☪ Anlam Arayışı

← el-Vesâyâ

Bölüm 1

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

فإن المال والشهوات، والعز الدنيوى قد أزاح من القلب صفة المراقبة ، وغطى عين البصيرة، وأقام فيه واستمكن منه ، وإن الجوارح قد كسلت تبعأ لذلك إلا فيما يريد الإنسان من شهواته وآماله، على العكس من الإنسان في العهد النبوي، وعهد الخلفاء الراشدين.

من أجل هذا كان المحاسبي خبيرا في كشف بؤرة المرض النفسي وما يحتويه من خداع وبهرجة للقول أو للفعل، فاتجه في بحوثه النفسية إلى طرق ثلاثة : الطريق الأول : الموازنة بين أهل عصره وبين الصحابة من الوجهة النفسية، ثم كشف خداع النفس في دعوى التشبه بالصحابة الطريق الثاني : الكشف عن ظواهر التحول النفسي بين جمهور الشعب. الطريق الثالث : مزج الدراسات النفسية بالفقه الإسلامي، وذلك في اتجاهين : إعادة كتابة الفقه الإسلامي الذي كتبه السابقون عليه على طريقته التي تجمع بين الأحكام ومدى تفاعلها مع النفس ============================================================ والقلب. وتبدوين فقه ما أهمله الفقه من أعمال الجوارح، أو من أعمال القلوب.

وبطبيعة الحال كان عمل المحاسبي على أساس هذا المنهج بداية ولم يكن نهاية، أي أنه لم يستوعب الفقه الإسلامي كله بطريقته المبتكرة، بل آنه وضع الأساس ولقد كانت طريقة المحاسبي هذه هي تدوين الفقه الإسلامي هي الضوء الذي أنار الطريق أمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وأمام الكثيرين من العلماء الذين عنوا بالدراسات النفسية الإسلامية ولقد عني المرحوم عبد القادر أحمد عطا بتراث المحاسبي منذ نعومة أظافره، وذلك يظهر لنا من كتبه التي بين أيدينا. فنجده دائما مسترشدا بآراءه، وناصرا لمنهجه القائم على وجوب التطهير قبل العمل. حتى آننا نجده يقول عن المحاسبي في أحد كتبه : "هذا هو الإمام المحاسبي، الإمام القذ، والمثل الأعلى للعمل الإسلامي الخالص لله وحده، والباحث عن كل ما فيه صلاح لأمة الإسلام ، والكاشف للناس عما يخفى عليهم من الموبيقات المهلكات ، والخبير الأول بين علماء الإسلام في علل النفوس وأدوائها، والسابق الأول في العالم كله بالتحليل النفسي الدقيق، والفهم الواعي لطبيعة الإنسان" ولقد أعان الله المرحوم عبد القادر عطا على إخراج معظم كتب المحاسبي إلى النور، فهو لم يكن يتعلق بالهزيل من الكتب، ويظهر هذا لنا مما خلفه لنا من كتب محققة ومؤلفة.

وقد اختار المرحوم عبد القادر عطا بما له من خبرة واسعة في عالم التراث وتقافة الإسلام أن يجمع كتب المحاسبي التي تشكل في مضمونها وصايا للامة الإسلامية، ولكن القدر لم يمهله لرؤية هذا العمل الجليل وهو يظهر إلى النور، وقد اختار له اسم الوصايا وقد استعانت دار الكتب العلمية الله على إصدار جميع مؤلفات المرحوم عبد ============================================================ التدر عطا، وذلكاه جانب الكتبمن قام بتحقيقها إيمانا منها بمنهجه الخالص وحده رحم الله الأستاذ عبده دراله المحاسي ، وأسكنهما فسيح جناته .

وآخر دعوانا أن الحمد لله اشر ============================================================ ============================================================ 1 ن .:11 .

ن ت 23..

الا: 4 ...

: وه بد: 2 2 : 0 2 خ: س ق 2 ي 14 5 2 206 :. 2 2.اها 1 002 [6 تز .

4 6 .

يص سس ب 1 2 لمهذ 2 021 ============================================================ تى قهم الله الرخم الريم وعل اله علم تيه تاغخد 1ا فااللش القو الففيله الفا /فا) قللبمة الولة لفلابوتبرا فلآه ته الا ابعاواشل پلى انازت رراسهب التايس 0تع ورشى)- تعننودبعتابد: امي ~~التلم م عطاللن وايا شلاز العنايا يصلح لبم تحتياء تاه يجرطا مل ابتل والمابة هركا بما بعة ل لام اهفا اباتيه تقلروت للم مزالية تا قا القبل وبهليية العبت عنك اتلبه لعلر وهزاط اكطاعة لمقا وبر عقا ر الولؤنها ونانغ مقاو الموينوزما موروزجهي قلمهيم حير رسعم والقهم 170 969 116 تلولعرا ولموازهث احبح الله البع البايبة شلج لم ( الاظلا ايع مجلولم يماية الميزه غميز الله بعمليخ الف ال لا قاله لاة وتا لم بني اليكلاخا وا المحما لل 1 اوللن وخذ الله تعل تويبلغ العينت رحة القالحير المخلة ليي ييزدم وتلا عردو الارض فاي ورحالفا وتمه رجمش خايغل خيتو علم الم افبترمز الله تعلم وا الله وإيه ذقحلمالاتلاية النخيحن با نشعز با لله عز وجل ============================================================ 01 الظبرو الجلتريه ولمقل وقلمل زالم افية تغيمة افية تغييم قلرا زيقل 9 افتام صغة الله تارا ولها ل الا يقط فاي ذابلبم، ل1 الهت واله فور الثايق جم بة بعيتد والرار ع لة القم للكما مانه 8 اللاتجا فه ا اضتائ الم اجبية بلو ارعخبه ل لخا شرحه م حستله ال اله ايعبلاحة ولم يما بة ايم قلرالر الله مرزحاع عاعه الجه فما لاقعضا ات لناحا صل بتنيع ب مد لاوالاقخ آ لادثم فا فق ت حهد اللا الل و اين ابلرت المرابة باتاعهت اله تا بية فل ا اف ن با فربه يلن عايوه والينزا نل ه نخر اهربت التكثظ اتمر يمزما التووريه بما ته ل للبه سحانه پاكنانيه ايلق برتها لواه الجخرو الة والوالل غ خلقناليا فتازة نعلم مشا د لاج اتوشترير به تجسه ولحزاقره اليه يمثزقشا الرريل(تع؟

فيامت قمليا وفه رتد محليتله وحليمه بلعل آنه رفيبدل اى واني والح كشا له بجلعبه وانه جايه ق وره كسترله تبديةا لا بياوانن طا تقم هره شار جتلمم لخ ابمجربن وطا نارنه ولرهمجا وط (يم 4 ) الاهب وشم يوز يين لايفيزا لله تفار فايم على التلله ولطاتم به يبسب ميعن وكلقتطل تما حطلر صلوط اف) وبيثرقلا قا ممشزصو رزعه فلا أيبتا ند يطل به قلبتلا والح يه قرئلا بفد ولع اليك المغ فن وفامن ممليطا الجة ولككيم الله بونفايم ثم بموب لم خا آحمنة ربه تم لي نيلي د ============================================================ اعل ت اتايفا اليب حيتشل الله ومزا تبعمط يزالنوميز فالوا يا ارمزلله تبغا ازعي عر قا ين علرالم والتوارذاء يقل د9 19 الميا بواي التوي ر العد المنيرة ها اي ااطث تشه زالجخو الاتنى اشياء طوب زوال يمايا اقارةاكالم يعلالحة بفقارف لمعايي والوبرج دهوخره الم برينة 6 ل بن:: وخوبا يشلع تعلايته النشية والاشيا ووالررح ففق ~~خوي القلتاه با له تقلرة خوب البوي وعلا يته بذا المجمفرث قليم خاب الله برر العيعي وحطا جا الله تمزوجم وتهو چرءاتصليفيرت كام زابع* الخوب فرحفي الكرهب الليلة ورمابيا معلييم اسلالم وهوجوب لا عظام تانمييث اي تلبتوزه ا نعتيم باتا اللا لفم فجر بهم قل فم لله [لة و9 فاعمضاا قالمحالبة به تلارية الشيلة لما ليسم الملجة قسبايه (بابتا .09 صحبة الموزمزيه اليه عز وجادمتملاتة فيره كي (نا بةى عنهم ووص( المنبعة اليهم وحبة (ليشلاع لية الشيلام لله عز وقلها 1 قه وقلاقتي هللا ايتاع السنته فل (البه تعلرفل ايلتم تجشرزالله قا تبعوية يستم الله ومحبتب * (تثا رالحاعن م ا المعصية.

