Bölüm 33
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
(قال الشافعي) : وإن كانوا ماتوا دفعه إلى ورثته إن كانوا فقراء، أو أغنياء دفعه إليهم؛ لأنهم استحقوه في اليوم الذي أعطاه غيرهم وهم يومئذ من أهله، وإن كان المتولي القسم رب المال دون الوالي فعلم أن بعض من أعطاه ليس من أهل السهمان أما ما أعطاهم على مسكنة وفقر وغرم، أو ابن سبيل، فإذا هم مماليك، أو ليسوا على الحال التي أعطاهم لها رجع عليهم فأخذه منهم فقسمه على أهله، فإن ماتوا، أو أفلسوا ففيها قولان: أحدهما أن عليه ضمانه وأداءه إلى أهله ومن قال هذا قال على صاحب الزكاة أن يوفيها أهلها ولا يبرئه منها إلا أن يدفعها إلى أهلها كما لا يبرئه ذلك من شيء لزمه، فأما الوالي فهو أمين في أخذها وإعطائها ألا ترى أنه لا يضمن صاحب الصدقة الدافع إلى الوالي وأنه يبرأ بدفعه إليه الصدقة؛ لأنه أمر بدفعها إليه، والقول الثاني: أنه لا ضمان على صاحب الصدقة إذا قسمها
على الاجتهاد كما لا يضمن الوالي (قال) : وإن أعطاها رجلا على أن يغزو، أو رجلا على أن يسير من بلد إلى بلد، فأقاما نزع منهما الذي أعطاهما وأعطاه غيرهما ممن يخرج إلى مثل مخرجهما.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ينبغي لوالي الصدقة أن يبدأ فيأمر بأن يكتب أهل السهمان ويوضعون مواضعهم ويحصى كل أهل صنف منهم على حدتهم فيحصى أسماء الفقراء والمساكين ويعرف كم يخرجهم من الفقر، أو المسكنة إلى أدنى اسم الغنى وأسماء الغارمين ومبلغ غرم كل واحد منهم وابن السبيل وكم يبلغ كل واحد منهم البلد الذي يريد والمكاتبين وكم يؤدي كل واحد منهم حتى يعتقوا وأسماء الغزاة وكم يكفيهم على غاية مغازيهم ويعرف المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها وما يستحقون بعملهم يكون قبضه الصدقات مع فراغه من معرفة ما وصفت من معرفة أهل السهمان، أو بعدها ثم يجزئ الصدقة ثمانية أجزاء ثم يفرقها كما أصف إن شاء الله تعالى وقد مثلت لك مثالا كان المال ثمانية آلاف فلكل صنف ألف لا يخرج عن صنف منهم من الألف شيء وفيهم أحد يستحقه فأحصينا الفقراء فوجدناهم ثلاثة والمساكين فوجدناهم مائة والغارمين فوجدناهم عشرة ثم ميزنا الفقراء فوجدناهم يخرج واحد منهم من الفقر بمائة وآخر من الفقر بثلثمائة وآخر من الفقر بستمائة فأعطينا كل واحد ما يخرجه من الفقر إلى الغنى وميزنا المساكين هكذا فوجدنا الألف يخرج المائة من المسكنة إلى الغنى فأعطيناهموها على قدر مسكنتهم كما وصفت في الفقراء لا على العدد ولا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين إلى ما يصيرهم إلى أن يكونوا ممن يقع عليهم اسم أغنياء لا غنى سنة ولا وقت ولكن ما يعقل أنهم خارجون به من الفقر، أو المسكنة داخلون في أول منازل الغنى إن أغنى أحدهم درهم مع كسبه، أو ماله لم يزد عليه، وإن لم يغنه الألف أعطيها إذا اتسعت الأسهم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا حظ فيها لغني» والغني إذا كان غنيا بالمال «ولا لقوي مكتسب» يعني والله تعالى أعلم ولا فقير استغنى بكسبه؛ لأنه أحد الغناءين ولكنه - صلى الله عليه وسلم - فرق الكلامين لافتراق سبب الغناءين فالغنى الأول الغنى بالمال الذي لا يضر معه ترك الكسب ويزيد فيه الكسب، هو الغنى الأعظم، والغنى الثاني الغنى بالكسب، فإن قيل: قد يذهب الكسب بالمرض، قيل: ويذهب المال بالتلف، وإنما ينظر إليه بالحال التي يكون فيها القسم لا في حال قبلها ولا بعدها؛ لأن ما قبلها ماض وما بعدها لا يعرف ما هو كائن فيه، وإنما الأحكام على يوم يكون فيه القسم والقسم يوم يكون الاستحقاق ووجدنا الغارمين فنظرنا في غرمهم فوجدنا الألف تخرجهم معا من الغرم على اختلاف ما يخرج كل واحد منهم فأعطيناهم الألف كلها على مثال ما أعطينا الفقراء والمساكين ثم فعلنا هذا في المكاتبين كما فعلناه في الفقراء والمساكين والغارمين ثم نظرنا في أبناء السبيل فميزناهم ونظرنا البلدان التي يريدون، فإن كانت بعيدة أعطيناهم الحملان والنفقة، وإن كانوا يريدون البداءة فالبداءة وحدها، وإن كانوا يريدون البداءة والرجعة فالبداءة والرجعة والنفقة مبلغ الطعام والشراب والكراء، وإن لم يكن لهم ملبس فالملبس بأقل ما يكفي من كان من أهل صنف من هذا وأقصده، وإن كان المكان قريبا وابن السبيل ضعيفا فهكذا.
