☪ Anlam Arayışı

← el-Ümm

Bölüm 186

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

قال فعلى الذي هما عنده عدلان أن يجيزهما وعلى الآخر الذي هما عنده غير عدلين أن يردهما قلت له فهذا الاختلاف قال نعم فقلت له أراك إذن جعلت الاختلاف حكمين فقال لا يوجد في المغيب إلا هذا وكل وإن اختلف فعله وحكمه فقد أدى ما عليه قلت فهكذا قلنا وقلت له قال الله عز وجل {ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] ، فإن حكم عدلان في موضع بشيء وآخران في موضع بأكثر أو أقل منه فكل قد اجتهد وأدى ما عليه وإن اختلفا وقال {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم} [النساء: 34] الآية وقال عز وجل {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] أرأيت إذا فعلت امرأتان فعلا واحدا وكان زوج إحداهما يخاف نشوزها وزوج الأخرى لا يخاف به نشوزها؟ قال يسع الذي يخاف به النشوز العظة والهجر والضرب ولا يسع الآخر الضرب وقلت وهكذا يسع الذي يخاف أن لا تقيم زوجته حدود الله الأخذ منها ولا يسع الآخر وإن استوى فعلاهما قال نعم قال: قال وإني قلت هذا فلعل غيري يخالفني وإياك ولا يقبل هذا منا فأين السنة التي دلت على سعة الاختلاف قلت أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» .

قال يزيد بن الهاد فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال وماذا: قلت ما وصفنا من أن الحكام والمفتين إلى اليوم قد اختلفوا في بعض ما حكموا

فيه وأفتوا وهم لا يحكمون ويفتون إلا بما يسعهم عندهم وهذا عندك إجماع فكيف يكون إجماعا إذا كان موجودا في أفعالهم الاختلاف؟ والله أعلم.

(أخبرنا الربيع بن سليمان) قال (قال الشافعي) : فرض الله عز وجل في كتابه من وجهين: أحدهما أبان فيه كيف فرض بعضها حتى استغنى فيه بالتنزيل عن التأويل وعن الخبر

، والآخر أنه أحكم فرضه بكتابه وبين كيف هي على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم أثبت فرض ما فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابه بقوله عز وجل {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وبقوله تبارك اسمه {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] إلى تسليما وبقوله عز وجل {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] مع غير آية في القرآن بهذا المعنى فمن قبل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبفرض الله عز وجل قبل (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فالفرائض تجتمع في أنها ثابتة على ما فرضت عليه

، ثم تفرقت شرائعها بما فرق الله عز وجل ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - فنفرق بين ما فرق منها ونجمع بين ما جمع منها فلا يقاس فرع شريعة على غيرها وأول ما نبدأ به من الشرائع الصلاة فنحن نجدها ثابتة على البالغين غير المغلوبين على عقولهم ساقطة عن الحيض أيام حيضهن، ثم نجد الفريضة منها والنافلة مجتمعتين في أن لا يجوز الدخول في واحدة منهما إلا بطهارة الماء في الحضر والسفر ما كان موجودا أو التيمم في السفر وإذا كان الماء معدوما وفي الحضر أو كان المرء مريضا لا يطيق الوضوء لخوف تلف في العضو أو زيادة في العلة ونجدهما مجتمعتين في أن لا يصليا معا إلا متوجهين إلى الكعبة ما كانا في الحضر ونازلين بالأرض ونجدهما وإذا كانا مسافرين تفترق حالهما فيكون للمصلي تطوعا إن كان راكبا أن يتوجه حيث توجهت به دابته يومئ إيماء ولا نجد ذلك للمصلي فريضة بحال أبدا إلا في حال واحدة من الخوف ونجد المصلي صلاة تجب عليه إذا كان يطيق ويمكنه القيام لم تجز عنه الصلاة إلا قائما ونجد المتنفل يجوز له أن يصلي جالسا ونجد المصلي فريضة يؤديها في الوقت قائما، فإن لم يقدر أداها جالسا، فإن لم يقدر أداها مضطجعا ساجدا إن قدر وموميا إن لم يقدر.