ويفان البه يرك المحتة و فبالزجل كهاوه (زلين تبما له اجةالله جباخم) يورية احباليت يسه وخه 9964 اللة خوقا حرا ير زفيه احوها ليتيته بوارح اللة رقاة 4 17- بجو ابينل وبيرد لتا الخوب وارخريلا بير نا ترقا ه لنفيسك الثما فم يعن بمعت ليكها الشررة وا لجبارةابرفر ودابر ن روا جيا 7 بنمالة ال اير فللج تيدرا لوي تاعند فرهما عحم طالحبه باذا استخيل ============================================================ العبزربيا جلهة واقلا المتل. المافة للي تعرق المرافية للدت * ثلايت اتبناب مرابة البيه اقلر بهطا اقييدها لعم قمافبداللا الايعصيي بابهلا ن افية الله غره الهم والرابحرلة بارسرا البخ للله علي وللم اعراه يل لات ا قابهلم تض باتهما يم وشرا في القلب لله تعلر ا متلر لها عل اليتعز ظابل فيلم ايا ويحيام النتقاره انعيلر الها بف تيد اله وبدالخر م اكل خاية ظاب وضر الله تقمنه آنه فاالله تنجلر ب* ارضية افيية وارين وافته بيمقا القكوبة قلا بما ينفا وا فا صبلا وري وصله ويفن جقلة الفلم ازيخوز الفكب قابياليه تقلربا تهاع لاي 6ل،ا ازاجيناي نمينيه ويكزرقا قاللم بنر اتعليتي الشللكم بفبواتلم ~~اتى به فراو تملا ونيد ويطوزتا ميا للمؤيسيع بكم واهر لتها 1080 اومؤله تزق الرفتة علم وجهيي تكوز الريت با لبيذاء وكتوف ابام افتولكمية وازلم يبى تقا ينه ) (فرا افهالم شأهكݣ 11111 ل بالله التبرايق واحليل ذا فوم لاباله أيعلع اله 0021 لتلوله تتاب النقاح تالية الحاري براها مالعد* ره اللتس تحمية اله تعل تمثم اله(فم الاجي وصل البله 11 اغل ميرفا جب و:اليه دب بروشلم كبقله الاتوعب الله الجار بزاطر المحابسي رجمة الله اايجمزله بيرحرش والخا لازله تزالحر ه (لخر بقت كم شي: 1 والوارياله واخحمرلله الخايفف اكيلرس قا لوطلعبا علبغيه وا ============================================================ 11-0 الشيرومخالف ليم ونرلقا بر فل لالم المرننة وتا بعه جنود نا 9 : سه الغشة ولمه اللميز والليبج والزورة العدرة والف قالجرحة ف 10 الوالب اك الفا قالتميمسيروخة اريبة بولرا السث اللون امو راانومه وتات جندر العدرت يمد اباما وا بارواله 3 والقلم (باشرازوب النليحا وبغحرالى ووي الالا تب البال ابلما تر الملااتروسنه العتلالقاة فل مه ومفيبة الجلاالم ازهض بقاه ما ابطا ربدغ ونم تما نيشا اه قلريلة اعم شتمهل ولحا يتا لب م 4 ثقلاتريل رل * اللله ~~اسو ب لايشورفر طلار ي الن اا به اشباي الطوما ترم الوالتجي الموتر بال دالسوه وادبر المة بليت با ئن يرر كليه با يلمخواد التقيل بالها له ابلير والرضياة نفييح اليةيكيب الخلا برزمنها الدل(ايدل 4 ام سهاما بيد فقم قوتهالله ه وانقم تلم ا بعا تل 2 بر وجنرهجاص ابه ورسين علا عرن وعرعرخا به ود.

فالبشت اللهم عل ارقايه شلزارن وجنلي فالتبت الرفنوع 9ه اهيخو القفا بغ اله فرملع بيبرمريت اليتا وامترا بعا عليل من مفا ش48 حزيف اعزا التمل الق يروالشيه اثظااله الورير أريرازيك ب اليسيز جنولة ميي ورلهم اعيه وعم والجلاضيا والج د ازا لنتقرم قاليف لا الر لمل فايمتليه و لالزع الحنه والبن .ل9 لججبه قمو لعم ها الا ا بب التلار ا المن المحل اود)يرع التبت پ3 اوكم اليدير بنرو عله ولم بم حا عييومم النيزوا هلم غجبض ت ============================================================ الظحه تمر ب الفيا عتو التبلي والتقبها والقم را خحتان 110) رن اامله 11948 ل اولم والصاصكة لالائثم التبث إترشش وهر التولب وفا له كورث الل 161 احد ل انت پتفابلة الرفياة تلم اليه مز جنوه لاقمش وام هي حا تبه لاسللة (خريا اختلي وينم صاب الجديا وا فلجا ءوالشمولتلر لاس اا والجا وايفتام ومراوقة الالح الا لاطجراوزطا فبا القلم المللط 917 اللجما ركم التع الوخريد وهلوا تركم وذا الة رافق الخابلة اليك المييره ثم التتري رواتح با بمرم التون اح 1921 (والدامش*1 الوقا والله ايل الحخانا لفا خيد عم الجاروا الشلر والاثل والشيفر ن والتغبع وريغرم علها لد ارفل شم عيتة الليا تدجا عرينتبا ازايتفل جث اللهوفري لما استه اعولين كرنده تاه * اادا بواقمل المدياا البيتا زرعهلاا الصفبام اصتجييفات وبوا نيصبو اقنا لما اللي بجيدا: بجيبناي التوحرقر عرة النجهي ماشتيا يفواشف، ص، اجتل عمقه شير غلرات مازع (بل چريهرة اق ب 1 زحيا (لعوم للفتلافم يا بحا لابحاوهقايرا نيياره ولمء 9 ابعة العرا الماو جمر الم ارية الرق از 4 صمة با وقلقى لنرايملا مثاييا الخلكمنة وانام بعمليه ارلى التوية كو امرا زال ر: قظيتواقلر اهراركايتح ذيب معل ل الح بج 9 تتحافى جمنويهعمغزلزم المخا جه:( خابب مننج بباية وى ساع وإحمرله بياتقالمبي ف يع النظايخ ~~166 يلخابي ه اله لعلرةعل الله ثل تيان عنر ايد خله بيبيعل تنباق يركا لسيا عه (نمة حم وى لر ادا ولواه بميع التير اهله الطت الم لم 14 ============================================================ دييدد!

.......

ن دددددددددد ن ددددددددددددد ددد دددد د باندان ب ب ن ب ب ب ب ب ب ن ب ~~2 نشتت ى االل هه دت ه فد فف فف ف فف ف فف فف ف ذز ر ر لن ددددددددددددد ددنيى ايا ددنينا ايه اه ه ه ه بدنن دن ن ن ش ننننن ى ش دددبد بدا ررررررزد ددددددددد دددد دددددددد دد ب ب ب بة ه ب ب ب ب ى ببب برديررددييه ب ى بيييى بييى 555ددددددد ددددددذ بعههه ~~به بب س ددوددددددديدديدد ============================================================ مقدمة المحقق: بسم الله الرحمن الرحيم الامام المحاسبي ومدرسته نشاته وعصره: أما العصر الذي عاش فيه المحاسبي فهو إبان الدولة العباسية العربية اسما، والفارسية أو التركية فعلا، وأما المكان فهو ما بين البصرة وبغداد، وأما خليفة المسلمين فكان الأمين ثم المأمون، ثم المتوكل فالواثق. وأما مولده فكان بالبصرة في النصف الثامن من القرن الأول الهجري: وكانت البصرة والكوفة - كما هو معلوم - مركزين متنافسين في العلم وشتى مجالات الفكر الأخرى، ولكل منهما مذهب تدافع عنه، وتشتهر به، حتى في مسائل الزهد والورع كما أثبته المحاسبي في كتابه "المكاسب".

