Bölüm 187
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
باب إبطال الاستحسان (قال الشافعي) : وكل ما وصفت مع ما أنا ذاكر وساكت عنه اكتفاء بما ذكرت منه عما لم أذكر من حكم الله ثم حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -
، ثم حكم المسلمين دليل على أن لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما أو مفتيا أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم وذلك الكتاب ثم السنة أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه أو قياس على بعض هذا لا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان إذ لم يكن الاستحسان واجبا ولا في واحد من هذه المعاني، فإن قال قائل فما يدل على أن لا يجوز أن يستحسن إذا لم يدخل الاستحسان في هذه المعاني مع ما ذكرت في كتابك هذا؟ قيل قال الله عز وجل {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] فلم يختلف أهل العمل بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز لنفسه أن يكون في معاني السدى وقد أعلمه الله أنه لم يتركه سدى ورأى أن قال أقول بما شئت وادعى ما نزل القرآن بخلافه في هذا وفي السنن فخالف منهاج النبيين وعوام حكم جماعة من روى عنه من العالمين، فإن قال فأين ما ذكرت من القرآن ومنهاج النبيين صلى الله عليهم وسلم أجمعين؟ قيل قال الله عز وجل لنبيه - عليه الصلاة والسلام - {اتبع ما أوحي إليك من ربك} [الأنعام: 106] وقال {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] الآية ثم جاءه قوم فسألوه عن أصحاب الكهف وغيرهم فقال أعلمكم غدا يعني أسأل جبريل ثم أعلمكم فأنزل الله عز وجل {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله} [الكهف: 23 - 24] الآية وجاءته امرأة أوس بن الصامت تشكو إليه أوسا فلم يجبها حتى أنزل الله عز وجل {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] وجاءه العجلاني يقذف امرأته قال لم ينزل فيكما وانتظر الوحي فلما نزل دعاهما فلاعن بينهما كما أمره الله عز وجل وقال لنبيه {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] وقال عز وجل {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26] الآية.
وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق ولا يكون الحق معلوما إلا عن الله نصا أو دلالة من الله فقد جعل الله الحق في كتابه ثم سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليس تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصا أو جملة، فإن قال وما النص والجملة؟ قيل النص ما حرم الله وأحل نصا حرم الأمهات والجدات والعمات والخالات ومن ذكر معهن وأباح من سواهن وحرم الميتة والدم
ولحم الخنزير والفواحش ما ظهر منها وما بطن وأمر بالوضوء فقال {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] الآية فكان مكتفى بالتنزيل في هذا عن الاستدلال فيما نزل فيه مع أشباه له، فإن قيل فما الجملة؟ قيل ما فرض الله من صلاة وزكاة وحج فدل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف الصلاة وعددها ووقتها والعمل فيها وكيف الزكاة وفي أي المال هي وفي أي وقت هي وكم قدرها وبين كيف الحج والعمل فيه وما يدخل فيه وما يخرج به منه (قال الشافعي) : فإن قيل فهل يقال لهذا كما قيل للأول قبل عن الله؟ قيل نعم، فإن قيل فمن أين قيل؟ قبل عن الله لكلامه جملة وقبل تفسيره عن الله بأن الله فرض طاعة نبيه فقال عز وجل {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقال {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] مع ما فرض من طاعة رسوله، فإن قيل فهذا مقبول عن الله كما وصفت فهل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوحي؟ قيل الله أعلم أخبرنا مسلم بن خالد عن طاوس قال الربيع هو عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن عنده كتابا من العقول نزل به الوحي.
(قال الشافعي) : وما فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا قط إلا بوحي فمن الوحي ما يتلى ومنه ما يكون وحيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستن به أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه وإن الروح الأمين قد ألقى في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فأحملوا في الطلب» (قال الشافعي) : وقد قيل ما لم يتل قرآنا إنما ألقاه جبريل في روعه بأمر الله فكان وحيا إليه وقيل جعل الله إليه لما شهد له به من أنه يهدي إلى صراط مستقيم أن يسن وأيهما كان فقد ألزمهما الله تعالى خلقه ولم يجعل لهم الخيرة من أمرهم فيما سن لهم وفرض عليهم اتباع سنته (قال الشافعي) : فإن قال قائل فما الحجة في قبول ما اجتمع الناس عليه؟ قيل لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلزوم جماعة المسلمين لم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا لزوم قول جماعتهم وكان معقولا أن جماعتهم لا تجهل كلها حكما لله ولا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن الجهل لا يكون إلا في خاص وأما ما اجتمعوا عليه فلا يكون فيه الجهل فمن قبل قول جماعتهم فبدلالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل قولهم.
(قال الشافعي) : - رحمه الله - وإن قال قائل أرأيت ما لم يمض فيه كتاب ولا سنة ولا يوجد الناس اجتمعوا عليه فأمرت بأن يؤخذ قياسا على كتاب أو سنة أيقال لهذا قبل عن الله؟ قيل نعم قبلت جملته عن الله، فإن قيل ما جملته؟ قيل الاجتهاد فيه على الكتاب والسنة، فإن قيل أفيوجد في الكتاب دليل عن ما وصفت؟ قيل نعم نسخ الله قبلة بيت المقدس وفرض على الناس التوجه إلى البيت فكان على من رأى البيت أن يتوجه إليه بالعيان وفرض الله على من غاب عنه البيت أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام لأن البيت في المسجد الحرام فكان المحيط بأنه أصاب البيت بالمعاينة والمتوجه قصد البيت ممن غاب عنه قابلين عن الله معا التوجه إليه وأحدهما على الإحاطة والآخر متوجه بدلالة فهو على إحاطة من صواب جملة ما كلف وعلى غير إحاطة كإحاطة الذي يرى البيت من صواب البيت ولم يكلف الإحاطة (قال الشافعي) : فإن قيل فيم يتوجه إلى البيت؟ قيل قال الله تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] وقال {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] وكانت العلامات جبالا يعرفون مواضعها من الأرض وشمسا وقمرا ونجما مما يعرفون من الفلك ورياحا يعرفون مهابها على الهواء تدل على قصد البيت الحرام فجعل عليهم طلب الدلائل على شطر المسجد الحرام فقال {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 150] وكان معقولا
عن الله عز وجل أنه إنما يأمرهم بتولية وجوههم شطره بطلب الدلائل عليه لا بما استحسنوا ولا بما سنح في قلوبهم ولا خطر على أوهامهم بلا دلالة جعلها الله لهم لأنه قضى أن لا يتركهم سدى وكان معقولا عنه أنه إذا أمرهم أن يتوجهوا شطره وغيب عنهم عينه أن لم يجعل لهم أن يتوجهوا حيث شاءوا لا قاصدين له بطلب الدلالة عليه.
