Bölüm 82
Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.
(قال الشافعي) : ومن رضي أن يملك شاة بدينار فملك بالدينار شاتين كان به أرضى، وإن معنى ما تضمنه إن أراد مالك المال بأنه إنما أراد ملك واحدة وملكه المشتري الثانية بلا أمره، ولكنه إن شاء ملكها على المشتري، ولم يضمنه. ومن قال: هما له جميعا بلا خيار قال: إذا جاز عليه أن يشتري شاة بدينار فأخذ شاتين، فقد أخذ واحدة تجوز بجميع الدينار فأوفاه وازداد له بديناره شاة لا مؤنة عليه في ماله في ملكها، وهذا أشبه القولين بظاهر الحديث والله تعالى أعلم.
(قال الشافعي) : والذي يخالفنا يقول في مثل هذه المسألة هو مالك لشاة بنصف دينار والشاة الأخرى وثمن إن كان لها للمشتري لا يكون للآمر أن يملكها أبدا بالملك الأول والمشتري ضامن لنصف دينار.
(أخبرنا) مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم - خرجا في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على عامل لعمر فرحب بهما وسهل، وهو أمير البصرة، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت. ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح
فقالا: وددنا ففعل وكتب لهما إلى عمر أن يأخذ منهما المال فلما قدما المدينة باعا فربحا فلما دفعا إلى عمر قال لهما أكل الجيش أسلفه كما أسلفكما؟ فقالا لا: فقال عمر: قال أنا أمير المؤمنين فأسلفكما فأديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين لو هلك المال، أو نقص لضمناه فقال أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح ذلك المال.
(قال الشافعي) : ألا ترى إلى عمر يقول " أكل الجيش أسلفه كما أسلفكما؟ " كأنه والله أعلم يرى أن المال لا يحمل إليه مع رجل يسلفه فيبتاع ويبيع إلا وفي ذلك حبس للمال بلا منفعة للمسلمين وكان عمر والله تعالى أعلم يرى أن المال يبعث به، أو يرسل به مع ثقة يسرع به المسير ويدفعه عند مقدمه لا حبس فيه، ولا منفعة للرسول، أو يدفع بالمصر الذي يجتاز إليه إلى ثقة يضمنه ويكتب كتابا بأن يدفع في المصر الذي فيه الخليفة بلا حبس، أو يدفع قراضا فيكون فيه الحبس بلا ضرر على المسلمين ويكون فضل إن كان فيه حبس إن كان له فلما لم يكن المال المدفوع إلى عبد الله وعبيد الله بواحد من هذه الوجوه، ولم يكن ملكا للوالي الذي دفعه إليهما فيجيز أمره فيما يملك إليه فيما يرى أن الربح والمال للمسلمين فقال عمر " أدياه وربحه " فلما راجعه عبيد الله وأشار عليه بعض جلسائه وبعض جلسائه عندنا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعله قراضا رأى أن يفعل وكأنه والله تعالى أعلم رأى أن الوالي القائم به الحاكم فيه حتى يصير إلى عمر ورأى أن له أن ينفذ ما صنع الوالي مما يوافق الحكم فلما كان لو دفعه الوالي قراضا كان على عمر أن ينفذ الحبس له والعوض بالمنفعة للمسلمين في فضله رد ما صنع الوالي إلى ما يجوز مما لو صنعه لم يرده عليه، ورد منه فضل الربح الذي لم ير له أن يعطيهما وأنفذ لهما نصف الربح الذي كان له أن يعطيهما.
(قال الشافعي) : قد كانا ضامنين للمال وعلى الضمان أخذاه لو هلك ضمناه، ألا ترى أن عمر لم يرد على عبيد الله قوله لو هلك أو نقص كنا له ضامنين، ولم يرده أحد ممن حضره من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل عمر، ولا أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكما الربح بالضمان، بل جمع عليهما الضمان وأخذ منهما بعض الربح، فقال قائل: فلعل عمر استطاب أنفسهما، قلنا: أوما في الحديث دلالة على أنه إنما حكم عليهما، ألا ترى أن عبيد الله راجعه قال: فلم أخذ نصف الربح، ولم يأخذه كله؟ قلنا: حكم فيه بأن أجاز منه ما كان يجوز على الابتداء؛ لأن الوالي لو دفعه إليهما على المقارضة جاز، فلما رأى ومن حضره أن أخذهما المال غير تعد منهما وأنهما أخذاه من وال له فكانا يريان والوالي أن ما صنع جائز فلم يزعم ومن حضره ما صنع يجوز إلا بمعنى القراض أنفذ فيه القراض؛ لأنه كان نافذا لو فعله الوالي، أو لا ورد فيه الفضل الذي جعله لهما على القراض، ولم يره ينفذ لهما بلا منفعة للمسلمين فيه.
(أخبرنا) عبد الوهاب عن داود بن أبي هند عن رياح بن عبيدة قال: بعث رجل مع رجل من أهل البصرة بعشرة دنانير إلى رجل بالمدينة فابتاع بها المبعوث معه بعيرا ثم باعه بأحد عشر دينارا فسأل عبد الله بن عمر فقال: الأحد عشر لصاحب المال، ولو حدث بالبعير حدث كنت له ضامنا.
(أخبرنا) الثقة من أصحابنا عن عبد الله بن عمر مثل معناه (قال: الشافعي) وابن عمر يرى على المشتري بالبضاعة لغيره الضمان ويرى الربح لصاحب البضاعة، ولا يجعل الربح لمن ضمن إذا المبضع معه تعدى في مال رجل بعينه والذي يخالفنا في هذا يجعل له الربح، ولا أدري أيأمره أن يتصدق به أم لا؟ وليس معه خبر إلا توهم عن شريح وهم يزعمون أن الأقاويل التي تلزم ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن رجل من أصحابه، أو اجتمع الناس عليه فلم يختلفوا وقولهم هذا ليس داخلا في
واحد من هذه الأشياء التي تلزم عندنا، وعندهم.