ونجد الزكاة فرضا تجامع الصلاة وتخالفها ولا نجد الزكاة تكون إلا ثابتة أو ساقطة فإذا ثبتت لم يكن فيها إلا أداؤها مما وجبت في جميع الحالات مستويا ليست تختلف بعذر كما اختلفت تأدية الصلاة قائما أو قاعدا ونجد المرء إذا كان له مال حاضر تجب فيه الزكاة وكان عليه دين مثله زالت عنه الزكاة حتى لا يكون عليه منها شيء في تلك الحال والصلاة لا تزول في حال يؤديها كما أطاقها (قال الربيع) وللشافعي قول آخر إذا كان عليه دين عشرين دينارا وله مثلها فعليه الزكاة يؤديها من قبل أن الله عز وجل قال {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] فلما كانت هذه العشرون لو وهبها جازت هبته ولو تصدق بها جازت صدقته ولو تلفت كانت منه فلما كانت أحكامها كلها تدل على أنها مال من ماله وجبت عليه فيها الزكاة لقول الله تبارك وتعالى {خذ من أموالهم} [التوبة: 103] الآية (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ونجد المرأة ذات المال تزول عنها الصلاة في أيام حيضها ولا تزول عنها الزكاة، وكذلك الصبي والمغلوب على عقله

باب الصوم (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ونجد الصوم فرضا بوقت كما أن الصلاة فرض بوقت ثم نجد الصوم مرخصا فيه للمسافر أن يدعه وهو مطيق له في وقته

، ثم يقضيه بعد وقته وليس هكذا الصلاة لا يرخص في تأخير الصلاة عن وقتها إلى يوم غيره ولا يرخص له في أن يقصر من الصوم شيئا كما يرخص في أن يقصر من الصلاة ولا يكون صومه مختلفا باختلاف حالاته في المرض والصحة ونجده إذا جامع في صيام شهر رمضان وهو واجد أعتق وإذا جامع في الحج نحر بدنة وإن جامع في الصلاة استغفر ولم تكن عليه كفارة والجماع في هذه الحالات كلها محرم

، ثم يكون جماع كثير محرم لا يكون في شيء منه كفارة ثم نجده يجامع في صوم واجب عليه في قضاء شهر رمضان أو كفارة قتل أو ظهار فلا يكون عليه كفارة ويكون عليه البدل في هذا كله ونجد المغمى عليه والحائض لا صوم عليهما ولا صلاة فإذا أفاق المغمى عليه وطهرت الحائض فعليهما قضاء ما مضى من الصوم في أيام إغماء هذا وحيض هذه وليس على الحائض قضاء الصلاة في قول أحد ولا على المغمى عليه قضاء الصلاة في قولنا.

ووجدت الحج فرضا على خاص وهو من وجد إليه سبيلا

، ثم وجدت الحج يجامع الصلاة في شيء ويخالفها في غيره فأما ما يخالفها فيه فإن الصلاة يحل له فيها أن يكون لابسا للثياب، ويحرم على الحاج، ويحل للحاج أن يكون متكلما عامدا، ولا يحل ذلك للمصلي، ويفسد المرء صلاته، فلا يكون له أن يمضي فيها ويكون عليه أن يستأنف صلاة غيرها بدلا منها ولا يكفر ويفسد حجه فيمضي فيه فاسدا لا يكون له غير ذلك

، ثم يبدله ويفتدي والحج في وقت والصلاة في وقت، فإن أخطأ رجل في وقته لم يجز عنه الحج

، ثم وجدتهما مأمورين بأن يدخل المصلي في وقت، فإن دخل المصلي قبل الوقت لم تجز عنه صلاته وإن دخل الحاج قبل الوقت أجزأ عنه حجه ووجدت للصلاة أولا وآخرا فوجدت أولها التكبير وآخرها التسليم ووجدته إذا عمل ما يفسدها فيما بين أولها وآخرها أفسدها كلها ووجدت للحج أولا وآخرا ثم أجزأ بعده فأوله الإحرام ثم آخر أجزائه الرمي والحلاق والنحر فإذا فعل هذا خرج من جميع إحرامه في قولنا ودلالة السنة إلا من النساء خاصة وفي قول غيرنا إلا من النساء والطيب والصيد