(قال الشافعي) : وقال الله عز وجل {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقال {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] فكان على الحكام أن لا يقبلوا إلا عدلا في الظاهر وكانت صفات العدل عندهم معروفة وقد وصفتها في غير هذا الموضع وقد يكون في الظاهر عدلا وسريرته غير عدل ولكن الله لم يكلفهم ما لم يجعل لهم السبيل إلى عمله ولم يجعل لهم إذ كان يمكن إلا أن يردوا من ظهر منه خلاف العدل عندهم وقد يمكن أن يكون الذي ظهر منه خلاف العدل خيرا عند الله عز وجل من الذي ظهر منه العدل ولكن كلفوا أن يجتهدوا على ما يعلمون من الظاهر الذي لم يؤتوا أكثر منه.
(قال الشافعي) : وقال الله جل ثناؤه {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] فكان معقولا عن الله في الصيد النعامة وبقر الوحش وحماره والثيتل والظبي الصغير والكبير والأرنب واليربوع وغيره ومعقولا أن النعم الإبل والبقر والغنم وفي هذا ما يصغر عن الغنم وعن الإبل وعن البقر فلم يكن المثل فيه في المعقول وفيما حكم به من حكم من صدر هذه الأمة إلا أن يحكموا في الصيد بأولى الأشياء شبها منه من النعم ولم يجعل لهم إذ كان المثل يقرب قرب الغزال من العنز والضبع من الكبش أن يبطلوا اليربوع مع بعده من صغير الغنم وكان عليهم أن يجتهدوا كما أمكنهم الاجتهاد وكل أمر الله جل ذكره وأشبه لهذا تدل على إباحة القياس وحظر أن يعمل بخلافه من الاستحسان لأن من طلب أمر الله بالدلالة عليه فإنما طلبه بالسبيل التي فرضت عليه ومن قال أستحسن لا عن أمر الله ولا عن أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقبل عن الله ولا عن رسوله ما قال ولم يطلب ما قال بحكم الله ولا بحكم رسوله، وكان الخطأ في قول من قال هذا، بينا بأنه قد قال: أقول وأعمل بما لم أومر به ولم أنه عنه وبلا مثال على ما أمرت به ونهيت عنه وقد قضى الله بخلاف ما قال فلم يترك أحدا إلا متعبدا.
(قال الشافعي) : في قول الله عز وجل {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] إن من حكم أو أفتى بخير لازم أو قياس عليه فقد أدى ما عليه وحكم وأفتى من حيث أمر فكان في النص مؤديا ما أمر به نصا وفي القياس مؤديا ما أمر به اجتهادا وكان مطيعا لله في الأمرين.
ثم لرسوله فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بطاعة الله ثم رسوله
، ثم الاجتهاد فيروى «أنه قال لمعاذ بم تقضي؟ قال بكتاب الله قال، فإن لم يكن في كتاب الله قال بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فإن لم يكن قال أجتهد قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» وقال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر» فأعلم أن للحاكم الاجتهاد والمقيس في موضع الحكم
(قال الشافعي) : ومن استجاز أن يحكم أو يفتي بلا خبر لازم ولا قياس عليه كان محجوجا بأن معنى قوله أفعل ما هويت وإن لم أومر به مخالف معنى الكتاب والسنة فكان محجوجا على لسانه ومعنى ما لم أعلم فيه مخالفا، فإن قيل ما هو؟ .
قيل لا أعلم أحدا من أهل العلم رخص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالما بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل لتفصيل المشتبه فإذا زعموا هذا قيل لهم ولم لم يجز لأهل العقول التي تفوق كثيرا من عقول أهل العلم بالقرآن والسنة والفتيا أن يقولوا فيما قد نزل مما يعلمونه معا أن ليس فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع
وهم أوفر عقولا وأحسن إبانة لما قالوا من عامتكم؟ ، فإن قلتم لأنهم لا علم لهم بالأصول قيل لكم فما حجتكم في علمكم بالأصول إذا قلتم بلا أصل ولا قياس على أصل؟ هل خفتم على أهل العقول الجهلة بالأصول أكثر من أنهم لا يعرفون الأصول فلا يحسنون أن يقيسوا بما لا يعرفون وهل أكسبكم علمكم بالأصول القياس عليهم أو أجاز لكم تركها؟ فإذا جاز لكم تركها جاز لهم القول معكم لأن أكثر ما يخالف عليهم ترك القياس عليها أو الخطأ
، ثم لا أعلمهم إلا أحمد على الصواب إن قالوا على غير مثال منكم لو كان أحد يحمد على أن يقول على غير مثال لأنهم لم يعرفوا مثالا فتركوه وأعذر بالخطأ منكم وهم أخطئوا فيما لا يعلمون ولا أعلمكم إلا أعظم وزرا منهم أتركتم ما تعرفون من القياس على الأصول التي لا تجهلون، فإن قلتم فنحن تركنا القياس على غير جهالة بالأصل قيل، فإن كان القياس حقا فأنتم خالفتم الحق عالمين به وفي ذلك من المأثم ما إن جهلتموه لم تستأهلوا أن تقولوا في العلم وإن زعمتم أن واسعا لكم ترك القياس والقول بما سنح في أوهامكم وحضر أذهانكم واستحسنته مسامعكم حججتم بما وصفنا من القرآن
، ثم السنة وما يدل عليه الإجماع من أن ليس لأحد أن يقول إلا بعلم وما لا تختلفون فيه من أن الحاكم لو تداعى عنده رجلان في ثوب أو عبد تبايعاه عيبا لم يكن للحاكم إذا كان مشكلا أن يحكم فيه وكان عليه أن يدعو أهل العلم به فيسألهم عما تداعيا فيه هل هو عيب، فإن تطالبا قيمة عيب فيه وقد فات سألهم عن قيمته فلو قال أفضلهم دينا وعلما إني جاهل بسوقه اليوم وإن كنت عالما بها قبل اليوم ولكني أقول فيه لم يسعه أن يقبل قوله بجهالته بسوق يومه وقبل قول من يعرف سوق يومه ولو جاء من يعرف سوق يومه فقال إذا قست هذا بغيره مما يباع وقومته على ما مضى وكان عيبه دلني القياس على كذا ولكني أستحسن غيره لم يحل له أن يقبل استحسانه وحرم عليه إلا أن يحكم بما يقال إنه قيمة مثله في يومه.