وإن كان قريبا
وابن السبيل قويا، فالنفقة دون الحمولة إذا كان بلادا يمشي مثلها مأهولة متصلة المياه مأمونة، فإن انتاطت مياهها، أو أخافت، أو أوحشت أعطوا الحمولة ثم صنع بهم فيها كما وصفت في أهل السهمان قبلهم يعطون على المؤنة لا على العدد
ويعطى الغزاة الحمولة والرحل والسلاح والنفقة والكسوة، فإن اتسع المال زيدوا الخيل، وإن لم يتسع فحمولة الأبدان بالكراء ويعطون الحمولة بادئين وراجعين، وإن كانوا يريدون المقام أعطوا المؤنة بادئين وقوة على المقام بقدر ما يريدون منه قدر مغازيهم ومؤناتهم فيها لا على العدد وما أعطوا من هذا ففضل في أيديهم لم يضيق عليهم أن يتمولوه ولم يكن للوالي أخذه منهم بعد أن يغزوا، وكذلك ابن السبيل
(قال) : ولا يعطى أحد من المؤلفة قلوبهم على الإسلام ولا إن كان مسلما إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة لا تكون الطاعة للوالي فيها قائمة ولا أهل الصدقة المولون أقوياء على استخراجها إلا بالمؤلفة لها وتكون بلاد أهل الصدقات ممتنعة بالبعد، أو كثرة الأهل، أو منعهم من الأداء، أو يكون قوم لا يوثق بثباتهم فيعطون منها الشيء على قدر ما يرى الإمام على اجتهاد الإمام لا يبلغ اجتهاده في حال أن يزيدهم على سهم المؤلفة وينقصهم منه إن قدر حتى يقوى بهم على أخذ الصدقات من أهلها، وقد روي أن عدي بن حاتم أتى أبا بكر بنحو ثلثمائة بعير صدقة قومه فأعطاه منها ثلاثين بعيرا وأمره بالجهاد مع خالد فجاهد معه بنحو من ألف رجل، ولعل أبا بكر أعطاه من سهم المؤلفة إن كان هذا ثابتا، فإني لا أعرفه من وجه يثبته أهل الحديث، هو من حديث من ينسب إلى بعض أهل العلم بالردة
(قال) : ويعطى العاملون عليها بقدر أجور مثلهم فيما تكلفوا من السفر وقاموا به من الكفاية لا يزادون عليه شيئا وينبغي للوالي أن يستأجرهم أجرة، فإن أغفل ذلك أعطاهم أجر أمثالهم، فإن ترك ذلك لم يسعهم أن يأخذوا إلا قدر أجور أمثالهم وسواء كان ذلك سهما من أسهم العاملين، أو سهم العاملين كله إنما لهم فيه أجور أمثالهم، فإن جاوز ذلك سهم العاملين ولم يوجد أحد من أهل الأمانة والكفاية يلي إلا بمجاوزة العاملين رأيت أن يعطيهم الوالي سهم العاملين تاما ويزيدهم قدر أجور أمثالهم من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة، لو أعطاهم من السهمان معه حتى يوفيهم أجور أمثالهم ما رأيت ذلك والله أعلم ضيقا عليه ولا على العامل أن يأخذه؛ لأنه إن لم يأخذه ضاعت الصدقة ألا ترى أن مال اليتيم يكون بالموضع فيستأجر عليه إذا خيف ضيعته من يحفظه، وإن أتى ذلك على كثير منه وقلما يكون أن يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل وقد يوجد من أهل الصدقة أمين يرضى بسهم العامل وأقل منه فيولاه أحب إلي.
(قال الشافعي) : - رحمه الله -: وجماع ما قسمنا على السهمان على استحقاق كل من سمي لا على العدد ولا على أن يعطى كل صنف سهما، وإن لم يعرفوه بالحاجة إليه ولا يمنعهم أن يستوفوا سهمانهم أن يأخذوا من غيرها إذا فضل عن غيرهم؛ لأن الله عز وجل أعطى كل صنف منهم سهما مؤقتا فأعطيناه بالوجهين
معا فكان معقولا أن الفقراء والمساكين والغارمين إذا أعطوا حتى يخرجوا من الفقر والمسكنة إلى الغنى والغرم إلى أن لا يكونوا غارمين لم يكن لهم في السهمان شيء وصاروا أغنياء كما لم يكن للأغنياء على الابتداء معها شيء وكان الذي يخرجهم من اسم الفقر والمسكنة والغرم يخرجهم من معنى أسمائهم، وهكذا المكاتبون وكان ابن السبيل والغازي يعطون مما وصفت من كفايتهم مؤنة سبيلهم وغزوهم وأجرة الوالي العامل على الصدقة ولم يخرجهم من اسم أن يكونوا بني سبيل ولا غزاة ولا عاملين ما كانوا مسافرين وغزاة وعمالا، فلم يعطوا إلا بالمعنى دون جماع الاسم، وهكذا المؤلفة قلوبهم لا يزول هذا الاسم عنهم، لو أعطي كل صنف من هؤلاء كل السهمان (قال) : فهم يجتمعون في المعاني التي يعطون بها، وإن تفرقت بهم الأسماء.
أخبرنا الربيع قال: (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فإذا اتسعت السهمان، فقد مثلت لها مثالا كانت السهمان ثمانية آلاف فوجدنا الفقراء ثلاثة يخرجهم من الفقر مائة والمساكين خمسة يخرجهم من المسكنة مائتان والغارمين أربعة يخرجهم من الغرم ألف، فيفضل عن الفقراء تسعمائة، وعن المساكين ثمانمائة واستغرق الغارمون سهمهم، فوقفنا الألف وسبعمائة التي فضلت عن الفقراء والمساكين، فضممناها إلى السهمان الخمسة الباقية سهم الغارمين وسهم المؤلفة وسهم الرقاب وسهم سبيل الله وسهم ابن السبيل، ثم ابتدأنا بالقسم بين هؤلاء الباقين كابتدائنا لو كانوا هم أهل السهمان ليس لأحد من غير أهل السهمان معهم، فأعطيناهم سهمانهم، والفضل عمن استغنى من أهل السهمان منهم، فإذا استغنى صنف منهم بأقل من سهمه جعل في جملة الأصل، هو الثمن وما رد عليهم من الفضل عن أهل السهمان، وأرد الفضل عنه على أهل السهمان معا، كما أرد عليه وعلى أهل السهمان معه الفضل عن غيره.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : فإذا كانت السهمان ثمانية آلاف فكان كل سهم ألفا فأحصينا الفقراء فوجدناهم خمسة يخرجهم من الفقر خمسمائة ووجدنا المساكين عشرة يخرجهم من المسكنة خمسمائة ووجدنا الغارمين عشرة يخرجهم من الغرم خمسة آلاف فسأل الغارمون أن يبدأ بالقسم بينهم فوضى على قدر استحقاقهم بالحاجة فليس ذلك لهم ويعطى كل صنف منهم سهمه حتى يستغني عنه، فإذا استغنى عنه رد على أهل السهمان معه ولم يكن أحد منهم بأحق به من جميع أهل السهمان ثم هكذا يصنع في جميع أهل السهمان وفي كل صنف منهم سهمه ولا يدخل عليه غيره حتى يستغني ثم لا يكون أحد أحق بالفضل عنه من أهل السهمان من غيره، فإن اختلف غرم الغارمين فكان عدتهم عشرة
