☪ Anlam Arayışı

← Fedâihü'l-Bâtıniyye

AUTO الباب السادس فى الكشف عن تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى معرض (1/3)

Yapay zekâ çevirisidir; resmî veya akademik çeviri değildir.

وطريقنا أن نرتب شبههم على أقصى الإمكان ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها، وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدى للإمامة بمصر «1»، وأنه يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة. ودليلهم عليه قولهم: إن كل ما يتصور الخبر عنه بنفى وإثبات ففيه حق وباطل؛ والحق واحد، والباطل ما يقابله، إذ ليس الكل حقا، ولا الكل باطلا. فهذه مقدمة، ثم تمييز الحق عن الباطل لا بد منه فهو أمر واجب لا يستغنى عنه أحد فى صلاح دينه ودنياه. فهذه مقدمة ثانية، ثم درك الحق لا يخلو إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله بنظره دون تعلم، أو يعرفه من غيره بتعلم. فهذه مقدمة ثالثة، وإذا بطلت معرفته بطريق الاستقلال بالنظر وتحكيم العقول فيه وجب التعلم من الغير ضرورة، ثم المعلم إما أن يشترط كونه معصوما من الخطأ والزلل مخصوصا بهذه الخاصية، وإما أن يجوز التعلم من كل أحد. وإذا بطل التعلم من كل أحد- أى واحد كان- لكثرة القائلين المعلمين وتعارض أقوالهم؛ ثبت وجوب التعلم من شخص مخصوص بالعصمة من سائر الناس،- فهذه مقدمة رابعة.- ثم العالم لا يخلو: إما أن يجوز خلوه من ذلك المعصوم، أو يستحيل خلوه، وباطل تجويز خلوه من ذلك المعصوم، أو يستحيل خلوه، وباطل تجويز خلوه، لأنه إذا ثبت أنه مدرك الحق ففى إخلاء العالم عنه تغطية الحق وحسم السبيل عن إدراكه، وفيه فساد أمور الخلق فى الدين والدنيا، وهو عين الظلم المناقض للحكمة، فلا يجوز ذلك من الله سبحانه، وهو الحكيم المقدس عن الظلم والقبائح، فهذه مقدمة خامسة.- ثم ذلك المعصوم الذي لا بد من وجوده فى العالم لا يخلو: إما أن يحل له أن يخفى نفسه فلا يظهر ولا يدعو الخلق إلى الحق، أو يجب عليه التصريح. وباطل أن يحل له الإخفاء، فإنه كتمان للحق، وهو ظلم يناقض العصمة، فهذه مقدمة سادسة.- وقد ثبت أن فى العالم معصوما مصرحا بهذه الدعوى، وبقى النظر فى تعيينه. فإن كان فى العالم مدعيان التبس علينا تمييز المحق عن المبطل؛ وإن لم يكن إلا مدع واحد فى محل الالتباس كان ذلك هو المعصوم قطعيا ولم يفتقر إلى دليل ومعجزة.

ويكون مثاله: ما إذا علم أن فى بيت فى الدار رجلا هو عالم ثم رأينا فى بيت رجلا، فإن كان فى الدار بيت آخر بقى لنا شك فى الذي رأيناه أنه ذلك العالم أو غيره، فإن عرفنا أنه لا بيت فى الدار سوى هذا البيت علمنا ضرورة أنه العالم. فكذلك القول فى الإمام المعصوم، فهذه مقدمة سابعة.- وقد علم قطعا أنه لا أحد فى عالم الله يدعى أنه الإمام الحق والعارف بأسرار الله فى جميع المشكلات، النائب عن رسول الله فى جميع المعقولات والمشروعات، العالم بالتنزيل والتأويل علما قطعيا لا ظنيا، إلا المتصدى للأمر بمصر. فهذه مقدمة ثامنة.

فإذا هو الإمام المعصوم الذي يجب على كافة الخلق تعلم حقائق الحق وتعرف معانى الشرع منه، وهى النتيجة التى كنا نطلبها.

وعند هذا يقولون: إن من لطف الله وصنعه مع الخلق ألا يترك أحدا فى الخلق يدعى العصمة سوى الإمام الحق؛ إذ لو ظهر مدع آخر لعسر تمييز المحق عن المبطل وضل الخلق فيه. فمن هذا لا نرى قط للإمام خصما، بل نرى له منكرا؛ كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له خصم قط، والخصم هو الذي يقول: لست أنت نبيا وإنما أنا النبي، والمنكر هو الذي لا يدعى لنفسه، وإنما ينكر نبوته، فهكذا يكون أمر الإمام.

قالوا: وأما بنو العباس- وإن لم ينفك الزمان عن معارضتهم- فلم يكن فيهم من يدعى لنفسه العصمة والاطلاع من جهة الله تعالى على حقائق الأمور وأسرار الشرع والاستغناء عن النظر والاجتهاد بالظن، فهذه الخاصية هى المطلوبة، وقد تفرد بهذه الدعوى عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته؛ وصرف الله دواعى الخلق عن معارضتهم فى الدعوى لمثلها ليستقر الحق فى نصابه وينجلى الشك عن قلوب المؤمنين رحمة من الله ولطفا، حتى إن فرض شخص يدعى لنفسه ذلك فلا يذكره إلا فى معرض هزل أو مجادلة. فأما أن يستمر عليه معتقدا أو يعمل بموجبه، فلا.