وكذلك هذا في امرأة أصيبت بصداق فاسد يقال كم صداق مثلها في الجمال والمال والصراحة والشباب واللب والأدب فلو قيل مائة دينار ولكنا نستحسن أن نزيدها درهما أو ننقصها لم يحل له وقال للذي يقول أستحسن أن أزيدها أو أنقصها ليس ذلك لي ولا لك وعلى الزوج صداق مثلها وإذا حكم بمثل هذا في المال الذي نقل رزيته على من أخذ منه ولم يسع فيه الاستحسان وألزم فيه القياس وأهل العلم به ولم يجهل لأهل الجهالة قياسا فيه لأنهم لا يعلمون ما يقيسون عليه فحلال الله وحرامه من الدماء والفروج وعظيم الأمور أولى أن يلزم الحكام والمفتين (قال الشافعي) : أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة ليس فيها نص خبر ولا قياس وقال أستحسن فلا بد أن يزعم أن جائزا لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم في بلد ومفت بما يستحسن فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا، فإن كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا وإن كان ضيقا فلا يجوز أن يدخلوا فيه وإن قال الذي يرى منهم ترك القياس بل على الناس اتباع ما قلت قيل له من أمر بطاعتك حتى يكون على الناس اتباعك؟ أو رأيت إن ادعى عليك غيرك هذا أتطيعه أم تقول لا أطيع إلا من أمرت بطاعته؟ فكذلك لا طاعة لك على أحد وإنما الطاعة لمن أمر الله أو رسوله بطاعته والحق فيما أمر الله ورسوله باتباعه ودل الله ورسوله عليه نصا أو استنباطا بدلائل أورأيت إذ أمر الله بالتوجه قبل البيت وهو مغيب عن المتوجه هل جعل له أن يتوجه إلا بالاجتهاد بطلب الدلائل عليه؟ أورأيت إذا أمر بشهادة العدل فدل على أن لا يقبل غيرها هل يعرف العدل من غيره إلا بطلب الدلائل على عدله؟ أورأيت إذا أمر بالحكم بالمثل في الصيد هل أمر أن يحكم إلا بأن يحكم بنظره؟ فكل هذا اجتهاد وقياس أورأيت إذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد في الحكم
هل يكون مجتهدا على غير طلب عين وطلب العين لا يكون إلا باتباع الدلائل عليها وذلك القياس لأن محالا أن يقال اجتهد في طلب شيء من لم يطلبه باحتياله والاستدلال عليه لا يكون طالبا لشيء من سنح على وهمه أو خطر بباله منه.
(قال الشافعي) : وإنه ليلزم من ترك القياس أكثر مما ذكرت وفي بعضه ما قام عليه الحجة وأسأل الله تعالى لي ولجميع خلقه التوفيق وليس للحاكم أن يقبل ولا للوالي أن يدع أحدا ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحدا إلا متى يجمع أن يكون عالما علم الكتاب وعلم ناسخه ومنسوخه خاصه وعامه وأدبه وعالما بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقاويل أهل العلم قديما وحديثا وعالما بلسان العرب عاقلا يميز بين المشتبه ويعقل القياس.
فإن عدم واحدا من هذه الخصال لم يحل له أن يقول قياسا، وكذلك لو كان عالما بالأصول غير عاقل للقياس الذي هو الفرع لم يجز أن يقال لرجل قس وهو لا يعقل القياس وإن كان عاقلا للقياس وهو مضيع لعلم الأصول أو شيء منها لم يجز أن يقال له قس على ما لا تعلم كما لا يجوز أن يقال قس لأعمى وصفت له اجعل كذا عن يمينك، وكذا عن يسارك فإذا بلغت كذا فانتقل متيامنا وهو لا يبصر ما قيل له يجعله يمينا ويسارا أو يقال سر بلادا ولم يسرها قط ولم يأتها قط وليس له فيها علم يعرفه ولا يثبت له فيها قصد سمت يضبطه لأنه يسير فيها عن غير مثال قويم وكما لا يجوز لعالم بسوق سلعة منذ زمان ثم خفيت عنه سنة أن يقال له قوم عبدا من صفته كذا لأن السوق تختلف ولا لرجل أبصر بعض صنف من التجارات وجهل غير صنفه والغير الذي جهل لا دلالة عليه ببعض علم الذي علم قوم كذا كما لا يقال لبناء انظر قيمة الخياطة ولا لخياط انظر قيمة البناء، فإن قال قائل فقد حكم وأفتى من لم يجمع ما وصفت قيل فقد رأيت أحكامهم وفتياهم فرأيت كثيرا منها متضادا متباينا ورأيت كل واحد من الفريقين يخطئ صاحبه في حكمه وفتياه والله تعالى المستعان، فإن قال قائل أرأيت ما اجتهد فيه المجتهدون كيف الحق فيه عند الله؟ قيل لا يجوز فيه عندنا والله تعالى أعلم أن يكون الحق فيه عند الله كله إلا واحدا لأن علم الله عز وجل وأحكامه واحد لاستواء السرائر والعلانية عنده وأن علمه بكل واحد جل ثناؤه سواء، فإن قيل من له أن يجتهد فيقيس على كتاب أو سنة هل يختلفون ويسعهم الاختلاف؟ .
أو يقال لهم إن اختلفوا: مصيبون كلهم أو مخطئون أو لبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب؟ قيل لا يجوز على واحد منهم إن اختلفوا إن كان ممن له الاجتهاد وذهب مذهبا محتملا أن يقال له أخطأ مطلقا ولكن يقال لكل واحد منهم قد أطاع فيما كلف وأصاب فيه ولم يكلف علم الغيب الذي لم يطلع عليه أحد، فإن قال قائل فمثل لي من هذا شيئا قيل لا مثال أدل عليه من الغيب عن المسجد الحرام واستقباله فإذا اجتهد رجلان بالطريقين عالمان بالنجوم والرياح والشمس والقمر فرأى أحدهما القبلة متيامنا منه ورأى أحدهما القبلة منحرفة عن حيث رأى صاحبه كان على كل واحد منهما أن يصلي حيث يرى ولا يتبع صاحبه إذا أداه اجتهاده إلى غير ما أدى صاحبه اجتهاده إليه ولم يكلف واحد منهما صواب عين البيت لأنه لا يراه وقد أدى ما كلف من التوجه إليه بالدلائل عليه، فإن قيل فيلزم أحدهما اسم الخطأ قيل أما فيما كلف فلا وأما خطأ عين البيت فنعم لأن البيت لا يكون في جهتين، فإن قيل فيكون مطيعا بالخطأ قيل هذا مثل جاهد يكون مطيعا بالصواب لما كلف من الاجتهاد وغير آثم بالخطأ إذ لم يكلف صواب المغيب العين عنه فإذا لم يكلف صوابه لم يكن عليه خطأ ما لم يجعل عليه صواب عينه، فإن قيل أفتجد سنة تدل على ما وصفت؟ قيل نعم.
أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا حكم الحاكم
فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» قال يزيد بن الهاد فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة، فإن قال قائل فما معنى هذا؟ قيل ما وصفت من أنه إذا اجتهد فجمع الصواب بالاجتهاد وصواب العين التي اجتهد كان له حسنتان وإذا أصاب الاجتهاد وأخطأ العين التي أمر يجتهد في طلبها كانت له حسنة ولا يثاب من يؤدي في أن يخطئ العين ويحسن من يؤدي أن يكف عنه وهذا يدل على ما وصفت من أنه لم يكلف صواب العين في حال، فإن قيل ذم الله على الاختلاف قيل الاختلاف وجهان فما أقام الله تعالى به الحجة على خلقه حتى يكونوا على بينة منه ليس عليهم إلا اتباعه ولا لهم مفارقته، فإن اختلفوا فيه فذلك الذي ذم الله عليه والذي لا يحل الاختلاف فيه، فإن قال فأين ذلك؟ قيل قال الله تعالى {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] فمن خالف نص كتاب لا يحتمل التأويل أو سنة قائمة فلا يحل له الخلاف ولا أحسبه يحل له خلاف جماعة الناس وإن لم يكن في قولهم كتاب أو سنة ومن خالف في أمر له فيه الاجتهاد فذهب إلى معنى يحتمل ما ذهب إليه ويكون عليه دلائل لم يكن في من خلاف لغيره وذلك أنه لا يخالف حينئذ كتابا نصا ولا سنة قائمة ولا جماعة ولا قياسا بأنه إنما نظر في القياس فأداه إلى غير ما أدى صاحبه إليه القياس كما أداه في التوجه للبيت بدلالة النجوم إلى غير ما أدى إليه صاحبه، فإن قال ويكون هذا في الحكم؟ قيل نعم، فإن قيل فمثل هذا إذا كان في الحكم دلالة على موضع الصواب قيل قد عرفناها في بعضه وذلك أن تنزل نازلة تحتمل أن تقاس فيوجد لها في الأصلين شبه فيذهب ذاهب إلى أصل والآخر إلى أصل غيره فيختلفان، فإن قيل فهل يوجد السبيل إلى أن يقيم أحدهما على صاحبه حجة في بعض ما اختلفا فيه؟ قيل نعم إن شاء الله تعالى بأن تنظر النازلة، فإن كانت تشبه أحد الأصلين في معنى والآخر في اثنين صرفت إلى الذي أشبهته في الاثنين دون الذي أشبهته في واحد وهكذا إذا كان شبيها بأحد الأصلين أكثر
، فإن قال قائل فمثل من هذا شيئا قيل لم يختلف الناس في أن لا دية للعبد يقتل خطأ مؤقتة إلا قيمته، فإن كانت قيمته مائة درهم أو أقل أو أكثر إلى أن تكون أقل من عشرة آلاف درهم فعلى من قتله وذهب بعض المشرقيين إلى أنه إن زادت ديته على عشرة آلاف درهم نقصها من عشرة آلاف درهم وقال لا أبلغ بها دية حر وقال بعض أصحابنا نبلغ بها دية أحرار فإذا كان ثمنه مائة درهم لم يزد عليها صاحبه لأن الحكم فيها أنها ثمنه، وكذلك إذا زادت على دية أحرار أخذها سيده كما تقتل له دابة تسوى ديات أحرار فتؤخذ منه كان وهذا عندنا من قول من قال من المشرقيين أمرا لا يجوز الخطأ فيه لما وصفت
، ثم عاد بعض المشرقيين فقال يقتل العبد بالعبد وآخذ الأحرار بالعبيد ولا يقتص العبد من حر ولا من العبد فيما دون النفس فقلت لبعض من تقدم منهم ولم قتلتم العبد والأعبد بالعبد قودا ولم تقيدوا العبد من العبد فيما دون النفس؟ قال من أصل ما ذهبنا إليه في العبيد إذا قتلوا خطأ أن فيهم أثمانهم وأثمانهم كالدواب والمتاع فقلنا لا نقص لبعضهم من بعض في الجراح لأنهم أموال فقلت لهم أفيقاس القصاص على الديات والأثمان أم القصاص مخالف للديات والأثمان؟ ، فإن كان يقاس على الديات فلم تصنع شيئا قتلت عبدا يسوى ألف دينار بعبد يسوى خمسة دنانير وقتلت به عبيدا كلهم ثمنه أكثر من ثمنه ولم تصنع شيئا حين قتلت بعض العبيد ببعض وأنت تمثلهم بالبهائم والمتاع وأن ولا تقتل بهيمة ببهيمة لو قتلتها، فإن زعمت أن الديات أصل
والديات عبرة لأنك تقتل الرجل بالمرأة وديتها نصف دية الرجل فلم تذهب مذهبا بتركك القصاص بين العبيد فيما دون النفس إذا قتلت العبد بالعبد كان أن يتلف بعضه ببعضه أقل وإن اختلفت أثمانهم مع ما يلزمك من هذا القول قال وما يلزمني بقولي هذا؟ قلت أنت تزعم أن من قتل عبدا فعليه الكفارة وعليه ما على من قتل الحر من الإثم لأنه مسلم عليه فرض الله وله حرمة الإسلام ولا تزعم هذا فيمن قتل بعيرا أو حرق متاعا وتزعم أن على العبد حلالا وحراما وحدودا وفرائض وليس هذا على البهائم (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : إن الله عز وجل حكم على عباده حكمين حكما فيما بينهم وبينه إن أثابهم وعاقبهم على ما أسروا كما فعل بهم فيما أعلنوا وأعلمهم إقامة للحجة عليهم وبينها لهم أنه علم سرائرهم وعلم علانيتهم فقال {يعلم السر وأخفى} [طه: 7] وقال {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] وخلقه لا يعلمون إلا ما شاء عز وجل وحجب علم السرائر عن عباده وبعث فيهم رسلا فقاموا بأحكامه على خلقه وأبان لرسله وخلقه أحكام خلقه في الدنيا على ما أظهروا وأباح دماء أهل الكفر من خلقه فقال {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وحرم دماءهم إن أظهروا الإسلام فقال {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] وقال {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] وقال {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] فجعل حينئذ دماء المشركين مباحة وقتالهم حتما وفرضا عليهم إن لم يظهروا الإيمان
، ثم أظهره قوم من المنافقين فأخبر الله نبيه عنهم أن ما يخفون خلاف ما يعلنون فقال {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] وقال {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم} [التوبة: 95] مع ما ذكر به المنافقين فلم يجعل لنبيه قتلهم إذا أظهروا الإيمان ولم يمنعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناكحة المسلمين ولا موارثتهم (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ورأيت مثل هذا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» «وقال المقداد أرأيت يا رسول الله لو أن مشركا قاتلني فقطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة فأسلم أفأقتله؟ قال لا تقتله»
وقال الله تبارك وتعالى {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] وقال عز وجل {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] الآية فحكم بالأيمان بينهما إذا كان الزوج يعلم من المرأة ما لا يعلمه الأجنبيون ودرأ عنه وعنها بها على أن أحدهما كاذب وحكم في الرجل يقذف غير زوجته أن يحد إن لم يأت بأربعة شهداء على ما قال ولاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين العجلاني وامرأته بنفي زوجها وقذفها بشريك بن السحماء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «انظروها، فإن جاءت به - يعني الولد - أسحم أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا صدق» وتلك صفة شريك الذي قذفها به زوجها وزعم أن حبلها منه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كذب عليها» وكانت تلك الصفة صفة زوجها فجاءت به يشبه شريك ابن السحماء.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن أمره لبين لولا ما حكم الله» أي لكان لي فيه قضاء غيره يعني والله أعلم لبيان الدلالة بصدق زوجها فلما كانت الدلالة لا تكون عند العباد إحاطة دل ذلك على إبطال كل ما لم يكن إحاطة عند العباد من الدلائل إن لم يقروا به من الحكم عليه لم يمتنع مما وجب عليه أو تقوم عليه بينة فيؤخذ من حيث أمر الله أن يؤخذ لا يؤخذ بدلالة «وطلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ألبتة، ثم أتى النبي
- صلى الله عليه وسلم - فأحلفه ما أراد إلا واحدة وردها عليه» (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : لما كان كلامه محتملا لأن لم يرد إلا واحدة جعل القول قوله كما حكم الله فيمن أظهر الإيمان بأن القول قوله في الدنيا فينكح المؤمنات ويوارث المؤمنين وأعلم بأن سرائرهم على غير ما أظهروا وأنه يغلب على من سمع طلاق ألبتة أنه يريد الإبتات الذي لا غاية له من الطلاق «وجاءه رجل من بني فزارة فقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود فجعل يعرض بالقذف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لك من إبل؟ قال نعم قال ما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق قال نعم قال فأنى أتاه؟ قال لعله نزعه عرق قال ولعل هذا نزعه عرق» ولم يحكم عليه بحد ولا لعان إذ لم يصرح بالقذف لأنه قد يحتمل أن لا يكون أراد قذفا وإن كان الأغلب على سامعه أنه أراد القذف مع أن أحكام الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تدل على ما وصفت من أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بالظن.