وغرم أحدهم مائة وغرم الآخر ألف وغرم الآخر خمسمائة فسألوا أن يعطوا على العدد لم يكن ذلك لهم وجمع غرم كل واحد منهم فكان غرمهم عشرة آلاف وسهمهم ألفا فيعطى كل واحد منهم عشر غرمه بالغا ما بلغ، فيعطى الذي غرمه مائة عشرة، والذي غرمه ألف مائة، والذي غرمه خمسمائة خمسين فيكونون قد سوي بينهم على قدر غرمهم لا على عددهم ولا يزاد عليه، فإن فضل فضل عن أحد من أهل السهمان معهم عيد به عليهم وعلى غيرهم فأعطي كل واحد منهم ما يصيبه لعشر غرمه، فإذا لم تكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدأ القسم على خمسة أسهم ففضت الثمانية أسهم عليه أخماسا، وهكذا كل صنف منهم لا يوجد، وكل صنف استغنى عيد بفضله على من معه من أهل السهمان، ولا يخرج من الصدقة شيء عن بلده الذي أخذت به، قل ولا كثر، حتى لا يبقى واحد من أهل السهمان إلا أعطي حقه، لو فقد أهل السهمان كلهم إلا الفقراء والعاملين، قسمت الثمانية عليهم، حتى يوفى الفقراء ما يخرجهم من الفقر، ويعطى العاملون بقدر إجزائهم.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : لو كانت السهمان ثمانية وأهل السهمان وافرون فجمعنا الفقراء فوجدناهم ووجدنا المساكين مائة يخرجهم من المسكنة ألف والغارمين فوجدناهم ثلاثة يخرجهم من الغرم ألف فسأل الفقراء والمساكين أن يجعل المال كله بينهم فوضى على قدر استحقاقهم منه لم يكن ذلك لهم، وأعطي كل صنف منهم كاملا وقسم بين أهل كل صنف على قدر استحقاقهم، فإن أغناهم فذاك، وإن لم يغنهم لم يعطوا شيئا إلا ما فضل عن غيرهم من أهل السهمان، وإن لم يفضل عن غيرهم شيء لم يزادوا على سهمهم، لو كانت المسألة بحالها فضاقت السهمان عنهم كلهم فلم يكن منهم صنف يستغني بسهمه، أو في كل صنف منهم سهمه، لم يزد عليه؛ لأنه ليس في المال فضل يعاد به عليه، لو كان أهل صنف منهم متماسكين لو تركوا ولم يعطوا في علمهم ذلك لما شكوا وأهل كل صنف منهم يخاف هلاكهم لكثرتهم وشدة حاجتهم وضيق سهمهم لم يكن للوالي أن يزيدهم على سهمهم من سهم غيرهم حتى يستغني غيرهم ثم يرد فضلا إن كان عليهم مع غيرهم ولم يجعلهم أولى بالفضل من غيرهم، وإن كانوا أشد حاجة، كما لا يجعل ما قسم لقوم على قوم بمعنى لغيرهم لشدة حاجة ولا علة، ولكن يوفى كل ما جعل له، وهكذا يصنع بجميع السهمان، لو أجدب أهل بلد وهلكت مواشيهم حتى يخاف تلفهم وأهل بلد آخر مخصبون لا يخاف عليهم لم يجز نقل صدقاتهم عن جيرتهم حتى يستغنوا فلا ينقل شيء جعل لقوم إلى غيرهم أحوج منهم؛ لأن الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره.
(قال الشافعي) : وأي مال أخذت منه الصدقة قسم المال على وجهه ولم يبدل بغيره ولم يبع، فإن اجتمع حق أهل السهمان في بعير، أو بقرة، أو شاة، أو دينار، أو درهم، أو اجتمع فيه اثنان من أهل السهمان وأكثر أعطوه وأشرك بينهم فيه كما يعطى الذي وهب لهم وأوصي لهم به وأقر لهم به واشتروه بأموالهم، وكذلك إن استحق أحدهم عشره وآخر نصفه وآخر ما بقي منه أعطوه على قدر ما استحقوا منه، وهكذا يصنع في جميع أصناف الصدقات لا يختلف فيه في الماشية كلها والدنانير والدراهم حتى يشرك بين النفر في الدرهم والدينار لا يباع عليهم بغيره ولا تباع الدنانير بدراهم ولا الدراهم بفلوس ولا بحنطة ثم يفرق بينهم، وأما التمر والزبيب وما أخرجت الأرض، فإنه يكال لكل حقه.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وجميع ما أخذ من مسلم من صدقة فطر وخمس ركاز وزكاة معدن وصدقة ماشية وزكاة مال وعشر زرع وأي أصناف الصدقات أخذ من مسلم فقسمه واحد على الآية التي في براءة {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية لا يختلف، وسواء قليله وكثيره على ما وصفت، فإذا قسمه الوالي ففيه سهم العاملين منه ساقط؛ لأنه لا عامل عليه يأخذه فيكون له أجره فيه والعاملون فيه عدم، فإن قال رب المال: فأنا إلي أخذه من نفسي وجمعه وقسمه فآخذ أجر مثلي قيل إنه لا يقال لك عامل نفسك ولا يجوز لك إذا كانت الزكاة فرضا عليك أن يعود إليك منها شيء، فإن أديت ما كان عليك أن تؤديه وإلا كنت عاصيا لو منعته، فإن قال: فإن وليتها غيري؟ قيل إذا كنت لا تكون عاملا على غيرك لم يكن غيرك عاملا إذا استعملته أنت، ولا يكون وكيلك فيها إلا في معناك، أو أقل؛ لأن عليك تفريقها، فإذا تحقق منك فليس لك الانتقاص منها لما تحققت بقيامه بها (قال) : ولا أحب لأحد من الناس يولي زكاة ماله غيره؛ لأن المحاسب بها المسئول عنها هو، فهو أولى بالاجتهاد في وضعها مواضعها من غيره وأنه على يقين من فعل نفسه في أدائها، وفي شك من فعل غيره لا يدري أداها عنه، أو لم يؤدها، فإن قال: أخاف حبائي، فهو يخاف من غيره مثل ما يخاف من نفسه، ويستيقن فعل نفسه في الأداء ويشك في فعل غيره.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ويعطي الولاة جميع زكاة الأموال الظاهرة، الثمرة، والزرع، والمعادن، والماشية.
فإن لم يأت الولاة بعد حلولها لم يسع أهلها إلا قسمها، فإن جاء الولاة بعد قسم
أهلها لم يأخذوها منهم ثانية، فإن ارتابوا بأحد وخافوا دعواه الباطل في قسمها فلا بأس أن يحلفوه بالله لقد قسمها كاملة في أهلها، وإن أعطوهم زكاة التجارات أجزأهم ذلك إن شاء الله تعالى، وإن قسموها دونهم فلا بأس، وهكذا زكاة الفطر والركاز.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : لا ينبغي للوالي أن يؤخر الصدقة عن محلها عاما واحدا، فإن أخرها لم ينبغ لرب المال أن يؤخر، فإن فعلا معا قسماها معا في ساعة يمكنهما قسمها لا يؤخرانها بحال، فإن كان قوم في العام الماضي من أهلها وهم العام من أهلها وكان بقوم حاجة في عامهم هذا وكانوا من أهلها ولم يكونوا في العام الماضي أعطي الذين كانوا في العام الماضي من أهلها صدقة العام الماضي، فإن استغنوا به، لم يعطوا منه في هذا العام شيئا، وكذلك لو أخذت الصدقة ورجل من أهلها فلم تقسم حتى أيسر، لم يعط منها شيئا، ولا يعطى منها حتى يكون من أهلها يوم تقسم، وإن لم يستغنوا بصدقة العام الماضي كانوا شركاء في صدقة عامهم هذا مع الذين استحقوا في عامهم هذا بأن يكونوا من أهلها ولا يدفعهم عن الصدقة العام وهم من أهلها بأن يكونوا استوجبوها في العام الماضي قبله على قوم لم يكونوا من أهلها، وإنما يستحقها في العامين معا الفقراء والمساكين والغارمون والرقاب، فأما من سواهم من أهل السهمان فلا يؤتى لعام أول، وذلك أن العاملين إنما يعطون على العمل فهم لم يعملوا عام أول، وأن ابن السبيل والغزاة إنما يعطون على الشخوص وهم لم يشخصوا عام أول، أو شخصوا فاستغنوا عنها وأن المؤلفة قلوبهم لا يعطون إلا بالتأليف في قومهم للعون على أخذها وهي في عام أول لم تؤخذ فيعينون عليها.