، ثم وجدته في هذه الحال إذا أصاب النساء قبل يحللن له نحر بدنة ولم يكن مفسدا لحجه وإن لم يصب النساء حتى يطوف حل له النساء وكل شيء حرمه عليه الحج معكوفا على نسكه من حجه من البيتوتة بمنى ورمي الجمار والوداع يعمل هذا حلالا خارجا من إحرام الحج وهو لا يعمل شيئا في الصلاة إلا وإحرام الصلاة قائم عليه ووجدته مأمورا في الحج بأشياء إذا تركها كان عليه فيها البدل بالكفارة من الدماء والصوم والصدقة وحجة ومأمورا في الصلاة بأشياء لا تعدو واحدا من وجهين إما أن يكون تاركا لشيء منها فتفسد صلاته ولا تجزيه كفارة ولا غيرها إلا استئناف الصلاة أو يكون إذا ترك شيئا مأمورا به من غير صلب الصلاة كان تاركا لفضل والصلاة مجزية عنه ولا كفارة عليه

، ثم للحج وقت آخر وهو الطواف بالبيت بعد النحر الذي يحل له به النساء

، ثم لهذا آخر وهو النفر من منى

، ثم الوداع وهو مخير في النفر إن أحب تعجل في يومين وإن أحب تأخر.

أخبرنا الربيع بن سليمان قال (قال الشافعي) أخبرنا ابن عيينة بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يمسكن الناس علي بشيء فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله» (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى - هذا منقطع ونحن نعرف فقه طاوس ولو ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبين فيه أنه على ما وصفت إن شاء الله تعالى قال «لا يمسكن الناس علي بشيء» ولم يقل لا تمسكوا عني بل قد أمر أن يمسك عنه وأمر الله عز وجل بذلك (قال الشافعي) أخبرنا ابن عيينة

عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا أعرفن ما جاء أحدكم الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما ندري. هذا وما وجدنا في كتاب الله عز وجل اتبعناه»

وقد أمرنا باتباع ما أمرنا واجتناب ما نهى عنه وفرض الله ذلك في كتابه على خليقته وما في أيدي الناس من هذا إلا تمسكوا به عن الله تبارك وتعالى، ثم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عن دلالته ولكن قوله إن كان قاله «لا يمسكن الناس علي بشيء» يدل على أن رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان بموضع القدوة فقد كانت له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس وحرم عليه منها ما لم يحرم على الناس فقال «لا يمسكن الناس علي بشيء» من الذي لي أو علي دونهم، فإن كان علي ولي دونهم لا يمسكن به وذلك مثل أن الله عز وجل إذا أحل له من عدد النساء ما شاء وأن يستنكح المرأة إذا وهبت نفسها له قال الله تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] فلم يكن لأحد أن يقول قد جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أكثر من أربع ونكح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة بغير مهر وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفيا من المغانم وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله عز وجل قد بين في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك له دونهم وفرض الله تعالى عليه أن يخير أزواجه في المقام معه والفراق فلم يكن لأحد أن يقول علي أن أخير امرأتي على ما فرض الله عز وجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان قاله «لا يمسكن الناس علي بشيء فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله» ، وكذلك صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك أمره وافترض عليه أن يتبع ما أوحي إليه ونشهد أن قد اتبعه فما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله عز وجل في الوحي اتباع سنته فيه فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله عز وجل قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقال عز وعلا {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]

وأخبرنا عن صدقة بن يسار عن عمر بن عبد العزيز سأل بالمدينة فاجتمع له على أنه لا يبين حمل في أقل من ثلاثة أشهر (قال الشافعي) : إن الله عز وجل وضع نبيه - صلى الله عليه وسلم - من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه وأنه لا يخالف كتاب الله وأنه بين عن الله عز وعلا معنى ما أراد الله وبيان ذلك في كتاب الله عز وجل قال الله تبارك وتعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [يونس: 15] وقال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {اتبع ما أوحي إليك من ربك} [الأنعام: 106] وقال مثل هذا في غير آية وقال عز وجل {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] وقال {فلا وربك لا يؤمنون} [النساء: 65] الآية (قال الشافعي) : أخبرنا الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «ما تركت شيئا مما أمركم الله تعالى به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه» (أخبرنا الربيع) قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» ومثل هذا إن الله عز وجل فرض الصلاة والزكاة والحج جملة في كتابه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معنى ما أراد الله تعالى من عدد الصلاة ومواقيتها وعدد ركوعها وسجودها وسنن الحج وما يعمل المرء منه