وإن كانت له عليه دلائل قريبة فلا يحكم إلا من حيث أمره الله بالبينة تقوم على المدعى عليه أو إقرار منه بالأمر البين وكما حكم الله أن ما أظهر فله حكمه كذلك حكم أن ما أظهر فعليه حكمه لأنه أباح الدم بالكفر وإن كان قولا فلا يجوز في شيء من الأحكام بين العباد أن يحكم فيه إلا بالظاهر لا بالدلائل.
[باب الديات]
أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي قال أخبرنا أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وزن سبعة وقال أهل المدينة على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم وقال محمد بن الحسن بلغنا عن عمر بن الخطاب أنه فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم.
حدثنا بذلك أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن الهيثم عن الشعبي عن عمر بن الخطاب وزاد وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الغنم ألف شاة.
أخبرنا سفيان الثوري قال أخبرني محمد بن عبد الرحمن عن الشعبي. قال على أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل الذهب ألف دينار.
وقال أهل المدينة إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فرض على أهل الورق اثني عشر ألف درهم وقال محمد بن الحسن كلا الفريقين روى عن عمر وانظر أي الروايتين أقرب إلى ما قال المسلمون في غير هذا فهو الحق أجمع المسلمون جميعا لا اختلاف بينهم في القولين كافة أهل الحجاز وأهل العراق أن ليس في أقل من عشرين دينارا من الذهب صدقة وليس في أقل من مائتي درهم من الورق صدقة فجعلوا لكل دينار عشرة دراهم ففرضوا الزكاة على هذا فهذا لا اختلاف فيه بينهم فإذا فرضوا هذا في الصدقة فكيف ينبغي لهم أن يفرضوا الدية كل دينار بعشرة دراهم أو يفرضوا كل دينار باثني عشر درهما إنما ينبغي أن يفرضوا الدية بما يفرضون عليه الزكاة وقد جاء عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود أنهما قالا لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم فجعلوا الدينار بمنزلة العشرة الدراهم فعلى هذا الأحرى ما فرضوا في مثل هذا، فإن زاد سعر أو نقص لم ينظر في ذلك ألا ترى لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير وجب في ذلك الزكاة وجعل في كل صنف منها زكاة وجعل دينار على عشرة دراهم فهذا أمر واضح ليس ينبغي لهم أن يفرضوا الدية فيه إلا على ما فرضت عليه الزكاة ونحوها ونحن فيما نظن أعلم بفريضة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين فرض الدية دراهم أهل المدينة لأن الدراهم على أهل العراق وإنما كان يؤدي الدية أهل العراق وقد صدق أهل المدينة أن عمر - رضي الله عنه - فرض الدية اثني عشر ألف درهم ولكنه فرضها اثني عشر ألف درهم وزن ستة.
أخبرنا الثوري عن المغيرة عن إبراهيم النخعي قال كانت الدية الإبل فجعلت الإبل الصغير والكبير كل بعير بمائة وعشرين درهما وزن ستة فذلك عشرة آلاف درهم وقيل لشريك بن عبد الله إن رجلا من المسلمين قال شريك قال أبو إسحاق فأتى رجل منا رجلا من العدو وضربه فأصاب رجلا منا فكبه على وجهه
حتى وقع على حاجبيه وأنفه ولحيته وصدره فقضى فيه عثمان بن عفان - رضي الله عنه - اثني عشر ألف درهم وكانت الدراهم يومئذ وزن ستة (قال الشافعي) : روى مكحول وعمرو بن شعيب وعدد من الحجازيين أن عمر فرض الدية اثني عشر ألف درهم ولم أعلم بالحجاز أحدا خالف فيه عن الحجازيين ولا عن عثمان بن عفان وممن قال الدية اثنا عشر ألف درهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة ولا أعلم بالحجاز أحدا خالف في ذلك قديما ولا حديثا ولقد روى عكرمة «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بالدية اثني عشر ألف درهم» وزعم عكرمة أنه نزل فيه {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] فزعم محمد بن الحسن عن عمر حديثين مختلفين قال في أحدهما فرض الدية عشرة آلاف درهم وقال في الآخر اثني عشر ألفا وزن ستة قلت لمحمد بن الحسن أفتقول إن الدية اثنا عشر ألف درهم وزن ستة فقال لا فقلت من أين زعمت إن كنت أعلم بالدية فيما زعمت من أهل الحجاز لأنك من أهل الورق ولأنك عن عمر قلتها فإن عمر قضى فيها بشيء لا تقضي به قال لم تكونوا تحسبون قلت أفتروي شيئا تجعله أصلا في الحكم فأنت تزعم أن من تروي عنه لا يعرف قضى به وكيف تقضي بالدية وزن سبعة أفرأيت ما جعلت فيه الزكاة وغير ذلك مما جعلت فيه القطع وجاء تسمية دراهم ليس فيها وزن ستة ولا وزن سبعة وقال لك قائل بل هي على وزن ستة لا وزن سبعة لأن عمر لا يفرض الدية وزن ستة ويفرض فيما سواها وزن سبعة ما تقول؟ قال أقول إن الدراهم إذا جاءت جملة فهي على وزن الإسلام قلنا: فكيف أخرجت الدية من وزن الإسلام إذا كان وزن الإسلام عندك وزن سبعة ثم زعمت أنك أعلم بالدية منهم لأنكم من أهلها وزعمت لنا أن الدراهم إنما كانت صنفين.