وهذه مقدمات واضحة، لم نهمل من جملتها إلا الدليل على إبطال نظر العقل، حيث قلنا: الحق إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله، أو يتعلمه من غيره. ونحن الآن ندل على بطلان العقل بأدلة عقلية وشرعية وهى خمسة:

أما (الأول) وهى دلالة عقلية: أن من يتبع موجب العقل ويصدقه ففى تصديقه تكذيبه وهو غافل عنه، لأنه ما من مسئلة نظرية يعتقدها بنظره العقلى إلا وله فيها خصم اعتقد بنظر العقل نقيضها. فإن كان العقل حاكما صادقا، فقد صدق عقل خصمك أيضا. فإن قلت: لم يصدق خصمى؛ فقد تناقض كلامك، إذ صدقت عقلا وكذبت مثله. فإن قلت: صدق خصمى فخصمك يقول: أنت كاذب مبطل.

وإن زعمت أنه لا عقل لخصمى وإنما العقل لى- فهذه أيضا دعوى خصمك. فبما ذا تتميز عنه: أبطول اللحية، أم ببياض الوجه، أم بكثرة السعل «1»، أو الحدة فى الدعاء!؟ وعند هذا يطلقون لسان الاستهزاء والاستخفاف، معتقدين أن لهم بكلامهم اليد البيضاء التى لا جواب عنها.

(الدلالة الثانية): قولهم إذا حاكم مسترشد تشكك فى مسألة شرعية أو عقلية؛ وزعم أنه عاجز عن معرفة دليلها- فما ذا تقولون له: أفتحيلونه على عقله- ولعله العامى الجلف الذي لا يعرف أدلة العقول؟ أو هو الذكى الذي ضرب سهام الرأى على حسب إمكانه فلم تنكشف له المسألة وبقى متشككا؟ أفتردونه إلى عقله الذي هو معترف بقصوره؟ وهذا محال أو تقولون له تعلم طريق النظر ودليل المسألة منى، فإن قلتم ذلك فقد ناقضتم قولكم بإبطال التعليم، إذ أمرتم بالتعليم وجعلتم التعليم طريقا، وهو مذهبنا؛ إلا أنكم أبيتم لأنفسكم منصب التعليم، ولم تستحيوا من خصمكم المعارض لكم المماثل فى عقله لعقلكم، إن هذا المتعلم يقول: قد دعانى إلى التعلم منه خصمك، وقد تحيرت فى تعيين المعلم أيضا، وليس يدعى واحد منكم العصمة لنفسه، ولا له معجزة تميزه، ولا هو منفرد بأمر يفارق به غيره؛ فلا أدرى: أتبع الفلسفى، أو الأشعرى أو المعتزلى؟ وأقاويلهم متعارضة، وعقولهم متماثلة؛ ولست أجد فى نفسى الترجيح بطول اللحية وببياض الوجوه؛ ولا أرى افتراقا إلا فيه إن اتفق، فأما العقل والدعوى واغترار كل بنفسه فى أنه المحق وصاحبه المبطل كاغترار صاحبه؛ فما أشد تناقض هذا الكلام عند من يعرفه!

(الدلالة الثالثة) قولهم: الوحدة دليل الحق، والكثرة دليل الباطل. فإنا إذا قلنا: كم الخمسة مع الخمسة؟ فالحق واحد وهو أن يقال: عشرة، والباطل كثير لا حصر له وهو كل ما سوى العشرة مما فوقها أو تحتها. والوحدة لازمة مذهب التعليم، فإنه اجتمع ألف ألف على هذا الاعتقاد، واتحدت كلمتهم ولم يتصور بينهم اختلاف. وأهل الرأى لا يزال الاختلاف والكثرة تلازمهم. فدل أن الحق فى الفرقة التى تلازم الوحدة كلمتها؛ وعليه دل قوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82].

(الدلالة الرابعة): قولهم: الناظر إن كان لا يدرك المماثلة بين نفسه وبين خصمه فيحسن الظن بنفسه ويسى ء بخصمه، فلا غرو فإن هذا الغرور مما يستولى على الخلق، وهو شغفهم بآرائهم وجودة عقولهم، وإن كان ذلك من أدلة الحماقة.

وإنما العجب أنه لا يدرك المماثلة بين حالتيه، وكم رأى نفسه فى حالة واحدة وقد تحولت حالته فاعتقد الشي ء مدة وحكم بأنه الحق الذي يوجبه العقل الصادق، ثم يخطر له خاطر فيعتقد نقيضه ويزعم أنه الآن تنبه للحق، وما كان يعتقد من قبل فخيال انخدع به ويرى نفسه على اعتقاد قاطع فى الحالة الثانية تساوى اعتقاده السابق فإنه كان قاطعا بمثل قطعة الآن! فليت شعرى من أين يأمن الانخداع وأنه سيتنبه لأمر يتبين به أن ما يعتقده الآن باطل، وما من ناظر إلا ويعتقد مثله مرارا، ثم لا يزال يعتز آخرا بمعتقده الذي يماثل سائر معتقداته التى تركها وعرف بطلانها بعد التصميم عليها والقطع بها.

(الدلالة الخامسة) وهى شرعية، قولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ستفترق أمتى نيفا وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، فقيل: ومن هم؟ فقال؟ أهل السنة والجماعة.

فقيل: وما السنة والجماعة؟ قال: ما أنا الآن عليه وأصحابى» «1». قالوا: وما كانوا إلا على الاتباع والتعليم فى كل ما شجر بينهم، وتحكيم الرسول- عليه السلام- فيه لا على اتباع رأيهم وعقولهم. فدل أن الحق فى الاتباع، لا فى نظر العقول.