وكانت حضارة الإسلام في خلافة بني العباس قد تطورت إلى "مدنية" تعنى بالمظاهر الشكلية للتقدم وأسلوب الحياة المترف، ويسير فيها الانحلال الأخلاقي جنبا إلى جنب مع النهضة الثقافية، وحركة الترجمة، ومدارس العلم، وجهود المؤلفين الجبارة، وإن كان الالتزام العملي بالعلم قد أصبح قاصرا على فثة قليلة من العلماء والتلاميذ، حيث اجترفت المدنية الساحرة جمهور الباقين منهم، من أطلق عليهم المحاسبي اسم "علماء السوء" لقد بلغ الانحلال الخلقي، والاستهانة بالكرامة الإنسانية مداه المتسفل في هذا العصر، حتى لقد اتخذت أم جعفر البرمكي للأمين بن الرشيد الجواري الحسان، وألبستهن ملابس الغلمان، وبعثت بهن إليه، فأبرزهن للناس من ============================================================ الخاصة والعامة، وأطلق عليهن اسم "الغلاميات" كما يقول المسعودي في كتابه مروج الذهب".

ويقول الشابشتي في كتابه والديارات" : إن "عريبا المغنية كانت وصيفة للأمين، وكانت تلبس ملابس الغلمان، وتقف على رأسه، وتسقيه الخمر: وكان الفسق يتطور تطورا خطيرا حتى انتهى الأمر بالمحتسب في اللاذقية، وهو والي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن يجمع القحاب والغرباء من الفساق في حلقة كما يقول القفطي في أخبار الحكماء، وينادي على كل واحدة منهن، ويتزايد الفسقة فيهن لليلة الواحدة ثم يؤخذن إلى الفنادق التي يسكنها الغرباء، بعد أن تأخذ كل منهن خاتما يسمى "خاتم المطران" ليكون حجة بيدها من تعقب السوالي لها، وإذا وجد خاطىء مع خاطئة دون "خاتم المطران" وقب ويذكر الجاحظ في كتاب " المعلمين " أن الأمويين كانوا يسمحون بخروج النساء مع الجند، ولكن الخراسانيين وعلى رأسهم أبو مسلم منع هذه العادة، وخرج الأجناد مع الغلمان، فتولدت عادة اللواط بين العرب لا سيما في الجيوش ولقد بلغت الأحوال السياسية مبلغا مؤسفا في ذلك العهد، إذ أن الخليفة العربي - على الرغم من مظاهر الأبهة والجلال المحيطة به - كان في حقيقة أمره أداة في يد الفرس الذين جاءوا بالعباسيين بعد انقلاب قام به أبو مسلم الخراساني وعلى الرغم من المذبحة التي وجهها الرشيد نحو أعيان الفرس المتسلطين فقد بقي نفوذهم قويا، وإن كان قد اتخذ طريقا آخر ضد عقيدة الإسلام ذاتها، حيث تسلطت فلسفاتم الإلحادية، وأرغموا المأمون على استفتاء العلماء على القول بخلق القرآن، ولكنه كان استفتاء قهريا يراد به تقرير القول بخلق القرآن ومن ثم ينطلق المخطط نحو هدم قدسية القرآن، وإخضاعه للمشيئة الإنسانية شأنه شأن كل شيء خلق من أجل الإنسان .

لقد اشتدت هجمة الفرس على عقيدة الإسلام بقيادة قاضي القضاة أحمد ============================================================ ابن أبي دؤاد، وأرغموا الخليفة المتوكل بعبد المأمون على ضرب المعارضين من العلماء للقول بخلق القرآن، وكان ضرب الإمام أحمد بن حنبل في الحقيقة انتصارا معجزا للإسلام الشامخ العتيد من جهتين : أولهما : أن السلاح الفكري الذي احتج به الفرس لخلق القرآن كان واهيا لا يثبت أمام النقاش والفحص، ولذلك كان الضرب في مجال الفكر دون الحجة والبرهان إفلاسا واضحا وهزيمة فكرية ظاهرة ثانيهما: آن صمود الإمام أحمد أمام المحنة لم يكن صمود أحمد بن حبل، بل كان صمود الإسلام الذي تغلغل في كيان أحمد بن حنبل فتكلم بلسانه، أو منحه من القوة ما يصمد به أمام الجلد والتعذيب فكان صمود الإسلام باسم أحمد بن حتبل وهزيمته لجبابرة السلطان موازيأ في المسيرة لصمود الإسلام وهزيمته لمعاول الهدم الساحرة التي تعمل في ضراوة لإسقاط أصلب عقيدة عرفها التاريخ الديني والسياسي جميعا، ولكن الهزيمة الثانية كانت لقوى الإلحاد في العالم كله وعلى المستوى الشعبي لدولة بني العباس بصفة خاصة، بقيادة كبار العلماء وأطهرهم سجية وسريرة وكان الهجوم على المستوى الشعبي ممثلا كما يروي حنبل بن إسحاق في كتابه المخطوط " محنة أبي عبد الله بن حنبل" في أن أحمد بن أبي دؤاد بعد هزيمته أمام العلماء لجا إلى وسيلة شيطانية يؤمس بها عقيدة خلق القرآن من جيل آخر من المسلمين، فأصدر منشورا يلزم معلمي القرآن في " الكتاتيب" أن يقرروا على الصبيان حفظ عقيدة القول بخلق القرآن إلى جانب حفظ آيات القرآن.

ولكن صف أهل السنة كان قويا لا تقوى عليه هذه الأوهام الوافدة على صورة ثقافات ومذاهب ومترجمات وبدع وأهواء تلقن مشافهة، أو تملى على طامع من القراصنة المحترفين وزاد من قوة أهل السنة انحياز المدرسة الجديدة التي تمزج بين نص السنة وروحه في أعمق مراتبها وهم العلماء الزهاد الأوائل الأبرياء من كل دخيل من النظريات أو الأقوال الموهمة المتشابهة وكان رأس هذه المدرسة الحقيقي هو ============================================================ الحارث بن أسد المحاسبي الذي سبق الغزالي بمزج الفقه الإسلامي مع عنصره الروحاني والنفسي، فجاء أستاذا فريدا في بابه، سابقا في منهجه لم تعرف له نظيرا سبق عليه، ولا لحق به في مضماره كمنهج عميق من التحليل النفسي لأول مرة في التاريخ، واستخدام هذا التحليل النفسي في خدمة شريعة الإسلام لأول مرة في الفكر الديني على الإطلاق.

نشا الحارث في بيت علم وثراء . فأبوه كان واسع الثراء، وكان معنيا بالفكر الديني، إلا انه كان قدري المذهب، ولم يكن سنيأ مستقيم الطريقة: ولكن الحارث على أي حال فتح عينيه على الحياة فراى أباه من رجال الفكر، مما كان له بالتاكيد أثره على اتجاه الحارث نحو الفكر هو الآخر، ولكن لا على وجه التقليد الأعمى، وإنما كان اتجاهه يكشف عن شخصية مستقلة، وعقل يأبى إلا العمل والدوران في أفلاكه حتى يرسم معالم طريقه بنفسه، ولا يرسمه له الآباء ولا العشائر.

وانتقل الأب بأسرته وفيهم الحارث إلى بغداد، وبين مدارسها، ولفظها الجدلي، ودار حكمتها، وحركتها الثقافية التي لا تهدا، والتي كانت مدا قويا لفتوة الإسلام في الحقيقة، وفجأة تبدأ أول البوادر الفريدة في شخصية الحارث المحاسبي الفريد هو الآخر. فلقد اختار الولد طريق السنة معارضا قويا لأبيه، وظهرت تلك المعارضة علانية عند "باب الطاق" في بغداد، إذ أمسك الحارث بأبيه هناك، وجمع حوله الناس، وقال له على مسمع منهم : طلق آمي، فإنك على دين وهي على دين غيره . وذلك أن الرجل كان قدريا، وأن ابنه كان يؤكد كفر القدرية.