ويجتنب وأي المال تؤخذ منه الزكاة وكم ووقت ما تؤخذ منه وقال الله عز وجل {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وقال عز ذكره {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فلو صرنا إلى ظاهر القرآن قطعنا من لزمه اسم سرقة وضربنا كل من لزمه اسم زنا مائة جلدة ولما قطع النبي في ربع دينار ولم يقطع في أقل منه ورجم الحرين الثيبين ولم يجلدهما استدللنا على أن الله عز وجل إنما أراد بالقطع والجلد بعض السراق دون بعض وبعض الزناة دون بعض ومثل هذا لا يخالفه المسح على الخفين قال الله عز وجل {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] فلما مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخفين استدللنا على أن فرض الله عز وجل غسل القدمين إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض وأن المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة استدلالا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم كما لا يدرأ القطع عن بعض السراق وجلد المائة عن بعض الزناة والفرض عليه أن يجلد ويقطع، فإن ذهب ذاهب إلى أنه قد يروى عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال سبق الكتاب المسح على الخفين فالمائدة نزلت قبل المسح المثبت بالحجاز في غزاة تبوك والمائدة قبله، فإن زعم أنه كان فرض وضوء قبل الوضوء الذي مسح فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفرض وضوء بعده فنسخ المسح فليأتنا بفرض وضوءين في القرآن فإنا لا نعلم فرض الوضوء إلا واحدا وإن زعم أنه مسح قبل يفرض عليه الوضوء فقد زعم أن الصلاة بلا وضوء ولا نعلمها كانت قط إلا بوضوء فأي كتاب سبق المسح على الخفين المسح كما وصفنا من الاستدلال بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان جميع ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فرائض الله تبارك وتعالى مثل ما وصفنا من السارق والزاني وغيرهما (قال الشافعي) : ولا تكون سنة أبدا تخالف القرآن.

والله تعالى الموفق.

- (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : أصل النهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم إما أراد به نهيا عن بعض الأمور دون بعض وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار ولا نفرق بين نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بدلالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أمر لم يختلف فيه المسلمون فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنة وقد يمكن أن يجهلها بعضهم مما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان على التحريم لم يختلف أكثر العامة فيه أنه نهى عن الذهب بالورق إلا هاء وهاء وعن الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد ونهى عن بيعتين في بيعة فقلنا والعامة معنا إذا تبايع المتبايعان ذهبا بورق أو ذهبا بذهب فلم يتقابضا قبل أن يتفرقا فالبيع مفسوخ وكانت حجتنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عنه صار محرما وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت.

وهو أن يقول أبيعك على أن تبيعني لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئا ليس في ملكه ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر ومنه أن أقول سلعتي هذه لك بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل فقد وجب عليه بأحد الثمنين لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم وبيع الغرر فيه أشياء كثيرة نكتفي بهذا منها ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشغار والمتعة فما انعقدت على شيء محرم علي ليس في ملكي بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - لأني قد ملكت المحرم بالبيع المحرم فأجرينا النهي مجرى واحدا إذا لم يكن عنه دلالة تفرق بينه ففسخنا هذه الأشياء والمتعة والشغار كما فسخنا البيعتين ومما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الحالات دون بعض واستدللنا على أنه إنما أراد بالنهي عنه أن يكون منهيا عنه في حال دون حال بسنته - صلى الله عليه وسلم - ذلك أن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» فلولا الدلالة عنه كان النهي في هذا مثل النهي في الأول فيحرم إذا خطب الرجل امرأة أن يخطبها غيره فلما «قالت فاطمة بنت قيس قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حللت فآذنيني فلما حلت من عدتها أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ولكن انكحي أسامة بن زيد قالت فكرهته فقال انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به» استدللنا على أنه لا ينهى عن الخطبة ويخطب على خطبة إلا ونهيه عن الخطبة حين ترضى المرأة فلا يكون بقي إلا العقد فيكون إذا خطب أفسد ذلك على الخاطب المرضي أو عليها أو عليهما معا وقد يمكن أن يفسد ذلك عليهما

، ثم لا يتم ما بينها وبين الخاطب ولو أن فاطمة أخبرته أنها رضيت واحدا منهما لم يخطبها إن شاء الله تعالى على أسامة ولكنها أخبرته بالخطبة واستشارته فكان في حديثها دلالة على أنها لم ترض ولم ترد فإذا كانت المرأة بهذه الحال جاز أن