(قال: الشافعي - رحمه الله تعالى -) : كراء الإبل جائز للمحامل والزوامل والرواحل وغير ذلك من الحمولة، وكذلك كراء الدواب للسروج والأكف والحمولة (قال: الشافعي) : ولا يجوز من ذلك شيء على شيء مغيب لا تجوز حتى يرى الراكب والراكبين وظرف المحمل والوطاء وكيف الظل إن شرطه؛ لأن ذلك يختلف فيتباين، أو تكون الحمولة بوزن معلوم أو كيل معلوم، أو ظروف ترى، أو تكون إذا شرطت عرفت مثل غرائر الحلبة وما أشبه هذا (قال: الشافعي) فإن قال: أتكارى منك محملا، أو مركبا، أو زاملة فهو مفسوخ، ألا ترى أنهما إذا اختلفا لم يوقف على حد هذا، وإن شرط وزنا؟ وقال: المعاليق أو أراه محملا وقال: ما يصلحه فالقياس في هذا كله أنه فاسد؛ لأن ذلك غير موقوف على حده، وإن شرط وزنا وقال: المعاليق أو أراه محملا فكذلك ومن الناس من قال: أجيزه بقدر ما يراه الناس وسطا.
(قال الشافعي) : فعقدة الكراء لا تجوز إلا بأمر معلوم كما لا تجوز البيوع إلا معلومة
(قال الشافعي) : وإذا تكارى رجل محملا من المدينة إلى مكة فشرط سيرا معلوما فهو أصح، وإن لم يشترط فالذي أحفظ أن المسير معلوم وأنه المراحل فيلزمان المراحل؛ لأنها الأغلب من سير الناس، فإن قال قائل: كيف لا يفسد في هذا الكراء والسير يختلف؟ قيل ليس للإفساد ها هنا موضع فإن قال: فبأي شيء قسته؟ قيل: بنقد البلد، البلد له نقد وصنج وغلة مختلفة فيبيع الرجل بالدراهم، ولا يشترط نقدا بعينه، ولا يفسد البيع ويكون له الأغلب من نقد البلد، وكذلك يلزمهما الغالب من مسير الناس.
(قال الشافعي) : فإن أراد المكتري مجاوزة المراحل أو الجمال التقصير عنها أو مجاوزتها فليس ذلك لواحد منهما إلا برضاهما فإن كان بعدد أيام فأراد الجمال أن يقيم ثم يطوي بقدر ما أقام أو أراد المكتري فليس لواحد منهما وذلك أنه يدخل على المكتري التعب والتقصير، وكذلك يدخل على الجمال.
(قال الشافعي) : فإن تكارى منه لعبده عقلة فأراد أن يركب الليل دون النهار بالأميال، أو النهار دون الليل، أو أراد ذلك به الجمال فليس ذلك لواحد منهما ويركب على ما يعرف الناس العقبة ثم ينزل فيمشي بقدر ما يركب ثم يركب بقدر ما مشى، ولا يتابع المشي فيفدحه، ولا الركوب فيضر بالبعير، قال: وإن تكارى إبلا بأعيانها ركبها، وإن تكارى حمولة، ولم يذكر بأعيانها ركب ما يحمله فإن حمله على بعير غليظ فإن كان ذلك ضررا متفاحشا أمر أن يبدله، وإن كان شبيها بما يركب الناس لم يجبر على إبداله
(قال الشافعي) : وإن كان البعير يسقط، أو يعثر فيخاف منه العنت على راكبه أمر بإبداله.
(قال الشافعي) : وعليه أن يركب المرأة البعير باركا وتنزل عنه باركا؛ لأن ذلك ركوب النساء أما الرجال فيركبون على الأغلب من ركوب الناس وعليه أن ينزله للصلوات وينتظر حتى يصليها غير معجل له ولما لا بد له منه كالوضوء وليس عليه أن ينتظره لغير ما لا بد له منه، قال: وليس للجمال إذا كانت القرى هي المنازل أن يتعداها إن أراد الكلأ، ولا للمكتري إذا أراد عزلة الناس، وكذلك إن اختلفا في الساعة التي يسيران فيها، فإن أراد الجمال، أو المكتري ذلك في حر شديد نظر إلى مسير الناس بقدر المرحلة التي يريدان
(قال الشافعي) : ولا خير في أن يتكارى بعيرا بعينه إلى أجل معلوم، ولا يجوز أن يتكارى إلا عند خروجه؛ لأن المكارى ينتفع بما أخذ من المكتري، ولا يلزم الجمال الضمان للحمولة إن مات البعير بعينه لا يجوز أن يشتري شيئا غائبا بعينه إلى أجل، وإنما يجوز الكراء على مضمون بغير عينه
مثل السلم، أو على شيء يقبض المكتري فيه ما اكترى عند اكترائه كما يقبض المبيع
(قال الشافعي) : فإن تكارى إبلا بأعيانها فركبها ثم ماتت رد الجمال مما أخذ منه بحساب ما بقي، ولم يضمن له الحمولة وذلك بمنزلة المنزل يكتريه والعبد يستأجره، وإنما تلزمه الحمولة إذا شرطها عليه غير إبل بأعيانها كانت لازمة للجمال بكل حال والكراء لازم للمكتري والكراء بكل حال لا يفسخ أبدا بموتهما، ولا بموت واحد منهما، هو في مال الجمال إن مات ومال المكتري إن مات وتحمل ورثة الميت حمولته، أو وزنها وراكبا مثله وورثة الجمال إن شاءوا قاموا بالكراء وإلا باع السلطان في ماله واستأجر عليه من يوفي المكتري ما شرط له من الحمولة