وهذا تحرير أدلتهم على أقوى وجه فى الإيراد. وربما يعجز معظمهم عن الإتقان فى تحقيقه إلى هذا الحد.

فنقول وبالله التوفيق: الكلام عليه منهجان: جملى، وتفصيلى.

المنهج الأول وهو الجملى

أنا نقول: هذه العقيدة التى استنتجتموها من ترتيب هذه المقدمات، ونظمها بطريق النظر والتأمل، فإن ادعيتم معرفتها ضرورة كنتم معاندين، ولم يعجز خصومكم عن دعوى الضرورة فى معرفتهم بطلان مذهبكم. وإن ادعوا ذلك كانوا أقوم قيلا عند المنصف، وإن ادعيتم إدراكها بالنظر فى ترتيب هذه المقدمات ونظمها على شكل المقاييس المنتجة فقد اعترفتم بصحة النظر العقلى ويدعى بطلانه، فهذا الكلام مفحم له، وكاشف عن خزايته. أو يقال له: عرفت بطلان النظر ضرورة أو نظرا؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، فإن الضرورى ما يشترك فى معرفته ذوو العقول السليمة، كقولنا: الكل أعظم من الجزء، والاثنان أكبر من الواحد، والشي ء الواحد لا يكون قديما محدثا، والشي ء الواحد لا يكون فى مكانين.

وإن زعم أنه أدرك بطلان النظر بالنظر فقد تناقض كلامه، وهذا لا مخرج منه أبد الدهر، وهو وارد على كل باطنى يدعى معرفة شي ء يختص به، فإنه إما أن يدعى الضرورة أو النظر أو السماع من معصوم صادق يدعى معرفة صدقه وعصمته أيضا إما ضرورة أو نظرا، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وفى دعوى النظر إبطال عين المذهب، فلتتعجب من هذا التناقض البين وغفلة هؤلاء المغرورين عنه.

فإن قال قائل من منكرى النظر: هذا ينقلب عليكم، إذ يقال لكم: وبم عرفتم صحة النظر؟ إن ادعيتم الضرورة اقتحمتم ما استبعدتموه، وتورطتم فى عين ما أنكرتموه، وإن زعمتم: أنا أدركناه نظرا، فالنظر الذي به الإدراك بم عرفتم صحته، والخلاف قائم فيه؟ فإن ادعيتم معرفة ذلك بنظر ثالث لزم ذلك فى الرابع والخامس إلى غير نهاية.- قلنا: نعم كان هذا الكلام ينقلب إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية، وليس الأمر كذلك، فلتتأمل دقيقة الفرق، فإنا نقول: عرفنا كون النظر العقلى دليلا إلى العلم بالمنظور فيه بسلوك طريق النظر والوصول إليه. فمن سلكه وصل، ومن وصل عرف أن ما سلكه هو الطريق، ومن استراب قبل السلوك فيقال: طريق رفع هذه الاسترابة السلوك.

ومثاله ما إذا سئلنا عن طريق الكعبة فدللنا على طريق معين، فقيل لنا: من أين عرفتم كونه طريقا؟ قلنا: عرفناه بالسلوك، بأنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة، فعرفنا كونه طريقا. ومثاله الثانى: أنا إذا قيل لنا: بم عرفتم أن النظر فى الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة وغيرها طريق إلى معرفة ما لا يعرف اضطرارا؟ - قلنا: سلوك طريق الحساب، إذ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور فيه، فعلمنا أن نظر العقل دليل فى الحساب، وكذلك فى العقليات: سلكنا الطريق النظرية فوصلنا إلى العلم بالمعقولات، فعرفنا أن النظر طريق، فهذا لا تناقض فيه. فإن قيل: وبم عرفتم أن ما وصلتم إليه علم متعلق بالمعلوم على ما هو به، بل هو جهل ظننتموه علما؟ قلنا: ولو أنكر العلوم الحسابية منكر فما ذا يقال له؟ أو ليس يسفه فى عقله ويقال له: هذا يدل على قلة بصيرتك بالحسابيات. فإن الناظر فى الهندسة إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب يحصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه، فهكذا جوابنا فى المعقولات، فإن المقدمات النظرية، إذا رتبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضروريا كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له. وإن أردنا أن نكشف ذلك لمن قلت بضاعته فى العلوم فنضرب له مثالا هندسيا، ثم نضرب له مثالا عقليا لينكشف له الغطاء وينجلى عن عقيدته الخفاء.

أما المثال الهندسى فهو أن أقليدس «1» رسم فى مصنفه فى الشكل الأول من المقالة الأولى مثلثا، وادعى أنه متساوى الأضلاع؛ ولا يعرف ذلك ببديهة العقل، ولكنه ادعى أنه يعرف بالبرهان نظرا، وبرهانه بمقدمات:

(الأولى) أن الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى المحيط متساوية من كل جانب، وهذه المقدمة ضرورية، إذ الدائرة ترسم بالبركار «2» على فتح واحد، وإنما الخط المستقيم من المركز إلى الدائرة هو فتح البركار، وهو واحد فى الجوانب.

(المقدمة الثانية) إذا تساوت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما إلى محيطهما فالخطوط أيضا متساوية،- ضرورية.