أحدهما الدرهم وزن مثقال والآخر كل عشرة دراهم وزن ستة حتى ضرب زياد دراهم الإسلام فلو قال لك قائل كل درهم جاءت به الزكاة أو في الدية أو في القطع أو غير ذلك فهو بوزن المثقال وقال آخر بوزن ستة وقال آخر كل درهم فهو بوزن الإسلام قيل له فهكذا ينبغي لك أن تقول في الدية (قال الشافعي) : يقول لقائل قوله أرأيت لو قال لك قائل قد خرجت من حديث أبي إسحاق الهمداني إن الدية اثنا عشر ألفا وزن ستة ومن حديث الشعبي أن الدية عشرة آلاف درهم لأنه لم يذكر فيما تروون فيها وزن ستة كما حدث أبو إسحاق لأن أبا إسحاق يذكر وزن ستة فهو أولى بها وقال آخرون وزن المثاقيل لأن الأكثر أولى بها، فإن قال بل وزن الإسلام فادعى محمد على أهل الحجاز أنهم أعلم بالدية منهم وإنما عمر قبل الدية من أهل الورق ولم يجعل لهم أنهم أعلم بالدية منه إذا كان منهم فمن كان الحاكم منهم أولى بالمعرفة بالدراهم منه إذا كان الحكم إنما وقع بالحاكم وقال محمد بن الحسن فرض المسلمون الزكاة في كل عشرين دينارا وفي مائتي درهم كل دينار بعشرة دراهم، فإن قيل له ومن أخبرك أنهم فرضوا الزكاة قياسا؟ أرأيت إذا فرضت الزكاة في أربعين من الغنم وفي ثلاثين من البقر أقاسوا البقر على الغنم؟ ، فإن قاسوها فالقياس لا يصلح إلا عددا وعدد البقر أقل من عدد الغنم أو بالقيمة فقيمة ثلاثين من البقر أكثر من قيمة أربعين من الغنم وهكذا خمس من الإبل لا عددها عدد واحد منها ولا قيمتها قيمة واحد منها قال ما الزكاة بقياس قلنا ولذلك كانت الدواب سوى البقر والغنم والإبل لا زكاة فيها والتبر سوى الذهب والورق لا زكاة فيه وكل واحد منها أصل في نفسه لا قياس على غيره قال نعم قلنا فكيف زعمت أن الذهب يقاس على الورق والورق يقاس على الذهب.
فإن زعمت أن أحدهما قياس على الآخر فأيهما
الأصل؟ ، فإن زعمت أنه الذهب لزمك أن تقول عشرين دينارا إذا كانت فيها الزكاة فلو كانت أربعين درهما تسوى عشرين دينارا كانت فيها الزكاة أو ألف درهم لا تسوى عشرين دينارا لم يكن فيها الزكاة وإن زعمت أن الورق هي الأصل قيل لك فيها كما قيل لك في الذهب والورق قال فما هي؟ قلنا كما قلت في الماشية كل واحد منهما أصل في نفسه قال فالدية قلنا فأصل الدية الإبل في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقومها عمر ألف دينار واثني عشر ألف درهم الذهب على أهل الذهب والورق على أهل الورق فاتبع في ذلك قضاء عمر كما قضى قال فكيف كان الصرف على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر وعثمان - رضي الله عنهما -؟ قيل أما ما روي من الأخبار بينا فعلي اثنا عشر درهما بدينار وقطع عثمان سارقا في أترجة ثمن ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار وقضى في امرأة قتلت في الحرم بدية وثلث ثمانية آلاف درهم.
(قال الشافعي) أخبرنا بذلك سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه وأما الدلالة في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فبمثل هذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» وروى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» وهذا يشبه قضاء عثمان وقيل لمحمد بن الحسن من زعم لك أن في عشرة دنانير ومائة درهم زكاة؟ أرأيت من قال في وسقين ونصف زبيبا ووسقين ونصف تمرا زكاة؟ قال ليس ذلك له حتى يكون من كل واحد منهما ما يجب فيه الزكاة قال، وكذلك في عشرين شاة وخمس عشرة بقرة؟ قال نعم قيل ولم؟ قال لأن كل واحد منهما صنف غير صنف صاحبه قيل، وكذلك الحنطة والشعير لا يضم واحد منهما إلى صاحبه؟ قال نعم قيل فالحنطة من الشعير والتمر من الزبيب أقرب أو الذهب من الورق في القيمة واللون؟ قال وما للقرب ولهذا؟ وكل واحد منهما صنف قيل فكيف جمعت بين الأبعد المختلف من الفضة والذهب وأبيت أن تجمع ما بين الأقرب المختلف؟ قال فإنا نقول هذا قلنا فمن قال قولك هذا هل تجد به أثرا يتبع؟ قال لا قلنا فقياس؟ قال لا قلنا فلا قياس ولا أثر قال فإن بعض أصحابكم يقوله معنا قلنا، فإن كانت الحجة إنما هي لك بأن ذلك الصاحب يقوله معك يجمع بين الحنطة والشعير والسلت فيضم بعضها إلى بعض ويجمع بين القطنية قال هذا خطأ قلنا وما دلك على خطئه؟ أليس إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فإنما عنى من صنف واحد لا من صنفين قال نعم قلنا أفرأيت إن قال لك هي صنف واحد؟ .
قال إذا يقول لي ما يعرف العقل غيره فلا أقبله منه ما قيمتها ولا خلقتها بواحدة قلنا فالذهب أبعد من الورق في القيمة والخلقة من الحنطة من الشعير والسلت فأراك تتخذ قوله إذا وافقك حجة وتزعم في موضع غيره من قوله أنه يخطئ ويحيل وقلنا له لا يثبت عن ابن مسعود ما ذكرت من القطع في عشرة دراهم وأنت تروي عن الثوري عن عيسى بن أبي عزة عن الشعبي عن ابن مسعود أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع سارقا في خمسة دراهم» قال هذا مقطوع قلنا والذي رويت عنه القطع في عشرة دراهم عن ابن مسعود مقطوع بروايته عن رجل أدنى في الثقة عندك من رواية هذا وأما روايتنا عن علي فجعفر بن محمد يروي عن أبيه أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال القطع في ربع دينار فصاعدا.
أخبرنا بذلك حاتم بن إسماعيل قال هذا منقطع قلنا وحديثكم مقطوع عن رجل لا نعرفه، فإن قال قائل فإنما جمعنا بين الذهب والفضة في الزكاة من قبل أنهما ثمن لكل شيء قيل له إن شاء الله تعالى أفيكونان ثمنا لكل شيء مجموعين، فإن قال ما تعني بمجموعين؟ قيل يقال لك أرأيت من استهلك لرجل متاعا يغرم قيمته ذهبا وورقا أو أحدهما، فإن قال بل إحداهما وإنما يقوم الورق على أهل الورق الذين هي أموالهم والذهب على أهل الذهب
الذين هي أموالهم قيل فما أسمعك جمعت بينهما في قيمة ما استهلك ولا في دية وما أنت إلا تفرد كلا منهما على حدته فكيف لم تفردهما هكذا في الزكاة؟ أو رأيت إذا كانا والإبل والبقر والغنم تجتمع في أنها أثمان للأحرار المقتولين أتجمع بينها في الزكاة.