(قال الشافعي) : وإن اختلفا في الرحلة رحل لا مكبوبا، ولا مستلقيا، وإن انكسر المحل، أو الظل أبدل محملا مثله، أو ظلا مثله، وإن اختلفا في الزاد الذي ينفد بعضه فقال صاحب الزاد أبدله بوزنه فالقياس أن يبدل له حتى يستوفي الوزن، قال: ولو قال قائل: ليس له أن يبدل من قبل أنه معروف أن الزاد ينقص قليلا، ولا يبدل مكانه كان مذهبا - والله أعلم - من مذاهب الناس
(قال الشافعي) : والدواب في هذا مثل الإبل إذا اختلفا في المسير سار كما يسير الناس إن لم يكن بينهما شرط لا متعبا، ولا مقصرا كما يسير الأكثر من الناس ويعرف خلاف الضرر بالمكتري للدابة والمكرى فإن كانت صعبة نظرا فإن كانت صعوبتها مشابهة صعوبة عوام الدواب، أو تقاربها لزمت المكتري، وإن كان ذلك منها مخوفا فإن تكاراها بعينها، ولم يعلم تناقضا الكراء إن شاء المكتري، وإن تكارى مركبا فعلى المكري الدابة له غيرها مما لا يباين دواب الناس
(قال الشافعي) : وعلف الدواب والإبل على الجمال أو مالك الدواب فإن تغيب واحد منهما فعلف المكتري فهو متطوع إلا أن يرفع ذلك إلى السلطان، وينبغي للسلطان أن يوكل رجلا من أهل الرفقة بأن يعلف ويحسب ذلك على رب الدابة والإبل، وإن ضاق ذلك فلم يوجد أحد غير الراكب فإن قال قائل: يأمر الراكب أن يعلف؛ لأن من حقه الركوب والركوب لا يصلح إلا بعلف ويحسب ذلك على صاحب الدابة، وهذا موضع ضرورة ولا يوجد فيه إلا هذا؛ لأنه لا بد من العلف وإلا تلفت الدابة، ولم يستوف المكتري الركوب كان مذهبا.
(قال الشافعي) : وفي هذا أن المكتري يكون أمين نفسه وإن رب الدابة إن قال: لم يعلفها إلا بكذا وقال الأمين علفتها بكذا لأكثر فإن قبل قول رب الدابة في ماله سقط كثير من حق العالف، وإن قيل: قول المكتري العالف كان القول قوله فيما يلزم غيره، وإن نظر إلى علف مثلها فصدق به فيه، فقد خرج مالك الدابة والمكتري من أن يكون القول قولهما، وقد ترد أشباه من هذا في الفقه فيذهب بعض أصحابنا إلى أن لا قياس وأن القياس ضعيف، وقد ذكر في غير هذا الموضع ويقولون يقضي فيما بين الناس بأقرب الأمور في العدل فيما يراه إذا لم يجد فيه متقدم من حكم يتبعه.
(قال الشافعي) : فيعيب هذا المذهب بعض الناس ويقول لا بد من القياس على متقدم الأحكام ثم يصير إلى أن يكثر القول بما عاب ويرد ما يشبه هذا فيما يرى رده من كره الرأي فإن جاز أن يحكم فيه بما يكون عدلا عند الناس فيما يرى الحاكم فهو مذهب أصحابنا في بعض أقاويلهم، وإن لم يجز، فقد يترك أهل القياس القياس فيكون والله أعلم فمن ذهب مذهب أصحابنا حمل الناس على أكثر معاملتهم وعلى الأقرب من صلاحهم وأنفذ الحكم على كل أحد من المتنازعين بقدر ما يحضره مما يسمع من قضيتهما مما يشبه الأغلب ومن ذهب مذهب القياس أعاد الأمور إلى الأصول ثم قاسها عليها وحكم لها بأحكامها، وهذا ربما تفاحش.
(أخبرنا الربيع) قال (قال الشافعي) :، وإذا اكترى الرجل من الرجل الدابة فضربها، أو نخسها بلجام، أو ركضها فماتت سئل أهل العلم بالركوب فإن كان فعل من ذلك ما تفعل العامة فلا يكون فيه عندهم خوف تلف أو فعل بالكبح والضرب مثل ما يفعله بمثلها عندما فعله فلا أعد ذلك خرقة، ولا شيء عليه، وإن كان فعل ذلك عند الحاجة إليه بموضع قد يكون بمثله تلف، أو فعله في الموضع الذي لا يفعل في مثله ثمن في كل حال من قبل أن هذا تعد والمستعير هكذا إن كان صاحبه لا يريد أن يضمنه فإن أراد صاحبه أن يضمنه العارية فهو ضامن تعدى أو لم يتعد، وأما الرائض فإن من شأن الرواض الذي يعرف به إصلاحهم للدواب الضرب على حملها من السير والحمل عليها من الضرب أكثر ما يفعل الركاب غيرهم، فإذا فعل من ذلك ما يكون عند أهل العلم بالرياضة إصلاحا وتأديبا للدابة بلا إعناف بين لم يضمن إن عيت. وإن فعل خلاف هذا كان متعديا وضمن والمستعير الدابة هكذا كالمكتري في ركوبها إذا تعدى ضمن، وإذا لم يتعد لم يضمن.
(قال الربيع) قوله الذي نأخذ به في المستعير أنه يضمن تعدى أو لم يتعد لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «العارية مضمونة مؤداة» ، وهو آخر قوله.
(قال الشافعي) : والراعي إذا فعل ما للرعاء أن يفعلوه مما لا صلاح للماشية إلا به وما يفعله أهل الماشية بمواشي أنفسهم على استصلاحها ومن إذا رأوا من يفعله بمواشيهم ممن يلي رعيتها كان عندهم صلاحا لا تلفا، ولا خرقة ففعله الراعي لم يضمن، وإن تلف فيه، وإن فعل ما يكون عندهم خرقة فتلف منه شيء ضمنه عند من لا يضمن الأجير ومن ضمن الأجير ضمنه في كل حال.