(قال الشافعي) : - رحمه الله -: كانت العرب أهل الصدقات وكانت تجاور بالقرابة ليمتنع بعضها على بعض لمن أرادها، فلما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تؤخذ الصدقة من أغنيائهم وترد على فقرائهم كان بينا في أمره أنها ترد على الفقراء الجيران للمأخوذة منه الصدقة، وكانت الأخبار بذلك متظاهرة على رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصدقات أن أحدهم يأخذها من أهل هذا البيت ويدفعها إلى أهل هذا البيت بجنبهم إذا كانوا من أهلها، وكذلك قضى معاذ بن جبل حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «أيما رجل انتقل عن مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته وعشره إلى مخلاف عشيرته» يعني إلى جار المال الذي تؤخذ منه الصدقة دون جار رب المال فبهذا نقول إذا كان للرجل مال ببلد وكان ساكنا ببلد غيره قسطت صدقته على أهل البلد الذي به ماله الذي فيه الصدقة
كانوا أهل قرابة له، أو غير قرابة، وأما أهل الزرع والثمرة التي فيها الصدقة فأمرهم بين، يقسم الزرع والثمرة على جيرانها، فإن لم يكن لها جيران فأقرب الناس بها جوارا؛ لأنهم أولى الناس باسم جوارها، وكذلك أهل المواشي الخصبة والأوارك والإبل التي لا ينتجع بها، فأما أهل النجع الذين يتتبعون مواقع القطر، فإن كانت لهم ديار، بها مياههم وأكثر مقامهم لا يؤثرون عليها إذا أخصبت شيئا فأهل تلك الدار من المساكين الذين يلزمهم أن تكون الأغلب عليهم أولى كما كان جيران أهل الأموال المقيمين أولى بها، فإن كان فيهم من ينتجع بنجعتهم، كان أقرب جوارا ممن يقيم في ديارهم إلى أن يقدم عليهم، وتقسم الصدقة على الناجعة المقيمة بنجعتهم ومقامهم دون من انتجع معهم من غير أهل دارهم. ودون من انتجعوا إليه في داره، أو لقيهم في النجعة ممن لا يجاورهم، وإذا تخلف عنهم أهل دارهم ولم يكن معهم منتجع من أهلها يستحق السهمان جعلت السهمان في أهل دارهم دون من انتجعوا إليه. ولقيهم في النجعة من أهلها، لو انتقلوا بأموالهم وصدقاتهم بجيران أموالهم التي فروا بها، وإن بعدت نجعتهم حتى لا يعودوا إلى بلادهم إلا فيما تقصر فيه الصلاة، قسمت الصدقة على جيران أموالهم، ولم تحمل إلى أهل دارهم إذا صاروا منهم سفرا تقصر فيه الصلاة.
(قال الشافعي) : - رحمه الله -: وإذا لم يبق من أهل الصدقة إلا صنف واحد قسمت الصدقة كلها في ذلك الصنف حتى يستغنوا، فإذا فضل فضل عن إغنائهم نقلت إلى أقرب الناس بهم دارا (قال) : وإذا استوى في القرب أهل نسبهم وعدى قسمت على أهل نسبهم دون العدى، وإن كان العدى أقرب الناس بهم دارا وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقصر الصلاة فيه قسمت الصدقة على العدى إذا كان دون ما تقصر فيه الصلاة؛ لأنهم أولى باسم حضرتهم، ومن كان أولى باسم حضرتهم كان أولى بجوارهم، وإن كان أهل نسبهم دون ما تقصر فيه الصلاة والعدى أقرب منهم، قسمت على أهل نسبهم؛ لأنهم بالبادية غير خارجين من اسم الجوار، ولذلك هم في المتعة حاضرو المسجد الحرام.
(قال الشافعي) : - رحمه الله - ينبغي لوالي الصدقة أن يسم كل ما يأخذ منها من إبل، أو بقر، أو غنم، يسم الإبل والبقر في أفخاذها والغنم في أصول آذانها ويجعل ميسم الصدقة مكتوبا لله ويجعل ميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل والبقر، وإنما قلت ينبغي له لما بلغنا أن عمال النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسمون، وكذلك بلغنا أن عمال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كانوا يسمون، أخبرنا مالك عن
زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر " ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها " قال: فقلت وهي عمياء؟ فقال " يقطرونها بالإبل " قلت: فكيف تأكل من الأرض؟ فقال عمر " أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة؟ " فقلت: لا. بل من نعم الجزية فقال عمر " أردتم والله أكلها " فقلت: إن عليها وسم الجزية قال فأمر بها عمر فأتي بها فنحرت وكانت عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طرفة إلا جعل منها في تلك الصحاف فبعث بها إلى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكون الذي يبعث به إلى حفصة من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حظ حفصة، قال فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث بها إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا المهاجرين والأنصار.
(قال الشافعي) : فلم تزل السعاة يبلغني عنهم أنهم يسمون كما وصفت، ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلوما فلا يشتريه الذي أعطاه؛ لأنه شيء خرج منه لله عز وجل كما «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه يباع أن لا يشتريه» وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة؛ لأنهم تركوها لله عز وجل.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : إذا تولى الرجل قسم الصدقة قسمها على ستة أسهم أسقط منها سهم المؤلفة قلوبهم إلا أن يجدهم في الحال التي وصفت يشخصون لمعونة على أخذ الصدقة فيعطيهم، ولا سهم للعاملين فيها، وأحب له ما أمرت به الوالي من تفريقها في أهل السهمان من أهل مصره كلهم ما كانوا موجودين، فإن لم يوجد من صنف منهم إلا واحد أعطاه سهم ذلك الصنف كله إن استحقه، وذلك أني إن لم أعطه إياه، فإنما أخرجه إلى غيره ممن له معه قسم فلم أجز أن أخرج عن صنف سموا شيئا ومنهم محتاج إليه (قال) : وإن وجد من كل صنف منهم جماعة كثيرة وضاقت زكاته أحببت أن يفرقها في عامتهم بالغة ما بلغت، فإن لم يفعل فأقل ما يكفيه أن يعطي منهم ثلاثة؛ لأن أقل جماع أهل سهم ثلاثة إنما ذكرهم الله عز وجل بجماع فقراء ومساكين، وكذلك ذكر من معهم، فإن قسمه على اثنين، هو يجد ثالثا ضمن ثلث السهم، وإن أعطاه واحدا ضمن ثلثي السهم؛ لأنه لو ترك أهل صنف وهم موجودون ضمن سهمهم، وهكذا هذا من أهل كل صنف، فإن أخرجه من بلد إلى بلد غيره كرهت ذلك له، ولم يبن لي أن أجعل عليه الإعادة من قبل أنه قد أعطاه أهله بالاسم، وإن ترك موضع الجوار، وإن كانت له قرابة من أهل السهمان ممن لا تلزمه النفقة عليه أعطاه منها وكان أحق بها من البعيد منه، وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم، وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا أولاده ووالديه، ولا يعطي ولد الولد صغيرا ولا كبيرا ولا زمنا ولا أبا ولا أما ولا جدا ولا جدة زمنى (قال الربيع) : لا يعطي الرجل من زكاة ماله لا أبا ولا أما ولا ابنا ولا جدا ولا جدة ولا أعلى منهم إذا كانوا فقراء من قبل أن نفقتهم تلزمه وهم أغنياء به، وكذلك إن كانوا غير زمنى لا يغنيهم كسبهم فهم في حد الفقر لا يعطيهم من زكاته، وتلزمه نفقتهم، وإن كانوا غير زمنى مستغنين بحرفتهم لم تلزمه نفقتهم وكانوا في حد الأغنياء الذين لا يجوز أن يأخذوا من زكاة المال، ولا يجوز له ولا لغيره أن
يعطيهم من زكاة ماله شيئا، وهذا عندي أشبه بمذهب الشافعي.
