمنا كانت بشريطة أو كانت هي العاقبة
وعند الخوارج كان الحكم في الكفرة على نوعين أحدهما على القتل وأخذ الجزية والآخر لا كالنساء وأهل النفاق ونحوهم فيمن رام أن يجعل ثمة واسطا في الأحكام بما هي عند الفريقين يلزم لا بما ذكر من الواسط أغفل عن جملة قول الأمة ولا قوة إلا بالله
مع ما كان الله تعالى قد بين الأقسام الثلاثة الكفرة والمؤمنين وأهل النفاق وهم المذبذبون بينهما وأخبر أنهم ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء فمن رام تثبيت الواسط لا على ما جاء به النص وأراد أن يجعله مقابلا له على نفى الحقيقة التي جعل الله لها الواسط فقد ضيع حقوق القسمة ونقض الترتيب الذي جاء به القرآن فاستوجب المقت به من جميع منتحلي الإسلام ولا قوة إلا بالله
ثم عارض نفسه بالمرأة فزعم أنها مخصوص وهذا النوع من الخيال بل أحكام الكفر مختلفة لا يستدل بها على شيء وقد رأيته أطنب في معارضات الخوارج وتكلف الخروج مما قابلوه به مما يعلم كل من تأمله أنه لم يحقق ما رام الرامي ولا تخلص مما قوبل به حق التخلص فأغضيت عن ذكره
ثم احتج بنفى اسم الكفر والإيمان عن صاحب الكبيرة إن المرجئة والخوارج اتفقوا على أن اسم الإيمان لا يوجد بالقياس مما أوجبته اللغة وإنما كان من جهة السمع فلا تجوز التسمية بواحد إلا بالتواتر بالسمع أو الإجماع وزعم أن هذه حجة كافية
قال الشيخ رحمه الله نقول وبالله التوفيق كذب في الحكاية عمن بلغ ذلك بل هم أجمعوا على تحقيق الإسم بما أوجبته اللغة لكن الخوارج استدلت بإرتكاب الكبيرة على كذبه فيما أظهر من التصديق بقوله {أحسب الناس}
والمرجئة زعمت أن الإستدلال لظهور الصدق والكذب في الغالب لا أن التصديق في الحقيقة لا يكون دونه والإيمان هو ذلك التصديق في الحقيقة لو كان ليس في الكبيرة نفيه ولا في إبقائها بحقيقة في حق الوجود وإن كان في حق الدلالة على المستدل والله أعلم فحصل إذا القول منهم على ما توجبه اللغة وظهر كذبه في الحكاية ثم الأمة كانت قبل حدوث الإعتزال وأهله على قولين في صاحب الكبيرة على أنه مؤمن فاسق أو كافر فاسق ليعلم وجه كفره عند من يراه كافرا ووجه فسقه عند من يراه فاسقا وذلك ما يقال حرام مكروه وحلال مكروه ليعلم أن الحرمة هي بيان أخف الحرمتين وهي حرمة الكرامة لا حرمة الإطلاق وإن الحل ليس هو حل الإيثار والرغبة بل فيه بعض ما يورث الشبه فمثله أمر الأمة فيما ذكرت ثم اسقطت المعتزلة أحد الأسمين وهو الذي يعرف معنى التنازع وألزم الآخر على الإتفاق في منع ذلك مطلقا دون معرفة حقيقته فخالفوا بذلك الأمة وهذه حجة مقنعة لمن تصح نيته لله ولا قوة إلا بالله
ثم عارض نفسه بأنك اتبعت الإسم الأحكام هلا فرقت بين أصحاب الكبائر بما اختلفت أحكامها مهما قال أفعل فأسمى هذا سارقا وهذا قاذفا فيقال فإذ سميته فاسقا مع تحقيق اسمه الذي به فسق ولم تمنع عنه اسم فعله مما بالك منعت عن المؤمن اسم الإيمان الذي هو له مستحق لفعله إلا أن توسع التسمية بما يقبح من الفعل ويمنع بما يحسن وذلك جور في الفعل