لم تنعه حشمة الأبوة عن إعلان رأيه، وانذار آبيه، ما دام الأمر يتصل بالاسلام الذي بدأ يسري في أوصال الحارث، ليجعل منه هو الآخر صورة متحركة مجاهدة قوية قوية الحركة والكلمة، صادق صدق الإسلام، ونقية نقاءه ومنصورة بنصر الله القاهر ============================================================ ملابح شخصيته: حيما حدد الحارث الفتى اتجاهه السني الإسلامي، كان يمكن أن يكون سنيا تقليديا كغيره من أهل السنة من العلماء : يعني بالرواية والدراية في الحديث، وينسلك في إطار مذهب من المذاهب الأربعة، وغاية ما يصل إليه أن تكون له اجتهادات مقيدة بذهبه، أي اجتهادات في الترجيح، وليست مطلقة لا تتقيد بأفكار إمام بعينه . وكان يمكن أن يلجأ إلى حلقات بغداد فيحدد الفرع الذي يتخصص في دراسته بتوسع من بين فروع العلم السني المعروف، من الحديث أو التفسير أو الأصول أو غيرها، ثم لا شيء وراء ذلك: ولكن الفتى الذي لم يقلد اباه، والفتى الذي أعلن كفر أبيه كما يرى دون أن يتقيد بخلاف العلماء في كفر القدرية فيلتمس لأبيه وجها من وجوه الإسلام على أساسه، هذا القتى ليس هو الذي يندفع مع صف الطلاب حتى يختار مكانه من الصف دون بحث ولا فحص ولا تدقيق.

لقد خلا المحاسبي إلى نفسه زماتا طويلا يفكر، ويقلب أمره على وجوهه، ويحاول أن يجد مكانه في صف أهل السنة بشروط محدودة وهي : 1 - أن يكون متفقأ تمام الاتفاق مع أفاعيل الصحابة ومسالكهم : 2 - أن يكون بعيدا عن الخلاف، لأن الأمة في حاجة إلى اتفاق، وليست في حاجة إلى الخلاف 3 - أن ترتبط تعاليمه ودراساته وسلوكه بعالم الآخرة، فلا تنفصل البداية عن النهاية وبحث طويلا، وانتهى به البحث إلى أن حلقات الحديث يسيطر على أهلها الإعجاب وحب الشهرة. وأن علماء الفقه يعيشون بين دوامة الخلاف، وحب الانتصار للرأي، وأن علماء الآخرة من أهل السلوك ليسوا كما يريد : من الأخفياء الأتقياء الذين يرجحون الآخرة على الأولى : هو إذن يريد بيئة علمية ملتزمة بسلوك الصحابة، بعيدا عن الخلاف، تؤثر ============================================================ التواضع والخفاء، ولا تميل إلى الشهرة، وتعنى بالجوانب الروحية عشايتها بالجواتب الشرعية. وكان مطلبا عزيز المنال . طال به الزمان في البحث عنه، حى آصيب بما يشبه آن يكون آزمة "اكتثاب نفسي" حددها في مقدمة كتابه " الوصايا" حيث ردد قوله : "فعظم همي وغمي لفقد الأدلاء، وانطويت على نفسى" وبعد بحث طويل اهتدى إلى من يريده مرشدا له في طريق الآخرة ممن يؤثر الخقاء، والدار الآخرة على الدار الأولى. ولكنه لم يحدد لنا باسمه، كما لم يحدد شيوخه في علوم الشريعة الأخرى، اللهم إلا شيوخه في الحديث حيث ذكرهم لنا في إسناد، لما رواه من الأحاديث.

ويبدو أنه درس كل العلوم التي لا تحتاج إلى السند بنفسه، دون أن ينتسب إلى شيخ معين، ولم يلجا إلى الشيخ إلا في طريق الآخرة. وهنا تتحدد شخصيته المستقلة في : - أنه كما يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود طيب الله ثراه : كان مجتهدا مطلقا في الشريعة، لأن الوضوء كما حدد، في كتابه "فهم الصلاة لا يتفق مع الوضوء كما حدده مذهب من المذاهب الأربعة، بل إنه تتبع أسلوب الوضوء عند الرسول ة وعند أصحابه، وسجل من جموع ذلك صورة متكاملة لا شأن لها بالصور التي حددها الأئمة الأربعة المجتهدون 2 - أنه عنى بتدوين (فقه مالم يدونه الفقهاء) في أبواب من كتبه، مثل : من آم قوما فالزم قلبه الحذر في القراعة، وباب الشهرة، والاحتساب في سرور المسلم، ومذاهب السلف عند غلبة الحرام على المطاعم، ومذاهب الورع وأغاليط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك من الأيواب التي أغفلها الفقهاء، ولا يدونها إلا مجتهد مطلق مستقل بعلمه ومذهبه 3 - أنه نقد بشدة نفس المدرسة التي آثرها وهي المدرسة الروحية في كثير من آرائهم، ورماهم بالغلظة والجهل بالأخبار فيما يتصل بالمكاسب وبالورع، وسجل ذلك كله في كتاب المكاسب، مما يؤكد أنه كان مستقلا، لم تفن ============================================================ شخصيته في شخصية المدرسة التي انتسب إليها كما هو شأن الغالبية العظمى من العلماء.

) - أنه لا يغتمد على عموميات مشهورة في إصدار أحكامه، وإنا يعتمد على المشاهدة الشخصية، ومن أجل هذا عني المحاسبي بدراسة أحوال مجتمعه بنفسه، كما يبدو ذلك واضحا من حديثه عن الغزاة والتجار والقراء والصوفية في كتابه هذا الذي نقدمه للقراء، إذ أنه لم يصدر حكما إلا بعد مشاهدة وسماع شخصيي، وهو سبق لم نعهده في الفقهاء ولا في علماء السلوك إلا نادرا من بعده 5 - أن ذاته الداخلية كانت من القوة والمتانة بحيث لم يحتج إلى أن يضفي على ظاهره ما يقوي شخصيته، فلم يحفل بالشهرة لا هو ولا مدرسته بين علماء بغداد ومدارسها، وذلك على الرغم من أن اجتماع تلاميذه به في حلقة درسه كان على صورة لم تعهدها مدارس العلم، إذ كان الوقت المختار له ولهم هو : ما بعد العشاء الآخرة حتى صلاة الفجر. وهذا عمل كان يمكن استغلاله في الدعاية والشهرة، ولكنه لم يفعل لغنساء ذاته الداخلية عن كل شيء إلا الايمان والحب والنصح وغيرها من مقومات الشخصية السوية المستقيمة 6 - لم يكن كغيره من العلماء يحاول الانتصار لنفسه بما يشبه الحق من البراهين الملتوية، لا سيما إذا ورد عليه النقد ممن هو أنزل منه علما أو قدرا.

قال الحارث: عملت كتابا في المعرفة، فأعجبني، فدخل علي شاب عليه ثياب رثة، وأنا أنظر في الكتاب مستحسنا إياه، فقال لي : يا أبا عبد الله المعرفة حق للخلق على الحق، أو حق للحق على الخلق؟ قلت: حق للخالق على الحق قال : هو أولى أن يبذلها لمستحقيها. قلت : بل حق للحق على الخلق قال : هو أعدل من أن يظلمهم. فأخذت الكتاب وخرقته، وقلت : لا أعود أتكلم في المعرفة أبدا.

فلو أن عالما من المحدثين حدث له ذلك لملأ الدنيا صراخا وعويلا لينتصر ============================================================ لنفسه بالباطل فضلا عن الحق، في الوقت الذي كان فيه للحارث وجه للدفاع عن نفسه وعن كتابه، لأنه يتحدث عن المعرفة من حيث التربية والشريعة والأمر والنهي، أما الشاب فيقصد المعرفة من حيث القسمة الإلهية الأزلية، وهي الحقيقة، فاختلف الوجهان، وكلاهما مصيب، ولكن الحارث كما قلنا قوي في ذاته الداخلية، وليس في حاجة إلى لجاجة ولا جدال ليثبت هذه القوة، أو ليضفي على نفسه قوة زائفة من الغرور والإعجاب.

7 - لم يكن عالما متخصصا يغلق فكره على فرع معين من فروع المعرفة، وإنما كان رجلا متعدد المواهب، مجيدا في كل ما اقتحمه من ميادين المعرفة فهو فقيه، محدث، أصولي، متكلم، عالم بالتحليل النفسي، خبير بالمجتمع وتحركاته الظاهرة والخفية، متطلع إلى مذاهب غيره من الفقهاء والمفكرين في أرجاء الإسلام، ناقد بصير لا سيما في قضايا الصوفية التي بدأت تختلط في عصره، ويسود أهلها في بعض أحوالهم جهل بالحديث والأخبار، وغلظة في اصدار الأحكام.