(المقدمة الثالثة) أن المساوى للمساوى مساو، وهذه أيضا ضرورية. ثم الآن نشتغل بالمثلث ونشير إلى خطين منه ونقول: إنهما متساويان لأنها خطان مستقيمان خرجا من مركز دائرة إلى محيطها، والخط الثالث مثل لأحدهما لأنه خرج أيضا من مركز الدائرة إلى محيطها مع ذلك الخط. وإذا ساوى أحد الخطين فقد ساوى الآخر، فإن المساوى للمساوى مساو.- فبعد هذا النظر نعلم قطعا تساوى أضلاع المثلث المفروض كما عرف سائر المقدمات مثل قولنا: الخطوط المستقيمة من مركز الدائرة إلى المحيط مماثلة، وغيرها من المقدمات.

المثال العقلى الإلهي: وهو أنا إذا أردنا أن ندل على واجب الوجود القائم بنفسه، المستغنى عن غيره الذي منه يستفيد كل موجود وجوده، لم ندرك ثبوت موجود واجب الوجود مستغنيا عن غيره بالضرورة، بل بالنظر.

ومعنى النظر هو أنا نقول: لا شك فى أصل الوجود وأنه ثابت فإن من قال لا موجود أصلا فى العالم فقد باهت «1» الضرورة والحس. فقولنا: لا شك فى أصل الوجود، مقدمة ضرورية، ثم نقول: والوجود المعترف به من الكل إما واجب، وإما جائز، فهذه المقدمة أيضا ضرورية، فإنها حاصرة بين النفى والإثبات، مثل قولنا: الموجود إما أن يكون قديما أو حادثا، فيكون صدقه ضروريا، وهكذا كل تقسيم دائر بين النفى والإثبات، ومعناه أن الموجودات إما أن تكون استغنت، أو لم تستغن، والاستغناء عن السبب هو المراد بالوجوب، وعدم الاستغناء هو المراد بالجواز، فهذه مقدمة ثالثة.

ثم نقول: إن كان هذا الموجود المعترف به واجبا، فقد ثبت واجب الوجود؛ وإن كان جائزا مفتقر إلى واجب الوجود، ومعنى جوازه أنه أمكن عدمه ووجوده على حد واحد. وما هذا وصفه لا يتميز وجوده عن عدمه إلا بمخصص، وهذا أيضا ضرورى، فقد ثبت بهذه المقدمات الضرورية واجب الوجود، وصار العلم بعد حصوله ضروريا لا يتمارى فيه.

فإن قيل: فيه موضع شك، إذ يقول المعترف به جائز ويقول: قولكم إنه يفتقر إلى واجب كل جائز وجوده، غير مسلم، بل يفترق إلى سبب، ثم ذلك السبب يجوز أن يكون جائز الوجود؟ قلنا: فى تلك المقدمات، ما اشتمل على رفع هذا بالقوة؛ فإن كل ما ثبت له الجواز فافتقاره إلى سبب ضرورى. فإن قدر السبب جائزا دخل فى الجملة التى سميناها كلا. ونحن نعلم بالضرورة أن كل الجائزات تفتقر إلى سبب، فإن فرضت السبب جائزا فافرضه داخلا فى الجملة واطلب سببه، إذ يستحيل أن يسند ذلك جائز آخر، وهكذا إلى غير نهاية، فإنه يكون عند ذلك جميع الأسباب والمسببات جملة جائزة، ووصف الجواز يصدق على آحادها وعلى مجموعها، فيفتقر المجموع إلى سبب خارج عن وصف الجواز المخرج، وفيه ضرورة إثبات واجب الوجود، ثم بعد ذلك نتكلم فى صفته ونبين أنه لا يجوز أن يكون واجب الوجود جسما ولا منطبعا فى جسم ولا متغيرا ولا متحيزا- إلى سائر ما يتبع ذلك ويثبت كل واحد منها بمقدمات لا شك فيها، وتكون النتيجة بعد حصولها من المقدمات فى الظهور على ذوق المقدمات.

فإن قيل: العلوم الحسابية معترف بها لأنها ضرورية، ولذلك لم يختلف فيها؛ وأما النظريات العقلية فإن كانت مقدماتها كذلك فلم وقع الاختلاف فيها فوقوع الاختلاف فيها يقطع الأمان؟ - قلنا: هذا باطل من وجهين: (أحدهما) أن العلوم الحسابية اختلف فيها تفصيلا وجملة من وجهين: أحدهما أن الأوائل قد اختلفوا فى كثير من هيئات الفلك ومعرفة مقاديرها، وهى مثبتة على مقدمات حسابية، ولكن متى كثرت المقدمات وتسلسلت ضعف الذهن عن حفظها. فربما تزل واحدة عن الذهن فيغلط فى النتيجة، وإمكان ذلك لا يشككنا فى الطريق، نعم! الخلاف فيها أندر، لأنها أظهر، وفى العقليات أكثر، لأنها أخفى وأستر. ومن النظريات ما ظهر فاتفقوا عليه، وهو أن القديم لا يعدم- فهذه مسألة نظرية ولم يخالف فيها أحد البتة، فلا فرق بين الحسابية والعقلية.