(قال الشافعي) : ولا يعطي زوجته؛ لأن نفقتها تلزمه، وإنما قلت: لا يعطي من تلزمه نفقتهم؛ لأنهم أغنياء به في نفقاتهم (قال الشافعي) : وإن كانت امرأته، أو ابن له بلغ فادان ثم زمن واحتاج، أو أب له دائنا، أعطاهم من سهم الغارمين، وكذلك من سهم ابن السبيل، ويعطيهم بما عدا الفقر والمسكنة؛ لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه، فلا يكونون أغنياء عن هذا كما كانوا أغنياء عن الفقر والمسكنة بإنفاقه عليهم (قال) : ويعطي أباه وجده وأمه وجدته وولده بالغين غير زمنى من صدقته إذا أرادوا سفرا؛ لأنه لا تلزمه نفقتهم في حالاتهم تلك.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ويعطي رجالهم أغنياء وفقراء إذا غزوا، وهذا كله إذا كانوا من غير آل محمد - صلى الله عليه وسلم - (قال الشافعي) : فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا، قل، أو كثر، لا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزئ عمن يعطيهموها إذا عرفهم، وإن كانوا محتاجين وغارمين ومن أهل السهمان، وإن حبس عنهم الخمس وليس منعهم حقهم في الخمس، يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة (قال) : وآل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة المفروضة أهل الخمس، وهم أهل الشعب، وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب، ولا يحرم على آل محمد صدقة التطوع إنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة، أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات الناس بمكة والمدينة فقلت له: أتشرب من الصدقة وهي لا تحل لك؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة (قال الشافعي) : وتصدق علي وفاطمة على بني هاشم وبني المطلب بأموالهما، وذلك أن هذا تطوع، وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة، وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة (قال) : وإذا تولى العامل قسم الصدقات قسمها على ما وصفت وكان الأمر فيها عليه واسعا؛ لأنه يجمع صدقات عامة فتكثر فلا يحل له أن يؤثر فيها أحدا على أحد علم مكانه، فإن فعل على غير الاجتهاد خشيت عليه المأثم، ولم يبن لي أن أضمنه إذا أعطاها أهلها، وكذلك لو نقلها من بلد إلى بلد فيه أهل الأصناف لم يتبين لي أن أضمنه في الحالين (قال) : ولو ضمنه رجل كان مذهبا، والله أعلم (قال) : فأما لو ترك العامل أهل صنف موجودين حيث يقسمها، هو يعرفهم وأعطى حظهم غيرهم ضمن؛ لأن سهم هؤلاء بين في كتاب الله تبارك وتعالى، وليس أن يعمهم بينا في النص، وكذلك إذا قسمها الوالي لها فترك أهل سهم موجودين ضمن لما وصفت.
(قال الشافعي) : الفقير الذي لا حرفة له ولا مال، والمسكين الذي له الشيء ولا يقوم به.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإذا كانت الصدقة ثمانية آلاف وأهل السهمان موجودين فكان فيهم فقير واحد يستغرق سهمه ومسكين واحد يستغرق سهمه وغارمون مائة يعجز السهم كله عن واحد منهم فسأل الغارمون أن يعطى الفقراء والمساكين ثلث سهم؛ لأنه واحد وأقل ما يجزي عليه أن يعطى إذا وجدوا ثلاثة، قيل ليس ذلك لكم؛ لأنكم لا تستحقون من سهم الفقراء والمساكين شيئا أبدا ما كان منهم محتاج إليه والسهم مجموع مقتصر به عليهم ما احتاج إليه أحد منهم، فإذا فضل منه فضل كنتم وغيركم من أهل السهمان فيه سواء وأنتم لا تستحقون إلا بما يستحق به واحد منهم، وكذلك هذا في
جميع أهل السهمان، وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم عليهم ديون فأعطوا مبلغ غرمهم، أو أقل منه فقالوا: نحن فقراء غارمون، فقد أعطينا بالغرم وأنتم ترونا أهل فقر، قيل لهم: إنما نعطيكم بأحد المعنيين، لو كان هذا على الابتداء فقال: أنا فقير غارم، قيل له: اختر بأي المعنيين شئت أعطيناك، فإن شئت بمعنى الفقر، وإن شئت بمعنى الغرم. فأيهما اختار هو أكثر له أعطيناه، وإن اختار الذي هو أقل لعطائه أعطيناه وأيهما قال هو الأكثر أعطيناه به ولم نعطه بالآخر، فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يده حقوقهم كما لهم أن يأخذوا مالا لو كان له، وكذلك إن أعطيناه بمعنى الغرم، فإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه، فإن لم يفعل فأعطاه جاز كما يجوز في المكاتب أن يعطي من سهمه، فإن قال: ولم لا أعطى بمعنيين إذا كنت من أهلهما معا؟ قيل الفقير المسكين والمسكين فقير بحال يجمعهما اسم ويفترق بهما اسم وقد فرق الله تعالى بينهما فلا يجوز أن يعطى ذلك المسكين فيعطى الفقير بالمسكنة مع الفقر والمسكين بالفقر والمسكنة، ولا يجوز أن يعطى أحدهما إلا بأحد المعنيين، وكذلك لا يجوز أن يعطى رجل ذو سهم إلا بأحد المعنيين، لو جاز هذا، جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل، وغاز ومؤلف وعامل، فيعطى بهذه المعاني كلها، فإن قال قائل: فهل من دلالة تدل على أن اسم الفقر يلزم المسكين؟ والمسكنة تلزم الفقير؟ قيل: نعم. معنى الفقر معنى المسكنة، ومعنى المسكنة معنى الفقر، فإذا جمعا معا، لم يجز إلا بأن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بدئ به أشدهما، وكذلك هو في اللسان، والعرب تقول للرجل فقير مسكين ومسكين فقير، وإنما المسكنة والفقر لا يكونان بحرفة ولا مال.
أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال: فرض الله عز وجل على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقا لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسع أهل الأموال حبسه عمن أمروا بدفعه إليه من أهله، أو ولاته، ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال؛ لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم، قال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] . ففي هذه الآية دلالة على ما وصفت من أن ليس لأهل الأموال منع ما جعل الله عز وجل عليهم ولا لمن وليهم ترك ذلك لهم، ولا عليهم (أخبرنا) : إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال: لم يبلغنا أن أبا بكر وعمر أخذا الصدقة مثناة ولكن كانا يبعثان عليها في الخصب والجدب والسمن والعجف ولا يضمنانها أهلها ولا يؤخرانها عن كل عام؛ لأن أخذها في كل عام سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ولم نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أخرها عاما لا يأخذها فيه، وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: " لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها لا تفرقوا بين ما جمع الله ".
(قال الشافعي) : هذا إنما هو فيما أخذ من المسلمين خاصة؛ لأن الزكاة والطهور إنما هو للمسلمين والدعاء بالأجر والبركة (قال الشافعي) : وإذا أخذ صدقة مسلم دعا له بالأجر والبركة كما قال الله عز وجل: {وصل عليهم} [التوبة: 103] أي ادع لهم فما أخذ من مسلم فهو زكاة والزكاة صدقة والصدقة زكاة وطهور أمرهما ومعناهما واحد.
وإن سميت مرة زكاة ومرة صدقة هما اسمان لها بمعنى واحد، وقد تسمي العرب الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وهذا بين في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي لسان العرب، قال الله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] قال أبو بكر: " لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه لا تفرقوا بين ما جمع الله " يعني والله أعلم قول الله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] واسم ما أخذ من الزكاة صدقة وقد سماها الله تعالى في القسم صدقة فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية تقول: إذا جاء المصدق يعني الذي يأخذ الماشية وتقول إذا جاء الساعي، وإذا جاء العامل.
(قال الشافعي) : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ليس فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ولا فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (قال الشافعي) : والأغلب على أفواه العامة أن في التمر العشر وفي الماشية الصدقة وفي الورق الزكاة، وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا كله صدقة، والعرب تقول له صدقة وزكاة ومعناهما عندهم معنى واحد، فما أخذ من مسلم من صدقة ماله ضأنا كان، أو ماشية، أو زرعا، أو زكاة فطر، أو خمس ركاز، أو صدقة معدن، أو غيره مما وجب عليه في ماله في كتاب، أو سنة، أو أمر أجمع عليه عوام المسلمين فمعناه واحد أنه زكاة، والزكاة صدقة وقسمه واحد لا يختلف كما قسمه الله.
الصدقات ما فرض الله عز وجل على المسلمين فهي طهور (قال الشافعي) : وقسم الفيء خلاف قسم هذا والفيء ما أخذ من مشرك هو به لأهل دين الله هو موضوع في غير هذا الموضع (قال) : يقسم ما أخذ من حق مسلم وجب في ماله بقسم الله في الصدقات سواء قليل ما أخذ منه وكثيره، وعشر ما كان، أو خمس، أو ربع عشر، أو بعدد مختلف أن يستوي؛ لأن اسم الصدقة يجمعه كله قال الله تبارك وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية فبين الله عز وجل لمن الصدقات ثم وكدها وشددها فقال {فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60] فقسم كل ما أخذ من مسلم على قسم الله عز وجل وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه ولا تخرج صدقة قوم منهم عن بلدهم وفي بلدهم من يستحقها، أخبرنا وكيع عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل حين بعثه، فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» أخبرنا يحيى بن حسان الثقة من أصحابنا عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك «أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا؟ قال: نعم» (قال الشافعي) : والفقراء ها هنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية، وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة إلا بالاسم فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط، وإنما يعطى ابن السبيل
المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه، فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل ردت حصة من لم يوجد على من وجد، كأن وجد فيهم فقراء ومساكين وغارمون ولم يوجد غيرهم، فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم وبيان هذا في أسفل الكتاب فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم وأسباب حاجاتهم مختلفة، وكذلك أسباب استحقاقهم بمعان مختلفة يجمعها الحاجة ويفرق بينها صفاتها، فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمنى الضعفاء الذين لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة الذين لا تقع حرفتهم موقعا من حاجتهم ولا يسألون الناس والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفة تقع منه موقعا ولا تغنيه ولا عياله، فإن طلب الصدقة بالمسكنة رجل جلد فعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغني عياله بشيء إن كان له وبكسبه إذ لا عيال له فعلم الوالي أنه يغني نفسه بكسبه غنى معروفا لم يعطه شيئا، فإن قال السائل لها يعني الصدقة الجلد لست مكتسبا، أو أنا مكتسب لا يغنيني كسبي، أو لا يغني عيالي ولي عيال وليس عند الوالي يقين من أن ما قال على غير ما قال، فالقول قوله ويعطيه الوالي، أخبرنا سفيان عن هشام عن أبيه عن «عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقة فصعد فيهما وصوب وقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب» (قال الشافعي) : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جلدا وصحة يشبه الاكتساب وأعلمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا منها ولا يعلم أمكتسبان أم لا؟ فقال: إن شئتما بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا مكتسب فعلت، وذلك أنهما يقولان: أعطنا، فإنا ذوا حظ؛ لأنا لسنا غنيين ولا مكتسبين كسبا يغني، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ريحان بن يزيد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: " لا تصلح الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي ".
(قال الشافعي) : ورفع هذا الحديث عن سعد عن أبيه. والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها وقسمها من أهلها كان، أو غيرهم ممن أعان الوالي على جمعها وقبضها من العرفاء ومن لا غنى للوالي عنه ولا يصلحها إلا مكانه، فأما رب الماشية يسوقها فليس من العاملين عليها، وذلك يلزم رب الماشية، وكذلك من أعان الوالي عليها ممن بالوالي الغنى عن معونته فليس من العاملين عليها الذين لهم فيها حق، والخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي يلي قبض الصدقة، وإن كانا من العاملين عليها القائمين بالأمر بأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق من قبل أنهما لا يليان أخذها، أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم أن عمر شرب لبنا فأعجبه فقال للذي سقاه: " من أين لك هذا اللبن؟ " فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه، فإذا بنعم من نعم الصدقة وهم يستقون فحلبوا لي من لبنها فجعلته في سقائي فهو هذا، فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة غاز في سبيل الله والعامل عليه، أو الغارم، أو الرجل اشتراها بماله، أو الرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى
المسكين للغني» .
(قال الشافعي) : والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه لا يزاد عليه، وإن كان العامل موسرا إنما يأخذ على معنى الإجارة، والمؤلفة قلوبهم في متقدم من الأخبار فضربان ضرب مسلمون مطاعون أشراف يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتهم ما يرون من نيات غيرهم، فإذا كانوا هكذا فجاهدوا المشركين فأرى أن يعطوا من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهمانهم مع المسلمين إن كانت نازلة في المسلمين، وذلك أن الله عز وجل جعل هذا السهم خالصا لنبيه فرده النبي - صلى الله عليه وسلم - في مصلحة المسلمين وقال: - صلى الله عليه وسلم - «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم» يعني بالخمس حقه من الخمس وقوله مردود فيكم يعني في مصلحتكم وأخبرني من لا أتهم عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين من الخمس» .