(أخبر الربيع) قال: أخبرنا الشافعي - رحمه الله تعالى - قال: الأجراء كلهم سواء، فإذا تلف في أيديهم شيء من غير جنايتهم فلا يجوز أن يقال فيه إلا واحد من قولين أحدهما أن يكون كل من أخذ إكراء على شيء كان له ضامنا يؤديه على السلامة، أو يضمنه، أو ما نقصه ومن قال هذا القول فينبغي أن يكون من حجته أن يقول: الأمين هو من دفعت إليه راضيا بأمانته لا معطي أجرا على شيء مما دفعت إليه وإعطائي هذا الأجر تفريق بينه وبين الأمين الذي أخذ ما استؤمن عليه بلا جعل، أو يقول قائل: لا ضمان على أجير بحال من قبل أنه إنما يضمن من تعدى فأخذ ما ليس له، أو أخذ الشيء على منفعة له فيه إما بتسلط على إتلافه كما يأخذ سلفا فيكون مالا من ماله فيكون إن شاء ينفقه ويرد مثله.
وإما مستعير سلط على الانتفاع بما أعير فيضمن؛ لأنه أخذ ذلك لمنفعة نفسه لا لمنفعة صاحبه فيه، وهذان معا نقص على المسلف والمعير أو غير زيادة له والصانع والأجير من كان ليس في هذا المعنى فلا يضمن بحال إلا ما جنت يده كما يضمن المودع ما جنت يده وليس في هذا سنة أعلمها، ولا أثر يصح عند أهل الحديث عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد روي فيه شيء عن عمر وعلي ليس يثبت عند
أهل الحديث عنهما، ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمن الأجراء من كانوا فيضمن أجير الرجل وحده والأجير المشترك والأجير على الحفظ والرعي وحمل المتاع والأجير على الشيء يصنعه؛ لأن عمر إن كان ضمن الصناع فليس في تضمينه لهم معنى إلا أن يكون ضمنهم بأنهم أخذوا أجرا على ما ضمنوا فكل من كان أخذ أجرا فهو في معناهم، وإن كان علي - رضي الله عنه - ضمن القصار والصائغ فكذلك كل صانع وكل من أخذ أجرة، وقد يقال للراعي صناعته الرعية وللحمال صناعته الحمل للناس، ولكنه ثابت عن بعض التابعين ما قلت أولا من التضمين، أو ترك التضمين، ومن ضمن الأجير بكل حال فكان مع الأجير ما قلت مثل أن يستحمله الشيء على ظهره أو يستعمله الشيء في بيته، أو غير بيته، وهو حاضر لماله، أو وكيل له بحفظه فتلف ماله بأي وجه ما تلف به إذا لم يجن عليه جان فلا ضمان على الصانع، ولا على الأجير.
وكذلك إن جنى عليه غيره فلا ضمان عليه والضمان على الجاني، ولو غاب عنه، أو تركه يغيب عليه كان ضامنا له من أي وجه ما تلف، وإن كان حاضرا معه فعمل فيه عملا فتلف بذلك العمل وقال الأجير هكذا يعمل هذا فلم أتعد بالعمل وقال المستأجر ليس هكذا يعمل، وقد تعديت وبينهما بينة، أو لا بينة بينهما فإن كانت البينة سئل عدلان من أهل ذلك الصناعة، فإن قالا هكذا يعمل هذا فلا يضمن، وإن قالا هذا تعدى في عمل هذا ضمن كان التعدي ما كان قل أو كثر، وإذا لم تكن بينة كان القول قول الصانع مع يمينه ثم لا ضمان عليه، وإذا سمعتني أقول: القول قول أحد فلست أقوله إلا على معنى ما يعرف إذا ادعى الذي جعل القول قوله ما يمكن بحال من الحالات جعلت القول قوله، وإذا ادعى ما لا يمكن بحال من الحالات لم أجعل القول قوله. ومن ضمن الصانع فيما يغيب عليه فجنى جان على ما في يديه فأتلفه فرب المال بالخيار في تضمين الصانع؛ لأنه كان عليه أن يرده إليه على السلامة فإن ضمنه رجع به الصانع على الجاني، أو يضمن الجاني فإن ضمنه لم يرجع به الجاني على الصانع، وإذا ضمنه الصانع فأفلس به الصانع كان له أن يأخذ من الجاني وكان الجاني في هذا الموضع كالحميل، وكذلك لو ضمنه الجاني فأفلس به الجاني رجع به على الصانع إلا أن يكون أبرأ كل واحد منهما عند تضمين الآخر فلا يرجع به وللصانع في كل حال ويرجع به على الجاني إذا أخذ من الصانع وليس للجاني أن يرجع به على الصانع إذا أخذ منه بحال.
قال: وإذا تكارى الرجل من الرجل على الوزن المعلوم والكيل المعلوم والبلد المعلوم فزاد الوزن، أو الكيل، أو نقصا وتصادقا على أن رب المال ولي الوزن والكيل.