تخطب وإذا رضيت المرأة الرجل وبدا لها وأمرت بأن تنكحه لم يجز أن تخطب في الحال التي لو زوجها فيها الولي جاز نكاحه، فإن قال قائل فإن حالها إذا كانت بعد أن تركن بنعم مخالفة حالها بعد الخطبة وقبل أن تركن فكذلك حالها حين خطبت قبل الركون مخالفة حالها قبل أن تخطب، وكذلك إذا أعيدت عليها الخطبة وقد كانت امتنعت فسكتت والسكات قد لا يكون رضا فليس ههنا قول يجوز عندي أن يقال إلا ما ذكرت بالاستدلال ولولا الدلالة بالسنة كانت إذا خطبت حرمت على غير خاطبها الأول أن يخطبها حتى يتركها الخاطب الأول

، ثم يتفرق نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهين فكل ما نهى عنه مما كان ممنوعا إلا بحادث يحدث فيه يحله فأحدث الرجل فيه حادثا منهيا عنه لم يحله وكان على أصل تحريمه إذا لم يأت من الوجه الذي يحله وذلك مثل أن أموال الناس ممنوعة من غيرهم وأن النساء ممنوعات من الرجال إلا بأن يملك الرجل مال الرجل بما يحل من بيع أو هبة وغير ذلك وأن النساء محرمات إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين صحيح فإذا اشترى الرجل شراء منهيا عنه فالتحريم فيما اشترى قائم بعينه لأنه لم يأته من الوجه الذي يحل منه ولا يحل المحرم، وكذلك إذا نكح نكاحا منهيا عنه لم تحل المرأة المحرمة عنه من فعل شيء في ملكي أو شيء مباح لي ليس بملك لأحد فذلك نهي اختيار ولا ينبغي أن نرتكبه فإذا عمد فعل ذلك أحد كان عاصيا بالفعل ويكون قد ترك الاختيار ولا يحرم ما له ولا ما كان مباحا له وذلك مثل ما روي عنه أنه أمر الآكل أن يأكل مما يليه ولا يأكل من رأس الثريد ولا يعرس على قارعة الطريق، فإن أكل مما لا يليه أو من رأس الطعام أو عرس على قارعة الطريق أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالما بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يحرم ذلك طعام عليه وذلك أن الطعام غير الفعل ولم يكن يحتاج إلى شيء يحل له به الطعام كان حلالا فلا يحرم الحلال عليه بأن عصى في الموضع الذي جاء منه الأكل ومثل ذلك النهي عن التعريس على قارعة الطريق.

الطريق له مباح وهو عاص بالتعريس على الطريق ومعصيته لا تحرم عليه الطريق وإنما قلت يكون فيها عاصيا إذا قامت الحجة على الرجل بأنه كان علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه.

والله أعلم.

الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله بعثه بكتاب عزيز {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] فهدى بكتابه

، ثم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - بما أنعم عليه وأقام الحجة على خلقه {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] وقال {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} [النحل: 89] وقال {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وفرض عليهم اتباع ما أنزل عليه وسن رسوله لهم فقال {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله} [الأحزاب: 36] فاعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله ولم يجعل لهم إلا اتباعه، وكذلك قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم - صراط الله} [الشورى: 52 - 53] مع ما أعلم نبيه بما فرض من اتباع كتابه فقال {فاستمسك بالذي أوحي إليك} [الزخرف: 43] وقال {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم فقال عز وجل {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] وأبان الله عز وجل لخلقه أنه تولى الحكم فيما أثابهم وعاقبهم عليه على ما علم من سرائرهم وافقت سرائرهم علانيتهم أو خالفتها وإنما جزاهم بالسرائر فأحبط عمل كل من كفر به

، ثم قال تبارك وتعالى فيمن فتن عن دينه {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فطرح عنهم حبوط أعمالهم والمأثم بالكفر إذا كانوا مكرهين وقلوبهم على الطمأنينة بالإيمان وخلاف الكفر وأمر بقتال الكافرين حتى يؤمنوا وأبان ذلك جل وعز حتى يظهروا الإيمان