ثم اسم الفسق لم يجب بجلد الثمانين ولكن بالموالاة والتعظيم وهذا بين الحيد عن تقدير المعارض له وإنما أراد والله أعلم أن الأسماء لم تقدر عن الأحكام بوجود الإختلاف في الأحكام على الإستواء في الأسماء وبذلك كان تقديره في الإبتداء ولا قوة إلا بالله
ثم الموالاة والتعظيم متفاوت على تفاضل المنازل والدرجات في المنازل في الدين كالرسل ثم الأئمة ثم العلماء ثم المؤمنين وعلى ذلك لازم الأمران جميعا في الدين ارتكبوا الكبائر على قدر ما أوتوا من الحسنات والمقت بما أوتوا من السيئات
فمن رام دفع ما جاء به من الخيرات بسيئات لسن بأضداد لهن فهو جائز في الحكم ولا قوة إلا بالله
ثم احتج بالآية التي فيها {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} في صاحب الكبيرة إنه لو كان مؤمنا لكان لا يعذب ولا يوعد عليه والآية ترجع إلى وجوه أحدها أن لا يجزيه عن شفاعة رسول الله بل يشفعه فيه وينجيه بها والثاني أن يكون ذلك عندما يقول لهم تواهنوا مظالمكم وعلى معذرتكم والثالث أن يكون لا يجزيهم خزى الكفرة من الخلود في النار إذ هو أنواع كما قال الله تعالى {ليس لهم طعام إلا من ضريع} وقال في موضع {فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين} على اختلاف الدركات فمثله على إختلاف الأوقات ويحتمل لا يجزى أي لا يفضح فيهتك ستره وذلك كذلك في كل مؤمن
ثم الذي ينقض على المعتزلة إبتداء الآية وهو قوله {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} ألزمهم التوبة وجعلها شرطا للمغفرة على إبقاء اسم الإيمان لهم والصغائر مغفورة بإجتناب الكبائر على قولهم ثبت أن الآية في أصحاب الكبائر وقد بقى لهم اسم الإيمان ولا قوة إلا بالله
والدليل على أن اسم الإيمان لا يزول بزوال العدالة قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} ولو كان كل مؤمن عدلا لكان يقول إثنان منكم إذ كان ابتداء الآية في مخاطبة المؤمنين ثبت أن قد يكون مؤمنا عدلا وغير عدل وقال
الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} إلى قوله {ممن ترضون من الشهداء} فلو كان كل مؤمن مرضيا لم يكن للشرط فائدة وكذلك قوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ثبت أن المؤمن يكون عدلا وغير عدل وكذلك قوله {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ثبت أنه قد يكون منهم رشيد وغير رشيد ولو كان كل مؤمن عدلا وكل من ليس بعدل ليس بمؤمن لكان لا شهادة ترد بالفسق بعد الإمتحان ولا يجوز السؤال عن الأحوال ليعلم بها العدالة والفسق بل على المكان الذي يسأل عما عليه من الإيمان في ذلك ويمكنه الوفاء فيجب قبول شهادته بلا سؤال عنه ولا اعتبار بأحواله وفي إجماع الأمة على الفحص عن الأحوال وترك النزول على ما يظهر من الأموال التي يكتفي بها فيما كان شرائطها الإيمان من الحل والحرمة والتوارث ثم العبادات دليل يبين أن الإيمان وما به يصير المرء مؤمنا ويستوجب أحكامه ليس هو كل ما يبقى أنواع الفسوق والعصيان ولاقوة إلا بالله
وعلى ذلك معنى أمر هذه الأمة في تعاهد الصلوات في الجماعات والصيام وإخراج الزكوات على ما هم عليه من الإختلاف في هتك الحرمات والإنهماك في المعاصي ثبت بالذي عليه الأمة عدول المعتزلة والخوارج عن الحق ولا قوة إلا بالله