8 - كان ملتزما بكل ما يقول او يكتب ... فلم يكتب حرفا إلا التزم به سلوكا ، ومن هنا آثر الورع يوم مات آبوه، وهو في حاجة إلى دانق كما يقول الجنيد البغدادي، فرفض ميرائه من آبيه، لأنه كان يرى كفر القدرية، وليس بين أهل ملتين توارث. ورغم الخلاف في كفر القدرية، ورغم عدم مسؤوليته عما شاب مال أبيه من الحرام، فإنه آثر الورع ، وفضل الجوع على أن يقبل ما لا فيه شبهة والغريب في أمر المحاسبي، والذي لم أستطع له تفسيرا يقوم على سند مكتوب ومأثور هو آنه نجا من محنة القول بخلق القرآن، وكان معاصرا لها، وكان رأسأ من رؤوس العلم، وصاحب مدرسة كبرى يمكن أن يفيد منها القاضي أحمد بن أبي دؤاد في نحلته التي انبرى لنصرتها.

كان المحاسبي يهاجم المعتزلة وغيرها من الفرق، وكان هجومه على المعتزلة ============================================================ وغيرهم من أسباب الخلاف بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل، حيث كان يرى احمد إهمال هؤلاء المارقين، ويرى الإمام المحاسبي الهجوم عليهم، وتفنيد أفكارهم، وتعريتها أمام الجمهور ونحلة القول بخلق القرآن كانت نحلة اعتزالية في أصلها وفرعها، وهذا عدو من أعداثها، فلماذا لم يحمل مع من حمل للمحنة، ولماذا لم يتعرض للتعذيب كما تعرض غيره من العلماء: ولكي نجيب على هذا التساؤل يجب أن ندرك أن غير المحاسبي من ذوي الشأن في ذلك العصر لم يتعرضوا هم الآخرون لأذى السلطان في شأن خلق القران، من أمثال : بشر بن الحارث الحافي، والسري السقطي وغيرهما من أحاب مدارس التصوف. ولكن الفرق ثابت بين هؤلاء وبين المحاسبي، فلا السري ولا الحافي ولا غيرهما من رجال التصوف كانوا يهاجمون المعتزلة ويكتبون في تجريجهم الكتب، ويعقدون حلقات العلم . بل كان نشاطهم مقصورا على السلوك، وعلى بعض روايات السنة،... فالقول بأن المحاسبي كغيره من هؤلاء لم يكونوا موضع اهتمام السلطان في شأن المحنة قول غير مستقيم، من جهة أن المحاسبي إمام مجتهد محدث متكلم له باع طويل في تسفيه المعتزلة أفزع الإمام احمد نفسسه والذي نستطيع أن نقرره الآن : أنه ربما اعتمدت السلطة على النزاع الذي كان قد ثار بين أحمد وبين المحاسبي فظنت أنه لا خطر من المحاسبي:. أو أنهم عرفوه بما اشتهر عنه من الصلاح، وحب الخفاء والتفور من اجتماع الناس حوله، فلم يروا في رأيه مغنسما هم، ولا تاثيرا في الناس، ما دام الناس لا يشكلون اهتماما للمحاسبي في حياته وهو الذي يقول: "والله لو آن نصف الحخلق قد بعدوا عني ما استوحشت لبعدهم، ولو أن النصف الآخر اقترب مني ما است بقربهم " كان المحاسبي معنيا بإصلاح البواطن، وكان أحمد بن حنبل معنيا بظاهر الشريعة، ومن هنا كانت فتنة خلق القران ألصق بظاهر العلم منها بباطنه ============================================================ وخفاياه، فكان أحمد مقصودا بها، وكان المحاسبي بعيدأ عنها هو وأمثاله رغم آنه رجل حديث وفقه وكلام وهجوم على كل من اتحرف عن خط أهل السنة ولكن جمهور الرواية والدراسات الفقهية جمهور عريض لا يتهيا مثله في اتساع قاعدته للدراسات السلوكية والنفسية بأي حال من الأحوال.

محاولات لتشويه المحاسي: إنه داء قديم في البشر، هو أن يستظهر الإنسان برأي كبير من العلماء ليهدم عالما آخر... ولكن الله تعالى إذا أراد إبطال حجة هذا الهادم المخرب اجرى على لسانه وقلمه دليل خطئه ففي الجزء الثالث عشر من تاريخ الإسلام للإمام الذهبي (مخطوط رقم 13 تاريخ بدار الكتب المصرية ورقة 45 وما بعدها) قال: " قال الحسين بن عبدالله الخرقي: سأل المروذي عما أنكر أبو عبدالله على المحاسبي فقال: قلت لأبي عبدالله : قد خرج المحاسبي إلى الكوفة وكتب الحديث فقال أنا أتوب مما أنكر علي أبو عبدالله فقال: ليس لحارث توبة، يشهدون عليه بالشييء ويجحد، إنما التوبة لمن اعترف، ثم قال : احذروا عن حارث "وقال أبو بكر بن حماد: إن الحارث مر به ومعه أبو حفص الخصاف.

قال : فقلت له : يا أبا عبدالله تقول : إن كلام الله بصوت؟ فقال لأبي حفص: اجبه قال آبو حفص: متى قلت: بصوت، احتجت آن تقول: بكذا، وكذا . فقال للحارث . فماذا تقول أنت ؟ قال : قد أجابك أبو حفص. قال أبو عبدالله بن حنبل: أنا من ذلك اليوم أحذر عن حارث" : والعجب هنا من آمور منها: 1- أن المروزي نفسه هو الذي روى في مسائله عن الإمام أحمد أنه كان يتوقف طويلا بحكم ما ركب فيه من سليقة الورع في تجريح راو من الرواة العام ============================================================ والعامين احتياطا لدينه فكيف يتوقف في تجريح راو من الرواة ثم يسارع إلى اغلاق باب التوبة على مسلم قبل آن يغرغر مخالفا بذلك رسول الله وإجماع الأمة على أن التوبة صحيحة من أي مسلم ما دامت روحه لم تيلغ حلقومه. هذا مستحيل تماما في حق الإمام أحمد ونكاد نقطع بأن هذا الخبر مكذوب عليه، لأنه يخالف ما تواتر عنه من الدين والورع والخوف والتوقف والعلم والدراية بالسنة من جميع وجوهها.