قلنا: في الزيادة والنقصان لأهل العلم بالصناعة هل يزيد ما بين الوزنين وينقص ما بينهما. وبين الكيلين هكذا فيما لم تدخله آفة؟ فإن قالوا نعم قد يزيد وينقص. قلنا في النقصان لرب المال قد يمكن عما زعم أهل العلم بلا جناية، ولا آفة، فلما كان النقص يكون ولا يكون، قلنا: إن شئت أحلفنا لك الحمال ما خانك، ولا تعدى بشيء أفسد متاعك ثم لا ضمان عليه وقلنا للحمال في الزيادة كما قلنا لرب المال في النقصان إذا كانت الزيادة قد تكون لا من حادث، ولا زيادة ويكون النقصان وكانت ها هنا زيادة فإن لم تدعها فهي لرب المال، ولا كراء لك فيها، وإن ادعيتها أوفينا رب المال ماله تاما، ولم نسلم لك الفضل إلا بأن تحلف ما هو من مال رب المال وتأخذه، وإن كان زيادة لا يزيد مثلها أوفينا رب المال ماله وقلنا الزيادة لا يدعيها رب المال فإن كانت لك فخذها، وإن لم تكن لك جعلناها كمال في يديك لا مدعي له وقلنا الورع أن لا تأكل ما ليس لك فإن ادعاها رب المال وصدقته كانت الزيادة له وعليه كراء مثلها، وإن كنت أنت الكيال للطعام بأمر رب الطعام، ولا أمين معك قلنا لرب الطعام هو يقر بأن هذه الزيادة لك. فإن ادعيتها فهي لك وعليك في المكيلة التي اكتريت عليها ما سميت من الكراء وعليك اليمين ما
رضيت أن يحمل لك الزيادة ثم هو ضامن لأن يعطيك مثل قمحك ببلدك الذي حمل؛ لأنه متعد إلا بأن ترضى أن تأخذه من موضعك فلا يحال بينك وبين عين مالك، ولا كراء عليك بالعدوان، وإن قلت رضيت بأن يحمل لي مكيلة بكراء معلوم وما زاد فبحسابه فالكراء في المكيلة جائز، وفي الزيادة فاسد والطعام لك وله كراء مثله في كله فإن كان نقصان لا ينقص مثله، فالقول فيه كالقول في المسألة الأولى. فمن رأى تضمين الحمال ضمن ما نقص عن المكيلة لا يرفع عنه شيئا، ومن لم ير تضمينه لم يضمنه وطرح عنه من الكراء بقدر النقصان.
(أخبرنا الربيع) قال (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) :، وإذا اختلف الرجلان في الكراء وتصادقا في العمل تحالفا وكان للعامل أجر مثله فيما عمل قال: وإذا اختلفا في الصنعة فقال: أمرتك أن تصبغه أصفر
أو تخيط قميصا فخطته قباء، وقال الصانع: عملت ما قلت لي تحالفا وكان على الصانع ما نقص الثوب، ولا أجر له، وإن زاد الصبغ فيه كان شريكا بما زاد الصبغ في الثوب، وإن نقصت منه فلا ضمانة عليه، ولا أجر له.
(قال الربيع) الذي يأخذ به الشافعي في هذا أن القول قول رب الثوب وعلى الصانع ما نقص الثوب، وإن كان نقصه شيئا؛ لأنه مقر يأخذ الثوب صحيحا ومدع على أنه أمره بقطعه، أو صبغه كما وصفت فعليه البينة بما قال فإن لم يكن بينة حلف رب الثوب ولزم الصانع ما نقصته الصنعة، وإن كانت زادت الصنعة فيه شيئا كان الصانع شريكا بها إن كانت عينا قائمة فيه مثل الصبغ، ولا يأخذ من الأجرة شيئا
كانت زادت الصنعة فيه شيئا كان الصانع شريكا بها إن كانت عينا قائمة فيه مثل الصبغ، ولا يأخذ من الأجرة شيئا فإن لم تكن عين قائمة فلا شيء له.
(أخبرنا الربيع) قال: قال محمد بن إدريس الشافعي: ولم أسمع هذا الكتاب منه، وإنما أقرأه على معرفة أنه كان من كلامه قال: وبلاد المسلمين شيئان عامر وموات فالعامر لأهله وكل ما صلح به العامر إن كان مرفقا لأهله من طريق وفناء ومسيل ماء، أو غيره فهو كالعامر في أن لا يملكه على أهل العامر أحد إلا بإذنهم والموات شيئان موات قد كان عامرا لأهل معروفين في الإسلام ثم ذهبت عمارته فصار مواتا لا عمارة فيه فذلك لأهله كالعامر لا يملكه أحد أبدا إلا عن أهله، وكذلك مرافقه وطريقه وأفنيته ومسايل مائه ومشاربه.
والموات الثاني ما لم يملكه أحد في الإسلام بعرف، ولا عمارة، ملك في الجاهلية، أو لم يملك فذلك الموات الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا مواتا فهو له» والموات الذي للسلطان أن يقطعه من يعمره خاصة وأن يحمي منه ما رأى أن يحميه عاما لمنافع المسلمين وسواء كل موات لا مالك له إن كان إلى جنب قرية جامعة عامرة، وفي واد عامر بأهله وبادية عامرة بأهلها وقرب نهر عامر، أو صحراء أو أين كان لا فرق بين ذلك، قال وسواء من أقطعه الخليفة أو الوالي، أو حماه هو بلا قطع من أحد مواتا لا مالك له وكل هؤلاء أحياء لا فرق بينهم.