، ثم أوجب للمنافقين إذا أسروا نار جهنم فقال {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] وقال {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون - اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون: 1 - 2] يعني والله تعالى أعلم من القتل فمنعهم من القتل ولم يزل عنهم في الدنيا أحكام الإيمان مما أظهروا منه وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار لعلمه بسرائرهم وخلافها لعلانيتهم بالإيمان فأعلم عباده مع ما أقام عليهم من الحجة بأن ليس كمثله أحد في شيء إن علمه بالسر والعلانية واحد فقال تعالى ذكره {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] وقال عز وعلا {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] مع آيات أخر من الكتاب (قال الشافعي) : فعرف جميع خلقه في كتابه أن لا علم إلا ما علمهم فقال عز وجل {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] وقال {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] (قال الشافعي) :

، ثم من عليهم بما آتاهم من العلم وأمرهم بالاقتصار عليه وأن لا يتولوا غيره إلا بما علمهم وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] وقال عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله} [الكهف: 23 - 24] وقال لنبيه

{قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9]

، ثم أنزل على نبيه أن قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يعني والله أعلم ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخر أن يعصمه فلا يذنب فعلم ما يفعل به من رضاه عنه وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة وسيد الخلائق وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] «وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل في امرأة رجل رماها بالزنا فقال له يرجم فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعن بينهما» وقال الله تعالى {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65] وقال {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: 34] الآية وقال لنبيه {يسألونك عن الساعة أيان مرساها - فيم أنت من ذكراها} [النازعات: 42 - 43] فحجب عن نبيه علم الساعة وكان من جاور ملائكة الله المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصر علما من ملائكته وأنبيائه لأن الله عز وجل فرض على خلقه طاعة نبيه ولم يجعل لهم بعد من الأمر شيئا وأولى أن لا يتعاطوا حكما على غيب أحد لا بدلالة ولا ظن لتقصير علمهم عن علم أنبيائه الذين فرض الله تعالى عليهم الوقف عما ورد عليهم حتى يأتينهم أمره فإنه جل وعز ظاهر عليهم الحجج فيما جعل إليهم من الحكم في الدنيا بأن لا يحكموا إلا بما ظهر من المحكوم عليه وأن لا يجاوزوا أحسن ظاهره ففرض على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا وأن يحقن دماءهم إذا أظهروا الإسلام

، ثم بين الله

، ثم رسوله أن لا يعلم سرائرهم في صدقهم بالإسلام إلا الله فقال عز وجل لنبيه {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] (قرأ الربيع) إلى قوله {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] يعني والله تعالى أعلم بصدقهن بإيمانهن قال {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10] يعني ما أمرتكم أن تحكموا به فيهن إذا أظهرن الإيمان لأنكم لا تعلمون من صدقهن بالإيمان ما يعلم الله فاحكموا لهن بحكم الإيمان في أن لا ترجعوهن إلى الكفار {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] (قال الشافعي) :

، ثم أطلع الله رسوله على قوم يظهرون الإسلام ويسرون غيره ولم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] الآية (قال الشافعي) : أسلمنا يعني أسلمنا بالقول بالإيمان مخافة القتل والسباء

، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله يعني إن أحدثوا طاعة رسوله وقال له في المنافقين وهم صنف ثان {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] إلى {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون: 2] يعني والله تعالى أعلم أيمانهم بما يسمع منهم من الشرك بعد إظهار الإيمان جنة من القتل وقال في المنافقين {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} [التوبة: 95] الآية فأمر بقبول ما أظهروا ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم خلاف حكم الإيمان، وكذلك حكم نبيه - صلى الله عليه وسلم - على من بعدهم بحكم الإيمان وهم يعرفون أو بعضهم بأعيانهم منهم من تقوم عليه البينة بقول الكفر ومنهم من عليه الدلالة في أفعاله فإذا أظهروا التوبة منه والقول بالإيمان حقنت عليهم دماؤهم وجمعهم ذكر الإسلام وقد أعلم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنهم في الدرك الأسفل من النار فقال {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] فجعل حكمه عليهم جل وعز على سرائرهم وحكم نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم بإظهار التوبة وما قامت عليه بينة من المسلمين بقوله وما أقروا بقوله وما جحدوا من قول الكفر مما لم يقروا به ولم تقم به بينة عليهم وقد كذبهم على قولهم في كل، وكذلك أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله عز وجل (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار «أن رجلا سار النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ندر ما ساره حتى جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يشاوره في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أليس

يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال بلى ولا شهادة له فقال أليس يصلي؟ قال بلى ولا صلاة له فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك الذين نهاني الله تعالى عنهم» أخبرنا سفيان عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أسامة بن زيد قال شهدت من نفاق عبد الله بن أبي ثلاثة مجالس أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (قال الشافعي) : فأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فرض الله أن يقاتلهم حتى يظهروا أن لا إله إلا الله فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها يعني إلا بما يحكم الله تعالى عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم والله العالم بسرائرهم المتولي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكام خلقه وبذلك مضت أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق وأعلمهم أن جميع أحكامه على ما يظهرون وأن الله يدين بالسرائر.