الثانى: أن من حصر مدارك العلوم فى الحواس وأنكر العلوم النظرية جملة، الحسابية وغير الحسابية، فخلاف هؤلاء: هل يشككنا فى علمنا بأن العلوم الحسابية صادقة حقيقة؟ فإن قلتم «نعم!» اتضح ميلكم عن الإنصاف وإن قلتم «لا!» فلم وقع الخلاف فيه؟ فإن قلتم: خلافه لم يشككنا فى المقدمات فلم يشككنا فى النتيجة؟ فكذلك خلاف من خالفنا فى تفصيل ما عرفناه من الدلالة على ثبوت واجب الوجود لم يشككنا فى مقدمات الدليل فلم يشككنا فى النتيجة؟

والوجه الآخر من الجواب هو أن السوفسطائية «1» أنكروا الضروريات وخالفوا فيها وزعموا أنها خيالات لا أصل لها، واستدلوا عليه بأن أظهرها المحسوسات، ولا ثقة بقطع الإنسان بحسه، ومهما شاهد إنسانا وكلمه فقوله أقطع بحضوره وكلامه، فهو خطأ، فلعله يراه فى المنام! فكم من منام يراه الإنسان ويقطع به ولا يتمارى مع نفسه فى تحقيقه، ثم ينتبه على الفور فيبين أنه لا وجود له، حتى يرى فى المنام يد نفسه مقطوعة ورأسه مفصولا، ويقطع به ولا وجود لما يقطع به. ثم خلاف هؤلاء لا يشككنا فى الضروريات، وكذلك النظريات فإنها بعد حصولها من المقدمات تبقى ضرورية لا يتمارى فيها كما فى الحسابيات.

وهذا كله كلام على من ينكر النظر جملة، أما التعليمية فلا يقدرون على إطلاق القول بإبطال النظر جملة، فإنهم يسوقون الأدلة والبراهين على إثبات التعليم، ويرتبون المقدمات كما حكيناه. فكيف ينكرون ذلك؟! فمن هنا قالوا: نظر العقل باطل، فيقال: وبم عرفتم بطلانه وثبوت التعليم؟ أبنظر أم ضرورة؟ ولا بد أن يقال: بنظر: ومهما استدل بالخلاف فى النظريات على فساد النظريات فقابله بالخلاف من السوفسطائية فى الضروريات، ولا فرق بين المقامين، فإذا قالوا: وبم أمنت الخطأ؟ وكم من مرة اعتدت الشي ء نظرا ثم بان خلافه؟! فيقال له: وبم عرفت حضورك بهذا البلد الذي أنت فيه، وكم من مرة اعتقدت نفسك ورأيتها ببلد آخر لم تكن فيه، فبم تميز بين النوم واليقظة؟ وبم تأمن على نفسك فلعلك الآن فى هذا الكلام نائم؟! فإن زعم: أنى أدرك التفرقة ضرورة؛ فيقال: وأنا أدركت التفرقة بين ما يجوز الغلط فيه من المقدمات، وما لا يجوز أيضا ضرورة ولا فرق. وكذلك كم يغلط الإنسان فى الحساب ثم يتنبه! وإذا تنبه أدرك التفرقة ضرورة بين حالة الإصابة والخطأ.

فإن قال قائل من الباطنية: نحن ننكر النظر جملة، وما ذكرتم ليس من النظريات فى شي ء، بل هى مقدمات ضرورية قطعية رتبناها، قلنا: فأنتم الآن لم تفهموا معنى النظر الذي نقول به: فلسنا نقول إلا بمثل ما نظمتموه من المقدمات الضرورية الحقيقية كما سنبينها، فكل قياس لم يكن بنظم مقدمات ضرورية، أو بنظم مقدمات مستنتجة من ضرورية فلا حجة فيه، فهذا هو القياس المعقول، وإنما ينتظم أبدا من مقدمتين: إما مطلقة، وإما تقسيمية، وقد تسمى حملية وشرطية، أما المطلقة فكقولنا: العالم حادث، وكل حادث فله سبب. فهاتان مقدمتان: الأولى حسية، والثانية ضرورية عقلية، ونتيجته: أن لحوادث العالم إذا سببا. وأما التقسيمية فهو أنا نقول: إذا ثبت أن لحوادث العالم سببا فالسبب المفروض إما حادث وإما قديم.

فإن بطل كونه حادثا ثبت كونه قديما، ثم نبطل كونه حادثا بمثل هذه المقاييس فيثبت بالآخرة أن لوجود العالم سببا قديما؛ فهذا هو النظر المقول به، فإن كنتم متشككين فى صحته فبم تنكرون من يمتنع من قبول مقدماتكم التى نظمتموها ويقول: أنا متشكك فى صحتها؟ فإن نسبتموه إلى إنكار الضرورة نسبناكم إلى مثله فيما ادعينا معرفته بالنظر؛ ولا فرق.

هذا هو المنهج الجملى فى الرد عليهم، إذا أبطلوا نظر العقول، وهو الجزم الواجب فى إفحامهم، فلا ينبغى أن نخوض معهم فى التفصيل، بل نقتصر على أن نقول لهم: كل ما ذا عرفتموه من مذهبكم: من صدق الإمام وعصمته وبطلان الرأى ووجوب التعليم- بما عرفتموه؟ ودعوى الضرورة غير ممكنة فيبقى النظر والسماع.

وصدق السمع أيضا لا يعرف ضرورة فيبقى النظر وهذا لا مخرج عنه.

فإن قال قائل: لا يظن بعاقل يدعى مذهبا ليس ضروريا ثم ينكر النظر، فلعلهم يعترفون بالنظر، إلا أنهم يقولون: تعلم طريق النظر واجب، فإن الإنسان لا يستقل بنفسه فى النظريات، فإن أنكرتم ذلك فقد أنكرتم العقول بديهة، إذ لم يترشح المدرسون والمعلمون إلا للتعليم، فلم تصدوا مع الاستغناء عنهم؟ وإن اعترفتم بذلك فقد اعترفتم بوجوب المعلم، وأن العقول ليس فى مجردها غنية فبقى أنكم جوزتم التعلم من كل أحد، وهم أوجبوا التعلم من معصوم، لأن مذاهب المعلمين مختلفة ومتعارضة ولا ترجيح للبعض على البعض.