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : وإنما يكون الإحياء ما عرفه الناس إحياء لمثل المحيا إن كان مسكنا فأن يبنى بمثل ما يبنى به مثله من بنيان حجر، أو لبن، أو مدر يكون مثله بناء وهكذا ما أحيا الآدمي من منزل له أو لدواب من حظار، أو غيره فأحياه ببناء حجر، أو مدر، أو بماء؛ لأن هذه العمارة بمثل هذا، ولو جمع ترابا لحظار أو خندق لم يكن هذا إحياء، وكذلك لو بنى خياما من شعر، أو جريد أو خشب لم يكن هذا إحياء تملك له الأرض بالإحياء، وما كان هذا قائما لم يكن لأحد أن يزيله، فإذا أزاله صاحبه لم يملكه وكان لغيره أن ينزله ويعمره، وهذا كالفسطاط يضربه المسافر، أو المنتجع لغيث وكالخباء وكالمناخ وغيره ويكون الرجل أحق به حتى يفارقه، فإذا فارقه لم يكن فيه حق وهكذا الحظار بالشوك والخصاف وغيره، وعمارة الغراس والزرع أن يغرس الرجل الأرض فالغراس كالبناء إذا أثبته في الأرض كان كالبناء يبنيه انقطع الغراس كان كانهدام البناء وكان مالكا للأرض ملكا لا يحول عنه إلا منه وبسببه، وأقل عمارة الزرع الذي لا يظهر ماء لرجل عليه التي تملك بها الأرض كما يملك ما ينبت من الغراس أن يحظر على الأرض بما يحظر بمثله من حجر، أو مدر، أو سعف، أو تراب مجموع ويحرثها ويزرعها، فإذا اجتمع هذا، فقد أحياها إحياء تكون به له وأقل ما يكفيه من هذا أن يجمع ترابا يحيط بها، وإن لم يكن مرتفعا أكثر من أن تبين به الأرض مما حولها ويجمع مع هذا حرثها وزرعها وهكذا
إن ظهر عليه ماء سيل، أو غيل مشترك أو ماء مطر؛ لأن الماء مشترك فإن كان له ماء خاص وذلك ماء عين، أو نهر يحفرها يسقي بها أرضا فهذا إحياء لها وهكذا إن ساق إليها من نهر، أو واد، أو غيل مشترك في ماء عين له، أو خليج خاصة فسقاها به، فقد أحياها الإحياء الذي يملكها به
(قال الشافعي) : ما لا يملكه أحد من المسلمين صنفان: أحدهما يجوز أن يملكه من يحييه وذلك مثل الأرض تتخذ للزرع والغراس والآبار والعيون والمياه ومرافق هذا الذي لا يكمل صلاحه إلا به، وهذا إنما تجلب منفعته بشيء من غيره لا كبير منفعة فيه هو نفسه، وهذا إذا أحياه رجل بأمر وال، أو غير أمره ملكه، ولم يملك أبدا إلا أن يخرجه من أحياه من يده، والصنف الثاني ما تطلب المنفعة منه نفسه ليخلص إليها لا شيء يجعل فيه من غيره وذلك المعادن كلها الظاهرة والباطنة من الذهب والتبر والكحل والكبريت والملح وغير ذلك، وأصل المعادن صنفان ما كان ظاهرا كالملح الذي يكون في الجبال ينتابه الناس فهذا لا يصلح لأحد أن يقطعه أحدا بحال والناس فيه شرع، وهكذا النهر والماء الظاهر فالمسلمون في هذا كلهم شركاء، وهذا كالنبات فيما لا يملكه أحد وكالماء فيما لا يملكه أحد، فإن قال قائل: ما الدليل على ما وصفت؟ قيل:
(أخبرنا) ابن عيينة عن معمر عن رجل من أهل مأرب عن أبيه «أن الأبيض بن حمال سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقطعه ملح مأرب فأراد أن يقطعه، أو قال: أقطعه إياه، فقيل له إنه كالماء العد» ، قال: فلا إذن.
(قال الشافعي) : فنمنعه إقطاع مثل هذا فإنما هذا حمى، وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا حمى إلا لله ورسوله» فإن قال قائل: فكيف يكون حمى؟ قيل: هو لا يحدث فيه شيئا تكون المنفعة فيه من عمله، ولا يطلب فيه شيئا لا يدركه إلا بالمؤنة عليه إنما يستدرك فيه شيئا ظاهرا ظهور الماء والكلأ، فإذا تحجر ما خلق الله من هذا، فقد حمى لخاصة نفسه فليس ذلك له، ولكنه شريك فيه كشركته في الماء والكلأ الذي ليس في ملك أحد، فإن قال قائل: فإقطاع الأرض للبناء والغراس ليس حمى، قيل: إنه إنما يقطع من الأرض ما لا يضر بالناس وما يستغني به وينتفع به هو وغيره، قال: ولا يكون ذلك إلا بما يحدثه هو فيه من مال فتكون منفعته بما استحدث من ماله من بناء أحدثه، أو غرس، أو زرع لم يكن لآدمي وماء احتفره، ولم يكن وصل إليه آدمي إلا باحتفاره، وقد أقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلم الدور والأرضين، فدل على أن الحمى الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أن يحمي الرجل الأرض لم تكن ملكا له، ولا لغيره بلا مال ينفقه فيها، ولا منفعة يستحدثها بها فيها لم تكن فيها فهذا معنى قطيع مأذون فيه لا حمى منهي عنه.
(قال الربيع) يريد الذي هو مأذون فيه الذي استحدث فيه بالنفقة من ماله، وأما ما كان فيه منفعة بلا نفقة على من حماه فليس له أن يحميه.
(قال الشافعي) : ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط، أو قار، أو كبريت، أو مومياء أو حجارة ظاهرة كمومياء في غير ملك لأحد فليس لأحد أن يتحجرها دون غيره، ولا لسلطانها أن يمنعها لنفسه، ولا لخاص من الناس؛ لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ، وهكذا عضاه الأرض ليس للسلطان أن يقطعها لمن يتحجرها دون غيره؛ لأنها ظاهرة، ولو أقطعه أرضا يعمرها فيها عضاه فعمرها كان ذلك له؛ لأنه حينئذ يحدث فيها ما وصفت بماله مما هو أنفع مما كان فيها، ولو تحجر رجل لنفسه من هذا شيئا، أو منعه له سلطان كان ظالما.