ثم نذكر ما ذكر الكعبي فيما احتج عليه من القرآن بالحيل المستبعدة ليصرف عن نفسه وإتباعه اسم الإيمان ويوجب الإياس عن رحمة الله والإختيار لعداوته بكبيرة كأنه به يحصل على نفع في الدنيا وحمد في الدين ولا قوة إلا بالله
فقال لمن احتج عليه بقوله {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة} والتوبة لا تكون إلا عن ذنب بوجهين أحدهما أن التوبة عن الصغيرة وإن كانت مغفورة والثاني على التعبد كتكرار التهليل وكدعاء الملائكة بقوله {فاغفر للذين تابوا}
نقول له الوجه الأول دل على جهله بمعنى التوبة إذ هي الرجوع والندم ومحال ذلك عما ليس عليه وهو مغفور له لا يجوز عليه التعذيب والثاني إن حق عليه إذا غفر له الحمد له والشكر على العفو وفي التوبة كفران ذلك لأنه يوهم بقاءه بالتوبة والثالث أنه قال {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} فجعله موقوفا على ما يكفره بالتوبة ثبت أن الذنب باق وهو لم يزل مستحقا إسم الإيمان والله أعلم
والتسهيل له في كل وقت حكم التحديد لأن حقيقة الأفعال أن لا يبقى والتوبة يكون عن ذنب ولا ذنب
وبعد فإنه يجوز الأمر بالتهليل على التعبد ولا يجوز بالتوبة والإستغفار عن ذنب مغفور لما فيه إيهام أنه ليس بمغفور وذلك كفران النعم وغير جائز ذلك كما لا يجوز الدعاء بأن لا يجوز ولا يظلم ودعاء الملائكة لما قد يكون لمن ذكر ذنوبا غير مغفورة فإلى ذلك ينصرف الدعاء ولا قوة إلا بالله
ثم قال في قوله {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} إلا أن ذا يكون فيما لم يكن فعله كمن يرى آخر يدعوه بعض الغواة إلى أمر قبيح فيقول على سبيل النهى لم تفعل يا أخي ما ينقص دينك ويوجب عليك سخط ربك لا أنه فعله لكن لئلا يفعله
فيقال له إن كان جهدك في صرف اسم الإيمان عن المبتلى بكبيرة على ما فيه من تعظيم الرحمن وخشية العواقب لئلا تسمى أنت به فلك ما اخترت في نفسك وسويته وإن كان ذلك لتزيل هذا عن غيرك فهو يعلم جرأتك في ذلك على الله بما فهم من تسمية الله إياه بغير الذي سميته فلا يحتمل أن يرتاب في خبر الله مع ما يعلم من نفسه كذلك بإفترائك على الله بتسويل الشيطان ولا قوة إلا بالله
ثم الذي ذكرته لا يحتمل إلا سفيه أن يقول ويعاقب على ما يعلم كذبه فيما يعاتبه عليه فأما الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء يتعالى عن هذه الرتبة التي يأنف منها كل ذي لب والله المستعان وأما أنت فحقيق لذلك لأنك تيأس به من روح الله وتؤثر شهوتك عداوة الله وولاية الشيطان ويتعرك في مذهبه لمقته ولعنه فهنيئا لك ما خترته لنفسك عند الكريم والرحيم ولا قوة إلا بالله
ثم قال في قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إنه أثبت اسم الإيمان وإن لم تخشع قلوبهم إن أول ذلك إثبات إسم الإيمان بلا خشوع وأنتم لا ترون إلا التصديق باللسان والمعرفة بالقلب والثاني أن قد يقول لمن يخشى الله ويقوم بالغاية في شكره أما ينبغي لك أن تخشاني وتشكرني لا أنه غير شاكر له ولكن على التنبيه