قلنا: وهذا السؤال أيضا فاسد، فإنا لا ننكر الحاجة إلى التعلم، بل العلوم منقسمة إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يمكن تحصيله إلا بالسماع والتعلم كالإخبار عما مضى من الوقائع ومعجزات الأنبياء وما يقع فى القيامة وأحوال الجنة والنار. فهذا لا يعرف إلا بالسماع من النبي المعصوم، أو بالخبر المتواتر عنه، فإن سمع بقول الآحاد حصل به علم ظنى لا يقينى.

هذا قسم، والقسم الآخر من العلوم النظرية العقلية فليس فى الفطرة ما يرشد إلى الأدلة فيه، بل لا بد فيه من التعلم لا ليقلد المعلم فيه، بل لينبهه المعلم على طريقه، ثم يرجع العاقل فيه إلى نفسه فيدركه بنظره. وعند هذا فليكن المعلم من كان ولو أفسق الخلق وأكذبهم، فإنا لسنا نقلده بل نتنبه بتنبيهه فلا نحتاج فيه إلى معصوم، وهى كالعلوم الحسابية والهندسية لا تعلم بالفطرة وتحتاج إلى المعلم، ونستغنى عن معلم معصوم بل يتعلم طريق البرهان ويساوى المتعلم المعلم بعد النظر فى العقليات عندنا فالحسابيات عندهم، وكم من شخص يغلط فى الحسابيات، ثم يتنبه بالآخرة بعد زمان؛ وذلك لا يشكك فى الأدلة والبراهين الحسابية ولا يحتمل الافتقار فيها إلى معلم معصوم.

القسم الثالث: العلوم الشرعية الفقهية، وهو معرفة الحلال والحرام والواجب والندب، وأصل هذا العلم السماع من صاحب الشرع، والسماع منه يورث العلم، إلا أن هذا لا يمكن تحصيل العلم القطعى فيه على الإطلاق فى حق كل شخص وفى كل واقعة، بل لا بد من الاكتفاء بالظن فيه ضرورة فى طريقين: أحدهما فى المستمعين، فإن الخلق فى عصر النبي صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى من شاهد فسمع وتحقق وعرف، وإلى من غاب فسمع من المبلغين وآحاد الأمراء والولاة فاستفادوا ظنا من قولة الآحاد، ولكن وجب عليهم العمل بالظن للضرورة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم عجز عن إسماع كل واحد بنفسه من غير واسطة، ولم يشترط أن تتواتر عنه كل كلمة فى كل واقعة لتعذره، والعلم يحصل بأحد هذين المسلكين، وهو متعذر قطعا.

(والطرف الثانى) فى نفس الصورة الفقهية والحوادث الواقعة، إذن ما من واقعة إلا وفيها تكليف، والوقائع لا حصر لها، بل هى فى الإمكان غير متناهية. والنصوص لا تفرض إلا محصورة متناهية، ولا يحيط قط ما يتناهى بما لا يتناهى. وغاية صاحب الشرع مثلا أن ينص على حكم كل صورة اشتمل عليها تصنيف المصنفين فى الفقه إلى عصرنا هذا. ولو فعل ذلك واستوفاه كانت الوقائع الممكنة الخارجة عن التصانيف أكثر من المسطورات فيها، بل لا نسبة لها إليها؛ فإن المسطورات محصورة، والممكنات لا حصر لها. فكيف يستوفى ما لا يتناهى بالنص! فبالضرورة لا بد من تحكيم الظن فى التعلق بصيغ العمومات، وإن كان يحتمل أنها أطلقت لإرادة الخصوص، إذ عليها أكثر العمومات. ولذلك لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا «1» إلى اليمن وقال له: بم تحكم؟ فقال: بكتاب الله.

قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى.

فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه رسوله؛ فإنما رخص له فى اجتهاد الرأى لضرورة العجز عن استيعاب النصوص للوقائع.

هذا بيان هذا القسم، ولا حاجة فيه إلى إمام معصوم، بل لا يغنى الإمام المعصوم شيئا، فإنه لا يزيد على صاحب الشرع؛ وهو لم يغن فى كلا الطرفين، فلا قدرة على استيعاب الصور بالنصوص، ولا قدرة على مشافهة جميع الخلق ولا على تكليفهم اشتراط التواتر فى كل ما ينقل عنه عليه السلام. فليت شعرى!

معلمهم المعصوم ما ذا يغنى فى هذين الطرفين؟! أيعرف كافة الخلق نصوص أقاويله، وهم فى أقصى الشرق والغرب، بقول آحاد هؤلاء الدعاة ولا عصمة لهم حتى يوثق بهم، أو يشترط التواتر عنه فى كل كلمة وهو فى نفسه محتجب لا يلقاه إلا الآحاد والشواذ؟ - هذا لو سلم أنه مطلع على الحق بالوحى فى كل واقعة كما كان صاحب الشرع. فكيف، والحال كما نعرفه ويعرفه خواص أشياعه المحدقين به فى بلده وولايته!

فقد انكشف بهذا الكلام أنهم يلبسون ويقولون: إن قلتم لا حاجة إلى التعليم فقد أنكرتم العادات؛ وإن اعترفتم فقد وافقتمونا على إثبات التعليم. فيأخذون التعليم لفظا مجملا مسلما ثم يفصلونه بأن فيه اعترافا بوجوب التعلم من المعصوم، فقد فهمت أى علم يستغنى فيه عن المعلم، وأي علم يحتاج فيه إليه.