2 - قول الرواية عن الإمام : إن التوبة لمن اعترف قول غريب عن مسلكه وعن علمه وعن إحاطته بأحكام الشريعة والعقيدة فالتوبة أمر بين العبد وبين ربه، ولم يشترط أحد أن تكون التوبة بعد اعتراف علني للناس بالدين، فتلك هي الفضيحة التي نهى عنها الإسلام أشد النهي، ولا نعلم شيئا اسمه الاعتراف إلا في المسيحية المتأخرة . بل هو في الإسلام اعتراف العبد لربه بالذات سرا فيما بينه وبينه ثم التوبة. ومن هنا فإن هذه الرواية هي الأخرى تلحق بأختها في البطلان والتزييف على الإمام أحمد والعجيب أن الذهبي تفسه شك في رواية أوردها هو في تذكرته وأوردها الخطيب في تاريخ بغداد، خلاصتها أن الإمام استمع إلى المحاسبي من حيث لا يراه في بيت إسماعيل السراج أحد تلاميذه، ثم قال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل هذا الرجل، ومع ما وصفت لك فلا أرى لك صحبتهم وعلق عليها الذهبي بقوله : وهذه القصة صحيحة السند لا تقع على قلبي وإنما نفر قلبه مما فيها من تناقض لا يليق بعقل كبير مثل عقل الإمام أحمد ومن ثم فإن قصة الاعتراف، وقصة إغلاق باب التوبة أدخل في نطاق إنكار الذهبي نفسه من هذه القصة فإذا تناقضت الروايات على هذه الصورة تساقطت وبقي جوهرها ، وهو : أن المحاسبي وأحمد بن حنبل أخوان على طريق السنة، لا سيما وأن المحاسبي كان شديد الإنكار على أوهام الصوفية ودعاواهم ============================================================ أن بعضهم يصلي في أماكن متعددة، أو بخاطب الملائكة وأرواح الصالحين، إلى غير ذلك من الأوهام التي بدأت تطل برأسها في عصرهما مقامه في العلم والمعرفة: وصفه أبو نعيم الأصفهاني في الحلية فقال : المشاهد المراقيي، والمساعد المصاحبي، أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي، كان لألوان الحقائق شاهدا ومراقبأ، ولاثار الرسول مساعدا ومصاحبا، وتصانيفه مدونة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مشهورة، كان في عالم الأصول راسخا وراجحا، ومن الخوض في الفصول جافيا وجانحا، وللمخالفين الزائفين قامعا وناطحا، والمنيبين قابلا وناصحا: " وقد كان متكلما فقيها محدثا، حدث عن يزيد بن هارون وطبقته ، وروى عنه أبو العباس بن مسرور والطوسي وطبقته" وقال عنه الخطيب البغدادي : " أدرى من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن، وله كتب كثيرة في الزهد، وفي أصول الديانات، والرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة وغيرهم . وكتابه في الدماء هو الذي عول عليه من بعده في شأن الدماء التي جرت بين الصحابة ومنزله المحاسبي لا تقتصر على أنه كان جماعا للعلم حافظا له، عاملا به فحسب، ولكنه في الحقيقة كان صاحب مدرسة متميزة يمكن وصفها بأنها مدرسة الكشف عن الدقيق عن علة الأمة الإسلامية التي كسانت قد أصابتها ففرقت كلمتها، ودفعت بها بعيدا عن فطرة الإسلام التي جاد بها رسول الله كان الإمام أحمد بن حبل يجاهد في ميدان السنة وتنقيتها من الدخيل والموضوع ولا من التدليس والكذب الذي انبنى عليه بعض الأحكام المغرضة كانت هناك اكداس من الأحاديث الموضوعة التي وضعت تأييدا لمذاهب سياسية أو عدائية للإسلام . ويقول ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 - 134 : " أصل الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة" ============================================================ ويقرر شريك القاضي أن الرافضة كانوا يضعون الحديث ويتخذونه دينأ (منهاج السنة 13/1). ووضعوا الأحاديث في ذم معاوية، ووضع أتباع معاوية الأحاديث في مدحه، ومن وراء أولئك الزنادقة يضعون الحديث تأصيلا لزندقتهم، فيروون آن الله ينزل عشية عرفة يصافح الركبان، ويعاتق المشاة، وأقر عبد الكريم بن أبي العوجاء بأنه وضع أربعة الاف حديث يحل فيها الحرام وبحرم الحلال. إلى غير ذلك مما لا يسعه مقامنا هذا كان الإمام أحمد زعيم المدرسة السنية التي تكفلت بوضع الضوابط وفحص الأسانيد والمتون لتنقية السنة من هذا الركام المكذوب والخطير على شريعة الإسلام.

وكان المحاسبي زعيم المدرسة التي تكشف العلة التي أصابت النفس المسلمة فحولتها إلى نفسى أمارة لا مكان فيها للوم ولا للرضا والطمأنينة وإن كان ظاهرها مطمثنا وراضيا... كان الورع في عصره نادرا، وكانت المعرفة بالأصول الإسلامية عزيزة، وكان الجهل بعلل النفوس فاشيا، وقد كشف المحاسبي عن كل ذلك في مقدمة كتابه الوصايا فقال : "قد انتهى البيان إلى أن هذه الأمة تفترق على يضع وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية، والله أعلم بسائرها . فلم أزل برهة من عمري أنظر اختلاف الأمة، وألتمس المنهاج الواضح، والسبيل القادر وأستدل على طريق الآخرة بإرشاد العلماء، وعقلت كثيرا من كلام الله عز وجل بتأويل الفقهاء ... ورأيت اختلافهم بحرا عميقا غرق فيه ناس، وسلم منه عصابة قليلة.. ورأيت كل صنف يزعم أن النجاة لمن تبعهم، وأن المهالك لمن خالفهم " ثم رأيت الناس أصنافا، فمنهم العالم بأمر الآخرة، لقاؤه عسير، ووجوده عزيز، ومنهم الجاهل، فالبعد منه غنيمة، ومنهم المتشبه بالعلياء، مشغوف بدنياه، مؤثر لها، ومنهم حامل علم، منسوب الى الدين، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو، ينال بالدين من عرض الدنيا، ومنهم حامل علم لا يعلم تأويل ما حمل، ومنهم متشبه بالنساك، متحر للخير، لا غناء عنده، ولا نفاذ ============================================================ لعلمه، ولا معتمد على رأيه، ومنهم منسوب إلى العقل والدهاء، مفقود الورع والتقى، ومنهم متوادون، على الهواء واقفون، وللدنيا يذلون، ورياستها يطلبون، ومنهم شياطين الإنس عن الآخرة يصدون وعلى الدنيا يتكالبون، وإلى جعها يهرعون، وفي الاستكثار منها يرغبون، فهم في الدنيا احياء، وفي العرف موق، بل العرف عندهم منكر، والاستواء بين الحي والميت معروف : ه فتفقدت في الأصناف نفسي، وضقت بذلك ذرعا، فقصدت إلى هدى المهتدين بطلب السداد والهدى، واسترشدت العلم، وأعملت الفكر، وأطلت النظر، فتبين لي من كتاب الله، وسنة نبيه وإجماع الأمة : أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد، ويضل عن الحق، ويطيل المكث في العمى، فبدأت بإسقاط الهوى عن قلبي، ووقفت عند اختلاف الأمة، مرتادا لطلب الفرقة الناجية، حذرأ من الأهواء المردية؛ متحرزا من الاقتحام قبل البيان، والتمس سبيل النجاة لمهجة نفسي "ثم وجدت آن سبيل النجاة في التمسك بتقوى الله وأداء فرائضه، والورع في حلاله وحرامه، وجميع حدوده، والإخلاص لله تعالى بطاعته، والتأسي برسول الله "فطلبت معرفة الفرائض والسنن عند العلماء بالآثار، فرأيت اجتماعا واختلافا، ووجدت جميعهم متفقين على آن علم الفرائض والسنن عند العلماء بالله وأمره، الفقهاء عن الله العاملين برضوانه، الورعين عن محارمه، المتأسين برسوله ، والمؤثرين الآخرة على الدنيا، فالتمست من بين هذه الأمة الصنف المجتمع عليهم، واقتبست من علمهم، فرأيتهم أقل من القليل، ورأيت علمهم مندرسأ كما قال : "بدأ الإسلام غريبأ، وسيعود غريا، كما بدأ، فطويى للغرباء وهم المتفردون بدينهم: "فعظمت مصيبتي لفقد الأتقياء، وحشيت بغتة الموت آن يفجأني على اضطراب من عمري، لاختلاف الأمة، وانكمشت في طلب عالم لم أجد لي من معرفته بدا، ولم أقصر في الاحتياط، ولا في النصح، فقيض لي الرعوف الرحيم ============================================================ بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى، وأعلام الورع، وإيثار الآخرة على الأولى.

*ووجدت إرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى، مجتمعين على نصح الأمة، لا يرجون أبدا في معصية، ولا يقنطون من رحمة، يرضون أبدا بالصبر على البأساء، والرضا بالقضاء، والشكر على النعماء، يحبيون الله تعالى إلى العبيد بذكر أياديه وإحسانه، ويحثون العباد على الإنابة إلى الله تعالى علما بعظمة الله تعالى، علماء بعظيم قدرته، وعلماء بكتابه وسنته فقهاء في دينه علماء بما يحب ويكره، ورعين عن البدع والأهواء تاركين للتعمق والإغلاء، مبغضين للجدال والمراء، متورعين عن الاغتياب والظلم، مخالفين لأهوائهم، محاسبين لأنفسهم، مالكين لجوارحهم، ورعين في مطاعمهم وملابسهم وجيع أحوالهم، متقللين من المباخ، زاهدين في الحلال، مشفقين من الحساب، وجلين من المداد، مزرين على أنفسهم من دون غيرهم : لكل امرىء منهم شأن يعنيه، علماء بأمر الآخرة، وأقاويل القيامة، وجزيل الثواب، وأليم العقاب، وذلك أورثهم الحزن الدائم، والهم المقيم، فشغلوا عن نعيم الدنيا ونديها.