قال الفقيه رحمه الله فأما الأول فإنما الآية إنما هو في الخشوع لذكر الله وأن من لا يخشع له مذموم فاسق وخشوع الإيمان هو الذي يكون بمعرفة جلاله وكبريائه وهذا لا يزول عن المؤمن ومع الإيمان قد سمى مؤمنا وإن كان به مذموما وفي الآية دلالة طول ذلك فيهم وذلك يوجب الوصف بالكبيرة عندهم وقد أبقى لهم اسم الإيمان فبطل بذلك قولهم والله الموفق
والثاني هو وصف من لا يعرف المنة والشكر فيعرض عن قبولهما ويعاتب على ما كان حقه التعظيم والقبول فإن كان هذا وصف الله عند المعتزلة فهو قد بلغ مناه من التسمى بأقبح اسم والخلود في أسفل الدرك نعوذ بالله من الشقاء ثم أطنب في هذا القول لكن من أصل بنائه ما ذكرت فما نريد إطنابه إلابعدا عن الإصابة وبالله المعونة
ثم أجاب في قوله {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} أنه كقوله {ومن يرتدد منكم عن دينه} وقد كان سماه مؤمنا من قبل والثاني أن يكون الإقتتال بغير سلاح نحو المجاذبة أو كانوا مجتهدين فلا يخرجون به من الإيمان
فيقال إذ جرى الأمر بالإصلاح بينهم وتسمية الإخوة بطل معنى الردة وقوله {فقاتلوا التي تبغي} دل أن الباغي كان معلوما لا أن كان ثمة اجتهاد مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أبى لهم الإجتهاد إلى ذلك الحد ثم دل الأمر بالقتال والصغيرة تكون مغفورة لا يقابل عليها على أن ذنوبهم قد كبرت وقد أبقى الله لهم اسم الإيمان والله الموفق
وقال في قوله {إنما المؤمنون إخوة} بمثل ذلك وقد بينا وهمه ثم على قوله إن صاحب الكبيرة عدو الله لا يسع له الدعاء بالخير ويلزم لعنه وما الإصلاح إلا الدعاء بالخير والصلاح ولا قوة إلا بالله
وقال في آية القصاص وما فيه من تسمية الإخوة إن الله لم يعد على الإخوة المطلقة ثوابا ولا مدحا وإنما كان ذلك في الإخوة في الدين فيقال لهم قد سماهم مؤمنين في أول الآية ثم أبقى لهم اسم الإخوة في آخرها ولا معنى سبق يحتمل حرف ذكر الإخوة إليه ثبت أنه في الدين مع إبقاء اسم الإيمان
وأما الثواب فقد شرط مرة باسم المطلق ومرة باسم المقيد من ذلك قوله {فأثابهم الله بما قالوا} ثم قد يجوز عندك التحذير مع وجود القول وإن وعد عليه الثواب فمثله المؤمن باسم الإطلاق وقال {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} وكذلك قوله {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} وصاحب الكبيرة يقال آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله ثم جائز في مثله التخويف والوعيد ولذلك قال الله {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} وصاحب الكبيرة قد أتى بحسنة ويستحق الذي جاء به اسم الحسنة فما تنكر أن يستحق اسم المؤمن وإن أوعد ولا قوة إلا بالله