وإذا احتيج فما الذي يستفاد من المعلم طريقه ولا يقلد فى نفسه فيستغنى عن عصمته؟ وما الذي يقلد فى نفسه فيحتاج فيه إلى عصمته؟ وأن ذلك المعصوم هو النبي صلى الله عليه وسلم وأن ما يؤخذ منه كيف ينقسم إلى ما يعلم تحقيقا، وإلى ما يظن؛ وأن كافة الخلق كيف يضطرون إلى القناعة بالظن فى صدق مبلغ الخبر عن صاحب الشرع وفى إلحاق غير المنصوص إلى النصوص. وإذا أيقنت هذه القاعدة استوليت على كشف تلبيساتهم كلها، فإن عادتهم أبدا إطلاق مقدمات مهملة بنوا عليها النتيجة الفاسدة، كقولهم: إنكم إذا اعترفتم بالحاجة إلى التعليم فقد اعترفتم بمذهبنا؛ فنقول اعترافنا بالتعلم فى النظريات كاعترافكم به فى الحسابيات.

هذا منهج الكلام الجملى عليهم.

المنهج الثانى فى الرد عليهم تفصيلا

وسبيلنا أن نتكلم على كل مقدمة من مقدماتهم الثمانى التى نظمناها فنقول:

(المقدمة الأولى) وهى قولكم إن كل شي ء يتكلم فيه بنفى وإثبات ففيه حق وباطل، والحق واحد، والباطل ما يقابله. فهذه مقدمة صادقة لا نعتقد نزاعا فيها، ولكن لا يصح منكم استعمالها، فإنا نقول: من الناس من أنكر حقائق الأشياء، وزعم أنه لا حق ولا باطل، وأن الأشياء تابعة للاعتقادات، فما يعتقد فيه الوجود فهو موجود فى حق ذلك المعتقد، وما يعتقد فيه العدم فهو معدوم فى حق المعتقد، وهذه مقالة فرقة من فرق السوفسطائية، وربما يقولون: الأشياء لا حقيقة لها، فنقول: هل هذه المقدمة مقدمة يقطعون بها، وأنتم ترونها فى المنام ولا حقيقة لها، فبما ذا أمنتم الغلط فيها؟ وكم رأيتم أنفسكم فى المنام قاطعين بأمر لا حقيقة له! وما الذي آمنكم من إصابة خصومكم وخطئكم؟ ولا نزال نورد عليهم ما يوردونه على أهل النظر للتشكيك فيه فلا يجدون فصلا، فإن زعموا أنا نعرف ضرورة خطأ من يخالفنا من السوفسطائية ونعلم ضرورة صدق هذه المقدمة، قيل لهم: فبم تنكرون على أهل النظر إذا ادعوا ذلك فى مذهبهم وفى تفريقهم بين ما غالطوا فيه وبين ما لم يغالطوا فيه، وفرقهم بين أنفسهم ومخالفيهم؟ فإن زعموا أن ذلك يفتقر فيه إلى تأمل، وما نحن فيه بديهى- فنقول: والحسابيات يحتاج فيها إلى أدق تأمل، فإن غلط فى مسألة عرفتموها من الحساب رجل قصر نظره أو ضعف ذكاؤه، فهل يشكككم ذلك فى أن العلوم الحسابية صادقة؟ فإن قلتم: لا! قيل: فهكذا حال النظار المحققين إذا خالفهم المخالفون، وهذا ينبغى أن يكون عليهم فى كل مقام، لأن تبجحهم الأكثر باختلاف النظار، وأن ذلك ينبغى أن يسقط الأمان، وخلافنا لهم لم يسقط أمانهم عن مقدماتهم التى نظموها ثم طمعوا مع ذلك أن يسقط أماننا عن النظريات بخلاف المخالف فيها، وهذا من الطمع البارد والظن الركيك الذي لا ينخدع بمثله عاقل.

أما «المقدمة الثانية» وهى قولهم: إذا ثبت فى كل واقعة حق وباطل فلا بد من معرفة الحق فيه.

فهذه مقدمة كاذبة، إذ تسلموها جملة وفيها تفصيل. وهذه عادتهم فى التلبيس، فلا يغفلن عنها المحصل، فنقول: قول القائل: الحق لا بد من معرفته كقول القائل: المسألة لا بد من معرفتها، أو المسائل لا بد من معرفتها. فيقال هذا خطأ، بل المسألة اسم جنس يتناول ما لا بد من معرفته، وما عن معرفته بد، فلا بد من تفصيل. وكذلك الحق، بنا غنية عن معرفته فى أكثر الأمور فإن جملة التواريخ والأخبار التى كانت وستكون إلى منقرض العالم أو هى كائنة واقعة اليوم فى العالم يتكلم فيها بنص وإثبات، والحق واحد، ولا حاجة بنا إلى معرفته، وهذا كقول القائل: ملك الروم الآن قائم، أم لا؟ والحق أحدهما لا محالة. وما تحت قدمى من الأرض بعد مجاوزة خمسة أذرع حجر أو تراب؟ وفيه دود، أم لا؟ والحق أحدهما لا محالة. ومقدار كرة الشمس أو زحل ومسافتهما مائة فرسخ، أم لا؟

والحق أحدهما. وهكذا مساحات الجبال والبلاد وعدد الحيوانات فى البر والبحر وعدد الرمل، فهذه كلها فيها حق وباطل. ولا حاجة إلى معرفتها، بل العلوم المشهورة من النحو والشعر والطب والفلسفة والكلام وغيرها فمنها حق وباطل، ولا حاجة بنا إلى أكثر ما قيل فيها، بل الذي نسلم أنه لا بد من معرفته مسألتان: وجود الصانع تعالى، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا لا بد منه ثم إذا أثبت صدق الرسول فالباقى يتعلق به تقليدا أو علما بخبر المتواتر، أو ظنا بخبر الواحد، وذلك من العلوم كاف فى الدنيا والآخرة، وما عداه مستغنى عنه.