أخبرنا مالك عن هشام بن عروة «وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العجلاني وهو أحيمر سبط نضو الخلق فقال يا رسول الله رأيت شريك ابن السحماء يعني ابن عمه وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين حاد الخلق يصيب فلانة يعني امرأته وهي حبلى وما قربتها منذ كذا فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شريكا فجحد ودعا المرأة فجحدت فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال ابصروها، فإن جاءت به أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمرا كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب فجاءت به أدعج عظيم الأليتين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا إن أمره لبين لولا ما قضى الله»

يعني أنه لمن زنا لولا ما قضى الله من أن لا يحكم على أحد إلا بإقرار أو اعتراف على نفسه لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينة.

وقال «لولا ما قضى الله لكان لي فيهما قضاء غيره» ولم يعرض لشريك ولا للمرأة والله أعلم وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب

، ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق (قال الشافعي) أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد أن «ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية ألبتة، ثم أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لركانة والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان - رضي الله عنهما -»

(قال الشافعي) : وفي جميع ما وصفت ومع غيره مما استغنيت بما كتبت عنه مما فرض الله تعالى على الحكام في الدنيا دليل على أن حراما على حاكم أن يقضي أبدا على أحد من عباد الله إلا بأحسن ما يظهر وأخفه على المحكوم عليه وإن احتمل ما يظهر منه غير أحسنه كانت عليه دلالة بما يحتمل ما يخالف أحسنه وأخفه عليه أو لم تكن لما حكم الله في الأعراب الذين قالوا آمنا وعلم الله الإيمان لم يدخل في قلوبهم وما حكم الله تعالى به في المنافقين الذين أعلم الله أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم كذبة بما أظهروا من الإيمان وبما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين حين وصف قبل أن تلد إن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق فجاء به على الوصف الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجها فلا أراه إلا قد صدق.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن أمره لبين» أي لقد زنت وزنى بها شريك الذي رماه زوجها بالزنى

، ثم لم يجعل الله إليهما سبيلا إذا لم يقرا ولم تقم عليهما بينة وأبطل في حكم الدنيا عليهما استعمال الدلالة التي لا يوجد في الدنيا دلالة بعد دلالة الله على المنافقين

والأعراب أقوى مما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مولود امرأة العجلاني قبل يكون

، ثم كان كما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأغلب على من سمع «الفزاري يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن امرأتي ولدت غلاما أسود وعرض بالقذف أنه يريد القذف، ثم لم يحده النبي - صلى الله عليه وسلم -»

إذ لم يكن التعريض ظاهر قذف فلم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه حكم القاذف والأغلب على من سمع قول ركانة لامرأته أنت طالق ألبتة أنه يعقل أنه قد أوقع الطلاق بقوله طالق وأن ألبتة إرادة شيء غير الأول أنه أراد الإبتات بثلاث ولكنه لما كان ظاهرا في قوله واحتمل غيره لم يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بظاهر الطلاق وذلك واحدة (قال الشافعي) : فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالا على أن ما أظهروا يحتمل غير ما أظهروا بدلالة منهم أو غير دلالة لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسنة وذلك أن يقول قائل من رجع عن الإسلام ممن ولد على الإسلام قتلته ولم أستتبه ومن رجع عنه ممن لم يولد على الإسلام استتبته ولم يحكم الله تعالى على عباده إلا حكما واحدا مثل أن يقول من رجع عن الإسلام ممن أظهر نصرانية أو يهودية أو دينا يظهر كالمجوسية استتبته، فإن أظهر التوبة قبلت منه ومن رجع إلى دين يخفيه لم أستتبه (قال الشافعي) : وكل قد بدل دينه دين الحق ورجع إلى الكفر فكيف يستتاب بعضهم ولا يستتاب بعض وكل باطل، فإن قال لا أعرف توبة الذي يسر دينه.