ثم عارض نفسه بالحقوق التي أوجبت باسم الإيمان وأحلت به وقد دخل في ذلك أصحاب الكبائر فأجاب بأن إدخالهم بالإجماع لا بالإسم كما أدخلتم في قوله {حقا على المتقين} {حقا على المحسنين} وإن لم يكن الفاسق كذلك قيل له الإجماع أدخلهم في ذلك بالفهم من الخطاب بالإيجاب والتحليل بالآيات إذ ليس أحد منهم ذكر وجها به عرفوا سواه ولا أحد من متعاطى الفسق سأل أحدا عن خاص بل عرف تضمنه تلك الآيات ولم يجز الخطاب بالوجهين باسم التقوى لذلك بطل التقدير وقوله حق على كذا أي حق على من يريد التقوى ذلك وليس فيه إيجاب مع ما كان في الذي يذكر تخصيص معنى التقوى في حق الخطاب فيما نحن فيه يدخله في الخطاب بلا اسم الذي به خوطب لا بالإطلاق ولا بتخصيص ولا قوة إلا بالله
وعارض في التحليل بالمجنون والصغير قيل لهما حكم الإيمان بغيرهما إذ لولا ذلك الغير لم يجب لهما ذلك كما لو لم يجب لأولاد الكفرة وما نحن فيه لا غير في ذلك يتبعه فثبت أنه أستوجبه بإيمان نفسه ثم عورض بما يصلى الفاسق ويصوم فقال لئلا يزداد فسقه ويزول عنه عذاب تركهما
قال الشيخ رحمه الله يقال له لم يفهم السؤال إنما معنى ذلك أنهما يجوزان بالإيمان فولا أنه مؤمن لم يكن ليمضيا له ويزيلا عذاب تركهما عنه بل لا شيء عليه في تركهما ولا يجوز أن يفعله لو لم يكن مؤمنا ولا قوة إلا بالله
وقد أفردنا في بعض كتبنا في هذه الآيات كتابا أغنانا عن الإطناب في هذا الباب
ثم نذكر الفصل بين ما يخلد له العذاب ولا يخلد من طريق الحكمة وذلك يخرج على وجهين أحدهما من طريق الإعتبار بتفاوت الذنوب في أنفسها وقد وعد الله أن لا يجزى إلا مثله وكذلك حق الحكمة إذ التعذيب يكون بما يوجبه الحكمة لا بما يختار إذ ليس هو نوع ما يختار وبخاصة ممن لا يضره الخلاف ثم هو الموصوف بالعفو والرحمة ولهذا ما أوجب المغفرة والعفو عن كثير من الذنوب ثم يخرج ذا على وجوه أحدها أنه ما من أحد يعصى الله بنوع من الكبائر دون الشرك إلا وهو لوقت العصيان مكتسب الطاعة من خوف عقاب والفزع عن مقته ورجاء رحمته والثقة بكرمه وذلك عن خيرات لو قوبل بها ما ارتكب من الخلاف بغلبة شهوة وقهر غضب أو نحو ذلك ليرجح ما كان منه من خير على ما كان من شر فلا يجوز أن يحرم نفع الخير ويوجب له عقوبة الشر ومن ذلك فعله موصوف بالجود والكرم ولا كذلك معناهما ولا قوة إلا بالله
وليس مع من يكفر بالله ويشرك به معنى يستحق اسم الحسنة والخير لأنه يكذبه وينكر أمره ونهيه فلا يحتمل أن يكون له الرجا وفي دوام عذابه مضادة معنى الكرم والجود ولا قوة إلا بالله
والثاني أن الله جل ثناؤه وعد أن لا يجزي إلا مثلها ومثل الشرك الذي في العقل أكبر من كل ذنب مع ما لا حسنة يكون معه ومع غيره إنما هو الخلود في النار إذ معلوم أن الكافر يرضى بأضعاف ما يعذب مع النجاة يوما من الدهر فيبين ذلك أن تمام جزائه الخلود فإذا كان لغيره مثله فيجزى غيره أكثر من مثل الفعل وذلك جور في حكمته والله يجل عنه فهذا مع ما كان مرتكب ما دونه حسنات وليس معه ولا قوة إلا بالله
وأيضا أن الحدود في الدنيا جعلن كفارات لما يرتكب من الذنوب فلو لم يكن فيها تكفير كانت تكون زيادات على عقوبات الكفر ومحال أن يزداد عقوبة ما دون الكفر فثبت أنها كفارات ولا كفارة للكفر في الدنيا ثبت أنه لا يحتمل في العقوبة فجعلت أبدية وعقوبة غيره بحد فكذلك العقوبة الموعودة فيه ولا قوة إلا بالله