أما وجود الصانع وصدق الرسول فطريق معرفته النظر فى الخلق حتى يستدل به على الخالق، وفى المعجزة حتى يستدل بها على صدق الرسول، وهذان لا حاجة فيهما إلى معلم معصوم، فإن الناس فيه قسمان: قسم اعتقدوا ذلك تقليدا وسماعا من أبويهم، وصمموا عليه العقد قاطعين به وناطقين بقولهم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بحث عن الطرق البرهانية وهؤلاء هم المسلمون حقا، وذلك الاعتقاد يكفيهم، وليس عليهم طلب طرق البراهين، وعرفنا ذلك قطعا من صاحب الشرع، فإنه كان يقصده أجلاف العرب وأغمار أهل السواد «1»، وبالجملة طائفة لو قطعوا آرابا «1» لم يدركوا شيئا من البراهين العقلية، بل لا يبين تمييزهم عن البهائم إلا بالنطق، وكان يعرض عليهم كلمة الشهادتين، ثم يحكم لهم بالإيمان ويقنع منهم به، وأمرهم بالعبادات، فعلم قطعا أن الاعتقاد المصمم كاف وإن لم يكن عن برهان، بل كان عن تقليد، وربما كان يتقدم إليه الأعرابى فيحلفه أنه رسول الله وأنه صادق فيما يقول، فيحلف له ويصدقه، فيحكم بإسلامه. فهؤلاء، أعنى المقلدين، يستغنون عن الإمام المعصوم.

(القسم الثانى) من اضطرب عليه تقليده إما بتفكر وإما بتشكيك غيره إياه أو بتأمله بأن الخطأ جائز على آرائه، فهذا لا ينجيه إلا البرهان القاطع الدال على وجود الصانع، وهو النظر فى الصنع، وعلى صدق الرسول وهو النظر فى المعجزة، وليت شعرى ما ذا يغنى عنهم إمامهم المعصوم! أيقول له: اعتقد أن للعالم صانعا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق تقليدا لى من غير دليل فإنى الإمام المعصوم؛ أو يذكر له الدليل فينبهه على وجه دلالته؟ فإن كان سومه «2» التقليد فمن أى وجه يصدقه، بل من أين يعرف عصمته وهو ليس يعرف عصمة صاحبه الذي يزعم أنه خليفته بعد درجات كبيرة؟! وإن ذكر الدليل افتقر المسترشد إلى أن ينظر فى الدليل ويتأمل فى ترتيبه ووجه دلالته، أم لا. فإن لم يتأمل فكيف يدرك دون النظر والتأمل، وهذه العلوم ليست ضرورية؟ وإن تأمل وأدرك نتاج المقدمات الضرورية المنتجة المطلوبة بتأمله وخرج به عن حد التقليد له فما الفرق بين أن يكون المنبه له على وجه الدلالة ونظم المقدمات هو هذا المشار إليه المعصوم، أو داعية أو عالم آخر من علماء الزمان، فإن كل واحد ليس يدعوه إلى تقليده، وإنما يقوده إلى مقتضى الدليل، ولا يدرك مقتضى الدليل إلا بالتأمل. فإذا تأمل وأدرك لم يكن مقلدا لمعلمه، بل كان كمتعلم للأدلة الحسابية. ولا فرق فى ذلك بين أفسق الخلق وبين أورعهم، كمعلم الحساب فلا يحتاج فيه إلى الورع فضلا عن العصمة لأنه ليس مقلدا، وإنما الدليل هو المتبع، فإذا لا يعدو الخلق هذين القسمين: فالأول مستغن عن المعصوم، والثانى لا يغنى عنه المعصوم شيئا. فقد بطلت مقدمتان:

إحداهما أن كل حق فلا بد من معرفته، والأخرى أنه لا يعرف الحق إلا من معصوم.

فإن قيل: لا تكفى معرفة الله تعالى ورسوله، بل لا بد من معرفة صفات الله ومعرفته الأحكام الشرعية- قلنا: أما صفات الله تعالى فقسمان: قسم لا يمكن معرفة صدق الرسول وبعثته إلا بعد معرفته، ككونه عالما وقادرا على الإرسال؛ فهذا يعرف عندنا بالأدلة العقلية كما ذكرناه؛ والمعصوم لا يغنى، لأن المعتقد له تقليدا أو سماعا من أبويه مستغن عن المعلم كما سبق، والمتردد فيه ما ذا يغنى عنه المعصوم! أفيقول له: قلدنى فى أنه تعالى قادر عالم، فيقول له: كيف أقلدك ولم تسمح نفسى بتقليد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو صاحب المعجزة؟! وإن ذكر له وجه الدليل أعاد القول فيه إلى ما مضى فى أصل وجود الصانع وصدق الرسول من غير فرق.

وأما الأحكام الشرعية فلا بد لكل واحد من معرفة ما يحتاج إليه فى واجباته، وهى قسمان:

← Önceki 26 / 46 Sonraki →

Anlam Arayışı