قيل ولا يعرفها إلا الله وهذا مع خلافه حكم الله ثم رسوله كلام محال يسأل من قال هذا هل تدري لعل الذي كان أخفى الشرك يصدق بالتوبة والذي كان أظهر الشرك يكذب بالتوبة؟ ، فإن قال نعم قيل فتدري لعلك قتلت المؤمن الصادق بالإيمان واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان، فإن قال ليس علي إلا الظاهر قيل فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة محالة والمنافقون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية بل كانوا يستسرون بدينهم فيقبل منهم ما يظهرون من الإيمان فلو كان قائل هذا القول حين خالف السنة أحسن أن يعتل بشيء له وجه ولكنه يخالفها ويعتل بما لا وجه له كأنه يرى النصرانية واليهودية لا تكون إلا بإتيان الكنائس.

أرأيت إذا كانوا ببلاد لا كنائس فيها أما يصلون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على غيرهم؟ قال وما وصفت من حكم الله

، ثم حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المتلاعنين إن جاءت به المتلاعنة على النعت المكروه يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع فإذا أبطل الأقوى من الدلائل أبطل له الأضعف من الذرائع كلها وأبطل الحد في التعريض بالدلالة.

فإن من الناس من يقول: إذا تشاتم الرجلان فقال أحدهما ما أبي بزان ولا أمي بزانية حد لأنه إذا قاله على المشاتمة فالأغلب إنما يريد به قذف أم الذي يشاتم وأبيه وإن قاله على غير المشاتمة لم أحده إذا قال لم أرد القذف مع إبطال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم التعريض في حديث الفزاري الذي ولدت امرأته غلاما أسود، فإن قال قائل فإن عمر حد في التعريض في مثل هذا قيل واستشار أصحابه فخالفه بعضهم ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة ويبطل مثله من قول الرجل لامرأته أنت طالق ألبتة لأن طالق إيقاع طلاق ظاهر والبتة تحتمل زيادة في عدد الطلاق وغير زيادة فعليه الظاهر والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر حتى لا يحكم عليه أبدا إلا بظاهر، ويجعل القول قوله في غير الظاهر قال وهذا يدل على أنه لا يفسد عقد أبدا إلا بالعقد نفسه لا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره ولا بتوهم ولا بأغلب، وكذلك كل شيء لا تفسده إلا بعقده ولا نفسد البيوع بأن يقول هذه ذريعة وهذه نية سوء ولو جاز أن نبطل من البيوع بأن يقال متى خالف أن تكون ذريعة إلى الذي لا يحل كان أن يكون اليقين من البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يرد به من الظن ألا ترى أن رجلا لو

اشترى سيفا ونوى بشرائه أن يقتل به كان الشراء حلالا وكانت النية بالقتل غير جائزة ولم يبطل بها البيع.

قال، وكذلك لو باع البائع سيفا من رجل يراه أنه يقتل به رجلا كان هكذا، وكذلك لو اشترى فرسا وهو يراها عقوقا فقال هو والله ما اشتريتها بمائة إلا لعقاقها وما تسوى لولا العقاق خمسين وقال البائع ما أردت منها العقاق لم يفسد البيع بهذه النية إذا انعقدت صفقة البيع على الفرس ولم يشترط فيها العقاق ولو اشترط فيها العقاق فسد البيع لأنه بيع ما لا يدري أيكون أو لا يكون ألا ترى لو أن رجلا شريفا نكح دنية أعجمية، أو شريفة نكحت دنيا أعجميا فتصادقا في الوجهين على أن لم ينو واحد منهما أن يثبتا على النكاح أكثر من ليلة لم يحرم النكاح بهذه النية لأن ظاهر عقدته كانت صحيحة إن شاء الزوج حبسها وإن شاء طلقها فإذا دل الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام على أن العقود إنما يثبت بالظاهر عقدها ولا يفسدها نية العاقدين كانت العقود إذا عقدت في الظاهر صحيحة أولى أن لا تفسد بتوهم غير عاقدها على عاقدها

ثم، سيما إذا كان توهما ضعيفا والله تعالى أعلم.

← Önceki 186 / 199 Sonraki →

Anlam Arayışı