(قال الشافعي) : وهم مثل عيينة والأقرع وأصحابهما ولم يعط النبي - صلى الله عليه وسلم - عباد بن مرداس وكان شريفا عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه.
(قال الشافعي) : لما أراد ما أراد القوم واحتمل أن يكون دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأى أن يعطيه من ماله حيث رأى؛ لأنه له خالص ويحتمل أن يعطي على النفل وغير النفل؛ لأنه له وقد أعطى صفوان بن أمية قبل أن يسلم ولكنه قد أعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أداة وسلاحا وقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال فيه بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح، وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين في أول النهار فقال له رجل: " غلبت هوازن وقتل محمد " فقال " صفوان بفيك الحجر فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب هوازن " وأسلم قومه من قريش وكان كأنه لا يشك في إسلامه والله أعلم "، وهذا مثبت في كتاب قسم الفيء "، فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أحب إلي للاقتداء بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
لو قال قائل: كان هذا السهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان له أن يضع سهمه حيث رأى، فقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا مرة وأعطى من سهمه بخيبر رجالا من المهاجرين والأنصار؛ لأنه ماله يضعه حيث شاء فلا يعطى اليوم أحد على هذا من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحدا من خلفائه أعطى أحدا بعده وليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان، لو قال هذا أحد، كان مذهبا والله أعلم، وللمؤلفة قلوبهم في سهم الصدقات سهم، والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق - أحسبه - بثلثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلى بلاء حسنا وليس في الخبر في إعطائه إياها من أين أعطاه إياها غير أن الذي يكاد أن يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار والله أعلم أنه أعطاه إياها من قسم
المؤلفة فإما زاده ليرغبه فيما يصنع، وإما أعطاه ليتألف به غيره من قومه ممن لا يثق منه بمثل ما يثق من عدي بن حاتم فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة مما ينزل إن شاء الله تعالى، وذلك أن يكون فيها العدو بموضع شاط لا تناله الجيوش إلا بمؤنة ويكون العدو بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بنية فأرى أن يقوى بسهم سبيل الله من الصدقات، وأما أن يكون لا يقاتلون إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة، أو ما يكفيهم منه، وكذلك إن كان العرب أشرافا ممتنعين غير ذي نية إن أعطوا من صدقاتهم هذين السهمين، أو أحدهما إذا كانوا إن أعطوا أعانوا على المشركين فيما أعانوا على الصدقة، وإن لم يعطوا لم يوثق بمعونتهم رأيت أن يعطوا بهذا المعنى إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه تبعد دارهم وتثقل مؤنتهم ويضعفون عنه، فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمان أبي بكر مع امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد منهم من سهم المؤلفة قلوبهم، ورأيت أن يرد سهمهم على السهمان معه، وذلك أنه لم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا أعطوا أحدا تألفا على الإسلام وقد أعز الله - وله الحمد - الإسلام عن أن يتألف الرجال عليه، وقوله وفي الرقاب يعني المكاتبين والله أعلم، ولا يشترى عبد فيعتق.
والغارمون كل من عليه دين كان له عرض يحتمل دينه، أو لا يحتمله، وإنما يعطى الغارمون إذا ادانوا في حمل دية، أو أصابتهم جائحة، أو كان دينهم في غير فسق ولا سرف ولا معصية، فأما من ادان في معصية فلا أرى أن يعطى من سهم سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو، فلو امتنع قوم كما وصفت من أداء الصدقة فأعان عليهم قوم رأيت أن يعطى من أعان عليهم، فإن لم يكن مما وصفت شيء، رد سهم سبيل الله إلى السهمان معه، وابن السبيل عندي، ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده، لا من لزمه.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : ينبغي للساعي على الصدقات أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله فيكون فراغه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وأنسابهم وحالاتهم وما يحتاجون إليه، ويحصي ما صار في يديه من الصدقات فيعزل من سهم العاملين بقدر ما يستحق بعمله ثم يقضي جميع ما بقي من السهمان كله عندهم كما أصف إن شاء الله تعالى، إذا كان الفقراء عشرة، والمساكين عشرين، والغارمون خمسة. وهؤلاء ثلاثة أصناف من أهل الصدقة، وكان سهمانهم الثلاثة من
جميع المال ثلاثة آلاف، فإن كان الفقراء يغترقون سهمهم هو ألف، هو ثلث المال، فيكون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى حد الغنى أعطوه كله، وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى حد الغنى ثلاثة، أو أربعة، أو أقل، أو أكثر، أعطوا منه ما يخرجهم من اسم الفقر، ويصيرون به إلى اسم الغنى ويقف الوالي ما بقي منه، ثم يقسم على المساكين سهمهم، هو ألف هكذا، وعلى الغارمين سهمهم هو ألف هكذا، فإن قال قائل: كيف قلت لكل أهل صنف موجود سهمهم ثم استغنوا ببعض السهم، فلم لا يسلم إليهم بقيته؟ .
(قال الشافعي) : قلته بأن الله تبارك وتعالى سماه لهم مع غيرهم بمعنى من المعاني، هو الفقر والمسكنة والغرم، فإذا خرجوا من الفقر والمسكنة فصاروا إلى الغنى ومن الغرم، فبرئت ذمتهم وصاروا غير غارمين، فلا يكونون من أهله؛ لأنهم ليسوا ممن يلزمه اسم من قسم الله عز وجل له بهذا الاسم ومعناه، وهم خارجون من تلك الحال ممن قسم الله له، ألا ترى أن أهل الصدقة الأغنياء لو سألوا بالفقر والمسكنة في الابتداء أن يعطوا منها لم يعطوا، وقيل لستم ممن قسم الله له، وكذلك لو سألوا بالغرم وليسوا غارمين، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل الصدقة لغني» إلا من استثنى، فإذا أعطيت الفقراء والمساكين فصاروا أغنياء فهم ممن لا تحل لهم، وإذا لم تحل لهم كنت لو أعطيتهم أعطيتهم ما لا يحل لهم ولا لي أن أعطيهم، وإنما شرط الله عز وجل إعطاء أهل الفقر والمسكنة وليسوا منهم.
(قال) : ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم وقيامهم وأمانتهم والمؤنة عليهم، فيأخذ الساعي نفسه لنفسه بهذا المعنى، ويعطى العريف ومن يجمع الناس عليه بقدر كفايته وكلفته، وذلك خفيف؛ لأنه في بلاده، ويعطى ابن السبيل منهم قدر ما يبلغه البلد الذي يريد في نفقته وحمولته إن كان البلد بعيدا وكان ضعيفا، وإن كان البلد قريبا وكان جلدا الأغلب من مثله وكان غنيا بالمشي إليها أعطي مؤنته في نفقته بلا حمولة، فإن كان يريد أن يذهب ويأتي أعطي ما يكفيه في ذهابه ورجوعه من النفقة، فإن كان ذلك يأتي على السهم كله أعطيه كله إن لم يكن معه ابن سبيل غيره، وإن كان يأتي على سهم من مائة سهم من سهم ابن السبيل لم يزد عليه.