فإن قلت لا وليس اجتماعها في شيء يدل على اجتماعها في غيره قيل فهكذا ما أخرجت الأرض مما فيه الزكاة وفيه العشر كله فهو مجتمع في أن فيه العشر كما في الذهب والورق ربع العشر ويفترق في أنه ليس بثمن لكل شيء كما الذهب والورق عندك ثمن لكل شيء ويفترق في أنه مأكول كما الذهب والورق عندك غير مأكول أفتجمع بينه لاجتماعه فيما وصفنا؟ ، فإن قال لا ولا يدلني اجتماعه في معنى ولا في معان أن أجمع بينه في كل شيء قيل فهكذا فافعل في الجمع بين الذهب والفضة.
أخبرنا سفيان قال أخبرنا المغيرة عن إبراهيم أنه قال لا يكون شبه العمد إلا في النفس والعمد ما أصبت بسلاح والخطأ إذا تعمدت الشيء فأصبت غيره وشبه العمد كل شيء تعمدت ضربه بلا سلاح.
قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لا قود بين العبيد والأحرار إلا في النفس فإن العبد إذا قتل حرا متعمدا أو قتله الحر متعمدا قتل به وقال أهل المدينة ليس بين العبيد والأحرار قود إلا أن يقتل العبد الحر فيقتل العبد بالحر وقال محمد بن الحسن كيف يكون نفسان تقتل بصاحبتها إن قتلتها الأخرى ولا تقتل بها الأخرى إن قتلتها؟ قالوا لنقصان العبد عن نفس الحر فهذا الرجل يقتل المرأة عمدا وديتها نصف دية الرجل فيقتل بها، وكذلك الوجه الأول وقد بلغنا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا قتل الحر العبد متعمدا قتل به.
أخبرنا محمد بن أبان بن صالح القرشي عن حماد عن إبراهيم أنه قال: ليس بين الرجال والنساء ولا بين الأحرار والمملوكين فيما بينهم قصاص فيما دون النفس (قال الشافعي) : إذا كان الحر القاتل للعبد فلا قود بينهما في نفس ولا غيرها وإذا قتل العبد الحر أو جرحه فلأولياء الحر أن يستقيدوا منه في النفس وللحر أن يستقيد منه في الجراح إن شاء أو يأخذ الأرش في عنقه إن شاء ويدع القود قال محمد بن الحسن إن المدنيين زعموا أنهم إنما تركوا إقادة العبد من الحر لنقص نفس العبد عن نفس الحر وقد يقيدون المرأة من الرجل وهي أنقص نفسا منه (قال الشافعي) : - رحمه الله -: ولا أعرف من قال هذا له ولا احتج به عليه من المدنيين إلا أن يقوله له من ينسبونه إلى علم فيتعلق به وإنما منعنا من قود العبد من الحر ما لا اختلاف بيننا فيه والسبب الذي قلناه له مع الاتباع أن الحر كامل الأمر في أحكام الإسلام والعبد ناقص الأمر في عام أحكام الإسلام وفي الحدود فيما يتصف منها بأن حده نصف حد الحر ويقذف فلا يحد له قاذفه ولا يرث ولا يورث ولا تجوز شهادته ولا يأخذ سهما إن حضر القتال وأما المرأة فكاملة الأمر في الحرية والإسلام وحدها وحد الرجل في كل شيء سوى وميراثها ثابت بما جعل الله لها وشهادتها جائزة حيث أجيزت وليست ممن عليه فرض الجهاد فلذلك لا تأخذ سهما ولو كان المعنى الذي روى محمد عمن روى عنه من المدنيين أنه لنقص الدية كان المدنيون قد يجعلون في نفس العبد قيمته وإن كانت عدد ديات أحرار فكان ينبغي لهم أن لا يقتلوا العبد الذي قيمته ألفا دينار بحر إنما قيمته ألف دينار ولكن الدية ليست عندهم من معنى القصاص بسبيل وقول محمد بن الحسن ينقض بعضه بعضا أرأيت إذا قتله به وأقاد النفس التي هي جماع البدن كله من الحر بنفس العبد فكيف لا
يقصه منه في موضحة إذا كان الكل بالكل فالبعض بالبعض أولى، فإن جاز لأحد أن يفرق بينهم جاز لغيره أن يقصه منه في الجراح ولا يقصه منه في النفس
، ثم جاز لغيره أن يبعض الجراح فيقصه في بعضها ولا يقصه في بعض في الموضع الذي ذكر الله عز وجل فيه القصاص فقال {النفس بالنفس} [المائدة: 45] الآية إلى قوله {والجروح قصاص} [المائدة: 45] وأصل ما يذهب إليه محمد بن الحسن في الفقه أنه لا يجوز أن يقال بشيء من الفقه إلا بخبر لازم أو قياس وهذا من قوله ليس بخبر لازم فيما علمت وضد القياس فأما قول محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - كيف يكون نفسان تقتل إحداهما بالأخرى ولا تقتل الأخرى بها فلنقص القاتل فإذا كان القاتل ناقص الحرمة لم يكن النقص يمنعه من أن يقتل إذا قتل من هو أعظم حرمة منه والنقص لا يمنع القود وإنما يمنع الزيادة.
، فإن قال قائل: فأوجدنيه يقول مثل هذا قيل نعم وأعظم منه يزعم أن رجلا لو قتل أباه قتل له ولو قتله أبوه لم يقتل به لفضل الأبوة على الولد وحرمتهما واحدة ويزعم أن رجلا لو قتل عبده لم يقتله به ولو قتله عبده قتله به ولو قتل مستأمنا لم يقتل به ولو قتله المستأمن يقتل به.
قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - في الصغير والكبير يقتلان الرجل جميعا عمدا إن على الكبير نصف الدية في ماله وعلى الصغير نصف الدية على عاقلته وقال أهل المدينة يقتل الكبير ويكون على الصغير نصف الدية قال محمد بن الحسن.