"ولقد وصفوا من آداب الدين صفات، وحددوا للورع حدودا ضاق لها صدري، وعلمت أن آداب الدين، وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شهي ولا يقوم بحدود مثلى، فتبين إلي فضلهم، واتضح لي نصحهم، وأيقنت أنهم العاملون بطريق الآخرة، والمتأسون بالمرسلين. فأصبحت راغيا في مذهبهم، مقتبسا من فوائدهم، محبا لطاعتهم. لا أعدل بهم سببا، ولا أوثر عليهم أحدا في هذه الوثيقة الخطيرة يؤرخ المحاسبي للحركة الدينية في عصره على غير ما ارخ لها المؤرخون التقليديون الذين يمكن أن نسميهم بمؤرخي الحكومات . أولئك المؤرخون الذين يثبتون في سجلات التاريخ ما يشرح صدور الحكام وإن كان يشيع القتام في سماء الإسلام.

============================================================ فعلى الرغم من أن التاريخ التقليدي يشيد بالنهضة العلمية في عصر المحاسبي فإن المحاسبي يتبع أصناف علياء الإسلام بالفحص والنقد، حتى يصل الى أن العلماء الذين يصلون الحياة الدنيا بالدار الآخرة، ويوقنون بكل غيب غير مدرك بالحواس يقينا يضع ذلك الغيب موضع المشاهدة المنظور القريب، ويحول القلوب إلى نبض من الخوف والرجاء والالتزام بالقلوب والجوارح لا التزاما حرفيا خاليا من روح الحياة التي يبثها القلب في الحركات والأعمال وهذا النوع من العلماء كان أقل من القليل في عصر المحاسبي، فيما بالنا وفيما بعد عصره.

كان العلماء يتزاحمون على أبواب السلاطين، ولكن القليل منهم هم الذين كانوا ينأون عنهم، ويحذرون من مجالسهم ... فالامام أحمد أغلق بابا كان بينه وبين ابنه صالح، لأنه قبل عطاء من السلطان، وعلى فراش الموت لا يجد ما يكمل به كفارة يمين فيتقاضاها من أجر قليل لعقار كان يعيش منه . والمحاسبي يصيبه الضر من الجوع ويرفض ميراثه من أبيه ورعا لأنه كان قدري المذهب ..: ولكن أمثالها لم يكونوا كثرة تتوازن مع أعداد العلماء في ذلك العصر، بل كانوا قلة بك عنها المحاسبى جهده، ووصفهم بوصف يأباه الكشير من العلماء وهو آنهم كانوا من أهل خول الذكر، وأهل الخفاء . أي من الذين يكرهون الشهرة والأضواء، ويعشقون العمل في خفاء وكتمان كانت الرؤوس قد فسدت ففسد الشعب، وكان على العلماء أن يشخصوا المرض ويصفوا العلاج وكان تشخيص المرض يحتاج إلى خبرة نفسية هائلة، لأن الناس كانوا قد أصيبوا بحالة من "الأرق الفكري، . أي ان هناك السمت الإسلامي، والعمل غير الإسلامي. وهناك اللسان اللهج المجادل المناقش في قضايا الإسلام، والخواطر الشيطانية المعارضة لنقاء الإسلام . .. وكان المحاسبي فيما يبدو لنا هاويا للتحليل النفسي، والكشف عن العقد وحلها على ضوء الإسلام النقي القائم على الكتاب والسنة وسير الخلفاء الراشدين.

يروي الجنيد البغدادي أن المحاسبي كان يخرجه من بيته إلى الصحراء ثم يقول له: سلني عما لقيت من نفسك، فيساله والحارث يجيب، ثم يمضي الحارث إلى بيته فيسجل تلك المناقشات، ويصنع منها كتبأ.

============================================================ فهو يكشف غن حاجات النفوس من واقع مطالبها، ولا يفرض على المجتمع رأيا ولا فكرا بعيدا عن حاجاته.. والذي صنعه مع الجنيد البغدادي صنعه مع غيره، بل إن المصادر تروي أنه كان يجتمع بتلاميذه ليلا بعد صلاة العشاء، فلا يبدأهم بحديث حتى يسألوه فيرد على أسثلتهم إلى صلاة الفجر.. ومن هنا فقد وفى المحاسبي بحاجات عصره، على العكس من كتابنا ومفكرينا اليوم الذين ملأوا الدنيا كتبا وما زال الشباب حائرا لا يدري من طريقه دربا من حفرة، وما ذاك إلا لأنه فكر مفروض، لم يتحر فيه كاتبوه أن يكون صورة واقعية لمصادر الحيرة في عقول الناس والمحاسبي يعود إلى الإسلام الأول الذي كان عليه الصحابة، ذلك السلوك الذي كان نابعا من ربط الحياة الدنيا بالآخرة ربطا وثيقا، باعتبار الآخرة حافزا أساسيا على الالتزام قلبأ وقالبا بأخلاق الإسلام . أما أن تنفصل الآخرة عن الدنيا فهذا هو أصل الداء الذي عانى منه مجتمع الإسلام منذ عصر المحاسي، حيث كانت الدنيا وحدها هي الحافز على غيرها لدى السواد الأعظم من الناس الذين لا يجدون مرشدا ولا راعيا أمينا يردهم عن الشتات إلى مجتمع الجسد الواحد.

كان هذا الداء قد أعضل حتى لم تجد في علاجه حلقات الفقه ولا مجالس الحديث ومصطلحاته : لأن هذا الداء في الحقيقة كان قد انتشر على صورة وبائية لا تفرق بين عالم وجاهل، ولكن إصابة العلماء به كانت خطرا ما بعده من خطر. ولنستمع إلى المحاسبي يقرر الواقع في مجتمعه فيقول عن العلماء : فان علا في الناس آمرهم، واضطرب الصوت بهم، وحمد بعض شأنهم، ووصلت النفوس إلى أمنيتها من اضطراب الصوت، وعلو الذكر، وكادت التقوس تستصغر من ليس من شأنهم، وتستجهل من جهل علمهم، وتزدري بمثل من لم يكن في أحوالهم، فقد ذهوا وما يشعرون "وبعد، فإن قديم الحيل تستقبل لهم ما قد دهاهم به، فيجد لهم مكسائد موبقات، وعساه يأي الكبير منهم كهيئة الناصح له، فيخطر بقلبه : أنك قد ============================================================ أوتيت حظا من العلم، فما لك والشهرة، والتعرض للفتنة، شأنك والعمل بما قد علمت وبجه، لقد دهه وعرضه للهلاك وما يشعر.

" فعند ذلك ينفرد بعصابة من أكابرهم اتبعوه من أصاغرهم، واعتزل إعجابا بما وصل إليه من العلم والعبادة، وما يشعر بإعجابه، ولا يشك أن الصواب في اعتزاله(1) في قوله وفعله، ولا يعلم ما قد دهي به، فحينثذ يخالف الشيطان بين أهوائهم، ويفرق شملهم، ويشتت جمعهم ويجعلهم أحزابا، ويزين عند كل صنف منهم شأته، ويعيب عندهم أحوال من يخالفهم، فأغوى بضهم بعض، ودل بعضهم على عثرات بعض، ولقن بعضهم حبجا على بعض كهيثة الناصح لهم، فيكيد جميعهم بكائده وما يشعرون وعى القوم يبدون ما في النفوس، ويطلبون العثرات، ويظهرون العيوب، ويتفكهون بالغيبة، ويقولون الزور، ويترامون بالبهتان، ويشد بعضهم على بعض بالعظائم، وينسبه إلى الكفر والضلال، اعاذنا الله وإياكم مما ل بهم وافاض المحاسبي طويلا في أسرار هذا الصدع الذي أصاب مجتمع الإسلام في شخص علمائه، معرضا بالمعتزلة الذين ينطبق نقده عليهم تام الانطياق: فهم الذين اتشقوا إعجابا بأنفسهم، وهم الذين كفر بعضهم بعضا، حتى ألف : المرداد، والجبائي، وجعفر بن حرب، من رؤساء الاعتزال كتابا من تكفير أبي الهذيل العلاف، وكشف فضائحه التي تعتبر بحق ثلما في حصن الإسلام المنيع.