ولو أخذ في هذا الحال من هذا شيئا لم يكن عليه أن يرده إلا أنه يشرك فيه من منعه منه، ولا أن يغرم لمن منعه شيئا بمنعه، وذلك أنه لم يأخذ شيئا كان لأحد فيضمن له ما أخذ منه، وإن منع الرجل مما للرجل أن يأخذه من جهة الإباحة، لا يلزمه غرما إلا أنه لم يمنعه أن يحتطب حطبا، أو ينزل أرضا لم يضمن له شيئا إنما يضمن ما أتلف لرجل أو أخذ مما كان ملكه لرجل، ولو أحدث على شيء من هذا بناء قيل له حول
بناءك، ولا قيمة له فيما أحدث بتحويله؛ لأنه أحدث فيما ليس له بغير إذن فإن كان أحدث البناء في عين لا يمنع منفعتها لم يحول بناؤه، وقيل له لك بناؤك، ولا تمنع أحدا من هذه المنفعة، ولا يمنعك وأنت وهم فيها شرع، ولو كان بقعة من الساحل، أو الأرض يرى أنها تصلح للملح لا يوجد فيها إلا بصنعة وذلك أن يحفر ترابا من أعلاها فينحي ثم يسرب إليها ماء فيدخلها فيظهر ملحها بذلك، أو يحفر عنها التراب فيظهر فيها من وقت من الأوقات ماء ثم يظهر فيها كان للسلطان - والله تعالى أعلم - أن يقطعها وللرجل أن يعمرها ثم تكون له كما تكون له الأرض بالزرع والبناء، وذلك أن هذا أكثر عمارتها وأن هذا شيء لا تأتي منفعته إلا بصنعة، وفي وقت ليس بدائم وحديث معمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع الملح» فلما أخبر أنه دائم كالماء منعه ذلك، وهذا كالأرض يقطعها فيحفر فيها البئر؛ لأن المنفعة كانت محولا دونها إلا بعمله، وقد يعمل فيها فتقل المنفعة وتكثر ويخلف، ولا يخلف.
(قال الشافعي) : ثم تفرق القطائع فرقين فتكون بما وصفت مما إذا أقطعه الرجل فأحياه ملكه من الأرض بالبناء والغراس والزرع والآبار والملح وما أشبه هذا، فإذا ملكه لم يملك أبدا إلا عنه وهكذا إذا أحياه ولم يقطعه؛ لأن كل من أحيا مواتا فيقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحياه وعطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من عطاء كل أحد بعده من سلطان وغيره، ثم يكون شيء يقطعه المرء فيكون له الانتفاع به ومنعه من غيره ما أقام فيه أو وكيل له، فإذا فارقه لم يكن ملكا له، ولا يكون له أن يبيعه، وذلك أنه إقطاع إرفاق لا تمليك وذلك مثل المقاعد بالأسواق التي هي طرق المسلمين كافة. فمن قعد في موضع منها لبيع كان أحق به بقدر ما يصلح له ومتى قام عنه لم يكن له أن يمنعه من غيره، قال: وهكذا القوم من العرب يحلون الموضع من الأرض في أبنيتهم من الشعر وغيره، ثم ينتجعون عنه لا تكون هذه عمارة يملكون بها حيث نزلوا، وكذلك لو بنوا خياما؛ لأن الخيام تجف وتحول تحويل أبنية الشعر والفساطيط، وهذا والمقاعد بالسوق ليس بإحياء موات، وفي إقطاع المعادن قولان أحدهما أنه مخالف لإقطاع الأرض؛ لأن من أقطع أرضا فيها معادن، أو عملها ليست لأحد فسواء في ذلك كله وسواء كانت المعادن ذهبا، أو فضة أو نحاسا، أو حديدا، أو شيئا في معنى الذهب والفضة مما لا يخلص إلا بمؤنة، ولم يكن ملكا لأحد فللسلطان أن يقطعها من استقطعه إياها ممن يقوم به وكانت هذه كالموات في أن له أن يقطعه إياها ومخالفة للموات في أحد القولين، وإن الموات إذا أحييت مرة ثبت إحياؤها وهذه إذا أحييت مرة ثم تركت دثر إحياؤها وكانت في كل يوم مبتدأ الإحياء يطلبون فيها مما يطلب في المعادن فإقطاعه الموات ليحييه يثبته له ملكا، ولا ينبغي أن يقطعه المعادن إلا على أن يكون له منفعتها ما أحياها وإحياؤها إدامة العمل فيها، فإذا عطلها فليس له منعها من أحد عمل فيها، ولا ينبغي أن يقطعه منها ما لا يعمل، ولا وقت في قدر ما يقطعه منها إلا ما احتمل عمله قل منها ما عمل، أو كثر والتعطيل للمعادن أن يقول قد عجزت عنها.
(قال الشافعي) : فمن خالف بين إقطاع المعادن والأرضين للزرع انبغى أن يكون من حجته أن يقول إن المعادن إنما هي شيء يطلب فيه ذهب، أو فضة، أو غير ذلك مما هو غائب عن الطالب مخلوق فيه ليست للآدميين فيه صنعة إنما يلتمسونه ويخلصونه والتماسه وتخليصه ليس صنعة فيه فلا يكون لأحد أن يحتجزه على أحد إلا ما كان يعمل فيه، فأما أن يمنع المنفعة فيه غيره، ولا يعمل هو فيه فليس له ولقد رأيت للسلطان أن لا يقطع معدنا إلا على ما أصف من أن يقول أقطع فلانا معادن كذا على أن يعمل فيها فما رزق الله أدى ما يجب عليه
فيما يخرج منه، وإذا عطلها كان لمن يحييها العمل فيها وليس له أن يبيعها له قال: ومن حجة من فرق بين ملكها وبين ملك الأرض أن يقول ليس له بيعها، ولا بيع الأرض لا معدن فيها، قال: ومن قال: هذا قال ولو ملكه إياها السلطان، وهو يعملها ملكا بكل حال لم يكن له إلا على ما وصفت وكان هذا جورا من السلطان يرد، وإن عملها هو بغير عطاء من السلطان كانت له حتى يعطلها، ومن قال هذا أشبه أن يحتج بأن الرجل يحفر البئر بالبادية فتكون له، فإذا أورد ماشيته لم يكن له منع فضل مائها وجعل عمله فيها غير إحياء له جعله مثل المنزل ينزل بالبادية فلا يكون لأحد أن يحوله عنه، وإذا خرج منه لم يمنع منه من ينزله وجعله غير مملوك، وسواء في هذا معدن الذهب والفضة وكل تبر وغيره مما يطلب بالعمل، ولا يكون ظاهرا كظهور الماء والملح الظاهر، وأما ما كان من هذا ظاهرا من ذهب، أو غيره فليس لأحد أن يقطعه، ولا يمنعه وللناس أن يأخذوا منه ما قدروا عليه، وكذلك الشذر يوجد في الأرض، ولو أن رجلا أقطع أرضا فأحياها بعمارة بناء، أو زرع أو غيره فظهر فيها معدن كان يملكه ملك الأرض وكان له منعه كما يمنع أرضه في القولين معا.