وكيف يقتل الكبير وقد شركه في الدم من لا قود عليه أرأيتم لو أن رجلا قتل نفسه هو ورجل آخر معه أكان على ذلك الرجل القود وقد شركه في دم المقتول نفسه؟ ينبغي لمن قال القول الأول أن يقول هذا أيضا أرأيتم لو أن رجلا وجب عليه القود في قطع يده فقطعت يده وجاء رجل آخر فقطع رجله فمات من القطعين جميعا أيقتل الذي قطع الرجل وقد شركه في الدم حد من حدود الله؟ أرأيتم لو أن رجلا عقره سبع وشجه رجل موضحة عمدا فمات من ذلك كله أيقتل صاحب الموضحة الضارب وقد شركه في الدم من ليس في فعله قود ولا أرش؟ ينبغي لمن قال هذا أن يقول لو أن رجلا وصبيا سرقا سرقة واحدة إنه يقطع الرجل ويترك الصبي وينبغي له أيضا أن يقول لو أن رجلين سرقا من رجل ألف درهم لأحدهما فيها شرك قطع الذي لا شرك له ولا يقطع الذي له الشرك أرأيتم رجلا وصبيا رفعا سيفا بأيديهما فضربا به رجلا ضربة واحدة فمات من تلك الضربة أتكون ضربة واحدة بعضها عمد فيه القود وبعضها خطأ، فإن كان ذلك عندكم فأيها العمد وأيها الخطأ؟ أرأيتم إن رفع رجلان سيفا فضربا به أحدهما متعمدين لذلك فمات من تلك الضربة وهي ضربته وضربة صاحبه ولم ينفرد أحدهما بضربة دون صاحبه أيكون في هذا قود ليس في هذا قود إذا أشرك في الدم شيء لا قود فيه ولا تبعيض في شيء من النفس أرأيتم رجلا ضرب رجلا فشجه موضحة خطأ
، ثم ثنى فشجه موضحة عمدا فمات في مكانه من ذلك جميعا ينبغي في قولكم أن تجعلوا على عاقلته نصف الدية بالشجة الخطأ وتقتلوه بالشجة العمد فيكون رجل واحد عليه في نفس واحدة نصف الدية والقتل وينبغي لكم أن تقولوا لو أن رجلا وجب له على رجل قصاص في شجة موضحة فاقتض منه
، ثم زاد على حقه متعمدا فمات المقتص منه من ذلك أنه يقتل الذي اقتص بالزيادة التي تعمد أخبرنا عباد بن العوام قال حدثنا هشام بن حسان عن الحسن البصري أنه سأل عن قوم قتلوا رجلا عمدا فيهم مصاب
قال تكون فيه الدية أخبرنا عباد بن العوام قال أخبرنا عمر بن عامر عن إبراهيم النخعي أنه قال إذا دخل خطأ في عمد فهي دية (قال الشافعي) : إذا قتل الرجل البالغ والصبي معه أو المجنون معه رجلا وكان القتل منهما جميعا عمدا فلا يجوز عندي والله أعلم لمن قتل اثنين بالغين قتلا رجلا عمدا برجل إلا أن يقتل الرجل ويجعل نصف الدية على الصبي والمجنون، وأصل هذا أن ينظر إلى القتل فإذا كان عمدا كله لا يخالطه خطأ فاشترك فيه اثنان أو ثلاثة فمن كان عليه القود منهم أقيد منه ومن زال عنه القود أزاله وجعل عليه حصته من الدية (قال الربيع) ترك الشافعي العاقلة لأنه عمد عنده ولكنه مطروح عنه للصغر والجنون، فإن قال قائل ما يشبه هذا؟ قيل له الرجلان يقتلان الرجل عمدا فيعفو الولي عن أحدهما أو يصالحه فلا يكون له سبيل على المعفو عنه ولا المصالح ويكون له السبيل على الذي لم يعف عنه فيقتله فيأخذ من أحد القاتلين بعض الدية أو يعفو عنه ويقتل الآخر، فإن قال قائل فهذان كان عليهما القود فزال عن أحدهما بإزالة الولي قيل له أفرأيت إن أزاله الولي عنه أزال عن غيره؟ ، فإن قال لا قيل وفعلهما واحد، فإن قال نعم قيل ويحكم على كل واحد منهما حكم نفسه لا حكم غيره، فإن قال نعم قيل فإذا كان هذا عندك هكذا في هذين فكيف إذا قتل الرجلان الرجل عمدا وأحد القاتلين ممن عليه القود والآخر ممن لا قود عليه كيف لم تقد من الذي عليه القود وتأخذ الدية من الذي لا قود عليه مثل الصبي والمجنون والأب (قال الشافعي) : ويقال له إن كنت إنما رفعت القود في الصبي والمجنون يقتلان الرجل ومعهما عاقل من قبل أن القلم مرفوع عنهما فحكمت بأن أحدهما خطأ فقد تركت هذا الأصل في الرجل المستأمن يقتله مسلم ومستأمن إذا كنت تحكم على المستأمن وتجعل على المسلم حصته من الدية أو رأيت أبا رجل ورجلا أجنبيا قتلا رجلا لم تقتل الأجنبي وتجعل على الأب نصف الدية إذا كان هؤلاء ممن يعقل ويكون عليه القود ولا يكون القلم عنه مرفوعا وتجعل عليه الدية في ماله لا على عاقلته وتجعل عمده عمدا لا خطأ وتفرق بينه وبين الصغير والمعتوه فتزعم أن عمد أولئك خطأ وأن عمدهما على عاقلتهما فما الحجة في أن تجمع بين ما فرقت بينه؟ ، فإن زعم أن حجته أن عمد الصبي والمعتوه خطأ تعقله عاقلته وعمد الأب يقتل ابنه معه غيره أو ليس معه غيره عمد يزول عنه القود لمعنى فيه ويجعل عليه الدية في ماله دون عاقلته، وكذلك عمد المستأمن يقتل المستأمن مع المسلم إذا حكم عليه فإذا زعم أن الأجنبي إذا شرك الأب والمستأمن إذا شرك المسلم في القتل قتل الذي عليه القود فقد ترك الأصل الذي إليه ذهب فأما ما أدخل على أصحابنا فأكثره لا يدخل عليهم وذلك قوله في الرجل تقطع يده في الحد أو القصاص
، ثم يقطع آخر رجله فيموت هذا لا قصاص فيه لأنه مات من جناية حق وجناية باطل ولأنه لو مات من قطع اليد لم يكن له دية لأن يده قطعت في غير معصية الله عز وجل فلما كان للإباحة فيه موضع لم يجز أن يقتل به من قتله وقتله غير منفرد به ولا شركة فيه بتعد وعليه عقل ولا قود قال، وكذلك لو ضربه السبع فجرحه وضربه آخر لم يكن عليه قود من قبل أن جناية السبع لا عقل فيها ولا قود فأما جناية المجنون والصبي فثابتة عليهما إن لم تكن بقود فبعقل وإذا كانت جنايتهما غير لغو والنفس مقتولة قتل عمد ومن قوله أن تقتل العشرة بواحد إذا قتلوه عمدا ويجعل كل واحد منهم كأنه قاتل على الانفراد حتى لو أزال القود عن بعضهم أخذ القود من الباقين لأن أصل القتل كان عمدا فإذا كان القتل خطأ لم يقتل، فإن قال فقتل الصبي والمعتوه خطأ قيل له هذا محال أن تزعم أنه خطأ وهو عمد ولكن قد كانت فيهما علة يمنع بها القصاص، فإن قال قائل أجعله على العاقلة كما أجعل خطأه قيل وهذا إن رد عليك وجعل في أموالهما لم تجد فيه حجة ولو كانت فيه حجة كانت عليك في الرجل يقتل ابنه
مع الأجنبي وأنت لا تجعل الدية إلا في مال الأب لا على العاقلة وفي المستأمن يقتل المستأمن معه مسلم والله أعلم.