ومن أعجب العجيب أن دعاة التحرر الفكري المشبوه من رجال العلم الرسميين في العصر الحاضر ما زالوا يشيدون بفضل المعتزلة على الفكر الإسلامي- بزعمهم - ويحثون الطلاب على توجيه بحوثهم الجامعية نحو تلك الفرقة الضالة، وكأنهم لم يقرعوا لا نقول كتابا مخطوطا بعيدا عن متناول الأيدي، بل لم يقرعوا كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي، الذي سرد من فضائحهم ما كان (1) لعله يعرض با فعله واصل بن عطاء زعيم المعتزلة. فقد كان المؤلف شديد الانكار عليهم ============================================================ يجب أن يكون إنذارا لهؤلاء الذين يدعون إلى الحرية الفكرية بمعناها الأوروبي والشيوعي الذي لا ينطلق إلا على درب التخريب ولا يلوي على شيء: لا أدري ماذا يقول المشرفون على الرسائل الجامعية عن أبي إسحاق النظام - وهو الذي كتبت فيه الرسائل المتعددة - وهم يطالعون فضائحه إن كانوا طالعوها ، وهو من رؤوس الاعتزال . كان هذا الخبيث يقول : إن أبا هريرة أكذب الناض، وان عمر شك في دينه يوم الحديبية، وضرب فاطمة بنت رسول الله و وابتدع صلاة التراويح، وسفه علي بن أبي طالب لأنه قال في مسألة برأيه، وعاب ابن مسعود، وكذبه في حديث انشقاق القمر، ورؤية الجن ليلة الجن، إلى آخر تلك الفضائح المويقات التي ألمح إليها المحاسبي في ايجاز وورع كان يقتضيه عصره .

ونعود إلى شيخنا المحاسبي فنقول : إنه كشف أصل الداء، ووصل إلى أن الهوى هو نبعه ومصدره، وأن الهوى قد استحكم حتى أصبح أصلا للكثير من أمراض النفس كالرياء والعجب، والوقوف عند الدنيا، وفصل شطر الحياة وهو الدار الآخرة عن أولها وهو الدنيا، وفساد النوايا، والجهل بالسنن، وهي المواضيع التي لم يعن بها لا رجال الحديث ولا رجال الفقه ولا رجال التفسير والأخبار، لسبب نعتقد أنه الصواب إن شاء الله، وهو: أن المخلصين منهم كانوا ينوعون تحت حمل تقيل من فحص أسانيد الحديث، ووضع قواعد مصطلحة، وجمع رواياته، ووضع أصول الفقه، وتسجيل مسائله، وهي تبعات لا تدع وقتا لبحث المسائل النفسية التي جدت في المجتمع . أما غير المخلصين منهم فهم في عداد العامة المحتاجين إلى العلاج، الهائمين بما يموج في العصر من الفتن وطرق الإنحلال.

كان المحاسبي بداية الإرشاد القائم على التحليل النفسي الدقيق، والوصول إلى العقدة وكشفها، وهو قصارى ما وصل إليه الطب النفسي الحديث، مما يجعلنا تقرر بحق أن المحاسبي هو رائد علم النفس الإسلامي الذي يغتي عن علم النفس المستورد عند من له أدنى قدر من صحة تركيب العقل : كان المحاسبي ميزانا دقيقأ كل الدقة لقلب المؤمن، فلا يقصر به حتى يصل ============================================================ الهوى إلى سويداثه، ولا ينطلق به انطلاق الصوفية النظريين نحو الأوهام وتأليه الفرد، فهذا وذاك تطرف ليس من الوسط قامت عليه أمة الإسلام : ولعل هذا الموقف المتزن هو الذي دعا الصوفية إلى هجران تراث المحاسبي في الوقت الذي كان يجب عليهم فيه أن يلتفوا حوله في صدق وإخلاص، حتى يعودوا إلى الوسط إن كانوا صادقين حقا في أنهم من دعاة الإسلام ... ولكن المحاسي حين عنف يشدة من يدعون آنهم يكونون في مكان ويصلون في غيره، وأنهم يخاطبون الأرواح، ويرون الملائكة، ويدعون إلى الانقطاع عن الحيساة في الخلوات، حين فعل ذلك لم تتجه إليه أهواء رجال التصوف المتأخرين ولم يعن به رجال الطب النفسي المحدثين، واثروا عليه "سيجمون فرويد" اليهودي المخرب الذي يعلي من شأن الغريزة فيجعلها أساسا لكل تفوق إنساني على الإطلاق.

المحاسي يين البداية والتهاية: والمحاسبي تختلف بدايته عن نهايته. ففي مطلع شبابه كتب " الوصايا" وكان فيه متشددا غاية الشدة، حتى كاد يكره حيازة المال على أي صورة من الصور... واحتج احتجاجات طويلة ضد من يبيحون حيازة الأموال، وفرق بينهم وبين الصحابة ممن كانوا يملكون الأموال بحقها. وأفاض في هذا القول حتى كاد أن يكون صورة مطابقة لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه . ولعل الظروف المتشابهة في بيئة المحاسبي وبيئة أبي ذر هي التي دفعته إلى سلوك هذا المنهج: ولكنه بعد أن استقر به الحال عاد يقول : إن الزهد ليس في إهدار الملكية الفردية، ولكنه عمل قلبي تصدقه اليد. فكم من فقير حريص، وكم من غني زاهد وفي باب المدح والذم وقبول الإتسان للمدح، ونفرته من الذم نجده في الوصايا يشقق القول حتى لا يرى إنسان أنه ناج من الخلل، ولكنه في نهاياته وضع الضوابط الدقيقة، وفرق بين قلب يأنس بالمدح وينفر من الذم ، وبين قلب يستوي عنده هذا أو ذاك ============================================================ وهكذا في جميع فروع السلوك التي تعرض لها المحاسبي نجد اندفاع الشباب في البداية، واتزان الشيوخ في النهاية، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

============================================================ مؤلفات المحاسبي أولا - المخطوطات 1- آداب التفوس. وهو في مكتبة جار الله بالأستانة برقم ا110، ومن هذه السخة نسخة مصورة بدار الكتب المصرية برقم )06م تصوف . وفي كويريللي بالأستانة برقم 725 . وفي جامعة القاهرة برقم 48 260 عن نسخة ولي الدين . وهو تحت الطبع من تحقيقنا بدار الجيل بيروت. لبنان.

2 - أحكام التوبة. في دار الكتب المصرية 319 تصوف عن مكتبة لندن .

3 - رسالة التصوف. بلدية الإسكندرية رقم 1321 -1ج 3 - التنبية على أعمال القلوب والجوارح. دار الكتب المصرية 4064 عن نسخة جار الله بالأستانة.

4 - الخصال العشرة التي جربها أهل المحاسبة دار الكتب المصرية رقم 4184 تصوف عن نسخة مكتبة برلين 5- الرد على بعض العلماء من الأغنياء حيث احتجوا بأغنياء الصحابة. لاللي بالأستانة رقم 3606- 20.

6 - شرح المعرفة وبذل النصيحة كوبريللي بالأستانة رقم 1601 شهيد على رقم 1345 والأزهرية بمصر رقم 41309، 1208 تصوف.

ودار الكتب المصرية 084، تصوف عن برلين ============================================================ 7- فصل من كتاب العظمة . دار الكتب المصرية 064م تصوف عن جار الله بالأستانة.

8 -القصد والرجوع إلى الله جار الله بالأستانة 1728، شهيد على 3319.

-محاسبة النفوس . برلين 2814، المتحف البريطاني بلندن 1244.

10-ختصر المعاني البنغال 1167.

11 - المراقبة والمحاسبة مكتبة سوهاج 136 تصوف.

وهو تحت الطبع، 12- معاتبة النفوس. الأزهرية بمصر 1039 مجاميع تصوف .و بتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الاعتصام القاهرة 13 - النصيحة للطالبين شهيد على 3319.

14 - فهم الصلاة دار الكتب المصرية )6 0) عن جار الله.

ثانيا - المخطوطات المفقودة : 1 -رسالة في الأخلاق.

2 - أخلاق الحكيم . ذكره في أعمال القلوب والجوارح ص 157.

1 / 27 Sonraki →

Anlam Arayışı