فإن قال قائل: لم أعطيت الفقراء والمساكين والغارمين حتى خرجوا من اسم الفقر والمسكنة والغرم ولم تعط العاملين وابن السبيل حتى يسقط عنهم الاسم الذي له أعطيتهم ويزول؟ فليس للاسم أعطيتهم ولكن للمعنى، وكان المعنى إذا زال زال الاسم ونسمي العاملين بمعنى الكفاية، وكذلك ابن السبيل بمعنى البلاغ، لو أني أعطيت العامل وابن السبيل جميع السهمان وأمثالها لم يسقط عن العامل اسم العامل ما لم يعزل، ولم يسقط عن ابن السبيل اسم ابن السبيل ما دام مجتازا، أو كان يريد الاجتياز فأعطيتهما، والفقراء والمساكين والغارمين بمعنى واحد، غير مختلف، وإن اختلفت أسماؤه كما اختلفت أسماؤهم والعامل إنما هو مدخل عليهم صار له حق معهم بمعنى كفاية وصلاح للمأخوذ منه والمأخوذ له، فأعطي أجر مثله وبهذا في العامل مضت الآثار وعليه من أدركت ممن سمعت منه ببلدنا، ومعنى ابن السبيل في أن يعطى ما يبلغه، إن كان عاجزا عن سفره إلا بالمعونة عليه بمعنى العامل في بعض أمره ويعطى المكاتب ما بينه وبين أن يعتق قل ذلك، أو كثر، حتى يغترق السهم، فإن دفع إليه، فالظاهر - عندنا - على أنه حريص على أن لا يعجز، وإن دفع إلى مالكه كان أحب إلي وأقرب من الاحتياط.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : إذا لم تكن مؤلفة ولا قوم من أهل الصدقة يريدون الجهاد فليس فيهم أهل سهم سبيل الله ولا سهم مؤلفة، عزلت سهامهم، وكذلك إن لم يكن ابن سبيل ولم يكن غارم، وكذلك إن غابوا فأعطوا ما يبلغهم ويفضل عنهم، أو عن أحد من أهل السهمان معهم شيء من المال عزل أيضا ما يفضل عن كلهم ثم أحصي ما بقي من أهل السهمان الذين لم يعطوا، أو أعطوا فلم يستغنوا فابتدئ قسم هذا المال عليهم كما ابتدئ قسم الصدقات فجزئ على من بقي من أهل السهمان، سواء كان بقي فقراء ومساكين لم يستغنوا، وغارمون لم تقض كل ديونهم ولم يبق معهم من أهل السهمان الثمانية أحد غيرهم، فيقسم جميع ما بقي من المال بينهم على ثلاثة أسهم، فإن استغنى الغارمون بسهمهم، هو ثلث جميع المال أعيد فضل سهمهم على الفقراء والمساكين فيقسم على أهل هذين القسمين حتى ينفد، فإن قسم بينهم فاستغنى الفقراء ببعضه رد ما بقي على المساكين حتى يستغنوا، فإن قال: كيف رددت ما يفضل من السهمان عن حاجة أهل الحاجة منهم ومنهم من لم يكن له سهم من أهل السهمان مثل المؤلفة وغيرهم إذا لم يكونوا على أهل السهمان معهم وأنت إذا اجتمعوا جعلت لأهل كل صنف منهم سهما؟ .
(قال الشافعي) : فإذا اجتمعوا كانوا شرعا في الحاجة وكل واحد منهم يطلب ما جعل الله له وهم ثمانية، فلا يكون لي منع واحد منهم ما جعل الله له، وذكر الله تبارك وتعالى لهم واحد لم يخصص أحدا منهم دون أحد فأقسم بينهم معا كما ذكرهم الله عز وجل معا، وإنما منعني أن أعطي كل صنف منهم سهمه تاما، وإن كان يغنيه أقل منه أن بينا والله تعالى أعلم أن في حكم الله عز وجل أنهم إنما يعطون بمعان سماها الله تعالى.
فإذا ذهبت تلك المعاني وصار الفقير والمسكين غنيا والغارم غير غارم فليسوا ممن قسم له، لو أعطيتهم كنت أعطيت من لم أؤمر به، لو جاز أن يعطوا بعد أن يصيروا إلى حد الغنى والخروج من الغرم جاز أن يعطاها أهل دارهم ويسهم للأغنياء فأحيلت عمن جعلت له إلى من لم تجعل له، وليس لأحد إحالتها عما جعلها الله تعالى له ولا إعطاؤها من لم يجعلها الله لها، وإنما ردي ما فضل عن بعض أهل السهمان على من بقي ممن لم يستغن من أهل السهمان بأن الله تبارك وتعالى أوجب على أهل الغنى في أموالهم شيئا يؤخذ منهم لقوم بمعان، فإذا ذهب بعض من سمى الله عز وجل له، أو استغنى، فهذا مال لا مالك له من الآدميين بعينه يرد إليه كما يرد عطايا الآدميين ووصاياهم لو أوصى رجل لرجل فمات الموصى له قبل الموصي كانت الوصية راجعة إلى وارث الموصي، فلما كان هذا المال مخالفا للمال يورث ها هنا لم يكن أحد أولى عندنا به في قسم الله عز وجل، وأقرب ممن سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال وهؤلاء من جملة من سمى الله تبارك وتعالى له هذا المال ولم يبق مسلم يحتاج إلا وله حق سواه، أما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقة.
وأما أهل صدقة أخرى فهو مقسوم لهم صدقتهم، لو كثرت لم يدخل عليهم غيرهم وواحد منهم يستحقها
فكما كانوا لا يدخلون عليهم غيرهم فكذلك لا يدخلون على غيرهم ما كان من غيرهم من يستحق منها شيئا، لو استغنى أهل عمل ببعض ما قسم لهم ففضل عنهم فضل لرأيت أن ينقل الفضل عنهم إلى أقرب الناس بهم نسبا ودارا.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: وإذا ضاقت السهمان فكان الفقراء ألفا وكان سهمهم ألفا والغارمون ثلاثة وكان غرمهم ألفا وسهمهم ألفا، فقال الفقراء: إنما يغنينا مائة ألف، وقد يخرج هؤلاء من الغرم ألف، فاجمع سهمنا وسهمهم ثم اضرب لنا بمائة سهم من ألف ولهم سهم واحد كما يقسم هذا المال لو كان بيننا فوضى بمعنى واحد، فليس ذلك لهم عندنا والله أعلم؛ لأن الله عز وجل ذكر للغارمين سهما كما ذكر للفقراء سهما فنفض على الغارمين وإن اغترقوا السهم فهو لهم ولم يعطوا أكثر مما أعطوا، وإن فضل عنهم فضل فلستم بأحق به من غيركم إن فضل معكم أهل سهمان ذكروا معكم، ولكن ما فضل منهم أو من غيرهم يرد عليكم وعلى غيركم ممن لم يستغن من أهل السهمان معكم كما يبتدأ القسم بينكم.