والقول الثاني أن الرجل إذا أقطع المعدن فعمل فيه، فقد ملكه ملك الأرض، وكذلك إذا عمله بغير إقطاع، وما قلت في القولين معا في المعادن فإنما أردت بها الأرض القفر تكون أرض معادن فيعملها الرجل معادن، وفي القول الأول يكون عمله فيها لا يملكه إياها إلا ملك الاستمتاع يمنعه ما كان يعمل فيه، فإذا عطله لم يمنعه غيره، وفي القول الثاني إذا عمل فيها فهو كإحياء الأرض يملكها أبدا، ولا تملك إلا عنه.
(قال) : وكل معدن عمل جاهليا ثم أراد رجل استقطاعه ففيه أقاويل:
منها أنه كالبئر الجاهلية والماء المعد فلا يمنع أحد العمل فيه، ولا يكون أحد أولى به من أحد يعمل فيه، فإذا استبقوا إليه فإن وسعهم عملوا معا، وإن ضاق أقرع بينهم أيهم يبدأ ثم يتبع الآخر فالآخر حتى يتواسوا فيه.
والثاني: أن للسلطان أن يقطعه على المعنى الأول يعمل فيه من أقطعه، ولا يملكه ملك الأرض، فإذا تركه عمل فيه غيره.
والثالث: يقطعه فيملكه ملك الأرض إذا أحدث فيه عمارة وكل ما وصفت من إحياء الموت وإقطاع المعادن وغيرها فإنما أعني في عفو بلاد العرب الذي عامره عشر وعفوه غير مملوك قال: وكل ما ظهر عليه عنوة من بلاد العجم فعامره كله لمن ظهر عليه من المسلمين على خمسة أسهم لأهل الخمس سهم وأربعة لمن أوجف عليه فيقسم بينهم قسم الميراث وما ملكوا بوجه من الوجوه وما كان في قسم أحدهم من معدن فهو له كما يظهر المعدن في دار الرجل فيكون له ويظهر بئر الماء فيكون له.
(قال الشافعي) : وإن كان فيها معدن ظاهر فوقع في قسم رجل بقيمته فذلك له كما يقع في قسمه العمارة بقيمة فتكون له وكل ما كان في بلاد العنوة مما عمر مرة ثم ترك فهو كالعامر القائم العمارة وذلك ما ظهرت عليه الأنهار وعمر بغير ذلك على نطف السماء وبالرشاء وكل ما كان لم يعمر قط من بلادهم، وكان مواتا فهو كالموات من بلاد العرب لا يختلف في أنه ليس بملك لأحد دون أحد ومن أراد أن يقطع منه أقطع ممن أوجف، أو لم يوجف هم سواء فيه لا تختلف حالاتهم فيما أحيوا وأرادوا من الإقطاع، قال: وما كان من بلاد العجم صلحا فانظر مالكه فإن كان المشركون مالكيه فهو لهم ليس لأحد أن يعمل فيه معدنا، ولا غيره إلا بإذنهم وعليهم ما صولحوا عليه. قال: وإن كان المسلمون مالكين شيئا منه بشيء ترك لهم فخمس ما صولح عليه المسلمون لأهل الخمس وأربعة أخماسه لجماعة أهل الفيء من المسلمين حيث كانوا فيقسم لأهل الخمس رقبة الأرض والدور ولجماعة المسلمين أربعة أخماس فمن وقع في ملكه شيء كان له.
وإن صالحوا المسلمين على موات مع العامر فالموات مملوك كالعامر وما كان في حق امرئ من معدن فهو له وما كان في حق جماعة من معدن فبينهم كما يكون بينهم ما سواه، وإن صالحوا المسلمين على
أن لهم الأرض ويكونون أحرارا ثم عاملهم المسلمون بعد فإن الأرض كلها صلح وخمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها لجماعة المسلمين كما وصفت، وإذا وقع صلحهم على العامر، ولم يذكروا العامر فقالوا: لكم أرضنا فلهم من أرضهم ما وصفت من العامر والعامر ما فيه أثر عمارة أو ظهر عليه النهر، أو عرفت عمارته بوجه وما كان من الموات في بلادهم فمن أراد إقطاعه ممن صالح عليه، أو لم يصالح أو عمره ممن صالح، أو لم يصالح فسواء؛ لأن ذلك كان غير مملوك كما كان عفو بلاد العرب غير مملوك لهم، ولو وقع الصلح على عامرها ومواتها كان الموات مملوكا لمن ملك العامر كما يجوز بيع الموات من بلاد المسلمين إذا حازه رجل يجوز الصلح من المشركين إذا جازوه دون المسلمين فمن عمل في معدن في أرض ملكها لواحد، أو جماعة فجميع ما خرج من المعدن لمن ملك الأرض، ولا شيء للعامل في عمله؛ لأنه متعد بالعمل ومن عمل في معدن بينه وبين غيره أدى إلى غيره نصيبه مما خرج من المعدن وكان متطوعا بالعمل لا أجر له فيه، وإن عمل بإذنه، أو على أن له ما خرج من عمله فسواء وأكثر هذا أن يكون هبة لا يعرفها الواهب، ولا الموهوب له، ولم يقبض فالآذن في العمل والقائل اعمل ولك ما خرج من عملك سواء له الخيار في أن يتم ذلك للعامل، وكذلك أحب له أن يرجع فيأخذ نصيبه مما خرج من غلة ويرجع عليه العامل بأجر مثله في قول من قال: يرجع وليس هذا كالدابة يأذن له في ركوبها؛ لأنه قد عرف ما أعطاه وقبضه.